الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة (البقرة)، والبغوي في تفسير سورة (فصلت).
قال ابن كثير: (أي: قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا ضُمِّنَ معنى القصد والإقبال، لأنه عُدِّيَ بإلى)(1).
وقال البغوي: (أي: عمد إلى خلق السماء)(2).
وهذا القول ليس صرفًا للكلام عن ظاهره، وذلك لأن الفعل (اسْتَوَى) اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله - تعالى - " عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً " [الإنسان: 6] حيث كان معناها: يُرْوَى بها عباد الله، لأن الفعل " يَشْرَبُ " اقترن بالباء، فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.
المثال الخامس، والسادس:
قوله - تعالى - في سورة الحديد: " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم "[الحديد: 4]، وقوله في سورة المجادلة:" وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا "[المجادلة: 7](3).
والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حَقٌّ على حقيقته وظاهره، ولكن ما حقيقته وظاهره؟
(1) تفسير ابن كثير (1/ 332).
(2)
تفسير البغوي (1/ 60).
(3)
مجموع الفتاوى (3/ 140، 5/ 121 - 136، ومختصرةً في 226 - 246، 36/ 98 - 90)، رسالة في النزول والمعية وإثبات الصفات، الحموية (518 وما بعدها)، جامع المسائل (المجموعة الثالثة / 158 - 209)، الرد على الزنادقة والجهمية (296)، نقض الدارمي (1/ 442 وما بعدها)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (136، 190 - 196).
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن لله – تعالى – مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطًا بهم، أو حالًا في أمكنتهم؟
أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله – تعالى – مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم: علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا، وسلطانًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟
ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله – عز وجل – وهو أعظم وأَجَلُّ مِنْ أَنْ يحيط به شيء من مخلوقاته! ولأن المعية في اللغة العربية – التي نزل بها القرآن – لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضعٍ بحسبه.
وتفسير معية الله – تعالى – لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك؛ بل كانوا مجمعين على إنكاره.
الثاني: أنه منافٍ لعلو الله – تعالى – الثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيًا لما ثبت بدليل كان باطلًا بما ثبت به ذلك المنافي، وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلًا بالكتاب والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف.
الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله – سبحانه وتعالى –.
ولا يمكن لمن عَرَفَ اللهَ – تعالى – وقَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وعرف
مدلول المعية في اللغة العربية – التي نزل بها القرآن – أَنْ يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطًا بهم أو حالًا في أمكنتهم، فضلًا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرب – جل وعلا –.
فإذا تَبين بطلان هذا القول تَعين أن يكون الحق هو القول الثاني، وهو أن لله – تعالى – مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم، علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا وسلطانًا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب، لأنهما حَقٌّ، ولا يكون ظاهر الحق إلا حقًا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (ص 103 / جـ 5 من مجموع الفتاوى لابن قاسم): (ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا " إلى قوله: " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ " [الحديد: 4] دَلَّ ظاهر الخطاب على أَنَّ حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مُطَّلِعٌ عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، هذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه (1)، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وكذلك في قوله:" مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ " إلى قوله: " هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا "[المجادلة: 7] الآية.
ولما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لصاحبه في الغار: " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
(1) قال المؤلف: كان هذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه؛ لأنه إذا كان معلومًا أنَّ الله – تعالى – معنا مع علوِّهِ لم يبقَ إلا أن يكون مقتضى هذه المعية أنه – تعالى – عالم بنا مطلع شهيد مهيمن لا أنه معنا بذاته في الأرض.
مَعَنَا" [التوبة: 40] كان هذا – أيضًا – حقًا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا: معية الاطلاع والنصر والتأييد.
ثم قال: فلفظ المعية قد اسْتُعْمِلَ في الكتاب والسنة في مواضع، يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر. فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب – عز وجل – مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها. اهـ.
ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب – عز وجل – مختلطة بالخلق أن الله – تعالى – ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "[المجادلة: 7].
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا أنه – سبحانه – مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض.
أما في آية الحديد: فقد ذكرها الله – تعالى – مسبوقة بذكر استوائه على عرشه، وعموم علمه، متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد فقال:" هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "[الحديد: 4].
