المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الركن الثانى: أن يكون الخروج مغالبة - التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي - جـ ٢

[عبد القادر عودة]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌الباب الأولفى الجنايات

- ‌الفصل الأولالقتل

- ‌المبحث الأولالقتل العمد

- ‌الركن الأول: القتيل آدمى حي

- ‌الركن الثانى: القتل نتيجة لفعل الجاني

- ‌الركن الثالث: أن يقصد الجانى إحداث الوفاة

- ‌المبحث الثانيالقتل شبه العمد

- ‌الركن الأول: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه

- ‌الركن الثانى: أن يتعمد الجانى الفعل

- ‌الركن الثالث: أن يكون بين الفعل والموت رابطة السببية

- ‌المبحث الثالثالقتل الخطأ

- ‌الركن الأول: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه

- ‌الركن الثانى: الخطأ

- ‌الركن الثالث: أن يكون بين الخطأ والموت رابطة السببية

- ‌المبحث الرابععقوبات القتل العمد

- ‌الفصل الثانيالجناية على ما دون النفس

- ‌ القسم الأول: إبانة الأطراف وما يجرى مجراها:

- ‌ القسم الثانى: إذهاب معانى الأطراف مع بقاء أعيانها:

- ‌ القسم الثالث: الشجاج:

- ‌ القسم الرابع: الجراح:

- ‌ القسم الخامس: ما لا يدخل تحت الأقسام السابقة:

- ‌الركن الأول: فعل يقع على جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته:

- ‌الركن الثانى: أن يكون الفعل متعمدًا:

- ‌الفصل الثالثالجناية على ما هو نفس من وجه دون وجهأى الجناية على الجنين أو الإجهاض

- ‌الباب الثانى فى الحدود

- ‌الكتاب الأولالزنا

- ‌الفصل الأولأركان جريمة الزنا

- ‌الركن الأول: الوطء المحرم

- ‌الركن الثانى: تعمد الوطء

- ‌الفصل الثانىعقوبة الزنا

- ‌المبحث الأولعقوبة البكر

- ‌المبحث الثانىعقوبة المحصن

- ‌المبحث الثالثالإحصان

- ‌الفصل الثالثالأدلة على الزنا

- ‌المبحث الأولالشهادة

- ‌المبحث الثانىالإقرار

- ‌الكتاب الثانىالقذف

- ‌المبحث الأولأركان جريمة القذف

- ‌الركن الأول: الرمى بالزنا أو نفى النسب:

- ‌الركن الثانى: إحصان المقذوف:

- ‌الركن الثالثالقصد الجنائى

- ‌المبحث الثانىدعوى القذف

- ‌المبحث الثالثالأدلة على القذف

- ‌المبحث الرابععقوبة القذف

- ‌الكتاب الثالثالشرب

- ‌المبحث الأولأركان الجريمة

- ‌الركن الأول: الشرب

- ‌الركن الثانى: القصد الجنائى

- ‌عقوبة الشرب

- ‌المبحث الثانيالأدلة على الشرب

- ‌الكتاب الرابعالسرقة

- ‌المبحث الأولأركان السرقة

- ‌الركن الأول: الأخذ خفية

- ‌الركن الثانى: أن يكون المأخوذ مالاً

- ‌الركن الثالث: أن يكون مملوكًا للغير

- ‌الركن الرابع: القصد الجنائي

- ‌المبحث الثانيأدلة السرقة

- ‌المبحث الثالثما يترتب على ثبوت السرقة

- ‌الكتاب الخامسالحرابة

- ‌الكتاب السادسالبغي

- ‌الركن الأول: الخروج على الإمام

- ‌الركن الثانى: أن يكون الخروج مغالبة

- ‌الركن الثالث: القصد الجنائى (قصد البغي)

