المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(حكم تكفير المعين بين الإفراط والتفريط) - فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

[مدحت آل فراج]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة الإمام الفذالإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌ فتح المسلمون حريملا عنوة

- ‌(حكم تكفير المعين بين الإفراط والتفريط)

- ‌(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم):

- ‌الإسلام يجمع معنيين:

- ‌(العلماء لا يذكرون التعريف عند تكفير المشرك

- ‌(الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة)

- ‌ الشرك الأصغر

- ‌التوحيد الذي جاءت به الرسل

- ‌ النواقض العشرة

- ‌(الكفر يستخدم بعدة اعتبارات)

- ‌اسم المشرك ثبت قبل الرسالة

- ‌ المختار بن أبي عبيد الثقفي

- ‌ الجعد بن درهم

- ‌ هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين

- ‌ تغير الزمان حتى تعبد الأوثان

- ‌باب في وجوب عداوة أعداء اللهمن الكفار والمرتدين والمنافقين

- ‌«موالاة المسلمين لا تصلح إلا بالبراءة من المشركين»

- ‌«موالاة المسلمين، والبراءة من المشركين أصل من أصول الإسلام بالإجماع»

- ‌«موالاة المشركين ردة عن الدين، ومروق من ملة المسلمين»

- ‌(موالاة المشركين من أجل الدنيا كفر مخرج من الملة)

- ‌«حكم الإكراه على موالاة المشركين وحدوده»

- ‌«تحذير السلف من موادة أهل البدع والمعاصي»

- ‌ فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة

- ‌الكتاب في سطور

- ‌فهرس أهم المراجع والمصادر

الفصل: ‌(حكم تكفير المعين بين الإفراط والتفريط)

وهكذا كانت القصة تتكرر مع كل نبي أرسله الله إلى قومه.

* ألم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل مرتدين في حياته؟

وهذا أفضل من طلعت عليه الشمس من البشر - بعد النبيين - أبو بكر الصديق رضي الله عنه ألم يقاتل المرتدين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقاتل معه الصحابة كلهم، فكان هذا من أبلغ طرق وقوع الإجماع في تاريخ الأمة.

ألم يقاتل والصحابة من ورائه المرتدين، الذين آمنوا بنبوة مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي؟

ألم يقاتل المرتدين عن شرائع الإسلام لظنهم الخبيث أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس بنبي لأنه مات؟ وقالوا كذبًا: لو كان نبيًا ما مات!!!

ألم يقاتل المرتدين عن الانقياد لحكم الله في الزكاة فقط، دون غيرها من أحكام الله؟ ولم يفرق رضي الله عنه في قتاله بين الطوائف الثلاث.

* ألم يعقد العلماء منذ أن صنفوا في علم الحديث والفقه والعقيدة بابًا للردة وأحكامها

(حكم تكفير المعين بين الإفراط والتفريط)

نعود للحديث عن مسألة حكم تكفير المعين فنقول:

لا شك أن هذه المسألة الخطيرة قد تنازع وتخاصم في الكلام حولها ثلاث طوائف من الناس.

ص: 109

الطائفة الأولى: غلت وأفرطت في أحكام التكفير، فكفرت من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأخرجت كثيرًا من المسلمين من دينهم بغير حق، تارة عن طريق سلوك منهج الخوارج المحض في تكفير فاعل الكبيرة.

وتارة عن طريق التأويل الفاسد لفهم نقول عن بعض العلماء في تكفير من لم يكفر الكافر، فقالوا: بالتسلسل في هذه المسألة دون مراعاة لتحقيق المناط المنضبط، ودون اعتبار لحال الناس الذين كٌفِّروا بسبب عدم تكفيرهم للمشركين من قبل هؤلاء العلماء، ودون تثبت في هل توفر هذا الحال، ووجدت تلك العلل التي كفر بها العلماء، من شك في كفر الكافر في كل من كفروه هم بسبب عدم تكفيرهم للمشركين أم لا؟!!

وبعضهم نص: على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد أدخل تكفير المشركين في تعريفه لأصل الدين ولحد الإسلام، ومن ثَمَّ فكل من لم يكفر المشركين فهو كافر مثلهم لأنه لم يأت بحد الإسلام، ولم يحقق أصل الدين.

