الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذوق عند الجرجاني:
يقول الجرجاني: "وإذا قد عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها مع بعض واستعمال بعضها مع بعض"، "وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواضعه ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها إلى ما لم يهتد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وصورته أغرب، كذلك حال الكاتب والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم".
وهذا ينتهي بنا إلى ما نراه اليوم وما ندعو إليه جاهدين من أن النقد وضع مستمر للمشاكل، وأن لكل جملة أو بيت مشكلته التي يجب أن نعرف كيف نراها ونضعها ونحكم فيها، وهذا هو النقد الموضوعي الذي نؤمن بفائدته وهو بعد ليس بالأمر الهين؛ لأنه لا بد لنا كما يقول روسو من فلسفة كبيرة لنلاحظ ما يقع عليه بصرنا، ثم إن الملاحظة لا تكفي بل لا بد من وضع الإشكال، ووضعه -فيما يحكي المثل الأوربي- حل له، ومن ثم حكم فيه.
لا بد إذن من الحكم على النظم الذي أمامنا من حيث إنه يجمع بين معانٍ متباينة، ونحن بعملنا هذا لا نقف عند الألفاظ بل ولا عند الجمل، وإنما ننظر في المعنى عند تمامه والفراغ من تأليف عناصره، ننظر في المعنى منظوما، ومن البين أن الذوق هو الفيصل الأخير في الحكم على هذه الدقائق. وإلى هذا فطن الجرجاني بحسه الأدبي الصادق، فكتب تلك الصفحة الرائعة التي يوردها كاملة لأهميتها البالغة، قال: "أعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم؛ وذلك لأنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من
نظم، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم بذلك تسدر أعينهم وتضل عنهم أفهامهم، وسبب ذلك أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئا غير توخي معاني النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ دون معاني، فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم؛ لأنك تعالج مرضا مزمنا وداء متمكنا. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم، وذلك أنهم يروننا ندعي المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل الناس في العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجهه على شيء نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه، بل يروننا ندعي المزية لكل ما ندعيه له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في كلام دون كلام.. والداء في هذا ليس بالهين ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا والسعي منجحا؛ لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شانها أمور خفية ومعان روحانية أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث لها علما بها حتى يكون مهيئا لإدراكها وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر فرق بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قول أبي نواس:
ركب تساقوا على الأكوار بينهم
…
كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي
كأن أعناقهم والنوم واضعها
…
على المناكب لم تعمد بأعناق
أمن لها وأخذته الأريحية عندها
…
وأنت تقول في محاجتك على استشهاد القرائح وسبر النفوس وفلها، وبهذا يعود عبد القاهر إلى النقاد الكبار أمثال ابن سلام والآمدي وعبد العزيز الجرجاني الذين يرون في الذوق وفي "ستشهاد القرائح وسبر النفوس" المرجع النهائي في كل نقد أدبي صحيح.
والآن قد يتساءل قارئ يقظ من أين يدخل الذوق؟ والذوق لا يكون إلا حديث نسلم للكاتب بحرية في اختيار طرق العبارة عما يريد. وعبد القاهر نفسه لا يرى هناك اختيارًا ما، وعنده أن المعنى لا بد متحكم في اللفظ، والجواب على هذا الاعتراض خليق بأن يزيد النظرية وضوحا، وصاحبها ينكر أن تكون المزية في اللفظ، وإذن
فهو لا يحكم الذوق في الموازنة بين ألفاظ ممكنة، وإنما المزية في المعنى، وفي المعنى تكون المفاضلة، وفي المعنى يكون الاختيار، والأمر ليس نظما لألفاظ بل نظما لمعان، فنحن نحكم الذوق في اجتماع بعض المعاني إلى بعض، ويحتال عبد القاهر ليخضع اللفظ أيضا للذوق فتأتي عبارته عن المعنى مضمنة للمعنى الملفوظ، أي المعنى المعبر عنه، وفي هذا إفراط في الدقة يكاد يمس المغالطة، ولكننا في الحق نستطيع أن نقبل منه هذا الاحتيال إذا نظرنا للمسألة نظرة تاريخية، فذكرنا طغيان اللفظية في ذلك الحين، ومحاربة عبد القاهر لها بكل قواه، وكلنا لا ريب يذكر ذلك التكلف الثقيل الذي ظهر عند أنصار البديع في الشعر، ثم امتد النثر فأتلف أسلوب الصاحب ابن عباد وأبي هلال العسكري وجانبا من أسلوب ابن العميد نفسه.
