الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
الهمس في الأناشيد:
تحدثنا في مقالات سابقة عن الهمس في الشعر والنثر، وكانت مناقشات يمجها الذوق الخلقي، فقد أرى البعض في رفاهة الحس ولطافة الروح أنوثة، ورددنا بأن ذلك ليس وقفا على النساء؛ إذ من الواضح أن الله لم يقصر بعض الصفات على جنس دون جنس، وإنما نحن بإزاء نسب، وكنت أظن أن الحديث كله دائر على الرجولة والأنوثة من الناحية النفسية، وأما عن الناحيتين الأخلاقية والاجتماعية. فذلك ما لم يخطر لي ببال في مجادلة رجال يتصدون لتثقيف الجماهير، وكم كانت دهشتي عندما رأيت كاتبا يذهب إلى أبعد من الرجولة الأخلاقية والاجتماعية، فيدعي "أني أفخر بمشابهة المرأة في تكوينها" مع أنه يعرف معنى كلامي حق المعرفة، بدليل أنه قد فطن هو نفسه منذ سبعة عشر عاما فيما يقول إلي:"أن حب تاجور أقرب إلى عطف الأنوثة ورحمة الأمومة. فإن فاصل الجنس ليس من المناعة والجسم بالمكان الذي يتوهمه أكثر الناس"، وأنا لم أقل غير هذا. فالحديث -كما قلت- لم يعد الناحية النفسية، ومع ذلك يسف الكاتب فيعتقد أنه قد وصل مني إلى شيء عندما قال:"إنني أفخر بمشابهة المرأة في تكوينها"! وأكبر ظني أن الإنسانية كلها مجمعة على أن "أنوثة" قادة البشر من "كبار الرجال" الذين وصفوا بتلك الصفة مثل تاجور، ورينان ولامرتين، وشنييه، وغيرهم، خير من "رجولة" صاحبنا وأذنابه أولئك مخلدون حباهم الله تفكير الرجال وإحساس النساء وسذاجة الأطفال، وهؤلاء لا تسمع منهم إلا صلفا وغرورا ومهاترة مخزية.
ولنترك هذا الحديث الذي ينزل بالقلوب إلى آخر يرتفع بها، وأمامي الآن نشيد من الشعر اللبناني تذكرته إذ جاءني خطاب يخبرني بوفاة فؤاد البعلبكي، أحد الطلاب اللبنانيين بجامعة فؤاد، ولكم طربنا أساتذة وطلبة لصوت هذا الراحل الكريم وهو يتغنى به من جوقة من إخوانه، تعاودني هذه الذكرى فيزداد حزني لوفاة ذلك الشاب الرقيق الصوت، الأنيق السمت، العزيز النفس، الطيب الخلق، ألا يرحمه الله! وأتلمس سر طربنا لهذا الشعر، فأرى فيه إلى جانب الأنغام خاصيتين
هامتين يكملان معي الهمس في نفس ذلك المعنى الذي لا بد من الوصول إلى رفع كل لبس عنه حتى يسفر، فيتحقق ما نرجوه من توجيه شعرنا الحديث تلك الوجهة التي ندعو إليها بإيمان يزيده رسوخا أنه نبع عن إحساس لن يمل العقل البحث عن تعليله وإيضاحه.