فنقول: صدقتم في أن الشيخ محمد رحمه الله قد نصَّ في بعض المواضع على هذا، ولكن لابد في هذا المقام من التفريق بين مدلول أصل الدين الذي تطابقت عليه النصوص من الكتاب والسنة، والذي أخذ عليه الميثاق، وفطر عليه العباد، والمتمثل في إفراد الله بالعبادة مع الكفر والبراءة من كل معبود سواه، وبين مدلول ومعنى الأصل الذي يخاطب به «عالم ما» قومه ليخرجوا به من الكفر الذي هم متلبسون به.

ص: 110

فهذا قد يختلف من قوم إلى قوم، ومن مكان إلى مكان، والضابط فيه هو مخاطبتهم بالقدر من تحقيق التوحيد، الذي يبرأون به من الكفر الذي هم واقعون فيه، ولكن هذا القدر لا يكون مطالبًا به كل الطوائف من المشركين إلَاّ من وقع منهم في مثل ما وقع فيه المشركون من قوم هذا «العالم» تمامًا.

وهذا يستلزم الاجتهاد من قبل الراسخين في العلم لتحديد المناط الذي من أجله خاطب هذا «العالم» قومه بوجوب تكفير المشركين حتى يصح لهم أصل دينهم.

فقد يكون قد قام بقومه من قواطع أعلام الكفر، من عبادة غير الله، وإنكار البعث، والاستهزاء بالشرائع، مع قيام الحجة عليهم بقدر لا يبقي عذرًا لواحد من العوام، فضلا عن الخواص في عدم تكفيرهم.

فقد تحدث الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - عن طوائف من قومه أنهم قد أقروا بأن ما يدعوهم إليه دين الله، وأن ما هم عليه هو الشرك الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه، ثم بعد ذلك لا يرفع أحدهم رأسًا ولا يعبأ بتغيير ما هو عليه من الشرك والكفر بدين الرسول صلى الله عليه وسلم.

فهذا مثلاً من المناطات التي يجب على كل موحد تكفير من كان واقعًا في مثله، وإلا وقع هو في الردة عن أصل الملة.

ولكن هذا لا يعطينا الحق في مطالبة كل مسلم بتكفير كل من أشرك بالله من هذه الأمة، وإلا اعتبرناه كافرًا مثلهم.

ص: 111

ولكن لنا الحق، وكل الحق في تكفير كل من أشرك بالله فعبد معه إلهًا غيره، ممن ينتسب ظلمًا وزورًا لدين الإسلام، إلا أن يكون مكرهًا وقلبه مطمئنًا بالإيمان.

لأن المرء، لا يكون مسلمًا إلا بإفراد الله بالعبادة قولاً وعملاً واعتقادًا.

فالإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولا يمكن أن يجتمعا في عبد، ولو كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة أبدًا، لأنه لا يحل أحدهما في قلبه إلا طرد الآخر منه مباشرة.

والآن أسوق مثالاً على هذه المسألة الخطيرة ليتبين به حقيقة المراد ومطلوبه.

عندما حارب أبو بكر رضي الله عنه المرتدين ومكنه الله من رقابهم، فطلب بعضهم العودة إلى الإسلام، فعرض الصديق عليهم التوبة من كفرهم قائلاً:«تشهدون على قتلانا أنهم في الجنة، وعلى قتلاكم أنهم في النار، ففعلوا» (1).

فالشهادة على قتلاهم بالنار تعني: انخلاعهم من الكفر الذي أحدثوه، وبراءتهم من أهله.

(1) السُّنة للخلال (475)، ومصنف ابن أبي شيبة (28945)، وسنن البيهقي (16538).

ص: 112

ولكن هل كل من أراد الدخول في الإسلام من كافة طوائف الكفر في عهده رضي الله عنه كان يقول له: دخولك في هذا الدين يستلزم منك: الشهادة بالنار على كل من مات من قومك كافرًا؟!!

وهل فهم كل عالم وداع بعد التصديق رضي الله عنه أن كل من أراد الدخول في الإسلام من كافة الملل والنحل فعليه أن يفعل هذا؟!!

وبناء على هذا:

فمطالبة الإمام محمد بن عبد الوهاب لبعض الطوائف من قومه بوجوب تكفير المشركين حتى يصح أصل دينهم هو حق لا ريب فيه ولكنه كان بسبب ما حكينا عنه وعنهم من قبل وقررناه.