ويتحكم الذوق إذن عن الجرجاني في نظم المعاني التي نعبر عنها. خذ لذلك مثلا تعليقه على أبيات إبراهيم بن العباس:
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب
…
وسلط أعداء وغاب نصير
تكون على الأهواز داري بنجوة
…
ولكن مقادير جرت وأمور
وأني لأرجو بعد هذا محمدا
…
لأفضل ما يرجى أخ ووزير
"فإنك ترى من الرونق والطلاوة ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقد السبب في ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو "إذ نبا" على عامله الذي هو تكون، وإن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر، ثم إن قال: تكون، ولم يقل: كان، ثم نكر الدهر ولم يقل: فلو إذ نبا الدهر، ثم إن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى من بعد. ثم إن قال: وأنكر صاحب، ولم يقل: وأنكرت صاحبا، لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير الذي عددته لك يجعله حسنا في النظم وكله من معاني النحو كما ترى".
وبالإمعان في ملاحظات ناقدنا نجدها ترجع إلى مفارقات في المعاني. وألوان النفس هي التي حددت اختيار الشاعر وضمنت له الجودة، جودة العبارة عما في نفسه بدقة، تبصيرنا بالألوان النفسية لتلك المعاني. فهو قد قدم الظرف على عامله، قدم "إذ نبا" على "تكون" وذلك لأنه لم يتمن أن تكون داره بنجوة على الأهواز إلا عندما نبا دهر، وفي هذا النبو ما يحز في نفس الشاعر، وكأني به قد سارع إلى نقصه، ثم هو
قد اختار المضارع1 "تكون" على الماضي "كان"؛ لأن المضارع هنا نحس في دلالته معنى الحالة المستمرة المنسحبة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، والشاعر ود عندما نبا الدهر لو تكون داره على الأهواز بنجوة، تكون حتى قبل نبو الدهر، تكون وتستمر كذلك؛ لأن الدهر قد أثبت بنبوة تلك المرة أنه قادر على الغدر في كل حين، ومن الخير أن نقدر ذلك الغدر في كل حين. وإذن المفاضلة بين الماضي والمضارع ليست مفاضلة بين ألفاظ بل بين معان، وعلى الأصح بين حالات نفسية بأكملها، ثم إن شاعرنا قد نكر "دهر" وهو بهذا يفرد الدهر فيجعله دهرا خاصا به، دهرا غدارا لا الدهر دهر الناس كافة. نبا دهر ابتلاه به القضاء المحتوم، وإذا كان تنكير الدهر، وهو الشيء الواحد المعرف بوحدته، يفيد الإفراد، فإن تنكير صاحب وأعداء ونصير يفيد الإطلاق ويشعرنا بضيق الشاعر فهو ينكر كل صاحب لما كان من غدر أولئك الصحاب، وهو يرى أن كل عدو قد سلط وأن كل نصير قد غاب، تنكير المتعدد أفاد الإطلاق، والأمر في تنكير "مقادير وأمور" يشبه تنكير "دهر" فهو يخصصهما بالشاعر ويجعلها وقفا عليه، وإذن فنحن أمام معان مختلفة وألوان نفسية متباينة ندرك بعضها بعقولنا ونحس ألطفها بقلوبنا، وهذا الإحساس هو أساس الذوق عند ناقدنا العظيم.