فأما أولى الخاصيتين، فهي ظاهرة الحب بل العشق، والحب ليس وقفا على الغزل الجنسي كا قد يظن، فلغته من الناحية النفسية هي المنفذ الصادق لكل شعور حار، ومن عجب أن يفطن نقاد العرب أنفسهم إلى هذه الحقيقة الكبيرة فيحسون بلغة العشق عند أكبر شعراء العرب الخطابيين نفسه، وهو المتنبي، فيقول الثعالبي في "اليتيمة": إن المتنبي ققد خاطب الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب، وإنه قد استعمل ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد، وهو يرى في هذا مذهبا تفرد به شاعر الحمدانيين. وهذا حق، وإن يكن الثعالبي لم يستطع تعليل تلك الظاهرة؛ لأن النقد العربي بجملته لم يحاول أن يصل بين نفسية الشاعر وشعره، وذلك لسبب واضح، هو أنه يتضج إلا في العصر العباسي، وهو العصر الذي لم يعد يعبر فيه الشاعر التقليدي عن الحياة، وأصبح يرسف في محاكاة القديم، حتى لم يعد فضل للمحدثين في غير تجويد العبارة عن المعاني المطروقة والتفنن في "البديع". وجارى النقد الشعر فأصبح نقدا فنيا بحتا، ومن هنا لا ندهش عندما نرى الثعالبي يعلل استخدام المتنبي للغة الحب في غير الغزل بأن ذلك كان "اقتدارًا منه وتبحرا في الألفاظ والمعاني". ثم يضيف سببا آخر هو "رغبة الشاعر في رفع رأسه غن درجة الشعراء، والسمو بها إلى مماثلة الملوك"، وهذه الأسباب وإن تكن صحيحة إلا أنها لا تكفي، بل لعلها تعدو السبب الحقيقي الذي نجده في طبيعة المتنبي النفسية وفي ملابسات حياته، فقد كان الرجل قوي الانفعال سريع التأثر، زخرت نفسه بشتى المشاعر ففاضت في لغة الحب. ولقد أحب سيف الدولة حبا حقيقيا؛ إذ رأى فيه رجلا شهما كريما، وزاده حبا له كونه عربيا في زمن غلب فيه الأعاجم وسيطروا على العرب في كل مكان، إلا في حلب حيث كان يرابض الحمداني يحمي الثغور ضد الروم، ثم يخضع القبائل الثائرة، ويتبع النصر بالعفو عنهم ليضمهم إلى جانبه في دفاعه المجيد ضد أمراء بيزنطة أعداء العرب جميعا، ولقد ترك الشاعر أمير حلب مغضبا، ومكث في مصر عند أعداء بني حمدان أربع سنوات، ثم عاد إلى العراق، ومع ذلك لم يهج قط صديقه
الحبيب، ولا عدا في ذكره له حد العتاب الذي تفاوت لينا وشدة بتفاوت حالات الشاعر النفيسة، بل قد رأيناه يرثي أخته خولة رثاء مؤثرا يدل على حزن حقيقي ومشاطرة لأخيها في ألمه، ودعاه سيف الدولة إلى أن يعود إلى جواره فاعتذر، ومع ذلك لم يكتم فرحة بخطاب تلك الدعوة الكريمة التي أتته من صديقه القديم، ولقد عبر عن حزنه لفراق ذلك الصديق غير مرة في شعر صادق جميل مؤثر، وبخاصة أثناء إقامته بمصر:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
…
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
حببتك قلبي قبل حبك من نأى
…
وقد كان غدَّارا فكن أنت وافيا
خُلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا
…
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وقوله من قصيدة أخرى:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
…
وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
أما تغلط الأيام فِيَّ بأن أرى
…
بغيضا تنائي أو حبيبا تُقرب
وقوله:
أود من الأيام ما لا توده
…
وأشكو إليها بيننا وهي جنده
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه
…
فما طلبي منها حبيبا ترده
أحب إذن شاعرنا سيف الدولة حبا حقيقيا، وحزن لفراقه حزنا موجعا:
ما لي أكتم حبا قد برى جسدي
…
وتدعي حب سيف الدولة الأمم
إن كان يجمعنا حب لغرته
…
فليت أنا بقدر الحب نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
…
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
وكذلك قوله:
يا من يعز علينا أن نفارقهم
…
وجداننا كل شيء بعدكم عدم
…