ولكن لا يلزم من هذا القول بالسلسلة في كل من لم يكفر الكافر.

والمقام ليس مقام إسهاب، ولن مقام اختصار، وتذكير ببعض رؤوس الأقلام عن المسائل التي سيجري البحث عنها في أثناء الشرح لهذه الرسالة المباركة.

وإليك أخي القارئ بعض النقول عن إمام الدعوة لترى من خلالها وصف المشركين في زمانه من بني قومه، ووصف المجادلين عنهم فتعلم لماذا نص إمام الدعوة في تعريفه لأصل الدين وحد الإسلام على وجوب تكفير المشركين. لأن الشك في كفرهم قد وصل لحالة عادت بالفساد والبطلان على

ص: 113

أصل الدين بالكلية وعلى حدّ الإسلام بالنقض والإلغاء لكل من وقع في الشك في كفرهم.

فالمشركون في زمانه قد كذبوا بالبعث وأنكروا الشرائع كلها، واستهزؤوا بمن أقر بها، وعادوا التوحيد بعد إقرارهم بأنه دين الرسول صلى الله عليه وسلم

ولا شك في كفر من لم يكفر أمثال هؤلاء، وأن توبته ورجوعه إلى الإسلام لا تكون إلا بالإقرار بالتوحيد قولاً وعملاً واعتقادًا مع تكفير المشركين والبراءة منهم ومن شركهم.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «العلماء في زماننا، يقولون: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم حرام المال والدم، لا يكفر ولا يقاتل، حتى إنهم يصرحون بذلك في البدو الذين يكذبون بالبعث، وينكرون الشرائع كلها، ويزعمون: أن شرعهم الباطل هو حق الله؛ ولو يطلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أكبر المنكرات.

ومن حيث الجملة: إنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره، ويكفرون بدين الرسول صلى الله عليه وسلم كله مع إقرارهم بذلك، وإقرارهم: أن شرعهم أحدثه آبائهم لهم، كفر شرع الله، وعلماء الوقت يعترفون بهذا كله، ويقولون: ما فيهم من الإسلام شعرة، لكن من قال: لا إله إلا الله فهو المسلم حرام المال والدم، ولو كان ما معه من الإسلام شعرة.

وهذا القول، تلقته العامة عن علمائهم، وأنكروا ما بينه الله ورسوله، بل كفروا من صدق الله ورسوله في هذه المسألة، وقالوا: من كفر مسلمًا فقد

ص: 114

كفر؛ والمسلم عندهم: الذي ليس معه من الإسلام شعرة؛ إلا أنه يقول لا إله

إلا الله.

فاعلم رحمك الله: أن هذه المسألة أهم الأشياء عليك، لأنها هي الكفر والإسلام، فإن صدقتهم فقد كفرت بما أنزل الله على رسوله، كما ذكرنا لك من القرآن والسنة والإجماع، وإن صدقت الله ورسوله، عادوك وكفروك، وهذا الكفر الصريح بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم» (1).

وقال أيضًا رحمه الله تعالى بعد أن ساق الأدلة على تكفير من عبد غير الله تعالى من هذه الأمة: «الموضع السادس: قصة الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم، فمن سمعها ثم بقي في قلبه مثقال ذرة من شبهة الشياطين -الذي يسمون العلماء- وهي قولهم: هذا هو الشرك، لكن يقولون لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء.

وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله، ومع علمهم بإنكارهم البعث، واستهزائهم بمن أقر به، واستهزائهم بالشرائع، وتفضيلهم دين آبائهم مخالفًا لدين النبي صلى الله عليه وسلم.

ومع هذا كله، يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة أن البدو إسلام، ولو

(1) الدرر السنية (9/ 385 – 386).

ص: 115

جرى منهم ذلك كله، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله أيضا، ولازم قولهم: أن اليهود إسلام لأنهم يقولونها؛ وأيضًا: كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود بأضعاف مضاعفة، أعني البوادي المتصفين بما ذكرنا.

والذي يبين ذلك من قصة الردة، أن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذَّب النبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وقالوا: لو كان نبيًا ما مات؛ ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة، ظنًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس، ومع هذا: أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر.

فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا أن الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة في حال واحد، ولو ثبت على الإسلام كله، ومنهم من أقر بالشهادتين، وصدَّق طليحة في دعواه النبوة؛ ومنهم من صدَّق العنسي صاحب صنعاء، وكل هؤلاء أجمع العلماء أنهم مرتدين.