- ‌الكتاب السابعالردة

- ‌الركن الأول: الرجوع عن الإسلام

- ‌الركن الثانى: القصد الجنائي

- ‌مراجع الكتاب

الفصل: ‌الركن الثانى: أن يكون الخروج مغالبة

‌الركن الثانى: أن يكون الخروج مغالبة

663-

يشترط ليكون الخروج بغيًا أن يكون مغالبة أى أن يكون استعمال القوة هو وسيلة الخروج وأن يكون الخروج مصحوبًا بالمغالبة أى باستعمال القوة، فإذا كان الخروج غير مصحوب باستعمال القوة فلا يعتبر بغيًا كرفض مبايعة الإمام بعد أن بايعت له الأغلبية ولو نادى الخارجون بعزل الإمام أو بعصيانه وعدم طاعته أو بالامتناع عن أداء ما عليهم من واجبات تقوم الدولة على استيفائها. ولكن إذا فعل الخارجون شيئًا محرمًا عوقبوا عليه باعتباره جريمة عادية. ومثل الامتناع عن البيعة ما وقع من بعض الصحابة فى صدر الإسلام، فقد امتنع على عن مبايعة أبى بكر أشهر ثم بايع، ورفض سعد بن عبادة مبايعته ولم يبايعه حتى مات. وكامتناع عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير عن المبايعة ليزيد. ومن الأمثلة على ذلك ما وقع من الخوارج فى عهد عليّ، فإن عليًا لم يتعرض لهم حتى استعملوا القوة، ولم يعتبرهم بغاة إلا بعد استعمالها. وكان يخطب يومًا فقال رجل بباب المسجد: لا حكم إلا لله، وهى عبارة كان الخوارج يتنادونها يعرِّضون بقبول على التحكيم. فقال على: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال. وكان يصلى يومًا فناداه رجل من الخوارج: لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين؛ يعرِّض به على اعتبار أنه كفر بقبول التحكيم، فأجابه على: فاصبروا إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. ويدللون على هذا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين كانوا معه فى المدينة فلأن لا تتعرض لأهل البغى

ص: 687

وهم من المسلمين أولى. وتلك كانت سيرة عمر بن عبد العزيز فى الخوارج: كتب إليه عدى بن أرطأة أن الخوارج يسبونك، فكتب إليه: إن سبونى فسبوهم، وإن شهروا السلاح فأشهروا عليهم، وإن ضربوا فاضربوا.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الولاة فى شأن الخوارج فقال: إن كان رأى القوم أن يسيحوا فى الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة ولا على قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا، وإن كان رأيهم القتال فوالله لو كان أبكارى خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله.

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا مقالة على بعد أن جرحه ابن ملجم، قال على: أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولى دمى أعفو إن شئت وإن شئت استقدت، وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به. فقد اعتبر على جريمة ابن ملجم جريمة عادية ولم يعتبره باغيًا لأن خروجه لم يكن مغالبة (1) .

ويروى الحضرمى يقول: دخلت مسجد الكوفة من قِبَل أبواب كندة، فإذا نفر خمسة يشتمون عليًا وفيهم رجل عليه بُرْنُس يقول: أعاهد الله لأقتلنه، فتعلقت به وتفرقت أصحابه عنه، فأتيت به عليًا فقلت: إنى سمعت هذا يعاهد الله ليقتلنك، فقال: ادْنُ، ويحك من أنت؟ فقال أنا سور المنقرى. فقال على: خل عنه. فقلت: أخلى عنه وقد عاهد الله ليقتلنك؟! قال: أفأقتله ولم يقتلني؟ (2) .

ويعتبر الخروج بغيًا عند مالك والشافعى وأحمد والظاهريين حينما يبدأ الخارجون باستعمال القوة فعلاً، أما قبل استعمالها فلا يعتبر الخروج بغيًا ولا يعتبرون بغاة ويعاملون كما يعامل العادلون ولو تحيزوا فى مكان وتجمعوا ولو كانوا يقصدون استعمال القوة فى الوقت المناسب، ولكن ليس ثمة ما يمنع من

(1) المهذب ج2 ص237، 238، مواهب الجليل ج6 ص278، شرح الزرقانى، وحاشية الشيبانى ج8 ص60، المغنى ج10 ص58، 60، كشاف القناع ج4 ص99.

