المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث ‌ ‌مونتين "1533-1592 " … القسم الثاني: المقالة في - فن المقالة

[محمد يوسف نجم]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌القسم الأول: المحاولات المقالية قبل مونتين

- ‌تمهيد

- ‌ بذور المقالة في الآداب الشرقية القديمة:

- ‌ في أدب الإغريق والرومان:

- ‌ في العصور الوسطى:

- ‌ عصر النهضة:

- ‌ في الأدب العربي القديم:

- ‌القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث

- ‌مونتين "1533-1592

- ‌ فرنسيس باكون:

- ‌ بين مونتين وباكون:

- ‌ نهضة المقالة الإنكليزية بعد عودة الملكية:

- ‌ مقالة المجلات في القرن الثامن عشر:

- ‌ خصائص هذه المقالة في المحتوى والصورة:

- ‌ المقالة في القرن التاسع عشر:

- ‌ المقالة الحديثة:

- ‌ المقالة في الأدب العربي الحديث:

- ‌ المجلات وأثرها في تطور المقالة العربية الحديثة:

- ‌أعلام المقالين المحدثين

- ‌القسم الثالث: فن المقالة

- ‌تمهيد وتعريف

- ‌ التمييز بين المقالة الذاتية والمقالة الموضوعية:

- ‌ المقالة الذاتية:

- ‌ ألوانها وأشهر كتابها:

- ‌ تحليل المقالة الذاتية:

- ‌ نحو دراسة المقالة الذاتية:

- ‌ قيمة المقالة الذاتية:

- ‌ المقالة الموضوعية:

- ‌المراجع والمصادر:

- ‌المراجع والمصادر العربية:

- ‌المراجع والمصادر الأجنبية

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام والكتب والصحف

- ‌فهرست:

الفصل: ‌ ‌القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث ‌ ‌مونتين "1533-1592 " … القسم الثاني: المقالة في

‌القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث

‌مونتين "1533-1592

"

القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث

1-

مونتين "1533-1592":

يجمع مؤرخو الآداب الغربية، على أن المقالة الأدبية الحديثة، عرفت سبيلها إلى الحياة على يد الكاتب الفرنسي ميشل دي مونتين. وقد بدأت بذورها تتكون في نفسه عندما اعتزل الحياة العامة، حيث كان يعمل في المحاماة، وترك بوردو إلى مزارعه الريفية سنة 1570، وذلك ليعيش حياة يرف عليها الهدوء، وتخصبها القراءة، على حد قوله.

ويمثل مونتين في ثقافته وذوقه، رجل النهضة الفرنسي أحسن تمثيل، وقد ألهبته حماسة أبيه وشغفه بالثقافة الإيطالية الإنسانية، فاتجه هو بدوره إلى دراسة اللاتينية، قبل أن يشدو في الفرنسية، وقد تتلمذ فيها لبعض المشاهير من علماء الكلاسيكيات في عصره.

وهكذا استقطبت ثقافته حول اللاتينية. ومن خلالها استطاع أن يقرأ روائع الأدب الإغريقي، أما عنايته بالأدب الفرنسي، فقد اقتصرت على بعض المؤلفين وخاصة في حقل التاريخ.

وعندما تقدمت به السن أخذ يعنى بمشكلات عصره الفكرية والاجتماعية التي انبثقت من نهضة الأدب الكلاسيكي والفلسفة القديمة، ومن اكتشاف العالم الجديد، وطغت موجتها حتى عمت أوروبا كلها. ولكنه بعد ذلك كله، آثر أن يلجأ إلى مكتبته في مقاطعته الخاصة باسمه. ولم يمض عليه فيها طويل وقت، حتى دفعته الرغبة في تخليد اسمه وجلاء أفكاره، إلى الكتابة والتسجيل.

