الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب الأول
الزنا
تمهيد:
480 -
الزنا فى الشريعة والقانون: تختلف جريمة الزنا فى الشريعة الإسلامية عنها فى القوانين الوضعية، فالشريعة الإسلامية تعتبر كل وطء محرم زنًا وتعاقب عليه سواء حدث من متزوج أو غير متزوج، أما القوانين الوضعية فلا تعتبر كل وطء محرم زنًا، وأغلبها يعاقب بصفة خاصة على الزنا الحاصل من الزوجين فقط كالقانون المصرى والقانون الفرنسى، ولا تعتبر ما عدا ذلك زنًا وإنما تعتبره وقاعًا أو هتك عرض.
ولا يعاقب القانون المصرى على الوقاع إلا فى حالة الاغتصاب، فإن كان بالتراضى فلا عقاب عليه ما لم يكن الرضا معيبًا.
ويعتبر القانون المصرى الرضا معيبًا إذا لم يبلغ المفعول به ثمانية عشر عامًا كاملة - ولو وقت الجريمة بناء على طلبه هو - فإن بلغها اعتبر رضاه صحيحًا، والعقوبة فى حالة الرضا العيب بسيطة لأن الفعل يعتبر جنحة.
ويدخل اللواط فى هتك العرض طبقًا لقانون العقوبات المصرى سواء لاط الفاعل بامرأة وبرجل.
ويعاقب القانون المصرى الرجل والمرأة معًا فى حالة الزنا، أما فى الوقاع وهتك العرض فلا يعاقب القانون إلا طرفًا واحدًا هو الفاعل سواء أتى المفعول به فى القبل أو فى الدبر، وعلة ذلك أن القانون يبيح الفعل طالما كان مصحوبًا برضاء المفعول به، فإن كان رضاه منعدمًا أو معيبًا اعتبر مجنيًا عليه لا جانيًا
481 -
أساس عقوبة الزنا فى الشريعة والقانون: وتعاقب الشريعة الإسلامية على الزنا باعتباره ماسًا بكيان الجماعة وسلامتها، إذ أنه اعتداء شديد على نظام الأسرة، والأسرة هى الأساس الذى تقوم عليه الجماعة، ولأن فى إباحة الزنا إشاعة للفاحشة وهذا يؤدى إلى هدم الأسرة ثم إلى فساد المجتمع وانحلاله، والشريعة تحرص أشد الحرص على بقاء الجماعة متماسكة قوية.
أما العقوبة فى القوانين الوضعية فأساسها أن الزنا من الأمور الشخصية التى تمس علاقات الأفراد ولا تمس صالح الجماعة، فى معنى للعقوبة عليه ما دام عن تراضٍ إلا إذا كان أحد الطرفين زوجًا ففى هذه الحالة يعاقب على الفعل صيانة لحرمة الزوجية.
482 -
الواقع يشهد للشريعة: ولعل ما حدث فى أوربا والبلاد الغربية عامة يؤيد نظرية الشريعة، فقد تحللت الجماعات الأوربية وتصدعت وحدتهم وذهب ريحها وما لذلك من سبب إلا شيوع الفاحشة والفساد الخلقى والإباحية التى لا تعرف حدًا تنتهى إليه، وما أشاع الفاحشة وأفسد الأخلاق ونشر الإباحية إلا إباحة الزنا وترك الأفراد لشهواتهم واعتبار الزنا من الأمور الشخصية التى لا تمس صالح الجماعة.
ولعل أشد ما تواجهه البلاد غير الإسلامية اليوم من أزمات اجتماعيه وسياسية يرجع إلى إباحة الزنا، فقد قل النسل فى بعض الدول قلة ظاهرة تنذر بفناء هذه الدول أو توقف نموها، وترجع قلة النسل أولا وأخيرًا إلى امتناع الكثيرين عن الزواج، وإلى العقم الذى انتشر بين الأزواج.
ولا يمتنع الرجل عن الزواج إلا لأنه يستطيع أن ينال من المرأة ما يشاء فى غير حاجة إلى الزواج، ولأنه لا يثق فى أن المرأة ستكون له وحده بعد الزواج، وقد اعتاد أن يجدها مشاعًا بينه وبين الغير قبل الزواج.
والمرأة التى كانت أمنيتها الأولى الزواج، ووظيفتها التى خلقت من أجلها إدارة البيت وتربية الأولاد، هذه المرأة أصبحت فى كثير من الأحوال تنفر من
الزواج ولا ترضى أن تستأسر لرجل تنال ما عنده، بينما هى تستطيع أن تنال ما عند عشرات الرجال دون أن تثقل نفسها بالقيود والأغلال.
وقد أدى شيوع الزنا إلى مقاومة الحمل من جهة وانتشار الأمراض السرية من جهة أخرى، وإذا كانت مقاومة الحمل تؤدى فى كثير من الأحوال إلى عقم النساء، فإن انتشار الأمراض السرية يؤدى فى الغالب إلى عقم الرجال والنساء على السواء.
وكانت المرأة تعيش فى كنف الرجل فى ظل الزواج، فلما أضرب الرجال عن الزواج كان لابد للمرأة من أن تعيش، فاضطرت إلى مزاحمة الرجل فى ميدان العمل لتنال قوتها، فأدى هذا إلى تفشى البطالة وشيوع المبادئ الهدامة وألقى بشعوب أوربا فى بحر لجى يزخر بالفوضى والاضطراب.
ويستطيع الإنسان أن يرتب على هذه المفاسد الاجتماعية نتائجها الخطيرة دون أن يخطئ الحساب، ولو تدبر هذه النتائج القائلون بأن الزنا علاقة شخصية لعلموا أن الزنا من أخطر الجرائم الاجتماعية، وأن مصلحة الجماعة تقتضى تحريمه فى كل الصور، والمعاقبة عليه أشد العقاب، وعلى هذا الأساس حرمت الشريعة الإسلامية الزنا لتتجنب الوصول إلى تلك النتائج المخيفة، وقررت أشد العقوبات للزناة حتى أنها اعتبرت من يزنى بعد إحصانه غير صالح للبقاء لأنه مثل سئ وليس للمثل السئ فى الشريعة حق البقاء.
ولقد كانت البلاد الإسلامية على العموم أكثر البلاد إقبالا على الزواج وبعدًا عن الإباحية، ولكن إباحة الزنا فيها على الطريقة الأوربية نقل إليها نفس الأمراض التى يشكو منها المجتمع الأوربى، فقد أصبح الرجال يعرضون عن الزواج لأنهم ينالون حاجتهم من المرأة دون زواج، وبدأت المرأة لا تهتم بالاتصال بالرجل كزوج لأنها تستطيع أن تتصل به كما تشاء من غير طريق الزواج، وقد صحب الإعراض عن الزواج قلة النسل والعقم وتفشى الأمراض السرية، وبدأ النساء يتطلعن إلى مساواتهن بالرجال، ويزاحمنهم فى شتى الأعمال، وانحط مستوى الأخلاق