المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سوء تفاهم وفن الأسلوب: - في الميزان الجديد

[محمد مندور]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الأدب المصري المعاصر:

- ‌النقد ووظائفه:

- ‌بجاليون والأساطير في الأدب

- ‌سوء تفاهم وفن الأسلوب:

- ‌أرواح وأشباح الشعر والأساطير:

- ‌نداء المجهول والأدب الواقعي:

- ‌زهرة العمر وحياتنا الثقافية:

- ‌الأدب المهموس

- ‌الشعر المهموس "‌‌أخي" لميخائيل نعيمة

- ‌أخي" لميخائيل نعيمة

- ‌يا نفس" لنسيب عريضة:

- ‌ النثر المهموس:

- ‌أمي" لأمين مشرق:

- ‌حول ترنيمة السرير:

- ‌الشعر الخطابي:

- ‌إيضاح أخير:

- ‌ الهمس في الأناشيد:

- ‌مناهج النقد - تطبيقها على أبي العلاء

- ‌الأدب ومناهج النقد

- ‌النقد الذاتي والنقد الموضوعي

- ‌مشكلة المعنى:

- ‌أبو العلاء والنقد:

- ‌أبو العلاء ورسالة الغفران:

- ‌رسالة الغفران:

- ‌مساجلات جورجياس المصري:

- ‌المعرفةوالنقد - المهج الفقهي

- ‌الشعراء النقاد

- ‌المعرفة والنقد:

- ‌نظرية عبد القاهر الجرجاني:

- ‌النظم عند الجرجاني:

- ‌الذوق عند الجرجاني:

- ‌خلط بين القيم:

- ‌مناقشات لغوية:

- ‌اللغة والتعريب:

- ‌عثرت به وعثرت عليه

- ‌حول أصول النشر:

- ‌كتاب قوانين الدواوين "1

- ‌كتاب قوانين الدواوين "2

- ‌أوزان الشعر

- ‌الشعر الأوروبي

- ‌ الشعر العربي:

- ‌فهرست الموضوعات:

الفصل: ‌سوء تفاهم وفن الأسلوب:

‌سوء تفاهم وفن الأسلوب:

لعل دراسة الأساليب أشد أبواب النقد تخلفا في أدبنا الحديث. ولعل تأثرنا بالأدب الأوربي كان أضعف في هذا الاتجاه من تأثرنا بالتفكير الأوربي، والذي يبدو لي هو أن هذه الظاهرة كانت من أكبر الأسباب التي عمت معنى الأدب عندنا وأنزلت الاضطراب بمنهجه؛ وذلك لأن الأدب كما قال لانسون:"هو المؤلفات التي تكتب لكافة المثقفين، وتثير لديهم بفضل خصائص صياغتها صورا خيالية أو انفعالات شعورية أو إحساسات فنية". فهو إذن غير التفكير الفلسفي، وهو غير التاريخ وغير النظريات الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية، وإذا كان النقاد يجمعون على أن محاورات أفلاطون مثلا أو كتب برجسون أو تاريخ فرنسا لمشليه تدخل في الأدب؛ فذلك لأن في "صيغاتها ما يثير صورا خيالية أو انفعالات شعورية أو إحساسات فنية". وهذه حقيقة هامة يجب أن تستقر في نفوسنا حتى لا يذهب جهد أدبائنا فيما لا أدب فيه ولا ضمان معه للخلود. الأدب صياغة.

والناظر في أدبنا الحديث يجد عدة أنواع من الأساليب؛ فثمة أسلوب طه حسين الذي يعرفه الجميع، أسلوب سمح تسلم الصفحة منه عند أول قراءة كل ما تملك، فلا تشعر بالحاجة إلى أن تعود تستوحيها جديدا، ولكنك رغم ذلك تحمد للكاتب يسره، أسلوب واضح الموسيقى، يكشف في سهولة عن أصالته، فيقلده الكثيرون بوعي منهم أو بغير وعي، ولكنه مع ذلك موسيقى نفس. أسلوب عذب.