إلخ، مما يفيض غراما أو ما يشبه الغرام، وألف الشاعر تلك اللغة، فظهرت في مدحه لغير سيف الدولة، ككافور في قوله: "وما أنا بالباغي على الحب رشوة
…
" وقوله:
ولو لم يكن في مصر ما سرت نحوها
…
بقلب المشوق المتسهام المتيم
وابن العميد بقوله:
تفضلت الأيام بالجمع بيننا
…
فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
فجد لي بقلبي إن رحلت فإنني
…
مخلف قلبي عند من فضله عندي
وعضد الدولة بقوله:
أروح وقد ختمت على فؤادي
…
بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت حفظت طرفي
…
فلم أبصر به حتى أراكا
ولتعليل تلك اللغة في مخاطبة قوم لم يكن المتنبي يحبهم حبه الصادق لأمير حلب، يجب أن نفطن إلى حقائق نفسية أخرى عن الشاعر، وأخص تلك الحقائق اثنتان: الطموح والسذاجة، فالطموح من طبيعته أن يخلط بين الغايات والوسائل، فترى صاحبه يجب كل وسيلة إلى الغاية التي يستهدف، وكأن الغاية قد اختلطت بالوسيلة، وإذا اجتمعت السذاجة إلى الطموح -كما حدث عند المتنبي- لم يكن غريبا أن يحب الرجال الذين رأى فيهم كل وسائل إلى غاياته، وأن يسرف في هذا الحب عندما تخيل إليه سذاجته أن غاياته المحبوبة قد تحققت أو أصبحت في حكم المتحققة، ولعل في بيته الشهير:
وكل امرئ يولي الجميل محبب
…
وكل مكان ينبت العز طيب
وما يمثل نفسية الرجل الطموح خير تمثيل، فهو لا يحب إلا من يولي الجميل ولا يرى الطيب إلا حيث ينبت العز. وحن الآن لا نناقش قيمة هذا الإحساس من الناحية الأخلاقية، ولكننا نقرر حقيقة نفسية ثابتة، نجدها عند النفوس المندفعة الطموحة الساذجة في الغالب، والمتنبي من بينها.
وينتهي بنا هذا التحليل السريع إلى نقطة البدء، وهي مقدرة المتنبي على الانفعال، وبهذه المقدرة نعلل استخدامه لغة العشق أيضا في الكلام على الحر كقوله:
أعلى الممالك ما يبني على الأسل
…
والطعن عند محبيهن كالقُبَل
وقوله:
شجاع كأن الحرب عاشقة له
…
إذا زارها فدته بالخيل والرجل
فأنت ترى الطعن عنده كالقبل، وترى الحرب عاشقة للشجاع، وأمثال ذلك كثير في شعره.
هذه هي الظاهرة التي لاحظها الثعالبي وقد عللناها بما نراه متمشيا مع نفسية الشاعر، وهي بعد لا تقف عند المدح أو الفروسية، بل تكاد تمتد إلى معظم شعره. والقراء لا ريب يذكرون نظرية صديقنا الباحث العميق محمود شاكر، وهي التي يزعم فيها أن المتنبي قد أحب خولة حب غرام. ومن أكبر أدلته على ذلك ما في رثائه من حرارة الألم، ونحن وإن كنا غير واثقين من صحة هذا الفرض، إلا أننا مغتبطين إلى الظاهرة العامة التي لاحظها صاحب اليتيمة وأمَّنا عليها، فالمتنبي -ككل شاعر كبير- غني بنغمات الحب.
والحب هو الذي يمس نفوسنا عندما نستمع إلى أناشيد لبنان، وفي هذا تختلف أناشيدنا في جملتها عن أناشيدهم. فنحن نصدر، إما عن زهو كقولنا:"بلادك يا مصر بلاد الأسود" أو نحن "زوابع من نار في قوة الإعصار، في عزمه الجبار، كنا على الدنيا فنا""نحن السيوف المشروعات". وإما أن ندعو إلى حروب كحروب دون كيشوت نحو: "يا قاعد في دارك والعالم في نار، ما تحمل سلاحك وتحمي الديار" أو "يا فرحتي، في الحرب حاخدم أمتي" بلغتها المخنثة السمجة التي يصدعنا بها الراديو المصري المشئوم صباح مساء.
وإما أن نستلهم "خضرة" الشجاعة في لغة لا أعرف لثقلها مثيلا: "مين زيك عندي يا خضرة1.. ما تجودي علي بنظرة.. وأنا رايح الميدان". وما إلى ذلك من استجداء لا يشعر بالحاجة إليه جندي حقيقي، يعرف أن البطولة الفذة ستجعل منه معقد أنظار "خضرات" الأرض جميعا، وما هكذا تكون الأناشيد وإنما تكون شعرًا، والشعر إحساس بجمال الوطن وحب لذلك الجمال. والأناشيد لا تحرك النفوس إلا بقدر ما فيها من تفاصيل حقيقية قادرة على استحضار صورة الوطن أمام الخيال. ثم التغني بتلك التفاصيل غناء مهموسا نافذا حارا، ومن هذا النوع "نشيد العروبة" الذي نريد أن نتحدث عنه.