وتسوق فكرة النظم عبد القاهر إلى تخطي الإعراب والجملة البسيطة إلى الجملة المركبة فيكتب فصلا "في النظم يتحد في الوضع ويدق في الصنع" قال: "واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت، أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ويشتد ارتباط ثان منها بأول، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع بيساره هناك، نعم وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لما شأنه أن يجيء على هذا الوصف حد يحصره وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى وأنحاء مختلفة، فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى
…
أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر
ونوع آخر قول كثير:
1 يسمى هذا المضارع في نحو اللغات الأندوأوربية بالمضارع التاريخي Present historique ولقد عرف باستعماله فرجيل شاعر اللاتين في ملحمته الشهيرة "الإنيادة"؛ ولهذا للمضارع دلالات كثيرة منها مجرد إثبات حدث مطلقا من الزمن، ومنها استحضار الماضي حتى لكأنك تراه، وفي هذا برع فرجيل، ومنها إفادة الاستمرار كما في مثلنا، وفي الحق أن استعمالاته أكثر وأدق من أن تحصر أو تحد، والشعراء والكتاب قد يستعملونه لشفاء إحساس في نفوسهم أكثر من العبارة عن معنى بذاته.
وإني وتهيامي بعزة بعدما
…
تخليت عما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما
…
تبوأ منها للمقيل اضمحلت
و
…
و
…
إلخ".
ومن البين أن عبد القاهر في هذه الملاحظات قد أحس بوجود الجمل المركبة التي تشمل عدة معان بعضها قيود لبعض أو متممات. ويا ليت اللاحقين له ساروا في هذا السبيل! ولو أنهم فعلوا لاستقام فهمنا لممكنات لغتنا، ولعرفنا مثلا الطرق التي لدينا للتعبير عن الأزمنة المطلقة والأزمنة النسبية في الجملة الأصلية وفي الجمل التبعية التي تلقاها في اللغات الأوربية والتي نحتال فنعبر عنها في لغتنا بكافة الحيل غير واعين بما نفعل.
ومع ذلك فعبد القاهر لم ينظر إلى هذا المركبات إلا من حيث الجودة، فهو يرى في اجتماع تلك المعاني بعضها إلى بعض إعجازا من الشعراء، وهو لا يعنى بدراسة نحوهنا قدر عنايته بنقدها نقدا أدبيا، ومرد ذلك النقد وفيصله هو الذوق، الذوق الذي يحس ثم تأتي المعرفة فتعلل ما يمكن تعليله، ولقد يخطئ رغم استقامة الذوق.
والآن نستطيع أن نفهم كيف أن عبد القاهر -كما قلنا في أول مقال عنه- قد ابتدأ بنظرية فلسفية في اللغة ثم انتهى إلى الذوق الشخصي الذي هو مرجعنا الأخير في دراسة الأدب، ويجب أن يظل ذلك المرجع. وإنك لتقرأ كل ما كتبه عن الإسناد وعن التقديم والتأخير وعن الفصل والوصل وتمعن في أمثلته فتجد إحساسه الأدبي سابقا دائما لعقله ومعرفته، بحيث يخيل إلينا أن هذا الرجل إنما صدر في آرائه عن خبرة طويلة بنصوص الأدب العربي، وقد وهبه الله حسا صادقا أعمله في تلك النصوص، ثم أطال التفكير في إحساساته فإذا به يهتدي إلى كل تلك الحقائق التي وإن يكن في تفكير اليونان القدماء ما يماشيها، كما أن علم اللسان الحديث يؤيدها ويوضحها، فالفضل الأكبر في الوقوع عليها لمواهب عبد القاهر الفطرية، ونظريته -كما قلت- ليس لها من القيمة ما لتطبيقاته، فهنالك يظهر ذوقه العربي السليم، ذلك الذوق الذي لا يمكن أن يغني عنه في الأدب شيء. وما نظرية عبد القاهر في رمزية اللغة ورد المعاني إلى النظم، وما منهجه في نقد النصوص نقدا موضوعيا إلا مراحل تنتهي به إلى الذوق الذي يدرك الدقائق ويحس "بما تحيط به المعرفة ولا تؤديه الصفة"1.
1 هذه الجملة قالها إسحاق الموصلي وقد سأله الخليفة أن يصف له الأنغام. ومعنى المعرفة "المعرفة الباطنية" التي ندركها بما سماه الأستاذ أحمد بك أمين في "كتاب الأخلاق""باللقانة" ترجمة للفظة الأوربية Intuition وعلى تلك اللقانة يعتمد الناقد إن كان يملكها وإلا وقف نقده عند الشكل.