(2)

شرح فتح القدير ج4 ص409.

ص: 688

منعهم من التحيز وتعزيرهم على التجمع بقصد استعمال القوة ولإثارة الفتنة. أما أبو حنيفة فيعتبرهم بغاة، ويعتبر حالة البغى قائمة من وقت تجمعهم بقصد القتال والامتناع من الإمام لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع. ومذهب الشيعة الزيدية يماثل مذهب أبى حنيفة فى هذا. والأصل عند الجميع أن البغاة لا يحل قتالهم إلا إذا قاتلوا، فمن نظر إلى حقيقة القتال اشترط أن يقع القتال فعلاً، ومن نظر إلى وجودهم فى حال قتال اكتفى بتجمعهم بقصد القتال والامتناع (1) ، على أن الرأى الراجح فى مذهب أحمد يرى قتل الخوارج لأنهم كفار بتكفيرهم المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم.

ولا يبدأ الإمام قتال الخارجين إلا بعد أن يراسلهم ويسألهم عن سبب خروجهم، فإن ذكروا مظلمة أزالها أو شبهة كشفها، لأن ذلك طريق إلى الصلح ووسيلة إلى الرجوع إلى الحق، وقد فعل على هذا فى وقعة الجمل وفعله مع الحرورية، ولأن الله جل شأنه يقول:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِي} [الحجرات:9] ، فيجب أن يتقدم ما قدمه الله وهو الصلح ويتأخر ما أخره وهو القتال، ثم يدعوهم بعد ذلك للطاعة فإن استجابوا وإلا قاتلهم، إلا أن يعاجلوه بالقتال فله أن يقاتلهم دون أن يسألهم. ويرى أحمد أن له أيضًا إذا خشى كَلَبَهُم فليس من المتعين أن يراسلهم (2) .

وقد راسل على أهل البصرة قبل وقعة الجمل، وأمر أصحابه أن لا يبدءوهم بقتال، ثم قال: هذا يوم من فَلَج فيه فَلَج يوم القيامة، ثم سمعهم يقولون: الله أكبر يا ثارات عثمان، فقال: اللهم أكب قتلة عثمان على وجوههم. كذلك بعث عبد الله بن عباس للحرورية فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف.

(1) شرح فتح القدير ج4 ص410، الروض النضير ج4 ص331، شرح الزرقانى، وحاشية الشيبانى ج8 ص60، نهاية المحتاج ج7 ص383.

(2)

المغنى ج10 ص53، كشاف القناع ج4 ص96، شرح فتح القدير ج4 ص409، أسنى المطالب ج4 ص144، المحلى ج11 ص99.

ص: 689

وإنما وجبت المراسلة والدعوة للطاعة لأن المقصود من القتال هو كفهم ودفع شرهم لا قتلهم؛ فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما فيه من الضرر بالفريقين، فإن سأله الخوارج لإنظار لمدة معينة أنظرهم إن رأى فى ذلك مصلحة، وإن ظن أنهم يريدون المهلة ليكيدوا له لم ينظرهم ثلاثة أيام (1) ، ويشترط الزيدية أن تكون الدعوة للطاعة، وإذا أمكن دفع البغاة بدون القتل لم يجز قتلهم لأن المقصود دفعهم وليس إهلاكهم، ولأن المقصود إذا حصل بما دون القتل لم يجز القتل من غير حاجة.

وإذا حضر مع البغاة من لا يقاتل فيرى الحنابلة أنه لا يجوز قتله، وهذا هو رأى بعض الشافعيين، ويرى الآخرون قتله مادام فى صف البغاة ولو لم يقاتل لأنه يعتبر رِدْءًا لهم. والظاهر فى المذاهب الأخرى أن حكم من حضر المعركة وكان فى صفوف البغاة أن له حكمهم إذا أمكن اعتباره فى مركز المقاتل أو المدافع (2) .

