الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم
…
سلمه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
إليكم أجوبة الأسئلة التي ذكرتم في كتابكم إلينا.
* جواب السؤال الأول: اجتماع أهل الميت للعزاء واستئجار قارىء يقرأ شيئاً من القرآن بدعة منكرة لوجوه:
الأول: أن اجتماع أهل الميت للعزاء لم يكن معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن المعلوم أن تعزية المصاب من العبادات، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يجتمعوا لها، كان الاجتماع لها بدعة؛ لأن الأصل في العبادات المنع إلا ما قام عليه الدليل، وإذا ثبت أنه بدعة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من البدع، وأن كل بدعة ضلالة. وقوله:"كل بدعة ضلالة" كلمة عامة من أقوى صيغ العموم، صادرة من أعلم الناس بشريعة الله ومدلولات الألفاظ التي يتكلم بها، ومن أنصح الناس لعباد الله، ومن أفصحهم نطقاً، وأبلغهم بياناً، لا يمتري بذلك مؤمن، ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم حرف يستثني شيئاً من هذه القاعدة العامة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فليس المراد به أن يحدث في
شرع الله ما ليس منه قطعاً، إذ لو كان هذا هو المراد لكان مناقضاً لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة"، ولكانت الأمة تختلف في دينها كل حزب بما لديهم فرحون، ولحق عليها قول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} .
والمراد بالحديث: "من سن في الإسلام" أحد أمرين قطعاً:
1 فإما أن يراد به من سبق إلى العمل بسنة ثبتت مشروعيتها، ويدل لذلك سبب الحديث، فإن سببه كما في صحيح مسلم في باب الحث على الصدقة عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن قوماً من مضر أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حفاة عراة، مجتابي النِّمار أو العباء، فتمعَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما بهم من الفاقة، وفيه: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مُذْهَبَةٌ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
2 وأما أن يراد به إعادة سنة مشروعة بعد تركها، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"نعمت البدعة هذه" يعني إقامة الجماعة في قيام رمضان، وعلى هذا يكون معنى قوله:"من سن" أي من أحيا سنة بعد أن تركت.
وقد ذكر كثير من العلماء رحمهم الله حكم هذه المسألة، أعني الاجتماع للعزاء:
ففي (المنتهى)، وهو عمدة المتأخرين من الحنابلة في المذهب: وكره جلوس لها أي للتعزية، قال في شرحه: يعني أنه يكره للمصاب أن يجلس في مكان ليعزوه، ويكره للمعزي أن يجلس عند المصاب للتعزية.
وفي (المقنع) : ويكره الجلوس لها يعني للتعزية قال في الشرح الكبير: وذكره أبوالخطاب؛ لأنه محدث. اه
وقال النووي في (شرح المهذب) : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته وذكر تعليل ذلك ثم قال: واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث. اه
وقال الألباني في (أحكام الجنائز) : وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:
أالاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار، أو المقبرة، أو المسجد.
ب اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء، وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا نعد وفي رواية: نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وذكر الألباني في حاشية الكتاب المذكور عن ابن الهمام أن هذا بدعة قبيحة.
وبهذا يتبين حكم الاجتماع للتعزية.
وأما قول من ابتلي بها: "إنها حسنة" فمردود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة".
وأما قوله: هناك أشياء كثيرة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وليست ببدعة.
فيقال: هذه الأشياء إن فعلها فاعلها على وجه القربة والتعبُّد فإنها بدعة وضلالة، وإن كانت من باب الوسائل إلى أمر مشروع كتصنيف العلوم، وطباعة الكتب ونحو ذلك فهي مشروعة مشروعية الوسائل.
وأما إحضار قارىء يقرأ للعزاء فإن كان بأجرة فلا ثواب له، بل هو آثم، وحينئذ لا ينتفع الميت بقراءته، وإن كان بغير أجرة فالقراءة للعزاء بدعة لا ثواب فيها.
والواجب على المؤمن أن يرجع إلى ما كان عليه سلف الأمة، فإنهم خير القرون، وأن لا يلتفت إلى ما أحدثه الناس في دين الله تعالى لا في هذا ولا غيره، فالخير كله في اتباع السلف، والشر كله في ابتداع من خلف. وفقنا الله وإياكم لاتباع السنة، والبعد عن البدعة.
والواجب على أهل العلم بيان الحق في هذا وغيره على نحو ما ذكره الله عز وجل في قوله: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ولا يجوز لهم الذهاب إلى المجتمعين للعزاء إلا على سبيل النصيحة لهم.
جواب السؤال الثاني: كيف تعاملون النصارى المشاركين لكم في العمل والمجاورين لكم في المنازل أن تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، فإن هذا من العدل الذي أمر الله تعالى به، كما قال تعالى:{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ولا بأس بالإحسان إليهم تأليفاً لهم على الإسلام لا تودداً وتقرباً إليهم لقول الله تعالى: {لَاّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُو?اْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
وأما موادتهم وموالاتهم فلا يحل لنا ذلك لقوله تعالى: {لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُو?اْءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَائِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَائِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الا?ية، وقوله:{ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} . وقوله: {يَ ?اأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
وأما تهنئتهم فإن كان لمناسبات دينية عندهم فهذا حرام بلا شك؛ لأنه يتضمن الرضا بما هم عليه من الكفر وتثبيتهم عليه وإدخال السرور عليهم، به وإن كان لمناسبات غير دينية كحصول مال أو ولد فلا بأس به إذا كانوا يفعلون ذلك معنا، لما فيه من العدل والإنصاف وإلا فلا نهنئهم به إلا أن يتضمن ترك ذلك إضراراً بنا.
وأما تعزيتهم فنعزيهم إذا كانوا يعزوننا لما فيه من العدل
والإنصاف لكن ينبغي أن تكون تعزيتنا مفتاحاً لوعظهم ودعوتهم للإسلام.
هذا ما نراه في هذه المسائل ونسأل الله تعالى أن ينصر عباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.
كتب هذه الأجوبة بيده محمد الصالح العثيمين في 7/01/7141هـ.