المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم): - فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

[مدحت آل فراج]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة الإمام الفذالإمام محمد بن عبد الوهاب

- ‌ فتح المسلمون حريملا عنوة

- ‌(حكم تكفير المعين بين الإفراط والتفريط)

- ‌(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم):

- ‌الإسلام يجمع معنيين:

- ‌(العلماء لا يذكرون التعريف عند تكفير المشرك

- ‌(الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة)

- ‌ الشرك الأصغر

- ‌التوحيد الذي جاءت به الرسل

- ‌ النواقض العشرة

- ‌(الكفر يستخدم بعدة اعتبارات)

- ‌اسم المشرك ثبت قبل الرسالة

- ‌ المختار بن أبي عبيد الثقفي

- ‌ الجعد بن درهم

- ‌ هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين

- ‌ تغير الزمان حتى تعبد الأوثان

- ‌باب في وجوب عداوة أعداء اللهمن الكفار والمرتدين والمنافقين

- ‌«موالاة المسلمين لا تصلح إلا بالبراءة من المشركين»

- ‌«موالاة المسلمين، والبراءة من المشركين أصل من أصول الإسلام بالإجماع»

- ‌«موالاة المشركين ردة عن الدين، ومروق من ملة المسلمين»

- ‌(موالاة المشركين من أجل الدنيا كفر مخرج من الملة)

- ‌«حكم الإكراه على موالاة المشركين وحدوده»

- ‌«تحذير السلف من موادة أهل البدع والمعاصي»

- ‌ فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة

- ‌الكتاب في سطور

- ‌فهرس أهم المراجع والمصادر

الفصل: ‌(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم):

(المشركون الذين عبدوا مع الله غيره يكفرون بأعيانهم):

كل من عبد غير الله، واتخذ معه إلهًا آخر فيجب تعيينه بالكفر إلا أن يكون مكرهًا.

نعم قد يرد في بعض نصوص الأئمة أنهم لا يكفرون أحدًا من المسلمين بعينه إلا أن تكون قد قامت عليه الحجة الرسالية.

فهذا حق وصدق، ولكن سوف ترى أن تقييدهم هذا بقولهم من المسلمين دال على إخراج المشركين من هذه القاعدة لأن المشرك لا يدخل في عداد المسلمين، كيف لا وقد نصوا على ذلك في تعريفهم لحد الإسلام، الذي يعصم به الدماء والأموال.

وقبل هذا فنصوص القرآن والسُّنة متواترة على هذا المعنى الجلي الواضح:

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّه لِلَّهِ} وقال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5].

وقال سبحانه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

وقال سبحانه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. وقال سبحانه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ

ص: 122

الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45].

وكان كل رسول يبدأ دعوته لقومه بقوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال سبحانه: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11].

والتوبة في هذه الآية، وفي نظائرها: هي التوبة من الشرك، مع الالتزام بأحكام الإسلام بإجماع المفسرين

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} أي: عن الشرك، والتزموا أحكام الإسلام. {فَإِخْوَانُكُمْ} أي: فهم إخوانكم في الدين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حرَّمت هذه الآية دماء أهل القبلة» (1).

وهذا نص في الموضوع من حبر الأمة: أن الانخلاع من الشرك مع الالتزام بأحكام الإسلام هو الذي يعصم به دماء الناس.

وقال ابن تيمية رحمه الله: «فعلق الأخوة في الدين: على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. والمعلق بالشرط ينعدم عند عدمه.

فمن لم يفعل ذلك فليس بأخ في الدين، ومن ليس بأخ في الدين فهو كافر، لأن المؤمنين أخوة» (2).

(1) الجامع لأحكام القرآن (10/ 121).

(2)

شرح العمدة في الفقه (4/ 73).

ص: 123

وأما نصوص السُّنة المطهرة فالمعنى فيها واضح يقدر وضوحه في نصوص القرآن.

فالتوبة من الشرك مع الانقياد لأحكام الإسلام هو الحد الذي يعصم به الدماء، والأموال في الظاهر والله يتولى السرائر.

قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)(1).

وقال صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (2).

