الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زهرة العمر وحياتنا الثقافية:
1-
حمل إلى البريد أمس الكتاب الجديد لتوفيق الحكيم، وهو عبارة عن مجموعة "رسائل حقيقية" كتبت بالفرنسية في ذلك العهد الذي يسمونه "زهرة العمر" وهي موجهة إلى المسيو أندريه، الذي جاء وصفه في "عصفور من الشرق". وقد بدأ الصديقان يتراسلان بعد مغادرة أندريه باريس للعمل في مصانع "ليل" بشمال فرنسا، واستمرت المراسلة إلى ما بعد عودة الحكيم إلى مصر والتحاقه بالسلك القضائي، ثم انقطعت بينهما الرسائل والأخبار وانتهى كل شيء، وجرفهما تيار الحياة كلا في واديه1.
وأما موضوع الرسائل فحياة توفيق الحكيم حياته الفنية: جهاده في تحصيل الثقافة من منابعها الحقة، ومحاولاته في سبيل الخلق الفني، وخواطره في قيمة ما يعمل، وخصائص ما ينتج، ولمحات كثيرة عميقة عن التربية الفنية، ووسائل تلك التربية من تفكير وفن وأدب ورثناها عن الغرب والشرق.
لقد انشرح صدري بهذا الكتاب. وأنا بعد لست بغافل عما يمكن أن يكون في هذا الانشراح من عامل الأثرة، فلقد مرت بي أيام شديدة الشبه بما يقص الحكيم، وفي النفس إيمان بكثير من القيم التي أفنى الكاتب في سبيلها زهرة حياته.
والناقد مهما حاول أن ينحي نفسه عما ينقد لا بد مستجيب لتلك النفس الآمرة في الجهر والخفاء، ولكنني مع ذلك قد أدركت في وضوح أن هذا الكتاب أوسع أفقا وأعمق أثرا من حياة الحكيم وما يشابهها من حيوات. إنه مرحلة من مراحل حياتنا الروحية الثقافية، مرحلة أعتقد أنه سيعيننا على اجتيازها، لا بمادتها، فالأمم لا ينقلها كتاب، مهما غزر تفكيره، بل بتوجيهه، سيجتاز تلك المرحلة من قادة الفكر عندنا من يؤمنون بصدق هذا التوجيه ثم يسايرون خطاه.
1 مقدمة الكتاب.
وذلك مع تحفظات أبدأ بها لأخلص بعد ذلك إلى قيمة هذا الكتاب الخطيرة. وأولها ما ألاحظ من رهبة الحكيم للحياة، وانطوائه على نفسه، وهو رجل داخلي "لم يتح لي لحظة من لحظات حياتي أن أحزن لحزن الطبيعة، وأبتسم لابتسامها؛ وذلك لأن ما عندي من أزمات داخلية قد شغل قلبي دائما عن الطبيعة، إن عيني مصوبتان دائما إلى أعماق قلبي".
وهذا في الحق ليس إلا جانبا من ظاهرة عامة عند الحكيم، فمن البين أن في نفسه شهوة مسيطرة، هي شهوة الفن، وهذه الشهوة هي مصدر ما يجد من قلق وشك وآلام، ولقد اتفق أن ألقى بنفسه إلى أوربا، وهو المرن التفكير، المفتح النوافذ السلس القياد، السريع التأثر، الوديع المزاج، فإذا بآيات الفنون والآداب تملك عليه أمره ملكا تاما فلا يعود يرى غيرها، وكان في هذا موضع الخطر، فإن المعرفة غير المباشرة من كتب ومحاضرات ومتاحف لم تلبث أن طغت في نفسه على المعرفة المباشرة، فهو يحدثنا أنه كان يفضل البقاء في باريس مكبا على القراءة والتحصيل على أن يصاحب إخوانه المصريين إلى شاطئ بحر أو قمة جبل. وهو يحلل سر أعراضه عن "ساشا" وغيرها -فيما أظن- من فتيات باستغراقه في تغذية نفسه بألوان الفنون. وهكذا تولدت في قلبه رهبة من الحياة التي أصبح يخشى أن تصرفه عن هدفه، فصدف عنه وسائل المعرفة المباشرة من مغامرة في المجتمع، وسياحة في بقاع الأرض، وتقليب البصر في مناظر الجمال والقبح التي نستطيع أن نلاحظها بكل مكان، إذا استطعنا أن ننتزع أنفسنا من انطوائها الداخلي لنشرها في الخارج، على أن نستردها بعد ذلك، أوفر غنى وأرهف نفاذا، ولقد كنا نفهم عندئذ أن يتجه الحكيم اتجاها روحيا صوفيا خالصا، ولكنه لم يفعل؛ وذلك لأن معدن نفسه فيما يبدو لم يخلق للتصوف.
