الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب السادس
البغي
659-
النصوص الواردة فى البغى: الأصل فى البغى قول الله جل شأنه: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:9، 10](1)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
…
} الخ [النساء:59] .
وهناك نصوص من السنة وردت فى البغي، فيروى عن عبد الله بن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أعطى إمامًا صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" رواه مسلم.
وروى عرفجة أنه قال: "ستكون هَنَاتٌ وهنات - ورفع صوته - ألَا من خرج على أمتى وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان"(2) . وفى رواية أخرى: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه".
(1) ويستخلص من نص الآية خمس فوائد: الأولى: أنهم لم يخرجوا بالبغى عن الإيمان فإنه سماهم مؤمنين، الثانية: أنه أوجب قتلهم، الثالثة: أنه أسقط قتلهم إذا فاءوا إلى أمر الله، الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوا فى قتلهم، الخامسة: أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقاً عليه، المغنى ج10 ص48.
(2)
المغنى ج10 ص48.
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية"، وفى لفظ:"من كره من أمره شيئًا فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية".
وعن أبى هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبى خلفه نبي، وأنه لا نبى بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون". قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
وعن عوف بن مالك الأشجعى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم". قال: قلنا: يا رسول الله ألَا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولى عليه وال فرآه يأتى شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتى من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة".
وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهديى ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين فى جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع".
وعن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننزع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان".
وعن أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء؟ قال: والذى بعثك بالحق أضع سيفى على عاتقى وأضرب حتى ألحقك، قال: أو لا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ تصبر حتى يلحقنى"(1) .
(1) نيل الأوطار ج7 ص80، 81.
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود: "هل تدرى يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: لا يجهز على جريحها، ولا يُقتل أسيرها، ولا يُطلب هاربها، ولا يقسم فيئها"(1) .
660-
تعريف البغى: يعرف البغى لغة بأنه طلب الشيء، فيقال: بغيت كذا إذا طلبته، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى:{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف:64] ، ثم اشتهر البغى فى العرف فى طلب ما لا يحل من الجور والظلم، وإن كانت اللغة لا تمنع أن يكون البغى بحق، ومن ذلك قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّى الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْى بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:33] .
ويختلف الفقهاء فى تعريف البغى اصطلاحًا لاختلاف مذاهبهم فيه، فالمالكيون يعرفون البغى بأنه الامتناع عن طاعة من ثبتت إمامته فى غير معصية بمغالبته ولو تأويلاً، ويعرفون البغاة بأنهم فرقة من المسلمين خالفت الإمام الأعظم أو نائبه لمنع حق وجب عليها أو لخلفه (2) .
ويعرف الحنفيون البغاة ويستخرجون منها تعريف البغى بأنه الخروج عن طاعة إمام الحق بغير حق، والباغى بأنه الخارج عن طاعة إمام الحق بغير حق (3) .
ويعرف الشافعيون البغاة بأنهم المسلمون مخالفو الإمام بخروج عليه وترك الانقياد له أو منع حق توجه عليهم بشرط شوكة لهم وتأويل ومطاع فيهم (4) .
أو هم الخارجون عن الطاعة بتأويل فاسد لا يقطع بفساده إن كان لهم شوكة
(1) سبل السلام ج3 ص207، طبعة الحلبى سنة 1349هـ.
(2)
شرح الزرقانى وحاشية الشيبانى ج8 ص60.
(3)
حاشية ابن عابدين ج3 ص426، شرح فتح القدير ج4 ص48.
(4)
نهاية المحتاج ج8 ص382.
بكثرة أو قوة وفيهم مطاع (1) ، فالبغى إذن عند الشافعيين هو خروج جماعة ذات شوكة ورئيس مطاع عن طاعة الإمام بتأويل فاسد.
ويعرف الحنابلة البغاة بأنهم الخارجون عن إمام ولو غير عادل بتأويل سائغ ولهم شوكة ولو لم يكن فيهم مطاع (2) ، فالبغى عند الحنابلة لا يختلف فى تعريفه كثيرًا عند الشافعية.
ويرى الظاهريون أن البغى هو الخروج على إمام حق بتأويل مخطئ فى الدين أو الخروج لطلب الدنيا (3) .
ويعرف الشيعة الزيدية الباغى بأنه من يظهر أنه محق والإمام مبطل وحاربه أو غرم وله فئة أو مَنَعة أو قام بما أمره للإمام (4) ، فالبغى هو الخروج على الإمام الحق من فئة لها مَنَعة.
علة اختلاف التعاريف: والعلة فى اختلاف تعريف البغى فى المذاهب الفقهية المختلفة هى الاختلاف على الشروط التى يجب توفرها فى البغاة وليست الاختلاف فى الأركان للبغى ومحاولة الفقهاء فى أكثر من مذهب أن يجمعوا فى التعريف بين أركان البغى وشروطه ورغبتهم أن يكون التعريف جامعًا مانعًا.
تعريف مشترك: ونستطيع أن نعرف البغى تعريفًا مشتركًا فيه كل المذاهب إذا اكتفينا بإبراز الأركان الأساسية فى التعريف فنقول: إن البغى هو الخروج على الإمام مغالبة.
661-
أركان البغى: وأركان البغى الأساسية كما هو ظاهر من التعريف المشترك ثلاثة:
(1)
الخروج على الإمام. (2) أن يكون الخروج مغالبة. (3) القصد الجنائى.
* * *
(1) أسنى المطالب ج4 ص111.
(2)
شرح المنتهى مع كشاف القناع ج4 ص114.
(3)
المحلى ج11 ص97، 98.
(4)
الروض النضير ج4 ص331.