وتعتبر حالة البغى قائمة طالما كان الباغى فى مركز المقاتل أو المدافع، فمن ألقى سلاحه من البغاة أو كف عن القتال أو استسلم أو عجز عن القتال كالجريح جرحًا يمنعه من القتال أو هرب غير متحيز إلى فئة أو متحرفًا لقتال فلا يجوز قتله لأنه لا يجوز قتاله حيث زالت حالة البغى وهى استعماله القوة. وعلى هذا لا يقتل المدبر ولا الأسير ولا يجهز على الجريح سواء كانت حالة الحرب قائمة أو انتهت، وهذا هو ما يراه الشافعى وأحمد. وفى مذهب أحمد: لا يتبع المدبر أصلاً ولا يقتل ولو كان متحيزًا إلى فئة (3) .

ومذهب الشافعى على إتباع المنهزمين إذا انهزموا إذا انهزموا مجتمعين أو انسحبوا

(1) شرح الأزهار ج4 ص538، المغنى ج10 ص54، أسنى المطالب ج4 ص114، المحلى لابن حزم ج11 ص116.

(2)

المغنى ج10 ص55، المهذب ج2 ص235، المحلى ج11 ص100.

(3)

المغنى ج10 ص55، 56، 63، كشاف القناع ج4 ص98.

ص: 690

بنظام وكانوا غير متفرقين، فإذا انهزموا متفرقين بحيث تزول شوكتهم لم يتبعوا، وإلا اتبعوا حتى يتبددوا وتزول شوكتهم، ومن تخلف منهم عجزًا أو ألقى سلاحه تاركًا للقتال لم يقاتل، ويقاتل من ولَّى متحرفًا للقتال أو متحيزًا لفئة قريبة أو بعيدة (1) .

فإذا انهزموا وولوا مدبرين، فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها فيبقى لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا بها فيكرَّوا على أهل العدل، وأما أسيرهم فإن شاء الإمام قتله استئصالاً لشأفهم وإن شاء حبسه لاندفاع شره بالأسر والحبس، وإن لم يكن لهم فئة يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم ولو يجهز على جريحهم ولو يقتل أسيرهم (2) . وبعض أصحاب الشافعى يرون رأى أبى حنيفة (3) .

والقاعدة عند مالك أن لا يتبع المنهزم ولا يجهز على الجريح إلا إذا خيف منهم أو انحازوا إلى فئة، ففى هذه الحالة يتبع المنهزم ويذفَّف على الجريح، أما الأسير فإذا كانت الحرب قائمة فللإمام قتله ولو كانوا جماعة إذا خيف أن يكون منهم ضرر، فإذا انقطعت الحرب فلا يقتل (4) . على أن بعض المالكيين يمنع قتل الأسير وتتبع المدبر والإجهاز على الجريح بصفة مطلقة (5) .

ويرى الظاهريون أنه لا يجوز قتل الأسير بأى حال ولو أن قتله كان مباحًا قبل الأسار لأن حل قتله قبل لإسار ليس مطلقًا، وإنما الذى أحل قتله هو قتاله أو دفاعه، فإذا لم يكن باغيًا أى مقاتلاً أو مدافعًا حرم قتله لزوال حالة البغي، وهو إذا أسر فليس حينئذ باغيًا ولا مدافعًا فدمه محرم، وكذلك لو ترك

(1) أسنى المطالب ج4 ص114.

(2)

بدائع الصنائع ج7 ص140، 141، شرح فتح القدير ج4 ص411، 412.

(3)

المغنى ج10 ص63.

(4)

شرح الزرقانى ج8 ص62، مواهب الجليل ج6 ص278.

(5)

مواهب الجليل ج6 ص277.

