الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاعدة السابعة:
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها
(1).
وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام؛ كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين؛ كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص؛ بل هي دالة على بطلانه، فَجَعْلُهَا دالةً عليه ميلٌ بها عما يجب فيها.
الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه؛ كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله - تعالى - توقيفية، فتسمية الله - تعالى - بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة ينزه الله - تعالى - عنها.
(1) جامع الرسائل (1/ 171)، بدائع الفوائد (1/ 297)، شرح الرسالة التدمرية (51، 55 - 61)؛ وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الحسنى (379)، وأسماء الله الحسنى للغصن (107).
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام؛ كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله، على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم؛ وذلك لأن أسماء الله - تعالى - مختصة به، لقوله تعالى:" وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا "[الأعراف: 180]. وقوله: " اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأسماء الْحُسْنَى "[طه: 8]. وقوله: " لَهُ الأسماء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض "[الحشر: 24]. فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يُسَبِّحُ له ما في السموات والأرض فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميلٌ بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله - تعالى - هَدَّدَ الملحدين بقوله: " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "[الأعراف: 180].
ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا، حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
التعليق
هذه القاعدة في تحريم الإلحاد في أسماء الله؛ فالإلحاد في أسماء الله محرم، وهو يتفاوت - كما أشار الشيخ في آخر كلامه -.
وأصل معنى الإلحاد هو: الميل، فمادة (لَ حَ دَ) تدل على الميل ، قالوا: ومنه سمي اللحد - وهو: الشق الذي في جانب القبر - لأنه مائل عن سمت الحفرة ، ومنه: الملتحد، وهو ما يلجأ إليه الخائف " ولن أجد من دونه ملتحدا " [الجن: 22] (1).
(1) مقاييس اللغة (5/ 236)، القاموس (404)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب (737).
وجماع معنى الإلحاد في أسماء الله: الميل بها عن الحق الذي يجب اعتقاده.
والإلحاد أنواع؛ وهذا التقسيم الذي ذكره الشيخ رحمه الله موجود في كلام ابن القيم في البدائع (1) وغيرها.
فالنوع الأول من أنواع الإلحاد في أسماء الله سبحانه وتعالى: جحدها وإنكارها؛ كإلحاد الجهمية، ثم إنه يتجزأ:
1 -
فالجهمية: نفوا جميع أسماء الله - ولاسيما الغلاة -؛ فبلغوا الغاية في الإلحاد فجحدوا معانيها وجعلوها أسماء لبعض مخلوقاته ، وقالوا: إن إطلاقها على الله مجاز وهي أسماء لبعض مخلوقاته.
2 -
وقد يقع هذا النوع من الإلحاد في بعضها؛ كما قال الله - تعالى - عن المشركين: " وهم يكفرون بالرحمن "[الرعد: 30].
والنوع الثاني من أنواع الإلحاد: نفي معانيها؛ كإلحاد المعتزلة فهم يثبتون الأسماء أعلامًا دالةً على ذات الرب، لكنهم يجحدون معانيها فيجعلونها ألفاظًا مترادفة ، فعندهم أن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل على معانٍ.
والنوع الثالث من أنواع الإلحاد: إلحادُ المُشَبِّهَةِ؛ حيث أثبتوا أسماء الله، وزعموا أنها تدل على صفاتٍ كصفات المخلوقين ، وهذا باطل؛ فأسماء الله تدل على معان مختصة بالرب لا تماثل صفات المخلوقين.
والنوع الرابع من أنواع الإلحاد - كما ذكر الشيخ -: تسميته تعالى بما لم يسمِّ به نفسه؛ ومن ذلك: تسمية النصارى له (أبًا) أبوة ولادة ، فسموا المسيح (ابنًا) وسموا الرب - تعالى - (أبًا) ، وجعلوا الكُلَّ آلهة (الأب) و (الابن) و (روح القدس).
(1)(1/ 298).
وكذلك الفلاسفة: يسمون الله العلة الأولى؛ يعني التي صدر عنها العالم صدورًا ذاتيًا لا صدور المفعول عن فاعله؛ بل صدور المعلول عن علته التامة ، ومن أجل ذلك قالوا بقدم العالم ، لأن معلول العلة التامة يكون قديما بقدمها.
والنوع الخامس من أنواع الإلحاد في أسمائه: أن يسمى بها بعض المخلوقات ، أو يشتق لبعض المخلوقات منها على الوجه المختص بالله.
واللفتة الأخيرة في كلام الشيخ جيدة وهي قوله: (فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها) وإلا فقد جاء لفظ الاشتقاق في قول حسان (1):
وشق له من اسمه ليجله
…
فذو العرش محمود وهذا محمد
ففيه التقاء في مطلق المعنى ، وهكذا ما جاء في الحديث في شأن الرحم أن الله اشتق لها من اسمه الرحمن؛ فهو الرحمن وهي الرحم (2)، ومن هذا النوع ما قيل: إن المشركين اشتقوا لآلهتهم أسماء من أسماء الله كالعزى من العزيز ، العزة المقتضية للإلهية والعبادة.
فتشعبت وتنوعت طرائق الملحدين في أسماء الله ، والله تعالى يقول:" ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا اللذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون "[الأعراف 180]، وفي هذا تهديد للملحدين.
والتحريف يكون كفرًا، ويكون فسقًا ومعصيةً، ويكون خطًأ؛ فقد يقع بعض الناس في شيء من الإلحاد خطأ، وقد يكون ناتجًا عن شبهة ، وإلا فالأصل أَنَّ جحدَ شيءٍ مما أخبر الله به ورسوله كفر.
(1) ديوان حسان بن ثابت (ص 49)، وَنُسِبَ هذا البيت لغيره.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (1649)، والترمذي في سننه (1907) من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. وقال الترمذي: حديث سفيان عن الزهري حديثٌ صحيح.