عليك مني السلام
…
يا أرض أجدادي
ففيك طاب المقام
…
وطاب إنشادي
وهذان البيتان هما القرار الذي تردده الجوقة، وقوام الإحساس فيه ربط الوطن بمستقر الأجداد، ثم طيب المقام به ونشوة الانتماء إليه. وتأتي المقطوعة الأولى:
عشقت فيك السمر
…
وبهجة النادي
عشقت ضوء القمر
…
والكوكب الهادي
والليل لما اعتكر
…
والنهر والوادي
والفجر لما انتشر
…
بأرض أجدادي
وهذا شعر سهل قريب، ولكن تحس بلغة الحب تتقد بين مقاطعة، وكأن السمر وضوء القمر، والكوكب الهادي، والليل لما اعتكر، والنهر والوادي، والفجر لما انتشر ليست من الظواهر الشائعة بين البشر، بل شيء خاص، خاص بأرض أجدادي، يخيل إلَيَّ أن هذه الأشياء كلها غيرها في البقاع المغايرة للوطن الذي
1 لقد بلغني أن المقصود بخضرة هنا هو "وادي النيل" ولكن متى عرفت الأناشيد المصرية الرموز!
يتغنى به الشاعر، هناك شيء من التخصيص لا أدري من أين أتى، فهو يجري في المقطوعة كلها، يجري في الإحساس الصادق بالجمال، يجري في يسر العبارة، يجري في "فيك" بعد "عشقت" الأولى وفي "باء""بأرض أجدادي" بعد "والفجر لما انتشر" يجري في موسيقى اللفظ، وحرارة القلب.
ويعود القرار: عليك مني السلام
…
إلخ، ثم تأتي المقطوعة الثانية ولعلها أجمل ما في النشيد:
أهوى عيون العسل
…
أهوى سواقيها
أهوى ثلوج الجبل
…
ذابت لآليها
سالت كدمع المقل
…
سبحان مجريها
ضاعت كرمز الأمل
…
بأرض أجدادي
وهنا يجتمع الإحساس بالجمال الخاص، بالجمال الدال على وطن بعينه، الجبال ذات الثلوج تذوب كاللآلئ يجتمع إلى لوعة النفس، لوعة فيها روحية التصوف. سالت الثلوج كدمع المقل، سالت سبحان مجريها، ضاعت كرمز الأمل. ثروة روحية في تلك المعاني التي بلون بعضها وقد تدفقت في وحدة نفسية بالغة العمق! انظر إلى نار الوطنية تئج في تشبيه ثلوج الجبل الجميل كاللؤلؤ يدمع المقل، انظر إلى التصوف الديني في سبحان مجريها، انظر إلى العتاب القوي المثير للهمم في "ضاعت كرمز الأمل".
ويعود القرار مرة ثالثة، ثم تصل إلى المقطوعة الأخيرة:
يا قوم هذا الوطن
…
نفسي تناجيه
فعالجوا في المحن
…
جراح أهلية
إن تهجروه فمن
…
في الخطب يحميه
ياما أحيلي السكن
…
في أرض أجدادي
أوما يفعل هذا العتاب في النفس أكثر مما تفعل ألفاظنا الضخمة ونداءاتنا الغليظة المسرفة؟ فالنفس تناجي هذا الوطن، وقد نزلت به محن جرحت أهليه، هلا عالجتموها! وهأنتم تهاجرون التماسا لسعة الحياة، ولكن أما للوطن أن يلتمس فيكم حماته؟! هذا الوطن الجميل "ياما أحيلي السكن في أرض أجدادي"! عتبا فيه إغراء قوي حتى العبارة عذبة جميلة مؤثرة "ياما أحيلي السكن"، ياما أحيلاه في أرض أجدادي! هذا هو سحر الألفاظ، سحر مستمد من القلوب.