ص: 691

القتال وقعد مكانه ولم يدافع لحرم دمه وإن لم يؤسر لأن الله جل شأنه قال: {فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9] ، فمن فاء فلا يقاتل، وإنما حل قتال الباغى بمقاتلته ولم يحل قتله قط فى غير المقاتلة (1) ، وكذلك الحكم فى الجرحى؛ لأن الجريح إذا قدر عليه فهو أسير وأما ما لم يقدر عليه وكان ممتنعًا فهو باغ. أما المدبرون فإن كانوا تاركين للقتال جملة منصرفين إلى بيوتهم فلا يحل اتباعهم أصلاً، وإن كانوا منحازين إلى فئة أو لاذين بمعقل يمتنعون فيه أو زائلين عن الغالبين لهم من أهل العدل إلى مكان يأمنوهم فيه ثم يعودون إلى حالهم فيتبعون (2) ؛ لأن الله افترض قتالهم حتى يفيئوا لأمر الله ولم يفيئوا بعد. ومذهب الشيعة الزيدية كمذهب أبى حنيفة (3) .

وإذا قتل من البغاة أسير أو جريح أو مدبر عند من لا يجيزون قتله فقاتله مسئول عن قتله جنائيًا. ويرى بعضهم القصاص من القاتل لأنه قتل معصومًا لا شبهة فى قتله. ويرى البعض أن لا قصاص لأن فى قتلهم اختلافًا بين الأئمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص عند من يقولون بأن الشبهات تدرأ الحدود. والظاهريون لا يعترفون بأن الحدود تدرأ بالشبهات. فمقتضى مذهبهم القصاص فى كل الأحوال (4) .

ويحبس الأسرى - إلا من دخل منهم فى الطاعة فيخلى سبيله - ويظلون محبوسين حتى تنتهى الحرب. وإذا كان الأسير امرأة أو صبيًا أو شيخًا فانيًا أخلى سبيلهم ولم يحبسوا فى رأى. وفى الرأى الآخر يحبسون لأن فى ذلك كسرًا لقلوب البغاة. والرأيان فى مذهب أحمد والشافعي، أما مالك وأبو حنيفة فيريان الحبس (5) .

(1) المحلى ج11 ص100.

(2)

المحلى ج11 ص101.

(3)

شرح الروض النضير ج4 ص332، شرح الأزهار ج4 ص534.

(4)

المغنى ج10 ص64، المهذب ج2 ص336.

(5)

المهذب ج2 ص336، المغنى ج10 ص64، شرح فتح القدير ج4 ص412، شرح الزرقانى ج8 ص62.

ص: 692

ويجوز تبادل الأسرى وأخذ الرهائن بين الفريقين عند الضرورة ولكن لا يجوز لأهل العدل قتل الأسرى أو الرهائن على سبيل المعاملة بالمثل لو قتل البغاة الرهائن أو الأسرى لأنهم مسلمون غير مقاتلين ولا مغالبين. مع ملاحظة ما سبق أن قلناه من أن بعض الفقهاء يجيز قتل الأسرى فى حالة قيام الحرب، أما منع قتل الرهائن فلا خلاف فيه لأنهم غير مقاتلين ولأنهم صاروا آمنين بالموادعة (1) .

ويرى مالك وأبو حنيفة أنه يجوز قتال البغاة بما يعم إتلافه كالحريق والتغريق ورمى المنجنيق ويقاتلون بكل ما يقاتل به المشركون، لأن القتال مقصود به دفع شرهم وكسر شوكتهم فيقاتلون بكل ما يؤدى لذلك (2) . ويرى بعض المالكيين أن لا يقاتلوا بما يعم إتلافه إذا كان فيهم نساء وذرية، ولا يراه البعض الآخر (3) .

ومذهب الشافعى وأحمد أن لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه كالنار والمنجنيق والتغريق من غير ضرورة، لأنه لا يجوز قتل من يقاتل وما يعم إتلافه يقع على من يقاتل ومن لا يقاتل، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مثل أن يحتاط بهم البغاة ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم إتلافه جاز ذلك، أما إذا قاتل البغاة بما يعم إتلافه فيجوز قتالهم بمثله (4) .