ومنهم أنواع أخر، منهم الفجاءة السلمي لما وفد على أبي بكر رضي الله عنه، وذكر له أنه يريد قتال المرتدين، ويطلب من أبي بكر أن يمده، فأعطاه سلاحًا ورواحل، فاستعرض السلمي، المسلم والكافر يأخذ أموالهم، فجهز أبو بكر جيشًا لقتاله، فلما أحس بالجيش، قال لأميرهم: أنت أمير أبي بكر، وأنا

ص: 116

أميره ولم أكفر، فقال إن كنت صادقًا فألق السلاح، فألقاه فبعث به إلى أبي بكر، فأمر بتحريقه بالنار وهو حي.

فإذا كان هذا حكم الصحابة في هذا الرجل، مع إقراره بأركان الإسلام الخمسة، فما ظنُّك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة، إلا أنه يقول: لا إله إلا الله بلسانه، مع تصريحه بتكذيب معناها، وتصريحه بالبراءة من دين محمد صلى الله عليه وسلم،ومن كتاب الله، ويقولون هذا دين الحضر، وديننا دين آبائنا، ثم يفتي هؤلاء المردة الجهَّال أن هؤلاء المسلمون، ولو صرحوا بذلك كله، إذا قالوا: لا إله إلا الله، سبحانك هذا بهتان عظيم.

وما أحسن ما قاله واحد من البوادي، لما قدم علينا وسمع شيئًا من الإسلام، قال: أشهد أننا كفار – يعني هو وجميع البوادي – وأشهد أن المطوع الذي يسمينا إسلامًا أنه كافر، وصلى الله على سيدنا محمد» (1).

وقال أيضًا رحمه الله تعالى بعد أن بين أحوال وكفر الطواغيت المعبودة في بلده: «إذا عرفتم ذلك، فهؤلاء الطواغيت، الذين يعتقد الناس فيهم، من أهل الخرج وغيرهم، مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس، كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا، لو كان باطلاً فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل، أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته.

(1) الدرر السنية (8/ 117 – 119).

ص: 117

ولا يصلي خلفه.

بل لا يصح دين الإسلام، إلا بالبراءة من هؤلاء، وتكفيرهم، كما قال تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256](1).

وغالى أيضًا بعض الإخوة بسبب: الحكم بردة من والى المشركين، ولم يفرقوا في هذا المقام بين من تولى المشركين المباينين للملة، وبين المرتدين، الذين قد اشتبه حالهم على بعض المسلمين بسبب علماء السوء، ودعاة الإرجاء الخبيث، فقالوا: بإسلامهم خطأ، ثم والوهم على ما يرونه فيهم من طاعة فقط دون ما وقعوا فيه من كفر وعصيان، وذلك نتيجة لحكمهم عليه بأنهم مسلمون، ولأن الله قد أمرهم بموالاة المسلمين فنقول وبالله التوفيق.

أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن لم أقل بردة من والى الكفار والمشركين والمرتدين، بعد ما سمعت قول ربي سبحانه وتعالى وجل في علاه:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، وبعد سماعي لقول نبيه صلى الله عليه وسلم:(من تشبَّه بقوم فهو منهم)(2) فإذا كان هذا حكم المتشبه بهم، فكيف بمن والاهم، ونصرهم على المسلمين؟!!

وهل تمكن عبَّاد الصليب، واليهود، والشيوعيون اليوم من رقاب المسلمين

(1) الدرر السنية (10/ 52 - 53).

(2)

تقدم تخريجه وكلام العلماء حوله فليراجع ثم.

ص: 118

ودمائهم ومقداساتهم في أي بلد غزوه من بلدان المسلمين، إلا بموالاة المنافقين الجبناء والمرتدين الخبثاء، ونصرتهم لهم على المسلمين الصادقين.

ولكن ينبغي التفريق في هذا المقام بين عبد تبين له كفر طائفة وردتها، ثم والاها ونصرها على المسلمين، فهذا يحكم عليه بالكفر والردة، وإن كان فعل هذا من أجل دنيا فانية أو متاع زائل.