ذلك هو شعر الأناشيد الذي يخاطب النفس فيحركها؛ لأنه يقوم على الإحساس
بجمال الوطن كما قلنا، على عشق هذا الجمال1، وأما الوطنية، وأما استنهاض العزائم، وأما الدعوة إلى الفداء، فكل تلك معانٍ لا يمسها الشاعر بظاهر اللفظ إلا في رفق يشبه الحياء، ولكن لكم نحسها قوية دامغة في حرارة النغمة، ولطف الإحساس، ونفاذ العبارة! وهذا هو سر الشعر، هوا لهمس إن أردت أن تعرف ما نقصد بذلك اللفظ الذي كأنه سر مغلق.
وبعد، فأنا أخشى أن يكون مصدر ما في أشعارنا من غلظ ضعف في الحاسة الفنية، حاسة الإحساس بالجمال، ثم نقص في القدرة الحقيقية على الحب بمعناه الإنساني الصحيح، ويزيد هذا الخوف في نفسي وضوحا ما ألاحظه من أن شعبنا لا يفطن إلى شيء اسمه جمال في شجرة أو نهر، فجر أو غسق، وإنما يعرف ذلك من سمع منا أو تعلم أن هناك شيئا بهذا الاسم، وأن الله لم يخلق الأشياء لما فيها من نفع مادي للإنسان فحسب، بل خلقها أيضا لمعانٍ روحية، سل مثلا فلاحا عن جمال شيء، تحس لساعتك أنك تخاطبه عن أمر خلا منه ذهنه على الإطلاق! وليس لذلك سبب غير الجهل.
فالإحساس بالجمال ذاته لا بد أن يوقظه العلم، واللبنانيون أكثر اتصالا منا بثقافة الغرب؛ ولذلك نضح إحساسهم، ورهفت أذواقهم، ونضجت نفوسهم، ومن هنا ترانا ندعو جاهدين إلى نقل الثقافة الغربية إن كنا نريد نهضة حقيقية، وما النهضة إلا نوع من الحياة لا أفكار تردد أو نظريات تسرد.
1 وهذا الاتجاه الصحيح في كتابة الأناشيد ليس خاصا بالأدب العربي، فهو واضح في معظم الأناشيد الغربية، ولقد سبق أن ترجمنا نشيد "الرين" للشاعر الألماني نيقولا بيكر بالثقافة "عدد 166" وفيه يتغنى الشاعر بجمال نهرهم وجمال نبيذه وجمال بناته.
الأدب عسر لا يسر 1:
منذ عودتي من أوربا بعد السنين الطويلة التي قضيتها بها وأنا أرسل للثقافة المقال تلو المقال فتنشر القليل وتمسك الكثير بحجة أن فيما أكتب عموضا وكثرة استطراد وإشارات إلى بعض الآداب الأجنبية، لا يستطيع القارئ المصري فهم معناها وقد خلا ذهنه مما تفترضه معلوما لديه من أسس الثروة العقلية التي يملكها مثقفو القوم في أوربا. والرأي عندها أنه من واجبنا أن نلحظ القارئ ونقدم إليه ما يتناسب وثقافته في وضوح وجلاء، وفي هذا إهدار لكل القيم، فالماء الوشل لا يعرف إلا لونا واحدا تتفق عليه كل الأبصار، ونحن نحرص على أن نترك له عمقه حتى تتهيأ له من تكافئ طبقاته تلك الألوان المتباينة تباين ما يلقى عليه من ضوء أو تنعكس فيه من ألوان السماء، وفي نفسي -إذ أقول ذلك- صور لبحيرة Bourget في جبال السفوا بفرنسا، فهناك تتغير ألوان مياهها بتغير حالات الجو وساعات النهار، فطورا تنحدر الأضواء عما يحيطها من جبال شامخة لتنتهي إلى صفحة الماء وكأنها مأخذ آلة مصورة تجتمع إليها الأشعة، فإذا بشدة البريق تلهينا عن لون مياهها، فكان البريق لونا، وطورا يخف الضوء بما انتشر فوقه من ظلال، وإذا بالماء في زرقة قاتمة أو خفيفة كالعين المبصرة. وكثيرا ما تعبس السماء فلا ترى إلا ما يشبه النحاس علاه الصدأ، وفي ذلك من الجلال مثل ما نحسه بإزاء أثر قديم قد كساه الزمن بذلك الطلاء القاتم، الذي يخلع على ما يكسوه من نبل القدم، ما يأخذ بكل نفسي صادقة الحس، وعلى شاكلة تلك البحيرة أود أن لو كان كل مقال، أود أن نترك له عمقه حتى لا يجد فيه كل قرئ ما يجد الآخر. والنفوس متباينة وبحكم هذا التباين نفسه لن نستطيع أن نقدم لكل منها ما تبغي، فالسبيل إلى تغذية النفوس بالحق والجمال لا يمكن أن يكون بغير ترك احتمالات لا حد لها ترقد تحت ألفاظنا فتلتقط منها كل نفس ما تريد.