ويجيز الشيعة الزيدية القتل بما يعم إتلافه بشرطين: أولهما: أن يتعذر الوصول إلى البغاة إلا بذلك كأن يتحصنوا فى حصن أو بيوت مانعة أو فى سفينة البحر، ثانيهما: أن يكون بينهم من لا يجوز قتله كالصبيان والنساء، فإن لم يجتمع

(1) المحلى ج11 ص117، 118، شرح فتح القدير ج4 ص415، المغنى ج10 ص64، أسنى المطالب ج4 ص114.

(2)

بدائع الصنائع ج7 ص141، شرح فتح القدير ج4 ص411.

(3)

شرح الزرقانى، وحاشية الشيبانى ج8 ص61.

(4)

أسنى المطالب ج4 ص115، المغنى ج10 ص57.

ص: 693

هذان الشرطان يجوز استعمال ما يعم إتلافه إلا لضرورة ملحة (1) .

ويجيز الظاهريون القتال بما يعم تلفه بشرط أن لا يؤدى إلى قتل غير البغاة؛ لأن من لا يقاتل لا يحل قتله (2) .

ويكره للعادل قتل أبيه أو أمه إذا كان أحدهما باغيًا ولكن القاتل يرث القتيل مع هذا لأنه عمد غير عدوان، ولا يكره قتل الجد ولا الأخ ولا الابن (3) . أما أبو حنيفة فيكره للعادل أن يقتل باغيًا ذا رحم محرم منه ابتداء إلا إذا أراد الباغى قتله فله أن يدفعه، ولا يحرم العادل ميراث الباغي، أما الباغى إذا قتل العادل فيحرم من ميراثه عند أبى يوسف. وعند أبى حنيفة ومحمد لا يحرم إن كان يعتقد أنه قتله بحق ولا يزال على هذا الاعتقاد (4) .

ومذهب الشافعى كمذهب أبى حنيفة فى كراهة القتل، ولكنه لا يورث العادل ولا الباغى شيئًا من مال المقتول لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس لقاتل شيء"، وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما: يكره قتل ذى الرحم المحرم، والثانى: لا يرثه لأنه ليس لقاتل شيء، وأما الباغى إذا قتل العادل فإنه لا يرثه لأنه قتله بغير حق (5) .

وحجة القائلين بالكراهة قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15] ، ولأن النبى صلى الله عليه وسلم كف أبا حذيفة ومنعه عن قتل أبيه.

ورأى الظاهريين أن قتل ذى الرحم غير مكروه وإن كانوا لا يختارون أن يعمد المرء إلى أبيه أو أخيه خاصة ما دام يجد غيرهما، فإن رأى أباه أو أخاه يقصد مسلمًا كان عليه أن يدفعه عن المسلم (6) .

(1) شرح الأزهار ج4 ص541، 542.

(2)

المحلى ج11 ص116، 117.

(3)

شرح الزرقانى ج8 ص62.

(4)

بدائع الصنائع ج7 ص141، 142، شرح فتح القدير ج4 ص414، 416.

(5)

المغنى ج10 ص67، 68، أسنى المطالب ج4 ص115.

(6)

المحلى ج11 ص107.

ص: 694

ولكن الشيعة لا يجيزون للمسلم أن يقتل ذا رَحِمه ولو كان كافرًا إلا لأحد وجهين: أحدهما: أن يقتله مدافعًا عن نفسه أو غيره، الثانى: أن لا يندفع إلا بالقتل، ويرث العادل الباغى إذا قتله (1) .

والبغى إذا كان يحل مقاتلة البغاة ويبيح دماءهم طالما كانوا باغين إلا أنه لا يبيح أموالهم حتى فى حالة البغي، فتظل أموالهم معصومة ولو وقعت فى يد العادلين. ويرى مالك أنه لا يجوز قطع أشجارهم ولا هدم دورهم ولا إتلاف أموالهم وإنما للإمام أن يستعين بأموال البغاة التى يمكن استعمالها فى القتال فيقاتلهم بها كالأسلحة والخيل والإبل حتى إذا تغلب عليهم رد عليهم ما استعان به وغيره (2) .