وأدار مونتين عينيه فيما حوله من أنواع الأدب المقروء والمسموع، فرأى سيلا طاغيا من الحكم والأمثال وجوامع الكلم، التي تحدرت إلى

ص: 25

أوروبا عن الآداب القديمة. وأخذ كتّاب عصر النهضة يختارون منها، ويزيدون عليها، ما يلائم ثفافة العصر وذوقه وروحه. ولهذا وجدناهم يجمعون الحكم والأقوال السائرة، التي تدور حول الحياة والموت، وحول بعض العادات الغريبة، وذكاء الحيوان وقوة الخيال، ولم يكن لهم فيها سوى فضل الاختيار والجمع والتنسيق، أما شخصياتهم فلم تظهر في هذه المجموعات، ولم يكن طبيعيا أن تظهر.

وعندما بدأ مونتين الكتابة، حوالي سنة 1571، استوحى كتّاب هذه المواعظ والدروس الخلفية. ولم يكن شاذا ولا منحرفا في هذا الاستحياء؛ إذ إن الدافع الذي استحثه على الكتابة كان في طبيعته أخلاقيا تهذيبيا. ولم يكن يطمح آنذاك إلى أن يأتي بعمل فذ جديد، بل كان كل ما يطمح إليه، هو أن يضفر ضميمه من تلك العبارات والأفكار الجميلة الرائعة التي يعبر بها أثناء قراءته. وتبعا لذلك كانت آثاره الأولى لا تختلف اختلافا بينا عن آثار هؤلاء الجماع "المؤلفين"؛ فهي عبارات ملتقطة من هنا وهناك، تدور حول بعض المشكلات الخلقية والمعاشية. وكان كلما مضى في كتابته قدما، يضيف عبارة هنا أو تعليقا هناك. إلا أن هذه الآثار عامة كانت تخلو من العنصر الذاتي خلوا يكاد يكون تاما. وهذه المرحلة التجريبية تمثل الطور الأول من نمو مونتين الأدبي، وقد استغرقت العامين الأولين من أعوام عزلته.

ولكنه ما عتم عقب ذلك، أن أخذ يشق طريقه نحو إبداع فن جديد، يبتعد فيه عن تلك الدروس الخلفية التي احتذى فيها آثار سابقية. وقد حدث ذلك حوالي سنة 1574م، وكانت النتيجة التي خلص بها في هذا الطور، هي إبداع هذا الفن الأدبي الجديد، الذي سجل له التاريخ فيه فضل الريادة، وكان ذلك قبل أن تظله سنة 1580م.

ص: 26

ولعل السبب الأول الذي أدى إلى هذا التطور هو مزاجه الخاص، والظروف التي أحاطت به آنذاك. فقد استغرق مونتين أثناء عزلته في بعض التأملات، وأخذ ينظر إلى مجتمعه بعين ناقدة، ويستبطن أعماق نفسه بعقل ممحص، وخاصة في فترة المرض الذي انتابه حوالي 1578. ولكن هذا كله لا يعلل هذا الاكتشاف الذي توصل إليه، بل كانت ثمة تيارات أدبية قوية، رفدت هذا المجرى الصغير في نفسه، واعدته للاضطلاع بهذه المهمة خير إعداد وأتمه.

تنبئنا المصادر، أنه وقع في سنة 1572 تحت تأثير كتابات فلوطارخوس؛ وقد وجد فيها، وخاصة في "الأخلاقيات"، بعض النماذج الأدبية الحية التي تختلف اختلافا بينا عن تلك الشذور الجافة التي كانت عينه تقع عليها في آثار معاصريه، فتكون زادا لقلمه الغض الناشئ. ولم تكن كتابات فلوطارخوس تخلو من الأمثال والأوابد والأقوال السائرة، إلا أن هذه لم تكن قوام فنه الأدبي، بل كانت تمر عرضا أثناء تأملاته وتكتسي بحلة من بيانه الرائع، وتطفو إلى السطح بعد أن تنقحها آراؤه الشخصية، وتخلصها من شوائب الفتور والجمود التي تخالط الحِكم الشعبية عندما تنبت عن مناسباتها الأولى التي ألقيت فيها. وقد تأثر مونتين أيما تأثر بمسحة الطلاقة واليسر التي تلف كتابات فلوطارخوس فتخرج سليمة من التكلف والرهق. وقضى مدة طويلة عاكفا على هذه الآثار الممتعة يستنطقها فتجيب ويستلهمها فينهمر عليه وحيها، والعملية الأدبية سائرة في نفسه سيرتها الطبيعية، تصقل ذوقه وتنقح تعبيره وتمده بصور جديدة وأحاسيس مبتكرة.