"إن السعادة لخير ما يحقق مذهب "أنشتين" في النسبية. فكل شيء في الحياة من لذة وألم نسبي.. وليست اللذة والألم يعتمدان على الشيء الخارجي فحسب، بل هما نتيجة تفاعل بين الشيء الخارجي والنفس، ويختلف هذا التفاعل اختلافا كبيرا باختلاف النفوس، فليس الألم من الحر والبرد يعتمد على درجة الحرارة وحدها؛ بل إن صح أن يكون الترمومتر مقياسا لحرارة الجو فلا يصح أن يكون مقياسا لألم النفس من الحر، وليس لهذه الحال ترمومتر مشترك يتساوى فيه

ص: 18

الناس، إنما لكل إنسان في الألم من الحر والبرد ترمومتره الخاص؛ ولذلك ترى من يموت من الحر ومن يموت من الضحك من الحر" "فيض الخاطر ج1 ص342، 343".

تقرأ هذا الأسطر لأحمد أمين فتخرج منها بفكرة "أن الألم واللذة أمران نسبيان، وأنهما نتيجة لتفاعل بين النفس وما يحيط بها".

ثم تنظر فإذا الكاتب يعرض لك نفس الفكرة بعدة طرق، ويحتال على نقلها إليك بكافة أوجهها فتهم بأن تصيح: وما عملي أنا إذن؟ ولم لا يترك لي حظ تنمية فكرته فأشاركه عمله وأجد من لذة الجهد الشخصي ما يغريني بقراءته؟ لم لا يترك فكرته مركزة فتحتفظ بقدرتها على الإيحاء؟ إننا لا نريد "الفكة" بل نريد "جنيهات صحيحة". وفي هذه التشبيه على ابتذاله ما يوضح حقيقة هذا الأسلوب، فالجمل بسيطة صغيرة ليس فيها من التماسك والتداخل ما يجري في التفكير، وفي العبارة ذلك "السيل الموسيقي" الذي يميز بين الأساليب تبعا لطبيعته، أسلوب يترك القارئ في موقف سلبي؛ لأن الكاتب لم يترك له شيئا، أسلوب جزئيات لا موج فيه، أسلوب واضح، ونحن في حاجة إلى ظلال وأسرار ولو من حين إلى حين، أسلوب تجاور لا بناء، أسلوب تعليمي.

ثم أسلوب الزيات: "نشأ بين لداتة من أطفال القرية، كما ينشأ الزنبور بين النحل أو الثعبان بين الحمام، فكان لا ينفك ضاربا هذا بعصا أو قاذفا ذاك بحجر، أو خاطفا لعبة من بنت أو سارقا شيئا من بيت! فلما جاوز حد الطفولة دخل في خدمة الفجار والمجان. فكان يخدم أولئك في تدبير الجرائم ويخدم هؤلاء في إعداد الولائم""الرسالة 464".

شيء أشبه ما يكون بأسلوب "المقامات"، وأنا لا أكره المقامات بل أعدها كنزا ثمينا في ترثانا الأدبي لم نعرف بعد كيف نتذوقه، ولكن الزيات لم يقصد إلى كتابة "مقامة" بل مقالة يصور فيها رجلا لقيه فعلا في الحياة، فما هذه الصنعة التي تخرج التصوير من الواقع الحي إلى الأدب المصنوع؟ ومن منا يقرأ جملا كهذه ثم يتصور أو يصل إلى أن يتوهم أن هذا الرجل موجود؟ ولو أن ذلك كان ممكنا لما سأل القراء الزيات عن حقيقة ذلك الرجل، كما رأيناهم يفعلون على صفحات "الرسالة"، وأين هذا من الأسلوب القصصي أو التصويري الذي يجعلك تتوهم الخيال حقيقة أراد المؤلف أم لم يرد؟ ولكم من ورائي قاضاه الناس؛ لأنهم رأوا أنفسهم فيما صور! ولكم من ورائي يصر قراؤه على أنه هو نفسه بطل روايته رغم احتياله عى الواقع وحرصه على تعميته! بل إن من الروائيين الخياليين من يحتال بعدة طرق حتى يعطيك ما

