الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول
أركان الجريمة
لجريمة الشرب ركنان: الأول الشرب الثانى: القصد الجنائى.
الركن الأول: الشرب
582 -
يتوفر هذا الركن عند مالك والشافعى وأحمد كلما شرب الجانى شيئًا مسكرًا، ولا عبرة باسم المشروب ولا بالمادة التى استخرج منها، فيستوى أن يكون المشروب مستخرجًا من العنب أو البلح أو القمح أو الشعير أو القصب أو التفاح أو أى مادة أخرى، كذلك لا عبرة بقوة الإسكار فى المشروب فما أسكر كثيره فقليلة حرام ولو كان لا يؤدى فعلا للإسكار، فإذا كان المشروب لا يسكر منه الإنسان عادة إلا إذا شرب عشرة أقداح أو أكثر، فالقدح الواحد محرم ولو أنه لا يسكر فعلًا وبعض القدح محرم كذلك فيتوفر ركن الشرب بشرب القليل أو الكثير مادام الكثير من المشروب يؤدى إلى الإسكار، فإذا كان الكثير من الشراب لا يؤدى للسكر فهو غير محرم (1) .
ولا يتوفر ركن الشرب عند أبى حنيفة إلا إذا كان المشروب خمرًا، وقد علمنا فيما سبق معنى الخمر عنده، فإن لم يكن المشروب خمرًا لم يتوفر ركن الشرب ولو كان الشرب مسكرًا ولو أدى للسكر فعلا (2) .
(1) شرح الزرقانى ج8 ص112، أسنى المطالب ج4 ص 158، المغنى ج10 ص 328.
(2)
بدائع الصنائع ج5 ص 112، 118 شرح فتح القدير ج4 ص 181 وما بعدها.
ومن المتفق عليه أنه لا يشترط لتوفر ركن الشرب أن يؤدى الشرب للسكر، فيكفى لقيام الجريمة مجرد الشرب ولو كان من المستحيل أن تؤدى الكمية التى شربت للسكر لأن الشرب محرم لعينه (1) .
ولا عقاب إذا لم يكن المشروب مسكرًا أصلا ولو شرب على أنه مسكر، وإن كان الشارب يأثم فيما بينه وبين ربه.
ويشترط أن تكون المادة المسكرة مشروبًا، فإن لم تكن كذلك فلا حد فيها وإنما فيها التعزير كالحشيش والداتورة (2) .
ويحد على الشرب ولو أن المادة المسكرة دخلت الفم أو الجوف على غير هيئة الشراب، فخلط المسكر بالطعام أو عجنه به (3) .
وتعتبر المادة المسكرة ولو خلطت بماء ما دامت مميزاتها محفوظة من رائحة ولون وطعم وتأثير، فإن خلطت بماء حتى زالت كل مميزاتها زوالا تامًا فلا يعتبر الخليط مسكرًا وإنما هو ماء عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد (4) . والراجح فى مذهب مالك تحريم المخلوط ولو استهلك فيه المسكر (5) . ويكفى لاعتبار الجانى شاربًا أن يصل المشروب إلى حلقة ومن باب أولى إلى جوفه، فإن لم يصل المشروب إلى الحلق كأن تمضيض به ثم مجه فلا يعتبر شاربًا (6) .
ويشترط المالكية والحنيفة أن تصل الخمر إلى الجوف عن طريق الفم، فإن وصلت عن غير هذا الطريق كالأنف أو الشرج مثلًا درئ الحد للشبهة، على أن
(1) بدائع الصنائع ج5 ص 112، شرح الزرقانى ج8 ص 113، أسنى المطالب ج4 ص 158، المغنى ج10 ص 328.
(2)
شرح الزرقانى ج8 ص112، 114، حاشية ابن عابدين ج3 ص 224، نهاية المحتاج ج8 ص 12.
(3)
الإقناع ج4 ص 267، المغنى ج10 ص 330.
(4)
الإقناع ج4 ص 267، المغنى ج10 ص 330.
(5)
المغنى ج10 ص 330.
(6)
أسنى المطالب ج4 ص159، حاشية ابن عابدين ج3 ص 328، 329 نهاية المحتاج ج8 ص 10.
درء الحد لا يمنع من التعزير (1) .