فيكون ظاهر الآية: أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وبصره
بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه؛ لا أنه – سبحانه – مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضًا لأولها الدالِّ على علوه واستوائه على عرشه.
فإذا تبين ذلك؛ علمنا أن مقتضى كونه – تعالى – مع عباده أنه يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، وَيُدَبِّرُ شئونهم، فيحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه لا يحجبه عن خلقه شيء، ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة، ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص 142 / جـ 3 من مجموع الفتاوى لابن قاسم) في فصل الكلام على المعية قال: (وكل هذا الكلام الذي ذكره الله – سبحانه – من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة). اهـ.
وقال في الفتوى الحموية (ص 102، 103 / جـ 5 من المجموع المذكور): (وَجِمَاعُ الأمرِ في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.
ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضًا ألبتة مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش
(1) قال المؤلف: وقد يبقى أن المعية في اللغة العربية لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان.
يخالفه الظاهر من قوله: " وَهُوَ مَعَكُمْ "[الحديد: 4]، وقوله – صلى الله عليه وسلم –:" إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قِبَلَ وجهه "(1)، ونحو ذلك فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله – سبحانه وتعالى –:" هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "[الحديد: 4].
فأخبر أنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا؛ كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث الأوعال:" والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه ". اهـ.
واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله – تعالى – لا يناقض ما ثبت من علو الله – تعالى – بذاته على عرشه، وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الله – تعالى – جَمَعَ بينهما لنفسه في كتابه المبين المُنَزَّهِ عن التناقض، وما جَمَعَ الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فَتَدَبَّرْهُ حتى يتبين لك، لقوله تعالى:" أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً"[النساء: 82]، فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: " آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
(1) أخرجه البخاري (753)، ومسلم (547) من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما –.
عِنْدِ رَبِّنَا " [آل عمران: 7]، وَكِلِ الأمرَ إلى مُنْزِلِهِ الذي يعلمه، واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك، وأن القرآن لا تناقض فيه (1).
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: (كما جمع الله بينهما).
وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي (ص 410 ط الإمام) في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل: إنه مجاز، قال:(وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه، وَقَرَنَ بين الأمرين كما قال تعالى - وذكر آية سورة الحديد - ثم قال: فأخبر أنه خلق السموات والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه؛ كما في حديث الأوعال: " والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه " فَعُلُوُّهُ لا يُنَاقِضُ معيتَهُ، ومعيتُهُ لا تبطل علوه؛ بل كلاهما حق). اهـ.
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال:(مازلنا نسير والقمر معنا)، ولا يعد ذلك تناقضًا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نَزَلَ في الأرض، فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق، ففي حق
(1) قال ابن القيم في مدارج السالكين (2/ 334): وهكذا الواقع في الحقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن، المأفون في عقله وذهنه؛ فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل.
وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك، وينبو فهمك عنه؛ فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك، وأن تحته كنزًا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعد - هذا في حق نفسك -.
وأما بالنسبة إلى غيرك: فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي، وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص؛ فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو .. ولو ..
الخالق المحيط بكل شيء مع علوه – سبحانه – من باب أولى، وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (ص 103 المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم) حيث قال: (وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دَلَّت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال:(مازلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا)، ويقال:(هذا المتاع معي) لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة). اهـ.
وصدق – رحمه الله تعالى – فإنَّ من كان عالمًا بك مطلعًا عليك، مهيمنًا عليك، يَسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويدبر جميع أمورك، فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة؛ لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعًا في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما؛ لأن الله – تعالى – لا يماثله شي من مخلوقاته، كما قال تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ "[الشورى: 11].
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص 143 / جـ 3 من مجموع الفتاوى) حيث قال: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه – سبحانه – ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عَليٌّ في دنوه، قريبٌ في عُلوه). اهـ.
التعليق
هذا الفصل يقصد به الشيخ – رحمه الله – دفع شبهةٍ يوردها بعض أهل الأهواء على أهل السنة في نصوص الصفات؛ فإنَّ مذهب أهل السنة هو إمرار نصوص الصفات بلا كيف، وذلك بإجرائها على ظاهرها، والإيمان بما دلت عليه من صفاته – سبحانه وتعالى –.