ص: 19

يسمونه بالفرنسية "وهم الحقيقة" L'illusion du reel فما بال الزيات إذن يأبَى إلا أن يفسد بالصنعة نغمات الواقع؟ ثم لم كل هذه "السمترية"؟ وفيمَ اصطناع "البرجل والمسطرة"؟ ومتى كان الأسلوب هندسة من هذا النوع التخطيطي؟ أما من نزوة الشيطان الأدب تكسر هذا الاتساق؟ أما من نفضة قلم تتلف قليلا من هذا الكمال المضني: "زنبور بين النحل أو ثعبان بين الحمام"، "ضاربا هذا بعصا قاذفا ذاك بحجر"، "خاطفا لعبة من بنت أو سارقا شيئا من بيت"، "في خدمة الفجار والمجان، يخدم أولئك بتدبير الجرائم وهؤلاء في إعداد الولائم"، يا لله! ولِمَ لا يخطف لعبة من ولد وهو مجرم كبير؟ ولم لا يسرق من حقل وذلك أيسر من السرقة من بيت؟ وهل هو حقيقة لم يخطف إلا من بنت؟ ولم لا يسرق إلا من بيت؟ أم هو مجرد أدب وصناعة؟ وهو يخدم المجرمين بتدبير الجرائم، ولكن لم لا يخدم المجان بإعداد المقاصف؟! وهل الوليمة أشهى من المقصف أم هي ضرورة السجع؟

أسلوب الزيات المصنوع صنعة محكمة، صنعة كاملة؛ ولكن الصنعة تبعدنا عن الحياة. ولكن الكمال يمل. وهناك في أساليب كبار الكتاب ما يحسبه البلاغيون والنحويون ضعفا وعيبا، ولكنه أمارة الأصالة ودليل الطبع. وإذا كان في جلال أسلوب "شكسبير" أو "فليري" ما يسمونه كسر البناء Rupture de Syntaxe، فكيف لا يطمئن جهد الزيات حتى يقيم الموازين ويقيس المسافات؟!

وبعد فهذه كلها وغيرها أنواع من الأساليب، وأنا وإن كنت أعتقد أن أيا منها لم يبلغ بعدما نرجوه في لغتنا من خلق أساليب تجمع بين الموسيقى والإيحاء والطبيعة، على أن تكون الموسيقى خفيفة دفينة عميقة لا تُحاكى، وأن يكون الإيحاء عن غنى وتركيز لا عن غموض وعجز عن تملك الفكرة، وأن تكون الطبيعية نتيجة لجهد طويل وصناعة مستترة وتثقيف محكم، كالضوء الداخلي يشع دون أن يعشى الأبصار، أو كالرجل اللبق، يعرف كيف يلقي الناس ويحييهم ويحادثهم في يسر، طال إلفه له حتى أصبح كالطبع المفطور -أقول: إنني رغم ذلك مغتبط بوجود هذه الأساليب المختلفة، مؤمن بأن أصحابها قد ساهموا وسيساهمون في تربية أذواق الناشئين ليحققوا ما يمكن أن يكون جيلهم قد عجز عنه، وما قد يعجز عنه جيلنا نحن أيضا؛ لأننا لا نزال حديثي عهد بفن الأساليب، ولا بد لنا من أن نتتلمذ في ذلك زمنا ما لكبار كتاب أوربا الذين لم نأخذ عنهم -كما قلت- سوى التفكير.

وأما الأسلوب الذي لا أستطيع أن أقبله والذي أرجو أن نحيد عنه فهو الأسلوب

ص: 20

الذي يشبه أسلوب بشر فارس في "سوء تفاهم"، وأنا إذ أقول "الأسلوب" أقصد إلى كل هذا النوع من الأدب، وهو بعد أسلوب له نظائره في كل الآداب، ولقد حاربه دائما خير النقاد والكتاب، هو أسلوب الشويعر "تريسوتان" في كوميديا موليير "النساء العالمات" أسلوب المتحذلقات في كوميدياه الأخرى "المتحذلقات المضحكات". وهو قد يسمو قليلا فيصل إلى أسلوب "ماريفو" المسمى "بالماريفوديه" Marivaudage، ولقد يبلغ بأصحابه الغرور أن يسموه "الأسلوب الفني" كما فعل جونكور وأخوه. انظر إلى هذين الأخيرين يقولان في وصف مدام جوفزيه Gervaisais بطلة رواية لهما وهي في مجلس أصدقاء:"هنالك وقد أحسست في دلال بالجهد من حمل رشاقة قدها: أكتاف مضناة ورقبة فرعاء، أخذت تنصت في رفق وبلبها شرود، حتى لكأنه لا ينصت منها غير ابتسامة وجهها إلى ذلك الحديث المهشم الذي كانت تتبادله تلك الحلقة الضيقة التي جلست على مقاعد كستها طنافس صورت عليها فضائل الدين".