الحكيم مفكر، مفكر في الحياة: حياته وحياتنا، ولكن تفكيره لم ينهض على الملاحظة المباشرة، قارن بينه وبين بلزاك مثلا، تدرك الفرق الواضح لساعتك: بلزاك يفكر بحواسه، أما الحكيم فبعقله، ولا أدل على ذلك من أن تراه يعالج كبرى المسائل الإنسانية علاج من لم تمسه عن قرب استمع إليه يقول عن الحب، هذا اللفظ الخطير الذي لن يبليه ابتذال؛ لأنه جوهر الحياة -جوهر الشباب على الأقل:"يخيل إليَّ أن الحب في هذا العالم عضو سوف يتمكن العلم الحديث من بتره واستئصاله دون أن تخسر الإنسانية شيئا كبيرًا". وفي موضع آخر: "وإنك لنعرف أن للحب مقاما كبيرا عندي في الحياة، في كل حياة، وربما كان الحب هو الشيء الوحيد الجميل الذي نعيش به ومن أجله نحن البشر". ما سر هذا التناقض؟ أو ما
تراه في صدور الرأيين عن العقل؟ أما لحياة فتسخر من كل ذلك. فالحياة لا تعرف الفروض العقلية ومهارة التفكير، الحياة سيل ذو اتجاه واحد1.
هذا المنحى العقلي هو ما سبق أن أوضحته في نقدي لبجماليون، وإنه لمما يشجيني من توفيق الحكيم أن روحه المدركة قد رأت ما رأيت وعبرت عنه في قوة ووضوح "صدقت يا أندريه في قولك: إني أصلح أن أكون رياضيا، وإن أفكاري وتصرفاتي تكاد تسير على طريقة هندسية أو حسابية أو جبرية. هذا صحيح، ولا أدري كيف اهتديت إلى ذلك! أنا مع الأسف كذلك. وهذا ما سوف يهدم كل عمل مسرحي أو فني أحاول إنشاءه، إن إسقاطي الحياة والعواطف كما هي، وكما يراها ويحسها دهماء الناس، وركوني إلى الطريقة الرياضية في تعريف أفكاري وتأملاتي لمصيبة كبرى، وإليك دليلا آخر في قطعة "اللحم" التي أرسلتها إليك. إنك ولا شك لم تجد فيها أية صورة تنطبق على الحياة وعواطف الحياة، ولكن قد وجدتها متمشية مع العقل والمنطق الذي تقتضيه فروض خاصة أنشأتها أنا في البداية، تلك هي الرياضة: فرض وعقل ومنطق. التصوير الحديث أخرج من حسابه العواطف البشرية وجعل أساسه الهندسة والمنطق العقلي الواعي وغير الواعي، والموسيقى الحديثة أيضا.. يا للبلاء! إني أحب الفن الحديث وأقلده أحيانا وأخشاه وأخشى منه على نفسي.."2.
ودع عنك شك الكاتب في قيمة ما عمل، فهذا الشك لا تعرفه غير النفوس الكبيرة، ودع عنك جهره بهذا الشك، فذلك ما لا يستطيعه إلى الناجحون، ثم انظر معي إلى نمو الروح الهندسية esprit ed geometrie ما يسميها بسكال، عند كتابنا، وطغيانها على ما يسميه نفس الكاتب الفرنسي "روح الدقة" esprit de finesse، ثم ابحث عن أسباب ذلك، أوما ترى أن سيطرة الشهوة العقلية -شهوة المعرفة غير المباشرة- وما استتبع ذلك من انصرافه عن الحياة، وضيقه بها، كما تشهد الصفحات التي يبرم فيها الكاتب من احتكاكه بالمجرمين في حياته القضائية -كانت من أهم الأسباب الموجهة؟ الحكيم سجين نفسه، سجين عقله.