قال المعارضون: إنَّ أهل السنة قد خالفوا ذلك في بعض الآيات والأحاديث فصرفوها عن ظاهرها وهذا تأويل؛ فلماذا ينكر علينا التأويل؟!
وقد أجاب أهل السنة عمَّا أوردوه من ذلك، وقد ذكر الشيخ في هذا الفصل الجواب مجملًا ومفصلًا؛ فأما المجمل فمن وجهين:
أحدهما: الجواب بالمنع؛ فيقال: لا نُسَلِّم أنَّ هذا تأويل؛ بل الكلام على ظاهره حسب دلالة اللغة ودلالة السياق.
الثاني: لو سلمنا جدلًا أنَّ ما قاله أهل السنة تأويل، فإنهم إنما صاروا إليه لدليل يوجب ذلك.
وأما الجواب المفصَّل: فببيان دلالة كل مثال على حدته، وقد أوضح الشيخ ذلك في ستة أمثلة، فلا نطيل بذكر الجواب عنها؛ فكلام الشيخ واضح.
فمن ذلك ما جاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما –: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض
…
" زعم المعترض: أنَّ ظاهره أن الحجر صفةٌ لله، وأنَّ من استلمه فقد صافح الله؛ فَأَوَّلَهُ أهل السنة وصرفوه عن ظاهره.
والجواب:
أولًا: أن الحديث جاء مرفوعًا وموقوفًا، ولم يثبت المرفوع؛ وكأن ابن تيمية يصحح الموقوف ، وعلى كل حال الأمر سهل ، فإن صح موقوفًا
عن ابن عباس، فيمكن أن يقال: إن له حكم الرفع لهذا الكلام " الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه "، وشيخ الإسلام ذكر هذا في التدمرية وقال عنه:(وفي الأثر الآخر) وذكره ووجهه، ثم قال:(مع أنَّ هذا الحديث إنما يُعرف عن ابن عباس)(1).
ثانيًا: أجاب عن زعم المعترض بجوابين مضمونهما:
أولًا: أنه على فرض صحته؛ قال: " يمين الله في الأرض " فلم يقل الحجر الأسود يمين الله؛ بل قال: " في الأرض ".
ثانيًا: أنه قال: " من استلمه وقبله فكأنما " والمشبه غير المشبه به ، لم يقل من استلمه وقبله فقد صافح الله وقبله ، إنما قال:" فكأنما " والمشبه غير المشبه به؛ فعلم أن مستلم الحجر ليس مصافحًا لله، ولا مُقَبِّلًا ليمينه.
ومن ذلك: قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات " الآية [البقرة: 29]، فقيل: استوى: ارتفع، وقيل: قصد؛ والثاني هو الذي ذكره ابن كثير وهو أولى، وليس ذلك من التأويل؛ بل اقتضاه تعدية الفعل بِـ (إلى) فتكون الآية دالة على المعنيين حيث ضمن لفظ (استوى) معنى: قصد؛ وبذا يظهر الفرق بين: " استوى إلى السماء "[البقرة: 29] و " استوى على العرش "[يونس: 3].
وعلى كل حال هذا الكلام الذي ذكره الشيخ فيه الكفاية، والمنازعون والمخالفون وأهل الأهواء والمتعصبون يتتبعون المتشابه من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء ، كثير من الكلام تجد لهم فيه شبهة ويمكن أن يكون مؤيدًا ، وهم ينسبون للإمام أحمد وغيره أنه تأول بعض النصوص وهو إذا تأول بعض النصوص جاز لنا أن نتأول ما سواها ، والشيخ أجاب بما أجاب به ابن تيمية – رحمه الله – ، فهذا الجواب مستمد من كلام شيخ الإسلام – رحمه الله –.
(1) التدمرية (216 – 218).
فما ادعوه على الإمام أحمد: فمنه ما لم يصح، ومنه ما لا يصح أن يسمى تأويلًا ، لأن التأويل الصحيح هو: صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بدليل ، فإذا كان التأويل مبنيًا على حجة لم يكن مذمومًا ولا ممنوعًا ، كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد.
