الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاعدة الثالثة:
ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة
.
وقد دل على ذلك: السمع، والعقل.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ "[ص: 29].
وقوله تعالى: " ِإنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "[الزخرف: 3].
وقوله - جل ذكره -: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "[النحل: 44].
والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه، ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم، وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل:
فلأن من المحال أَنْ يُنْزِلَ الله - تعالى - كتابًا أو يتكلم
رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام يقصد بهذا الكتاب، وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدِّها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السَّفَهِ الذي تأباه حكمة الله - تعالى -، وقد قال الله - تعالى - عن كتابه:" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ "[هود: 1].
هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية، فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات (1).
وبهذا عُلِمَ بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويَدَّعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عز وجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل)(ص 116 / جـ 1) المطبوع على هامش (منهاج السنة): (وأما التفويض: فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحَضَّنَا على عَقْلِهِ وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وَعَقْلِهِ - إلى أن قال (ص 118): وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه؛ بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدىً
(1) صفحة رقم (
…
).
وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نُزِّلَ إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه فلا يُعْقَل ولا يُتَدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. اهـ. كلام الشيخ؛ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد - رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم -.
التعليق
هذه القاعدة هي مضمون القاعدة الخامسة في التدمرية؛ يقول شيخ الإسلام: (القاعدة الخامسة: أنا نعلم ما أخبرنا به من وجهٍ دون وجه، فإنَّ الله - تعالى - قال:" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا "[النساء: 82]، وقال:" أفلم يتدبروا القول "[المؤمنون: 68]، وقال:" كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب "[ص 29]، وقال:" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها "[محمد: 24]
فأمر بتدبر الكتاب كله) (1).
والوجهان - كما ذكرهما الشيخ محمد رحمه الله نعلمهما من جهة المعنى ، فنعلم معانيها ونفهمها ونتدبرها ونعرف ربنا بها ونعرف مراده من هذه الأخبار ، ونعرف مراده من الإخبار عن اليوم الآخر ، ولكن لا نعلمها من جهة حقائقها وكيفياتها ، فلا يلزم من العلم بمعنى الشيء إجمالا الإحاطة به.
وهذا كثير ، ولعله يكون حتى في المحسوسات فالشمس نعلمها ونعرفها ويراها الناس ، لكن هل يحيط الناس بها؟ وهل يحيط الناس بحقيقتها وما هي عليه كما خلقها الله؟ قد يعرفون أشياء لكن هل يعرفون حقيقة الشمس على ما هي عليه كما خلقها الله سبحانه وتعالى؟
والشيخ رحمه الله في التدمرية (2) ضرب مثلًا للعجز عن معرفة الكيفية بالروح؛ فهذه الروح التي في الناس وبها حياتهم ولها شأن وصفات وهي معروفة ، ومع ذلك لا يدرك الناس كنهها أبدًا ، والعقول عاجزة عن تكييفها ، فإذا كانت العقول عاجزة عن تكييف الروح فهي عن تكييف ذات الرب وصفاته أعجز.
وذكر شيخ الإسلام في القاعدة الخامسة الدليل على الوجه الأول ، وهو نفس ما ذكره الشيخ محمد فذكر آيات التدبر:" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها "[محمد: 24]، وقوله تعالى:" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا "[النساء: 82]، وقوله تعالى:" أفلم يدبروا القول "[المؤمنون: 68]، وقوله تعالى:" كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته "[ص: 29]، ثم قال:(فأمر بتدبر الكتاب كله)(3).
(1) التدمرية (ص 251).
(2)
التدمرية (ص 169).
(3)
التدمرية (ص 251).
إذن؛ فالقرآن كله يمكن فهمه ، وأعظم ذلك وَأَوَّلُهُ وَأَوْلَاه نصوص الصفات ، فهي أشرف كلام الله ، وأشرف آي القرآن ، لأن أشرف العلوم الشرعية هي العلم بالله بأسمائه وصفاته ، وأما الوجه الثاني الذي لا نعلمه فاستدل له بقوله تعالى:" وما يعلم تأويله إلا الله "[آل عمران: 7]، والتأويل في هذه الآية ولاسيما على قراءة الجمهور - وهي: الوقف على لفظ الجلالة - هو الحقيقة التي يؤول إليها الشيء ، فلا يعلم تأويل ما تشابه من القرآن ، يعني لا يعلم حقيقته وما يؤول إليه إلا الله ، فلا يعلم كنه ذات الرب وصفاته ولا كنه ما أخبر به عن اليوم الآخر إلا الله ، حتى إنه سبحانه في الحديث القدسي قال:" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر "(1).