ولقد حاول كاتبنا الذكي أن يرى في بنائه لموضوعه وتصريفه للحوار أسلوبه الخاص، ولكننا نلاحظ ما سبق أن وضحناه، وهو أن بناءه لقصصه ومسرحياته رائدة دائما الفكر، والحياة لسوء الحظ أشد نفورا من أن تنطوي تحت خط من خطوط العقل. والشخصية الروائية -مهما آمنا بالجبر الداخلي لا بد ممزقة- في الحياة كل منهج مرسوم. أولا ترى إلى كاتب كدستيوفسكي كيف تتدفق بعض
1 ص30.
2 ص55، 56.
رواياته -"العبيط" مثلا- كما يتدفق سيل الحياة لا يحده شاطئ ولا يسجنه مهد. والحكيم كرجل تفكير لم يعد يرى للصورة جمالا يعتد به، فاللغة عنده "أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة"1.
والأسلوب عنده هو روح الكاتب وشخصيته ومنهجه في التأليف، وهذا حق ولكنه ليس كل الحق، فهناك أيضا فن العبارة، وما ينبغي أن تدفعنا ثورتنا المشروعة على أدب اللفظ الذي أفسد حياتنا الروحية قرونا طويلة إلى تحطيم ذلك الفن، فالسجع والتكلف الأجوف -كما عهدناهما- لا يقدحان في المبدأ العام الذي تنهض على أساسه جميع الفنون وأعني به فن الأداء، ونحن لا نقول كما قال مذهب من المذاهب الحديثة: إن اللغة كمقاطع الرخام يصاغ منها الأدب، كما تنحت التماثيل، ولكننا نؤمن - ويجب أن نؤمن- أن الكثير من الأفكار الرائعة والأحاسيس العميقة تفقد من جمالها إن لم تفقده كله، إذا عريت عن جمال الصور، بل إن التفكير والإحساس كثيرا ما يضيعان إذا عجزنا عن إسكانهما اللفظ الدال، وكم من كتاب يحدثنا عن موضع الصعوبة في الخلق الفني الإنساني، فنجده في الاحتيال على الفكر أو الإحساس حتى يطمئن إلى اللفظ، وليس من شك في أن سر الخلود في الكثير من عيون الأدب يرجع جانب كبير منه إلى خصائص الصياغة، ولا أدل على ما نقول من استحالة ترجمة الشعر الخالص2.
وهكذا نستطيع أن نجمل التحفظات التي نراها:
1-
عدم الإمعان في الحياة طلبا للمعرفة المباشرة.
2-
شدة وطأة التفكير الرياضي وعدم تنمية روح الدقة التي ترى التفاصيل والمفارقات وتحرص عليها لدلالتها الإنسانية لا لتأييدها لفكرة عامة أو اتجاه مسيطر.
3-
عدم الإيمان بجمال الصياغة والشكل Le culte de la forme مع أنه إيمان بالجمال المطلق، ولنذكر قول أفلاطون:"لو صيغت الحقيقة امرأة لأحبها جميع الناس".
هذه هي مواضع نقدي للكتاب وصاحب الكتاب. حرصت على البدء بها لأني أقدر مبلغ الأثر الذي سيحدثه هذا الكتاب في النفوس، كما أقدر قوة كاتبه، وقد خشيت أن يحتاج المؤلف القراء فيما هو محق فيه وغير محق، ولا شك في أن القارئ عندما يقرأ الكتاب -وهذا ما أرجوه أن يفعله- سيحس بإيمان كاتبه إيمانا
1 ص216.
2 أريد أن ألفت النظر إلى أنني أناقش هنا رأي الكتاب في قيمة فن العبارة، وليس معنى هذا أنه ليس للحكيم أسلوب تعبيري، فهذه مسألة أخرى.
لا يدفع، إيمانا مخلصا من نفس مخلصة، ثم كم فيه من ضياء! كم فيه من فهم عميق سليم لمعنى الثقافة الإنسانية!