وقد يكون الدليل - كما قال الشيخ - متصلًا في نفس الكلام؛ مثل ما أوضح في الأثر: " الحجر الأسود يمين الله "(1)، وذكر ابن تيمية حديثًا آخر في التدمرية (2) وهو قوله في الحديث الصحيح:" إن الله يقول يوم القيامة: عبدي مرضت فلم تعدني ، عبدي جعت فلم تطعمني "(3) يقول بعض الغالطين: إن هذا الحديث يجب تأويله! لأن الله يمتنع أن يحتاج إلى الإطعام ويمتنع أن يمرض؛ فالحديث لابد من تأويله، فظاهر الحديث معنى باطل ، فأجاب شيخ الإسلام عن هذا بأنه غير صحيح ، لأن الحديث ليس هكذا مبتورًا؛ بل الحديث مفسر واضح ما فيه أيُّ إشكال ، فإن الحديث فيه:" يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنَّ عبدي فلانًا مرض فلم تعده؛ أمَا علمتَ أنك لو عدته لوجدتني عنده " فجعل مرض العبد مرضًا لله ، تعظيمًا لشأن ذلك العبد وتأكيدًا لحقه وعيادته ، وهكذا الثاني " عبدي جعت فلم تطعمني. فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: بل جاع عبدي فلان فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي " الحديث، يقول الشيخ: فلم يبق في الحديث ما يحتاج إلى تأويل ، بل الحديث مفسر واضح، ومن زعم أن ظاهر الحديث: أن الله يجوع ويمرض فهو مبطل ، كمن قال: إن ظاهر قوله تعالى: " فويل للمصلين " [الماعون]
(1) سبق تخريجه في صفحة رقم (
…
).
(2)
التدمرية (218 وما بعدها)، وسيأتي الحديث عنه في المثال الخامس عشر.
(3)
أخرجه مسلم (2569) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
تهديد ووعيد للمصلين ، والآية ليست هكذا ، الآية موصولة:" الذين هم عن صلاتهم ساهون "[الماعون] فَصِلِ الآيةَ ترتفعُ الشبهةُ ويزولُ الإشكال.
ومما ادعى فيه المعترض على أهل السنة: أنهم أولوا نصوص المعية، وهذا مبنيٌ على أنَّ حقيقة المعية تقتضي الاتصال والمخالطة وهذا ممنوع؛ بل يختلف مدلولها باختلاف ما تضاف إليه (مع)؛ فلهذا كان الأئمة يكتفون بقولهم: إنَّ الله معهم بعلمه ، أخذًا من الآية (1) ، فإن الآية بدأت بالعلم وختمت بالعلم ، وهذا لا ينافي أن نقول: إنه معهم بعلمه وبسمعه، لأنه يسمع أصواتهم " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " [المجادلة: 7] فهو معهم بعلمه، يسمعهم ويعلم حالهم وما يسرون ما يعلنون ، ويرى مكانهم ويسمع كلامهم ، هو معهم وهو فوق سماواته محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا – كما قال الشيخ – ، لكن الأئمة تجد المأثور عنهم الاقتصار على العلم ، ولا يريدون أن هذا المعنى مقصور على العلم ، فالله مع عباده يراهم وهو فوق سماواته ، ولهذا جاء في الحديث:" لا يخفى عليه شيء من أعمالكم "(2) يراهم، يسمعهم، يعلمهم، ومشيئته نافذة فيهم، وقدرته شاملة لهم.
والحمد لله أنَّ الحق واضحٌ سهلٌ ميسرٌ ، ولكن الذي صَعَّبَهُ هو بدع
(1) المراد بالآية قوله تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "[المجادلة: 7].
(2)
لم أجده مرفوعًا؛ وإنما وجدته موقوفًا على ابن مسعود – رضي الله عنه –: أخرجه ابن بطة في الإبانة (3/ 171)، وابن عبد البر في التمهيد (7/ 139) وغيرهما.