ويرى أبو حنيفة أن أموال البغاة تظل على ملكهم لأن عليًا لما هزم طلحة وأصحابه أمر مناديه فنادى أن لا يقتل مقبل ولا مدبر بعد الهزيمة، ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج ولا مال، وبعد موقعة النهروان جمع ما غنم من الخوارج فى الرحبة فمن عرف شيئًا أخذه حتى كان أخره قدر من الحديد لإنسان جاء فأخذه.

ويرى أبو حنيفة ما يراه مالك من جواز استعمال السلاح والكُراع إن احتاجه أهل العدل لأن للإمام أن يستعين بمال العادل عند حاجة المسلمين إليه ففى مال الباغى أولى، أما بقية الأموال فتحبس عن البغاة لدفع شرهم وإضعافهم بذلك ولا ترد إليهم حتى يفيئوا فترد عليهم أو على ورثتهم، ويجوز للإمام أن يبيع من الأموال ما يحتاج نفقة ويحبس الثمن (3) .

ويرى الشافعى أنه لا يجوز استعمال شىء من أموال البغاة وأنها ترد جميعًا بعد انتهاء الحرب لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، لكن إذا اقتضيت الضرورة استعمال مال من أموال البغاة جاز استعماله كما لو تعين استعمال سلاحهم للدفاع أو استعمال خيلهم للتغلب عليهم، ويرى البعض أن

(1) شرح الأزهار ج4 ص541.

(2)

شرح الزرقانى، وحاشية الشيبانى ج8 ص61.

(3)

شرح فتح القدير ج4 ص412، 413.

ص: 695

تؤدى أجرة المال المستعمل كما هو الشأن فى حالة الضرورة، ولا يرى البعض ذلك لأن الضرورة هنا منشؤها فعل البغاة ولم تنشأ من جهة المضطر (1) .

وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما كمذهب أبى حنيفة ومالك، والثانى كمذهب الشافعي (2) .

وكمذهب الظاهريين كمذهب الشافعى فهم يرون الحيلولة بين البغاة وبين كل ما يستعينون به على باطلهم من مال أو سلاح فيحبس عنهم حتى يفيئوا، ولا يجوز استعماله إذا اضطر أهل العدل لأن يدافعوا به عن أنفسهم (3) .

ويرى الشيعة الزيدية أنه لا يجوز الاستعانة بأموال البغاة أيًا كان نوعها، فإذا استعملها الإمام كان ضامنًا لها (4) .

على أن من الشيعة من يرى أن ما كان فى معسكر البغاة من الأموال يحل أخذه غنيمة لأهل العدل (5) .

وللإمام أن يستعين على قتال البغاة ببغاة مثلهم حتى إذا انتصر دعا من معه إلى الطاعة، وليس له - عند أحمد والشافعى - أن يستعين على قتالهم بالكفار بل ولا بمن يرى قتلهم مدبرين من المسلمين. ويرى أبو حنيفة أن للإمام الاستعانة على البغاة إذا كان حكم أهل العدل هو الظاهر، وهذا هو رأى الشيعة الزيدية. أما الظاهريون فلا يوجبون الاستعانة بأهل الحرب وأهل الذمة إذا اضطرتهم حماية أنفسهم لذلك بشرط أن يوقنوا أنهم فى استنصارهم لا يؤذون مسلمًا ولا ذميًا فى مال ولا حرمة. أما الاستعانة بأهل البغى فلا يمنعها الظاهريون (6) .

(1) أسنى المطالب ج4 ص114، 115،

(2)

المغنى ج10 ص65، 66.

(3)

المحلى ج11 ص102.

(4)

شرح الأزهار ج4 ص542.

(5)

الروض النضير ج4 ص330.

(6)

المحلى ج11 ص113، شرح فتح القدير ج4 ص416، المغنى ج10 ص57، أسنى المطالب ج4 ص115، 116، شرح الزرقانى ج8 ص62، شرح الأزهار ج4 ص533.

ص: 696