هذا الكتاب سيمثل -كما قلت- مرحلة من مراحل حياتنا الروحية والثقافية، وذلك ما سأبينه. وأما ما سبق فلست أتجه به لغير ملكة النقد عند القارئ، وهناك ملكة أخرى هي التي أدعو القارئ إلى أن يتناول بها هذا الكتاب، تلك هي ملكة الفهم بل ملكة المشاركة في الحس والإيمان.
2-
"قد تسألني أليس في مصر طبقة من المستنرين؟ نعم في مصر بيئة مستنيرة. فيها كثيرون عاشوا في أوربا وعرفوا الثقافة الأوربية، وفيهم من يعرف الفن الأوربي ويتكلم عن المصورين والتصوير، ومن يتكلم من برامس وباخ وهاندل، ولكن من النادر أن تجد بين هؤلاء من عرف أن الثقافة العقلية الحقيقة شيء والكلام فيها شيء آخر، وقليل من هؤلاء من أدرك أن الثقافة العقلية وحدها ليست كل شيء. الثقافة الكاملة شيء أوسع من ذلك بكثير. إن هؤلاء المتكلمين في الموسيقى والتصوير والفنون يعرفونها برءوسهم ولا يدركونها بحواسهم. إن المطلوب للثقافة ليس مجرد المعرفة، بل الإحساس والتذوق والتغذي بمختلف الفنون. ما قيمة الكلام عن بيتهوفن إذا كانت أعماله لا تهز نفسك هزا؟! وما معنى الحديث عن رفاييل، أو فلمنج أو روباننس أو بوتشيللي إذا كانت صورهم لا تعمر رءوسنا ليل نهار، وتحدث ألوانهم وأصباغهم في نفوسنا الأحداث؟! الثقافة ليست كلاما نملأ به الرءوس، ولكنها يقظة الملكات كلها والحواس إذا سلمت بقولي هذا فلا أبالغ إذا قلت لك: إنه ليس في مصر عدد أصباع اليدين من المثقفين
…
" "ص123".
هذه الحقائق الكبيرة هي الدرس النهائي الذي تتمخض عنه "زهرة العمر". ولكي ندرك معناه البعيد يجب أن نحدد المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، وأن نتبين العناصر المكونة لثقافتنا الحالية، والأمر واضح، فهناك منبعان كبيران لتفكيرنا الحالي، بل لحياتنا الروحية كلها.
وأما المنبع الأول فهو بعثنا لثقافة العرب في عصورها الأولى، فمصر المعاصرة ليست استمرارا لمصر الإسلامية، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل، فأجيالنا الناشئة أكثر معرفة وتغذية -اليوم- بامرئ القيس وجرير والبحتري مثلا منها بالبوصيري والبهاء زهير بن نباتة المصري. ونحن أكثر قراءة
للأغاني والأمالي منا لنهاية الأرب أو صبح الأعشى.
نعم أن مصر الإسلامية قد آوت الثقافة العربية يوم فرت من وجه المغول، ولكنها كانت ثقافة فاترة منحلة سطحية. ولقد كان في ظروف مصر السياسية والاجتماعية ما زاد تلك الثقافة ضعفا، حتى أصبحت إما دراسات وحواشي وتعليقات وتصانيف، أو أدبا إنشائيا متكلفا لفظيا لا تدب فيه الحياة إلا بمقدار. والذي لا شك فيه أننا لم ننتعش إلا عندما بدأت حركة البعث للقديم. ولعل البارودي أن يكون أول ثمرة لذلك البعث إن لم يكن رائده بمختاراته وديوانه، وذلك في مجال اللغة وفن الشعر، كما أن جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده قد جددا من شباب الإسلام بدعوتهما إلى الرجوع إلى التقاليد الصحيحة والعدول عن الخرافات التي كانت قد أوشكت أن تقضي على حياتنا الروحية.
لقد حدث في مصر في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ما يشبه إلى حد ما حركة البعث العلمي التي ازدهرت بأوربا في القرن التاسع عشر، حدث رجوع إلى القديم وبعث له، وكما أحيا الأوربيون تراث روما وأثينا كذلك أخذنا نحن نحيي تراث مكة والمدينة ودمشق وبغداد، وكذلك الأمر في المجال الروحي، فحركة جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام قد صدرت عن روح شديدة الشبه بالروح التي صدر عنها لوثر وكلفن وزونجلي. هذا هو المنبع الأول نشير إليه ولكنه ليس موضع حديثنا اليوم.
