الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاعدة الثالثة:
صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية
فالثبوتية: ما أثبته الله - تعالى - لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك.
فيجب إثباتها لله - تعالى - حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً "[النساء: 136].
فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته.
والإيمان بالكتاب الذي نَزَّلَ على رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله.
وكون محمد صلى الله عليه وسلم رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مُرْسِلِهِ، وهو الله عز وجل.
وأما العقل:
فلأن الله - تعالى - أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من
غيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل، أو الكذب، أو العي بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله عز وجل فوجب قبول خبره على ما أخبر به.
وهكذا نقول فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله - تعالى -؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه، وأصدقهم خبرًا، وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانًا، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه.
والصفات السلبية: ما نفاها الله - سبحانه - عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات نقص في حقه كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب؛ فيجب نفيها عن الله تعالى - لما سبق - مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل (1)، وذلك:
1 -
لأن ما نفاه الله - تعالى - عن نفسه؛ فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال؛ وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا (2).
2 -
ولأن النفي قد يكون:
(1) مجموع الفتاوى (16/ 99 وَ 17/ 107 - 109، 142 - 145، 325 - 326، 449)، شرح الرسالة التدمرية (ص 51 - 84، 182 - 185، 199)، وتوضيح مقاصد العقيدة الواسطية (ص 42).
(2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التدمرية (ص 184): وينبغي أنْ يُعْلَم أنَّ النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدمٌ محض، والعدم المحض ليس بشيء
…
.
أ - لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالًا كما لو قلت: الجدار لا يَظْلِمْ.
ب - وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خَرْدَلِ (1)
وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب * ليسوا من الشر في شيء وإن هانا (2)
* مثال ذلك: قوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت "[الفرقان: 58]. فَنَفْيُ الموت عنه يتضمن كمال حياته.
* مثال آخر: قوله تعالى: " وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً "[الكهف: 49] نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
* مثال ثالث: قوله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ "[فاطر: 44] فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده:" إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً "[فاطر: 44]، لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه؛ فلكمال علم الله - تعالى - وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض.
(1) هذا البيت للشاعر النجاشي قيس بن عمرو بن مالك؛ وانظر تحقيقًا موسعًا في ألفاظه، وسببه، والشاهد منه في: المجلى في شرح القواعد المثلى (ص 191).
(2)
هذا البيت ينسب لقريط بن أنيق؛ وانظر تحقيقًا موسعًا في ترجمة الشاعر، وألفاظ البيت، ومراد الشاعر منه في: المجلى في شرح القواعد المثلى (ص 191).
وبهذا المثال علمنا أَنَّ الصفةَ السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.
التعليق
يقول الشيخ رحمه الله: إن صفات الله ثبوتية؛ يعني صفات يجب إثباتها له ، وسَلبية وهي سلب النقائص والعيوب ، وهذا صحيح.
وهذه صاغها شيخ الإسلام بعبارة أخرى بقوله في التدمرية: (القاعدة الأولى: أنَّ الله - تعالى - موصوف بالإثبات والنفي ، فالإثبات كإخباره أنه بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك؛ والنفي كقوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " [البقرة: 255])(1).
ونجد هذا في الآيات:
فقوله تعالى: " قل هو الله أحد * الله الصمد "[الإخلاص] هذا إثبات.
وقوله: " لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد "[الإخلاص] هذا نفي.
والنفي يسمى سلبًا ، فالله موصوف بإثبات الكمالات وموصوف بسلب النقائص ، فالنوم والسِّنَة والولد والظلم ليست هي الصفات السلبية التي نقول: إن الله موصوف بصفات سلبية؛ بل الصفات السلبية هي نفيها؛ فالله موصوف بسلب هذه النقائص ، فالصفة هي النفي ، فنفي النقائص مما يوصف الله به.
والنفي الذي يوصف الله به هو: النفي المتضمن لإثبات كمال - كما قال الشيخ - ، أما النفي المحض الذي لا إثبات فيه فهذا ليس بمدح
(1) التدمرية (ص 182).
ولا كمال (1).
وقد ذكر شيخ الإسلام هذا المعنى في القاعدة الأولى من القواعد التي ذكرها في التدمرية فقال: (وينبغي أن يُعْلَم أنَّ النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال؛ لأنَّ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء - هو كما قيل - ليس بشيء؛ فضلًا عن أنْ يكون مدحًا أو كمالًا)(2). وقالوا تمثيلًا لهذا: وصف العاجز بأنه لا يظلم ، فنفي الظلم عنه لعجزه لا لعدله، ومثل كون الشيء لا يُرى مطلقًا فهذا ليس بمدح ، يقول شيخ الإسلام:(لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح)(3).
فكل نفي في صفات الله فإنه متضمن لإثبات كمال ، فنفي الظلم يتضمن إثبات كمال العدل، ونفي النوم والسنة والموت يتضمن كمال الحياة، ونفي الضلال والنسيان يتضمن كمال العلم إلى آخره.
(1) التدمرية (ص 184).
(2)
التدمرية (ص 184).
(3)
التدمرية (ص 188).