وعندما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الراية إلى علي ليقاتل بها قال رضي الله عنه: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم علام نقاتلهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: على رسلك انفذ حتى ننزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الله عز وجل وإلى رسوله حتى يكونوا مثلنا)(3) الحديث.

وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله

(1) متفق عليه، صحيح البخاري (2786)، وصحيح مسلم (33).

(2)

متفق عليه، صحيح البخاري (25)، صحيح مسلم (36).

(3)

متفق عليه: صحيح البخاري (2783)، وصحيح مسلم (34) ومسند أبي يعلى

(7527)

.

ص: 124

ودمه، وحسابه على الله) وفي رواية (من وحَّد الله)(1) ثم ذكر مثله.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد: «اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين:

الأول: قول لا إله إلا الله.

الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله.

فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لابد من قولها،

والعمل بها.

قال المصنِّف - أي الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع التلفظ بها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.

قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلابد في العصمة من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك كما قال تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّه لِلَّهِ} ، والفتنة هنا: الشرك.

فدل على أنه إذا وجد الشرك فالقتال باق بحاله كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا

(1) صحيح مسلم (37، 38) ومسند أحمد (15915).

ص: 125

الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] وقال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5].

فأمر بقتالهم على فعل التوحيد، وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين الظاهرة فإذا فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها، أو فعل شيء منها فالقتال باق بحاله إجماعًا ولو قالوا: لا إله إلا الله.

وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم علق العصمة بما علقها الله به في كتابه كما في هذا الحديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)(1).

وفي الصحيحين عنه قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال،

والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على

منعه؛ فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد

(1) تقدم تخريجه.

ص: 126

شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) (1) لفظ مسلم.

فانظر كيف فهم صديق الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد مجرد اللفظ بها من غير إلزام لمعناها وأحكامها. فكان ذلك هو الصواب، واتفق عليه الصحابة، ولم يختلف فيه منهم اثنان، إلا ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق، وكان فهم الصديق هو الموافق لنصوص القرآن والسنة.

وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)(2).

فهذا الحديث كآية براءة بين فيه ما يقاتل عليه الناس ابتداء، فإذا فعلوه وجب الكف عنهم إلا بحقه.

فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض هذا الإقرار، والدخول في الإسلام وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.

بل لو أقروا بالأركان الخمسة وفعلوها، وأبوا عن فعل الوضوء للصلاة ونحوه، أو عن تحريم بعض محرمات الإسلام كالربا أو الزنا أو نحو ذلك وجب قتالهم إجماعًا، ولم تعصمهم لا إله إلا الله، ولا ما فعلوه من الأركان.

(1) متفق عليه، صحيح البخاري (6526)، وصحيح مسلم (32).

(2)

سبق تخريجه.

ص: 127

وهذا من أعظم ما بين معنى لا إله إلا الله، وأنه ليس المراد منها مجرد النطق.

فإذا كانت لا تعصم من استباح محرمًا، أو أبى عن فعل الوضوء مثلاً، بل يقاتل على ذلك حتى يفعله، فكيف تعصم من دان بالشرك، وفعله، وأحبه، ومدحه، وأثنى على أهله، ووالى عليه، وعادى عليه، وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله، وتبرأ منه وحارب أهله، وكفرهم، وصد عن سبيل الله، كما هو شأن عبَّاد القبور.

وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلا الله وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد.

ذكر التنبيه على كلام العلماء في ذلك فإن الحاجة داعية إليه لدفع شبه عباد القبور في تعلقهم بهذه الأحاديث، وما في معناها، مع أنها حجة عليهم بحمد الله لا لهم.

قال أبو سليمان الخطَّابي في قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف.

وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: «لا إله إلا الله» تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام، وقوتل عليه.

ص: 128

فأما غيرهم، ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفي في عصمته بقوله:«لا إله إلا الله» إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر:(ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة).

وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الرواية الأخرى:(ويؤمنوا بي وبما جئت به)(1).

وقال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام، فقال: كل طائفة ممتنعة من التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم، أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه.

كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم.

فأيّما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء.

(1) سبق تخريجه.