وإنما نريد أن نتمهل عند المنبع الثاني الذي ينقلنا كتاب الحكيم إلى مرحلة جديدة من مراحله، ونعني به المنبع الأوربي الغربي، والملاحظ في تاريخنا الطويل أن مصر كانت بؤرة للثقافة اليونانية لمدة عشرة قرون كاملة "من 330ق. م-640م" أعني مدة البطالسة والرومان وبيزنطة، وهذا زمن طويل حتى في حياة الأمم.
ومن المعلوم أنه خلال تلك المدة كلها كانت لغة الثقافة والإدارة هي اللغة الإغريقية، وأن اللغة اللاتينية لم تستعمل إلا في الجيش. ومراسلات الحاكم مع الإمبراطور أيام الحكم الروماني. ولقد كان لنا أن ننتظر انتشار الثقافة الإغريقية بمصر بين المصريين، ومع ذلك فإن شيئا من هذا لم يحدث، فمصر لم تصبح إغريقية في يوم ما، كما أصبحت فيما بعد عربية بسرعة مدهشة، فلقد ظل المصريون بعيدين عن الإغريق، ظلوا يتكلمون اللغة المصرية ويكتبون الكتابة الديموتيقية، كما ظلوا متمكسين بدينهم وثقافتهم الموروثة، وهم لم يتخلوا عن شيء من خصائصهم الروحية إلا أمام المسيحية، ولا غرابة في ذلك، فلقد كان الشعب المصري طوال هذا الزمن في بؤس مادي وبؤس روحي
بالغ الفقر، ولقد كان المصريون يبغضون الإغريق والرومان قدر بغض هؤلاء لهم، ولم يحدث قط أن امتزج الشعبان، كما امتزج المصريون والعرب فيما بعد.
وفي الحق إنها الظاهرة عجيبة، فألف عام كانت كفيلة بأن تبذر بذور الثقافة اليونانية في بلادنا، ولكننا لا نجد أثرا لتلك البذور، ولقد انقضى ذلك الزمن بفتح العرب لمصر، وإذا بنا نرى الدواوين تعرَّب بعد ستة وستين عاما فقط من هذا الفتح، وسرعان ما اختفت اللغة الإغريقية بل واللغة المصرية، وأصبحت مصر بلدا عربيا وإسلاميا. ولكنه إذا كانت مصر لم تتأثر باللغة الإغريقية عن طريق مباشرة، فإنها لا ريب قد ورثت هذا الأثر فيما ورثت هذا من ثقافة العرب، ومن المعلوم أن العرب قد نقلوا فلسفة اليونان وبخاصة فلسفة أرسطو ودرسوها، بل نموها ثم أعادوها إلى أوربا خلال القرون الوسطى.
ورثت مصر إذن الفلسفة الإغريقية مع ما ورثت من تراث عربي، ولكنها لم تضف إلى هذا التراث خلقا جديدا يعتد به. فليس لدينا فلاسفة مصريون، نذكرهم مع الفاربي أو ابن رشد أو الغزالي.
والأمر في الأدب كالأمر في الفلسفة، فأدبنا المصري العربي قد انفصل عن التفكير الإنساني؛ بل الحياة الإنسانية بمعناها العميق.