المبتدعين، وفهم الجاهلين، وتحريف المبطلين ، وإلا – ولله الحمد – من تكون عنده الفطرة السليمة لا يشكل عليه ، فمن حيث العقل ومن حيث اللغة لا تنافي بين العلو والمعية ، ولكن إنما أُتِيَ المعطلة من تأصيلهم الباطل ، لما أَصَّلُوا نفي العلو استدلوا بنصوص المعية لتصحيح مذهبهم ، لأن المذهب الذي توصلوا إليه بشبهاتهم هو نفي العلو، وأنه تعالى في كل مكان ، فراحوا يصححون ما قالوه محتجين بنصوص المعية ، فنصوص المعية ليست هي الدليل عندهم ، لكن أهل الزيغ وأهل الأهواء يتبعون المتشابه ، ويأخذون من الأدلة ما يوافق أهواءهم وأصولهم ومذاهبهم ، وإلا فلماذا تتأولون نصوص العلو وتتعلقون بنصوص المعية زاعمين أنها تدل على الحلول وأنه تعالى في كل مكان؟ لماذا لم يكن التأويل لنصوص المعية؟ لماذا لم تقولوا إن نصوص العلو على ظاهرها وأنه تعالى في العلو ونصوص المعية لا تدل على الحلول؟
وهذا الإشكال والاشتباه ما جاء للمسلمين إلا لما أحدث المبتدعون مذهب التعطيل ، نفي صفات الرب ونفي علو الرب – تعالى –، وقالوا بالحلول ، فهنالك جاء الاضطراب والتحريف لكلام الله وكلام رسوله – عليه الصلاة والسلام – ، وإلا فكلٌ من العلو والمعية – كما قال أهل العلم – حق على حقيقته ، فالله فوق عرشه عال على خلقه ، حق ، وهو مع عباده ، حق ، كل منهما حق على حقيقته ، لا تناقض ، وكما ذكر الشيخ – رحمه الله – في هذه الوجوه أنه لا تناقض بين العلو والمعية في حق المخلوقين ، فالمخلوق يكون عاليًا على غيره ، ويقال إنه مع غيره ، كما ضُرِبَ المثل بالقمر ، فالقمر في مداره وفي مساره ومع ذلك يقول القائل: سرنا والقمر معنا ، بل مثَّل العلماء بقول الرجل لولده وهو يَطَّلِعُ عليه من علو ويقول: لا تخف أنا معك ، وهو بعيد عنه ، ويقول الأمير للجيش: سيروا وأنا معكم ، أسير معكم ، بإحاطته بمتابعة وتدبير أمورهم ، فالحق – ولله الحمد – مشرق وسهل وواضح ما فيه هذا التعقيد.
والمعية في اللغة العربية لا تستلزم مماسة فضلًا أن تستلزم اختلاطًا ، فهي في كل مقام بحسبه ، إذا قيل: الرجل معه امرأته ، أحيانًا سافر بها معه في صحبته ، وأحيانًا معه يعني أنه لم يطلقها ، معية الاقتران الحكمي ، أنها زوجته ، يقال: فلان زوجته معه أو طلقها؟ فيقال: زوجته معه ، وإن كان هو في المشرق وهي في المغرب ، هي معه ، وتقول: سافرت مع فلان، فقد تكون أنت في سيارة وهو في سيارة لكن يجمعكما السفر والاتفاق على أنكما مسافران معًا ، ولا يلزم من ذلك أن تكونوا في سيارة واحدة وما إلى ذلك ، فتقول: سافرنا مع فلان، وإن كان كل واحد في سيارة ، لكن معية الاقتران في هذا الوجه وفي هذا السفر ، ففيه اتفاق على الصحبة في السفر ، فهذه معية خاصة بين المتصاحبين ، لكن إذا ذهب كل واحد في طريقه ليس بينهما علاقة لا تقول:(أنا سافرت مع فلان).
والحمد لله رب العالمين ما ذكره الشيخ ونقله فيه الوفاء والغناء، وفيه ما يبرهن على الحق وبطلان ما يزعمه الجهمية ومن سلك سبيلهم ، فإن القول بالحلول هذا قول الجهمية خصوصًا قدماءهم - لأنه هو المشهور في أيام الإمام أحمد- والمعتزلة ، وبه يقول الأشاعرة ، لأن الأشاعرة هم ممن يقول بنفي العلو ، والذين ينفون العلو فريق منهم يقول إنه تعالى حالٌّ في كل مكان ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، ومنهم من يقول: إنه لا داخلَ العالم ولا خارجه ، وهذا أبعد في الفطر والعقول ، ما الشيء الذي لا داخل العالم ولا خارجه إلا المعدوم ، فإذا زعموا أن الله موجود وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فقد جمعوا بين النقيضين ، فكأنهم قالوا: إنه تعالى موجود معدوم، والحمد لله الذي عافانا من هذه الفهوم الفاسدة والعقول المظلمة.