ص: 129

قال وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة بل هم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وقيل هذا كثير في كلام العلماء.

والمقصود التنبيه على ذلك، ويكفي العاقل المنصف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب حكم المرتد، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان، ولو أتى بجميع الدين، وهو صريح في كفر عباد القبور، ووجوب قتالهم إن لم ينتهوا حتى يكون الدين لله وحده.

فإذا كان من التزم شرائع الدين كلها إلا تحريم الميسر، أو الربا، أو الزنا يكون كافرًا يجب قتاله، فكيف بمن أشرك بالله، ودعي إلى إخلاص الدين لله والبراءة، والكفر بمن عبد غير الله، فأبى عن ذلك، واستكبر، وكان من الكافرين» (1).

فهذه نصوص الكتاب والسنة بفهم فحول علماء الأمة قاضية بأن المشرك لاحظ له، ولا نصيب في الإسلام.

وأما نصوص العلماء في تعريف الإسلام، والقدر الذي ينبغي تحقيقه من العبد حتى يعصم دمه وماله فقد مرَّ بعضها، وإليكم بعضًا آخر منها، ولكن قبل الشروع في المقصود، فنريد أن نلفت نظر القارئ الكريم إلا ملاحظة تخصيص كلام العلماء في تعريفهم للإسلام بأنه: الاستسلام لله وحده بالتوحيد، وأنه ليس مطلق الاستسلام بغير قيد.

(1) تيسير العزيز الحميد/ 118 - 122.

ص: 130

لأنه لو كان كذلك، فقد يظن بعض أفراخ المرجئة: أن المشرك قد حقق الاستسلام لله، لظنه أن بفعل الشرك يتقرب به زلفى بين يدي رب الأرض والسموات، لأن علماءه وشيوخه أفهموه: أن الشرك هو زبدة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ففعله استسلامًا - في ظنه - لأمر الله، ومتابعة لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.

وهذا الهراء والافتراء يكفي في رده: نصوص القرآن والسنة، التي نصت على وجوب إفراد الله بالعبادة، مع الكفر بكل ما يعبد من دونه من الآلهة والأنداد والأوثان والطواغيت، وسوف ترى أخي القارئ في نقول الأئمة وعلماء الأمة، النص الواضح على أن تحقيق التوحيد بإفراد الله بالعبادة هو أصل الدين، ولا يصح إسلام أحد إلا به، وأن من جهل هذا فهو في حاجة إلى تعلمه حتى يصح له الدخول في هذا الدين.

قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «فإن التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة والنار، وهو ثمن الجنة، ولا يصح إسلام أحد

إلا به» (1).

وقال أيضا -رحمه الله تعالى- معرفًا الإسلام: "هو الاستسلام لله لا لغيره، بأن تكون العبادة والطاعة له والذل، وهو حقيقة لا إله إلا الله"(2).

وقال أيضًا: «والإسلام: هو الاستسلام لله وحده، وهو أصل عبادته وحده

(1) مجموع الفتاوى (24/ 235).

(2)

مجموع الفتاوى (5/ 239).

ص: 131

وذلك يجمع معرفته، ومحبته، والخضوع له» (1).

وقال أيضًا في الفرق بين معنى الإسلام والإيمان: «وحقيقة الفرق أن الإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينًا، إذا خضع وذل

ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو: الاستسلام لله وحده، فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه.

فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر لم يكن مسلمًا، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له، والعبودية له هكذا قال أهل اللغة، أسلم الرجل إذا استسلم» (2).

وقال أيضًا: رحمه الله تعالى - «وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام، إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ} [الزمر: 29] الآية.

فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره، فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والإسلام ضد الشرك» (3)(4).

(1) مجموع الفتاوى (20/ 115).

(2)

مجموع الفتاوى (7/ 63).

(3)

مجموع الفتاوى (10/ 14).

(4)

أخي القارئ انظر إلى قول ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الإسلام ضد الشرك» نجد أنه نص في أن من عبد غير الله لا يمكن أن يكون مسلمًا، وإلا دخلنا في جحد العقليات بتجويز أن يجتمع الشيء مع ضده في آن واحد.

ص: 132