وحسبما كان لونها الدائم أو الموقوت، ونحن بعد ذلك لا نكتب لنسكب ما في نفوسنا في أنفس الغير، وإنما لنعين كل نفس على الوعي بمكنونها؛ إذ النفوس عامرة بكل حق وجمال، والمقال الجيد هو ما يأخذ بتلك النفوس إلى حيث يستقر منها ذلك الحق وذلك الجمال.
1 هذه المقالة من أولى المقالات التي نشرت بالثقافة بعد عودتي من أوربا سنة 1939.
يخيل إليَّ أن الطبيعة البشرية كقطعة الرخام حلَّتها الطبيعة بأجمل "التجازيع" ولكنها مختفية كما هو الأمر في الرخام، ولكي تظهر تلك التجازيع لا بد لها من محك يذهب بالطبقة السطحية التي تخفيها. وهذا المحك في الطبيعة البشرية هو الحياة، فنحن إذ نكتب لا نفعل ذلك إلا لأن الحياة قد كشفت لنا عما في طبيعتنا من "تجازيع" نطلع الغير عليها لتعينهم على اكتشاف ما اكتشفنا، فيجدون في أنفسهم ما وجدنا، ذلك أنه وإن تكن تجاربنا الخاصة لن تغني الغير عن التجربة الذاتية، إلا أنه ما من شك في أن حياتنا الروحية خاضعة لقانون عام هو قانون "ادخار الطاقة" فالرواية التمثيلية نراها فتشفى النفس من غريزة مكبوتة أو أمل مكتوم، وكأننا أحيينا تلك الغريزة وحققنا ذلك الأمل، وهكذا تحل المشاهدة وما يصاحبها من مساهمة خيالية محل المزاولة الفعلية، وبهذا نجنب أنفسنا التجربة المباشرة، وندخر ما في جهدنا من طاقة، والأمر في الرواية كغيره في كل أثر أدبي أو فني.
وإذن فنحن نكتب لنساعد الغير على اكتشاف نفسه، ونحن نريحه بتجاربنا من المزاولة الفعلية، وخلاصة تجاربنا في أكثر الأحيان ليست من الوضوح بحيث يُظن إلا أن تكون تجارب مدعاة. فالحياة لسوء حظنا أعمق من أن تسلم إلينا أسرارها. والخلق الأدبي ليس خلقا عقليا بل خلق حواس، فليس لرجل الفن أن ينتظر حتى تأخذ الصور الحسية عنده دلالتها العقلية، وإلا حكمنا عليه ببعد طبيعته عن إمكان ذلك الخلق، وإنما هو يأخذها عند نبعها، قبل أن تصل إلى نفسه فتسقط في الميدان العقلي الذي يشترك فيه جميع الناس، وكيف نستطيع أن ندعي الخلق بما هو شائع بين البشر؟
ومن هذه الصورة الحسية نصوغ ما نعرضه على القارئ وقد شاطرنا صفة الإنسانية واثقين أنه واجد في نفسه ما يماثلها. ونحن بعد ذلك لا نعرض عليه ما في نفوسنا من حب أو ألم تطفلا منا وزجا له فيما لا يعنيه ليضيق بنا نفسا، بل لإيماننا بأنه يحب ويألم كما نحب ونألم، والواقع أنه ليس هناك أي خلق أدبي يسند إلى حادثة بذاتها، فالكاتب للغزل لا يتغنى بامرأة بعينها بالغا حبه لها ما بلغ، وإنما أقصى ما يستطيع أن يفعل هو أن يحضرها إلى نفسه ليخلق جوا يستطيع بفضل ما يشيع فيه من حرارة أن ينفذ إلى صميم النفس البشرية إطلاقا.