وفى مذهب الشافعى ثلاثة آراء أحدها كرأى المالكى، والثانى: يحد ولو لم تصل الخمر للجوف عن طريق الفم كما لو استعط أو احتقن، والثالث: يحد فى السعوط دون الحقنة (2) .
وفى مذهب أحمد رأيان: أن ما وصل عن طريق الحلق فيه الحد كالشرب والاستعاط، وما وصل عن طريق الشرج فلا حد فيه. والرأى الثانى يوجب الحد فى الحالين (3) . ويعتبر شاربًا من شرب الخمر أو المسكر لدفع العطش وهو يستطيع استعمال الماء، وكن من يشرب مضطرًا لدفع غصته لا حد عليه للاضطرار لقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] وكذلك حكم من أكره على الشرب سواء كان الإكراه ماديًا أو أدبيًا لقول النبى عليه الصلاة والسلام: "عفى لأمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، واختلف فيمن شرب لدفع عطش مهلك، فمذهب أبى حنيفة وهو يتفق مع الرأى الراجح فى مذهب مالك والشافعى أن لا حد على الشارب (4) .
أما أحمد فيفرق بين ما إذا شربها الشارب صرفًا أو ممزوجة بشىء يسير لا يروى من العطش، ففى هذه الحالة على الشارب الحد، أما إذا شربها ممزوجة بما يروى من العطش أبيح الشرب لدفع الضرورة (5) .
وفى التداوى بالخمر خلاف، فالرأى الراجح فى مذهب مالك والشافعى أن التداوى بالخمر فيه الحد إذا شربها المريض، أما إذا استعملها لطلاء جسمه فلا حد؛ لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من تداوى بالخمر فلا شفاه الله"،
(1) أسنى المطالب ج4 ص159، المغنى ج10 ص 329، شرح الزرقانى ج8 ص 114.
(2)
بدائع الصنائع ج5 ص 113، أسنى المطالب ج4 ص159، الإقناع ج4 ص 267.
(3)
شرح الزرقانى ج8 ص 114.
(4)
الإقناع ج4 ص 267، المغنى ج10 ص332، شرح الزرقانى ج8 ص 112.
(5)
شرح الزرقانى ج8 ص 112، بدائع الصنائع ج7 ص 40.
"إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها"(1) . ويرى أبو حنيفة إباحة الشرب للتداوى، أما أحمد فيحرمه ويرى فى الشرب للتداوى الحد (2) .
السكر
583 -
لا وجود لحد السكر إلا إذا كان الشرب مباحًا، والسكر هو المحرم كما هو الحال عند غير المسلمين أو كما يقول أبو حنيفة وأصحابه فى غير الخمر، فإن كان الشرب غير مباح فالحد حد الشرب لا حد السكر ولو أدى الشرب إلى السكر فعلا.
فالسكر إذا درجة تأتى بعد الشرب وهى نتيجة له، ولذلك يجب أن تتوفر فى جريمة السكر أركان جريمة الشرب وأن يؤدى الشرب بعد ذلك إلى السكر، فإن لم يؤد للسكر فلا حد على الشرب ولا على السكر ولو قصد الجانى أن يشرب ليسكر.
ويحد الجانى على السكر إذا شرب المادة المسكرة وهو عالم بأن كثيرها مسكر ولو شرب منها قليلا ما دام أن الشرب قد أدى فعلا للسكر، ويحد كذلك ولو لم يقصد من الشرب السكر ما دام قد سكر وذلك أخذًا بقصده الاحتمالى إذ كان عليه أن يتوقع أن الشرب ربما أدى للسكر (3) . واختلف فى بيان السكر المستوجب للحد، فرأى أبو حنيفة أن السكران هو من فقد عقله فلم يعد يعقل قليلًا لا وكثيرًا ولا يميز الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة (4) .
ويرى أبو يوسف ومحمد أن السكران هو الذى يغلب على كلامه الهذيان وحجتهما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاة َ وأَنتُمْ سُكَاَرَى حَتَّى تََعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] فمن لم يعلم ما يقول فهو سكران، ورأيهما يتفق مع رأى بقية الأئمة (5) .
* * *
(1) نهاية المحتاج ج8 ص 11.
(2)
المغنى ج 10ص 329.
(3)
شرح فتح القدير ج4 ص 183.
(4)
بدائع الصنائع ج5 ص118.
(5)
المغنى ج10 ص335.