لننظر في القصة الأولى من المجموعة، وعنوانها "قصة ستكمل" على نحو ما كتب شوبيرت "سمفونية ناقصة؟؟! " وهي قصة رجل تافه متسكع مغرور، نحس أن الكتاب يسلم له بأنه ملك مسيطر على قلوب النساء! وأنه يستطيع بتصنيع البرود والقسوة والسفسطة أن يسبي الحسان! ثم امرأة يشعرنا بأنها ستخضع لهذا الرجل رغم أنفها؛ لأنه واسع الحيلة خبير بالفتيات! الرجل في عقلية ما يسمونه بالفرنسية "بالجيجولو" والمرأة "عاهرة"، والقصة تبتدئ بالمرآة تنظر فيها المرأة، وكم في المجموعة كلها من مرايا! وعند بطل القصة "أن روح الرجل مصباح كهربي، زره تحت ضغط أصبع المرأة". و"المصباح الكهربي" و"الزر" أشياء حديثة رأيناها جميعا، ولكن ماذا نقول في "البطلة" التي أرسلت خادمها إلى صندوق البريد بأسفل السلم لينظر هل جاءها خطاب من صاحبها العزيز أم لا؟ و"هبط الخادم ومعه قلب هبط ثم صعد الخادم واجما فلم يصعب القلب". أين ذهب؟ ذلك ما لم يحدثنا عنه المؤلف! أهذا هو أسلوب القصة التي هي "حنية من صدر الحياة تنتزع" كما يقول الكاتب نفسه في أحد أحاديثه الذي حرص على أن يصدر كتابه ببعض فقراته بعد أن "نشرته مجلة المكشوف البيروتية" العدد 232 - 14/ 11/ 1941، ونقلت صفوته "المقتطف" عدد فبراير سنة 1942، و"الثقافة العدد 162" 3/ 3/ 1942، وفي الفرنسية Journal d.Egypte القاهرة 14/ 2/ 1942. ما هذا القلب الذي يهبط ثم يجرؤ إلا يعود فيصعد؟ والمؤلف

ص: 21

يستطيع بلا ريب أن يحمل بطله على أن يطلب إلى المرأة أن تكون "برقا يلتوي في سماء مغبرة". وأما أن يلعب بالقلب كرة القدم فهذا ليس أدبا ولا أسلوب أدب.

والقصة الثانية "طبق فول" تبتدئ أيضا بالمرأة، هكذا "كانت المرآة لا يعوزها سوى الصفاء، وفي الأشياء ما يعوزه الأهم. فيعجب كيف يكون؟ إني أعرف برلمانا يفتقر الحين بعد الحين إلى ثقة الأمة". وأنت تعجب لهذه المهارة المسرفة التي تجمع بين صفاء المرآة وثقة الأمة بغير رابطة إلا أن تكون هذه النقط الدقيقة التي وضعها المؤلف بين جملتيه! والمرآة العاشقة توحي إلى المؤلف "بأن الإحساس السخي ولد في زرقة سماء لم يرد وصفها في كتاب، ثم هبط على جناح التفدية حتى سمرة الأرض، فضاع خيره في الأزقة القاتمة والسهول البائرة بين براثن الجشع وقهقهات الاستخفاف". وهذا لا ريب بؤس بشري يدعو إلى الحزن؛ إذ فيه أكبر "استخفاف" بالمعنويات. فقد كنا نقول "السماء الزرقاء" و"الأرض السمراء" فأصبحنا اليوم نسمع "زرقة سماء" و"سمرة الأرض" ولِمَ لا؟ أليس في ذلك تجديد؟ أليس فيه تجريد للصفة وإضافة للموصوف؟ ألم ترَ له شبيها عند الفحول؟ أليس هو "الأسلوب الفني" العزيز المنال؟ ومع ذلك يمجه كل ذوق سليم! ثم إن بطل القصة "يركز أوتاد نهاره في المطعم وينصب خيمة الليل في القهوة" أي إنه "بلغتنا" ينفق نهاره في المطعم وليله في القهوة، ولقد تكون لليل خيمة وإن كنت أظنها أكبر من أن تحويها قهوة وأرفع من أن تطمئن إلى الصخب، وأما "أوتاد النهار" فذلك ما لا علم لي به وإن كنت أعلم أن الخيمة هي التي تحتاج إلى أوتاد.