وسيرة هذا التحول تتضح في بعض كتاباته التي خطها ببراعه بين سنتي 1578 و1580، وخاصة في "تربية الأولاد" و"حب الآباء

ص: 27

للأبناء" و"الكتب" و"القسوة" و" من أشبه أباه فما ظلم". وهي تظهرنا على أن مونتين لم يعد قانعا بجمع تلك الفرائد والأقوال المأثورة، التي كانت تسقط في ساحته أثناء تمرسه بعملية القراءة والاقتباس، بل انتقل إلى مرحلة جديدة قوامها التأمل العميق في الموضوعات الخلقية والنفسية. إلا أنه لم يتنازل عن الأمثال وجوامع الكلم مرة واحدة، بل أخذ يختار منها ما كان صالحا للتضمين في كتاباته، ولجمع شتات أفكاره، ثم يرصع بها بعض الصور والحوادث التي يستمدها من ملاحظاته الخاصة وتجاربه الشخصية. ونحن نجد مصداق ذلك في مقالته عن "تربية الأولاد"، فقد استهلها بمبدأ عام يحدد القاعدة الأساسية التي ينبغي أن يستند إليها في تربية الأولاد. ثم انتقل إلى الحديث عن تربيته الخاصة، وعن بعض الأحداث التي مرت به أثناءها.

وهكذا أخذ مونتين يغلب العنصر الشخصي في كتاباته على العناصر التي كانت ترفده من قراءاته المختلفة. ولكنه في معرض حديثه عن تجاربه الخاصة، لا ينسى أن يدعم أفكاره ببعض الأقوال المأثورة، والحكم الجارية مجرى المثل. وتمتاز مقالاته في الطور الثاني بأنها كانت أطول من سابقاتها، وبأنه لم يكن فيها حريصا على التصميم المحكم والتنسيق الدقيق، شأنه في محاولاته الأولى؛ لأنه أصبح يحس الآن بأنه امتلك ناصية الفن، وشق طريقه الخاصة فيه، فله أن يجيل قلمه في شتى الموضوعات بحرية وانطلاق وتدفق.

وفي سنة 1580 جمع تلك الفصول التي كان قد كتبها، وعدتها أربعة وتسعون، ونشرها تفي بوردو في جزأين، وسماها "محاولات". وقد نبه القارئ في مقدمته التي كتبها، بأنه إنما يصور نفسه أو شرائح منها، في هذه الشذرات التي يعنى بنشرها على الناس.

ص: 28

وعكف مونتين على هذا المولود الجديد، يتعهده بالحدب والرعاية والسهر الطويل، إلى أن أتيح له في سنة 1588 أن يخرج طبعة جديدة نقح فيها مقالاته السابقة. وتولاها بالصقل والتهذيب، وضم إليها ثلاث عشرة مقالة جديدة، كان من بينها بعض تلك المقالات التي استهل بها شهرته الجديد. وقد تجلت فيها موهبته الأدبية كاملة مستحصدة. وتمتاز عما سبقها من مقالاته، بتألق العنصر الشخصي، ويتسم أسلوبها بالحرية والتدفق والتشعب، والسير على غير أصول مرعية، أو قواعد معينة. ولم تخل هذه المقالات من الأمثال والحكم السائرة خلوا تاما، إلا أنها كانت تأتي عرضا دون قصد أو تعمد، وكانت تقف على هامش العمل الأدبي، عنصرا ثانويا، بالسنة إلى ذلك الفيض من التأملات العميقة، والتجارب الشخصية الصادقة. وقد كان دأبه فيها، أن يمعن في الحديث عن نفسه، وعن ذكريات صباه وشبابه، وعن الأحداث الطريفة المعجبة التي مر بها في طور الرجولة والاكتهال، وكان لا يتورع عن كشف عيوبه للناس، وعرض صور من شذوذه، شذوذ كل أديب. ولهذا نجرؤ على القول بأن مونتين بذر في مقالاته هذه، بذور التراجم الشخصية التي استوت فيما بعد فنا قائما بذاته له أصوله ومشخصاته.

ص: 29