والفنان يعرف أنه صائر إلى الفناء، وهو منذ نشأته يحس أن في نفسه رسالة لا بد من أدائها، وهمه الأول هو تحديد تلك الرسالة وقد شاعت في نفسه غامضة، فليس لإنسان أن يزيده نصبا وقد شد عزمه لجمع ما انتثر من تلك الرسالة، ولا أن يطالبه بتأديتها دفعة واحدة، فلو أنه استطاع لما توانى، وإنما لنا وعلينا أن نمهله متلقين ما يحمل لنا من فتات، مقدرين له جهده، عالمين أنه خير للإنسانية أن تؤدي نفس واحدة رسالتها ولو نقطة نقطة من أن يملأ الناس آلاف الصفحات المستعارة.
هذا هو الأديب كما أظنه. وأما من يدعون الأدب بغير رسالة تطرب بها نفوسهم فتلك أرواح خلقت خطأ كما خلق أكثر الناس بغير سبب، ولا مبرر، إلا إتلاف الحياة على من يستحق الحياة.
رأيت بمسرح الأديون بباريس رواية لإبسن lpsen هي رواية "بيرجنت" Pyr Gynt موضوعها خيالي استقاه المؤلف من أساطير البلاد الشمالية، ووضع لبعض أجزائها الموسيقى جريج Greeg ما زاد في دلالتها من ألحان، والذكرى التي علقت بنفسي منها هي ذكرى أحد أشخاصها الوهميين، وقد سار على المسرح وبذراعه سلة وبيده الأخرى "مجراف" وقد أخذ يجرف من يلقاه من الناس الذين خلقوا خطأ، يلقيهم بالسلة ليعود خلقهم من جديد رحمة بهم وبغيرهم ممن يشاركون في صفة الإنسانية.
وكلما فكرت في أمر الأدب أو الفن عندنا عاودتني تلك الذكرى، وبودي لو ساقت هذا الرجل قدماه إلى بلادنا. فما أشك أنه واجد ما يملأ أضعاف سلته.
فالأدب عندنا يزجيه فراغ أو احتيال على العيش، وفي هذا امتهان لحياتنا لا حد له، وهو إن سعى إلى غاية جاءت غايته حقيرة، فمن قائل: إنه منبر وعظ سبيل إرشاد، ومن قائل: إنه مصري أو يجب أن يكون مصريا، والكل يجمع على ضرورة تيسيره لكافة الناس حتى نكسب من ورائه المال.
وأنا بعد أعلم أننا بوجه عام لم نزل في حالة فطرية حيث تقاس الأشياء بما تعود به من نفع مادي أو معنوي مباشر، وأنه لا بد لنا من زمن حتى نصل إلى تفدير الحق والجمال في ذاتهما.
ولكن أما لنا أن نحاول بسط أجنحتنا؟ وشباب هذه الأمة يحتفز نشاطا، فما له لا يأخذ عدته، فيبحث وينقب عما نشير إليه، يغني بتفاصيله نفسه؟
فرجاؤنا إلى الشباب اليقظ أن يرجع إلى ما يشير إليه الكاتب، فيستوعبه ليرى أثره العام في نفسه، وليذكر مثل هذا الشاب أن الثقافة الحقيقية "هي ما يبقى في النفس بعد أن نسى ما حصلنا"، وهذه الثقافة هي ما نحاول أن نمده بها، وإن يكن ذلك غير منغنيه عن الرجوع بنفسه إلى كتب البسط، فمهمتنا ليست في ذلك، وإنما هي في تعليمه كيف يجد نفسه.
الأدب عسر لا يسر، وما ينبغي أن يكون غير ذلك، على أنك مجازي بغير ريب عن جهدك، فسترى أمامك عوالم لم تحلم بها من قبل، وسيأتي يوم يخيل إليك فيه بمجرج نظرة -أنك تشق الحجب فترى في النفوس ما تكنه من جمال أو قبح، كما سترى خلف الأشياء ما فيها من حق أو باطل، وأي كسب يعدل كسبا كهذا؟ وأي معنى للحياة بغير الفطنة إلى أسرارها وغاياتها؟