وفي آيات الأمر بالتدبر وذم المعرضين عن تدبر القرآن: الرد على أهل التفويض، وهذا هو المقصود من تقرير هذه القاعدة ، وأهل التفويض هم الذين يقولون: إن نصوص الصفات لا يعلم أحد معناها ولا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يعلم معناها إلا الله؛ ولهذا سماهم الشيخ في الحموية أهل التجهيل (2)، لأنهم بزعمهم هذا يجهلون الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بمعان كلام الله؛ بل على قولهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم بما لا يعلم معناه من حديثه ، فأحاديث الصفات - أيضًا - لا يعلم معناها إلا الله ، فقولهم يتضمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم بما لا يعلم ويعقل معناه ، وكفى بهذا فسادًا ، وكفى بهذا طعنا في كلام الله ، وفي حكمة الله وفي كلام الرسول وقدره صلى الله عليه وسلم ، سبحان الله ما أقبح هذا الكلام وهذا المذهب ، مع أن كلمة
(1) أخرجه البخاري (3244) وفي مواضع أخر، ومسلم (2824) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
الحموية (ص 195 - 207).
التفويض يستروح لها بعض الناس ويظنون أن مذهب التفويض حقٌ ، ولا يعلمون أنه يستلزم أمورًا باطلة ، منها: أن القرآن ليس هدى ولا شفاء ولا بيانًا ولا فيه تعريف بالله بما يجب له وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فأهل التفويض معطلة نفاة لصفات الله ، فالمعطلة لاسيما من الأشاعرة ونحوهم من الماتردية: منهم من ينحو إلى التفويض ، ومنهم من ينحو إلى التأويل ، أما الجهمية والمعتزلة فالغالب عليهم والأصل فيهم هو التأويل.
ولهذا يقول الشيخ رحمه الله في التدمرية ينعت هؤلاء الذين يفرقون بين الصفات يقول: (الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل) ، يعني بعضهم يقول بالتفويض وبعضهم يقول بالتأويل والكل ينفي؛ فمثلا من الصفات التي ينفيها الأشاعرة الاستواء على العرش ، فكلهم يتفقون على نفي حقيقة الاستواء على العرش والعلو والارتفاع على العرش ، فينفون العلو ، لكن ماذا يعتذرون عن الآية؟
أهل التأويل يقولون: استوى بمعنى استولى هذا نموذج من تأويلاتهم ، وأهل التفويض يقولون: الله أعلم بمراده لا ندري ما معنى " الرحمن على العرش استوى "[طه: 5] ، فاتفقوا على نفي الاستواء على العرش ، واختلفوا في موقفهم من الآية، وقل مثل ذلك في سائر نصوص الصفات التي ينفونها ، مثل: النزول، والغضب، والرضا، وغير ذلك.
فمثلًا في آيات المحبة والرضا والغضب والسخط ، فأهل التأويل منهم من يفسر هذه الصفات بالإرادة إما بإرادة الإنعام أو الانتقام أو ببعض المخلوقات من الثواب والعقاب ، وأهل التفويض يقولون: الله أعلم بمراده ، لا ندري ما معنى " يحبهم " [المائدة: 54] ، ولا ندري ما معنى " يحب الذين يقاتلون " [الصف: 4] ، ولا ندري ما معنى " غضب الله عليهم " [الممتحنة: 13] ، فكما قال شيخ الإسلام في آخر الكلام الذي
نقله الشيخ محمد: هؤلاء جعلوا أشرف ما في القرآن وهي نصوص الصفات غير معلومة ولا ينتفع بها ، ويلزم على قول هؤلاء إن الكتاب والسنة ليسا طريقا لمعرفة الله وإنما يعرف الله بالعقول ، وعلى هذا فكل صاحب فكر يدعي أن ما أدركه بعقله هو الواقع وهو الحق ، ولهذا نصَّ شيخ الإسلام في الحموية (1) على أنه يلزم على قول أهل التفويض وأهل التأويل أن ترك الناس بلا رسالة أهدى لهم ، لأن هذه النصوص - على زعمهم - ما دلت على الحق في باب معرفة الله ، وما دلت على الحق المطابق للواقع ، فأهل التأويل والتفويض كلهم يتفقون على أن هذه النصوص لا تدل على إثبات صفات قائمة بالرب سبحانه ، لا صفات ذاتية ولا فعلية - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا -؛ والله أعلم.
(1) الحموية (ص 235).