ومؤلفنا لا يكتفي بالإسراف والتكلف، والجمع بين ما لا صلة بينه، وزج الملاحظات الاجتماعية أو الأخلاقية أو السياسية حيث لا محل لها؛ بل يأبَى إلا أن يعقب على معظم فقراته، مستخرجا العبر النادرة. فبطلة "طبق فول" تلبس "معطفا منزعجا على كتفها وحذاء له كعب، طوله طول أنفها.. التناسب مع شرائط الفتنة"! وهكذا ندرك في الكاتب حرصه على التفاصيل وإقامة النسب بين طول كعب الحذاء وطول أنف امرأته المسكينة! ونحس بسخريته اللطيفة الفنانة تطالعنا من ثنايا تعقيبه الرابع "المنزعج": "التناسب من شرائط الفتنة؟! " ونظر لطيف أفندي إلى المرآة "طبعا؟! ""بمؤخرة عينه يلومها على عكس وجهه وقد تنبه أن الماء لم يحيه بعد" ومعنى الجملة الأخيرة فيما أظن "أنه لم يكن قد غسل وجهه"!

ص: 22

وفي القصة الثالثة "السفينة" يصف المؤلف أثاث حجرة فإذا بها "طنافس، لو قصدت بها إلى أمريكا الشمالية فبعتها لرجعت وفي قبضتك ما يجذب فريقا من نواب أمة راقية" فانظر إلى المرور من الوصف إلى هذه الحقائق السياسية الدفينة، ثم تصور قيمة هذه الطنافس، أليست غالية جدا؟! "وأمينة" بطلة القصة تستند إلى "شطء" النيل: أمينة "نيل آخر" وبودي أو لو جعلها "جدولا"، ليستريح الكاتب فلا يعود يدهش عندما يرى سفينة تسير في النيل ويتساءل:"هل تستأذن الماء في الجريان أو تعتذر إليه عن شقه؟ " وهذه أشياء ما أشك في أنها قد فاتت السفينة، وأملي أن تفوت السفن كلها إلى يوم الدين وألا يلاحظ ذلك أحد!

وقد يغلب الكاتب شعوره الإنساني فيشرك القارئ معه: "أيها القارئ الجوعان مع رقة حال، أنت أدرى بفضل الخبز الكثير" فأي رقة وأية إنسانية وأي فهم لحقائق النفوس! "والبورش" التي هي شربة خضار روسية "حساء تلتقي فيه ألوان البقول بعد تبعثرها في الحقل -تلتقي هالكة في لحد واحد" واللحد هو "القدر" أو "الصحن" الذي تقدم إليك فيه؛ ولكن الصحن البائس أصبح "لحدا" يشعرك ببؤس صاحبه وينشر في الجو تلك الرومانتيكية النادرة المؤثرة!!

والمؤلف يرى رجلا جالسا إلى جواره على مقعد بأحد شوارع باريس أمام مسرح فيخيل إليه "أن يحمله إلى داخل الأوبرا؛ لأن يكون أخف محملا على سمعه وضربانا في قلبه". من أن يثقل على الرجل فيقص عليه مأساته، ثم يرى في الأقصر بائع عقود "في عينيه سلم أضواء من الأبيض حتى الأرجواني، فكأنما طول تحديقه إلى عقوده وهو يزينها للناس ترك في مقلتيه بريق الأحجار، إلا أنه بريق كاذب". فهل رأى أحد بصرا أحَدَّ من هذا البصر الذي يرى سلم أضواء في عيني هذا البائع النصاب؟ وهل نفذ أحد إلى نفسية هؤلاء الباعة نفاذ مؤلفنا الذي ترجم لنا نفاقهم وكذبهم وخداعهم بألوان أعينهم، وفسر وجود كل تلك الألوان بها هذا التفسير الرائع؟!