ولقد استمرات تلك الحالة إلى سنة 1798، وتلك سنة خطيرة في تاريخنا السياسي والروحي معا؛ وذلك لأننا خرجنا فيها عن وحدتنا وابتدأنا نتصل بأوربا ونفتح نوافذنا على العالم الحي. لقد كان للحملة الفرنسية في حياتنا من هذه الناحية أبلغ الأثر. ولا شك في أنها كانت من الأسباب التي وجهت نظر محمد علي إلى الغرب عامة وفرنسا بنوع خاص، فأوفد إليها البعثات، وكانت حركة مباركة في الترجمة، نهض بها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه في مدرسة الألسن، ولقد استمرت تلك الحركة إلى يومنا هذا، بل لعلها أخذت في التزايد، كما انتشرت معرفة اللغات الأجنبية بيننا حتى رأينا من شعرائنا وكتابنا من يجيدها كشوقي وإسماعيل صبري وغيرهما؛ ولكنه بالرغم من ذلك لم تتغير حياتنا الروحية الثقافية حتى السنوات الأخيرة تغيرا يذكر، والسبب في ذلك هو أن اتصالنا بأوربا قد تم على نحو ما اتصل العباسيون بالثقافة الإغريقية، فالذي استطعنا أخذه إنما هو التفكير الأوربي، وأما الأدب وغيره من الفنون فذلك ما لم نستطع أن نتمثله، والذي لا شك فيه أن التفكير المجرد لا يكفي لأن يكون منبعا لثقافة جديدة دائمة التدفق. والأدب والفن على العكس من ذلك خليقان بأن يفجرا في النفس ينابيع جديدة؛ وذلك لأن تمثلهما معناه تمثل نوع جديد
من الحياة، وليس أدل على ذلك مما نجده من صعوبة في ذلك التمثل، ونحن على ثقة من أن العباسيين لو أنهم استطاعوا نقل الأدب اليوناني وهضمه لتغير التاريخ الثقافي للعرب. ولكن كيف كانوا يستطيعون ذلك، وهم لم يقروا على غير أرسطو من الفلاسفة؟! فأفلاطون نفسه لم يعرفوه معرفة عميقة، وذلك لسبب بيِّن هو أن فلسفة أفلاطون فلسفة حيوية شعرية، من دعائمها الصور والأساطير، وتلك أشياء كانت بعيدة عن محيط العرب العقلي والشعوري، وأما أرسطو فيمثل الروح الرياضية، روح التفكير المجرد الذي يستطيع كل عقل أن يدركه.
ونحن في عصرنا الحاضر نستطيع أن نجاري التفكير الأوربي أو أن نضيف إليه إضافات حقيقية إذا اكتفينا بنقل هذا التفكير؛ وذلك لأن الفكرة التي تبنى على فكرة أخرى لا تلبث أن تنحل متعثرة في فتات المنطق، وإنما التفكير الخصب هو الذي نستمده من الحياة ونبنيه على الواقع، وعلى هذا لا يكون لنا بد إذا أردنا أن نجدد حياتنا الروحية من أن نغير من مقومات تلك الحياة واتجاهاتها وقيمها، وهذا لن يكون إلا إذا تغذينا بالآداب والفنون الأوربية من تصوير ونحت وموسيقى.
هذا الغذاء الروحي الجديد هو ما يدعونا إليه توفيق الحكيم في "زهرة العمر"، وهو بهذا يدعونا إلى مرحلة جديدة من مراحل حياتنا الروحية. ونحن لا ريب ندرك ما في هذا من مشقة، فثمة طبائع متأصلة وعادات راسخة واتجاهات نفسية عميقة، تنهض في سبيل تلك الدعوة، ونحن لا نجهل أيضا أن كافة النفوس ليست في مرونة نفس الحكيم وغيره من النفر القليل الذين أفادوا من إقامتهم بأوربا إفادة حقيقة، ومن حولنا عشرات منهم بل مئات ممن قضوا السنوات الطوال بالغرب، ثم عادوا وقد تكون برءوسهم نظريات كثيرة وآراء لا تُحصى، ولكنهم لم يتمثلوا الحياة الأوربية والإحساس الأوربي والثقافة الأوربية بمعناها الصحيح، هذه كلها صعوبات لا شك فيها، ولكننا مع ذلك غير يائسين من الوصول إلى حالة خير من حالتنا الراهنة، وأنا على تمام الثقة من أن كتاب الحكيم سيثير في نفوس قرائه تشوقا حارا للثقافة الحقيقية، وبخاصة في نفوس الشباب الذين لا يزالون في دور التكوين، وهذا هو سر انشراح صدري للكتاب.
والذي أحرص عليه في خاتمة هذا النقد هو ألا يضيق القارئ نفسا بما يحس من تبرم الكاتب بحياتنا المصرية الراهنة، فتلك حالة نفسية قد يصعب فهمها على من لم ينفذ من الثقافة الأوربية إلى مثل ما نفذ إليه الحكيم، ولكنني أؤكد -عن خبرة- أن تبرم الحكيم له ما يبرره. وما ينبغي أن نطلبه إلى الكاتب إنما هو الإخلاص والإيمان بما يقول إيمانا قلبيا. والحكيم هو ذلك الكاتب.