الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونختم هذه المسألة بذكر
النواقض العشرة
، التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبين في خاتمتها أنها لا مانع من وقوع الكفر على أصحابها إلا الإكراه، والإكراه فقط فقال -رحمه الله تعالى-: «اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن، أو القباب.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعًا.
الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به، كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}
[محمد: 9].
السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66].
السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102].
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه صلى الله عليه وسلم، وأنه يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخصر الخروج من شريعة موسى عليهما السلام، فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22].
ولا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على محمد» (1).
(1) الدرر السنية (10/ 91 - 93).
وتمام الكلام في هذا أن يقال الكلام هنا في مسألتين:
الأولى: أن يقال: هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين، ومع كثير من الأحياء والأموات، والجن، من التوجه إليهم، ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر، الذي فعله قوم نوح، ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم؟ فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب، ينكر عليهم ذلك، ويكفرهم، ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله، أم هذا شرك أصغر، وشرك المتقدمين نوع غير هذا؟
فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولا ينكرونه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه، كابن إسماعيل وابن خالد، مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة.
وتارة يقولون: لا يكفر إلا من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وتارة يقولون: إنه شرك أصغر، وينسبونه لابن القيم رحمه الله في المدارج كما تقدم.
وتارة لا يذكرون شيئًا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب
رد الأمر عند التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة (29/ش).
وجواب هؤلاء كثير من الكتاب والسنة والإجماع، ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وأيضًا إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدًّا من الإقرار به لوضوحه.
(29/ش) هذا الاضطراب والتضارب، والتباين في المواقف والأحكام دليل واضح على البطلان، والإفك والبهتان، لأنه لو كان حقًا لائتلف، واتسق، وشهد بعضه لبعض.
قال الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
قال الإمام الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليه في طاعتك، واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق.
فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض» (1).
(1) تفسير الطبري (4/ 182).
المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر ولكن لا يكفر به، إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول، والقرآن، واتبع يهودية، أو نصرانية، أو غيرها (30/ش).
(30/ش) قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في دحض هذه الشبهة وإخمادها في أثناء رسالة بعث بها لأحد المجادلين عن المشركين، يبين له فيها أنه لم يكفر إلا من وقع في الشرك الأكبر، وعاقبة المجادلة بالباطل عمن عبد غير الله فقال -رحمه الله تعالى-: «وإنما كفرنا هؤلاء الطواغيت، أهل الخرج، وغيرهم بالأمور التي يفعلونها هم، منها:
أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط.
ومنها: أنهم يدعون الناس إلى الكفر.
ومنها: أنهم يبغضون عند الناس دين محمد صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن أهل العارض كفروا لما قالوا: لا يعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر.
وهذا أمر أوضح من الشمس لا يحتاج إلى تقرير، ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال، الذي يكرهون دين الإسلام ويحبون الشرك، ودين آبائهم، وإلا فهؤلاء الجهال لو أن مرادهم اتباع الحق عرفوا أن كلامك من أفسد ما يكون.
وأما المسألة الثالثة: وهي من أكبر تلبيسك، الذي تلبس به على العوام أن أهل العلم، قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا
ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى، أو من سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر.
واما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت واتباعهم إلا بالشرك، وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر.
فإذا كنت تعتقد ذلك فما تقول: في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون؟ قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم» أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟
ما تقول: في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره، فأضرم لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه نارًا فأحرقهم بها.
وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس رضي الله عنهما أنكر تحريقهم بالنار، وقال: يقتلون بالسيف، أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفهمونه؟
أرأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا: أن قتلانا في الجنة، وقتلاكم
في النار، أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون، وأنت وأبوك الذين تفهمون؟ يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا، وأن من أم القبلة لا يكفر.
فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة، التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد؟ التي كثير منها في أناس أهل زهد وعبادة عظيمة؟ ومنها طوائف ذكر العلماء أن من شك في كفرهم فهو كافر، ولو كان الأمر على زعمك لبطل كلام العلماء في حكم المرتد إلا مسألة واحدة وهي الذي يصرح بتكذيب الرسول، وينتقل يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، ونحوهم هذا هو الكفر عندك» (1).
(1) مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب (1/ 232 - 234).
وإلا فالمسألة الأولى، قل الجدال فيها، ولله الحمد، لما وقع إقرار علماء الشرك بها.
فاعلم: أن تصور هذه المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها، من غير دليل خاص لوجهين:
الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير، لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها، وكذب الرسول والقرآن فهو كافر، وإن لم يعبد الأوثان كاليهود، فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويفعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة، أو العمى، أو العرج، فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع.
الوجه الثاني: أن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية، فلا يتصور أنك تقول لرجل ولو أجهل الناس وأبلدهم: ما تقول فيمن عصى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك مع أنه يدعي أنه مسلم متبع، إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول أن هذا كافر من غير نظر في الأدلة، أو سؤال أحد من العلماء، ولكن لغلبة الجهل، وغربة العلم، وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من
الملحدين اشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين الذين يحبون الحق، فلا تحقرها، وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية، لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت، ويجعلك أيضًا من الأئمة الذين يهدون بأمره» (31/ش).
(31/ش) أخي القارئ انظر إلى قول الإمام محمد: «الوجه الثاني: أن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح» .
فهذا الكلام ونظائره قد يطير به فرحًا كثير من أهل الإرجاء، ممن لم يفقهوا وجه دلالته ومراده من كلام الأئمة، مثل ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه رحمهم الله جميعًا- فهؤلاء العلماء لا يكفرون من عبد غير الله إلا بعد إقامة الحجة، والكفر المنفي هنا: هو الكفر المعذب عليه، أي الذي يستحق صاحبه به العذاب في الدنيا والآخرة.
وفي المقابل نص هؤلاء الأئمة: على أن من عبد غير الله فإنه يكون مشركًا، ويعين بذلك، ولو لم تقم عليه حجة البلاغ، ولا يمكن أن يعين بوصف الإسلام، لأن الإسلام «هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، واتباعه فيما جاء به.
فما لم يأت العبد بذلك فليس بمسلم، ولم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل» (1).
فتعريف هؤلاء الأئمة للإسلام أخرج المشركين، وعباد القبور منه.
(1) طريق الهجرتين لابن القيم (1/ 608).