وأخيرًا، كم جلس مؤلفنا مع صديقه زكي في قهوة "تعدت على استقلال الشارع وليس فيها امرأة"؛ وذلك لأنه قد وضعت بعض كراسيها على الرصيف، وهذا طبعا اعتداء على "استقلال الشاعر"! وما نسمع نحن باعتداء على الاستقلال حتى نغضب وتثور عزتنا القومية، خصوصا وأنه ليس لهذه القهوة المعينة ما يشفع لها وقد خلت من النساء.

وبعد فقد قال الأديب الصادق الذوق المرحوم طه إبراهيم في كتابه القيم

ص: 23

"تاريخ النقد عند العرب" في معرض الحديث عن مذهب أصحاب البديع كأبي تمام ومن نحا نحوه: "إن صاحب البديع يفكر مرتين: مرة للفكرة ومرة لتحويرها والتطلف بها حتى تسكن للبديع. من المعلوم أن الصياغة حركة ذهنية عند الكاتب والشاعر، فإن تعقدت هذه الحركة لم يكن لنا أن ننتظر إلا عبارات معقدة وإلا نفسا فاترا، كلما هم باطراد وقف به الحرص على الزخرف، وحال بينه وبين الجيشان والاسترسال تلمس المحسنات؛ ولذلك فإن التكلف أول ظاهرة في مثل هذا الشعر".

وهذا الحكم دون ما يستحق أسلوب بشر فارس وأدبه؛ وذلك لأنه لا يفكر مرتين فقط بل عشر مرات. والأصالة ليست في الإغراب، ولا في تسمية الأشياء بغير أسمائها، ولا في تضخيم التوافه، ولا في التكلف الثقيل المعيب، وإنما الأصالة في النفس وموسيقاها، الأصلة في الطبع واسترساله، فهل ترانا نؤدي خدمة إلى بشر فارس، عندما نقول له هذه الحقائق التي يجب أن يسمعها من رجل مخلص كان يود أن يستمتع بما في قصصه أمثال "خريف" و"مبروك" من واقعية مؤثرة، وبما في "قيثارة مغترب" من جو شعري نافذ، وأخيرا بما في "رجل" من رمزية موحية.

وموضوع هذه القصة جدير بالنظر لما نحسه جميعا من أن التطلع إلا ما لا قبل لنا به خليق بأن يقتل فينا العنصر الإنساني. نعم كنت أود أن أستمتع بكل ذلك وحاولت أن أستمتع، ولكن التكلف أتلف عليَّ متعتي، التكلف البادئ في كل شيء حتى في عناوين القصص وطريقة كتابتها "بخط المؤلف" ووضع "المشتمل" أي الفهرست"، وحتى في استشهاد الكاتب بنفسه وتقفيته عنوان الكتاب بجملة من روايته "مفترق الطرق" وكتابة عنوان المجموعة باللغتين العربية والفرنسية، ثم في الإهداء إلى "من هذبني فشعرت".

وأخيرا في شرح مذهبه في القصة نقلا عن حديث له أوردنا أسانيده في أمانة كما أوردها المؤلف نفسه. وهذه توافه يجب أن يسمو فوقها الأدب، وأنا لن أمل تكرار ما سبق أن قلته عن وجوب التواضع والإخلاص وصدور الأديب عن طبعه وترك الطنطنة إلى الهمس الصادق، كما أني على ثقة من أنه ستظر عندئذ في أسلوب بشر فارس تلك الموسيقى التي حطمها التكلف واحتباس النفس والانتقال من المحسوس إلى المعنوي انتقالا مصطنعا، كما ستظهر وحدة النسيج ويختفي ما نراه عنده اليوم من تنافر بين الألفاظ المهجورة الثقيلة النغمة، والألفاظ التافهة المبتذلة التي تشبه العامية.

ص: 24