وبين عبد التبس عليه حكم مسلم وقع في ناقض فارتد، إلا أن الأول قال بإسلام المرتد بسبب انتشار وتسيد فكر الإرجاء الخبيث، ثم قام بعد ذلك بموالاته ونصرته بسبب ظنه أنه مازال مسلمًا، لكن هذا مقيد بأن يواليه على ما عنده من طاعة، دون ما وقع فيه من إحداث وكفر وعصيان، وإلا كان أمره مترددًا بين المعصية والكفر، بحسب ما والاه عليه من شعب الكفر والعصيان.

الطائفة الثانية: جفَّت وفرطت في أحكام التكفير، وهم غلاة المرجئة وأفراخهم في القديم والحديث.

ومن نافلة القول أن نقرر: أن مذهب المرجئة في الإيمان يتمثل في: النطق باللسان بكلمة التوحيد، وهو قول اللسان، وتصديق القلب بمعنى الشهادتين، وهو قول القلب، وأخرجوا أعمال الجوارح من الإيمان، وكذا أعمال القلوب، وإن أدخلها بعضهم في مسمى الإيمان، ولكن نصهم على إخراج أعمال الجوارح دليل على عدم اعتبارهم لأعمال القلوب، لأن أعمال الظاهر هي لوازم أعمال الباطن.

ص: 119

ومن ثمّ وقعوا في بدعة فصل الظاهر عن الباطن، ونصوا على أن الرجل قد يفعل الكفر في الظاهر، ويكون مؤمنًا في الباطن إلا أن يكون فعل الظاهر دليلاً على الاستحلال والتكذيب في الباطن، فالكفر عندهم لا يقع إلا بالتكذيب لأن الإيمان هو التصديق.

وتقرر عندهم: أن العبد قد يترك الفرائض كلها، وينتهك كافة المحرمات، ويكون مع هذا مؤمنا كامل الإيمان، بل إيمانه كإيمان الملائكة والنبيين

والصديقين.

فكانت هذه البدعة من أضر البدع على الأمة، وفتحت أبواب الكفر والفسوق والمعاصي على مصراعيها.

وحصل التحام قوي بين الطواغيت ودعاة هذه البدعة، لأنهم دائمًا مؤهلون لإضفاء الشرعية على أفعالهم، ومستعدون للقيام بتخدير العامة حتى لا يقومون المقام الذي ينبغي عليهم تجاه الطواغيت والمشركين والزنادقة والمرتدين

وهذه الفرقة قد وضعت شروطًا لابد أن تتحقق، وموانع لابد أن تنتفي لتكفير المعين لا تنطبق إلا على المكذب للحق، والمعتقد للكفر.

فالكفر عندهم خصلة واحدة، هي التكذيب والاعتقاد، ولا يمكن أن يقع بالقول، أو بالعمل لأن الإيمان هو التصديق والاعتقاد.

وقدامى المرجئة كانوا أحسن حالاً من أتباعهم اليوم. لأنهم كانوا يكفرون في

ص: 120

الظاهر كل من نصَّ الشرع على كفره، ويجرون عليه أحكام الردة، لكن يتوقفون في الباطن فإن كان مصدقًا بقلبه نجا يوم القيامة، وإلا هلك، وتلك بدعة فصل الظاهر عن الباطن.

أما مرجئة اليوم، فقد قطعوا بنجاة فاعل الشرك في الظاهر والباطن، وفي الدنيا والآخرة إلا أن يكون مكذبًا ومستحلاً، وأجروا عليه جميع أحكام الإسلام في الدارين.

ولقد اتفق أئمة السلف على ذم قدامى المرجئة وضللوهم وصاحوا بهم من أقطار الأرض، فكيف لو رأوا مرجئة (1) عصرنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

الفرقة الثالثة: هم أهل السنة والجماعة، الذين داروا مع الحق وحده حيث دار، فتوسطوا كعادتهم، فكانوا بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، فكفروا من كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ووضعوا شروطا لابد أن تتوفر، وموانعًا لابد أن تنتفي في حق تكفير المعين، إلا أن هذه الشروط، وتلك الموانع كانت مستقاة كعادتهم من دلالة نصوص القرآن والسنة بفهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أئمة المسلمين، وبفهم من سار على دربهم من العلماء الربانيين، الذين لهم قدم صدق في بيان الحق ونصرة هذا الدين.

(1) يستثنى من هذا مرجئة الفقهاء.

ص: 121