الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الجزء الثانى عشر]
مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنار مسالك الأبصار، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الممالك والأمصار، وعلى آله السادة الأطهار، وصحبه المنتجبين الأخيار.
وبعد: فهذا هو الجزء الثاني عشر من معلمة ابن فضل الله العمري، وقد قصره على كتّاب الدواوين من المشارقة، ممن كان في خدمة الملوك والأمراء.
وطريقته أن يورد تعريفا بالكاتب بأسلوبه المسجّع، ثم يختار له من نثره مجموعة رسائل، تقل أو تكثر، حسب شهرة الكاتب ومكانته؛ فقد اختار لبديع الزمان الهمذاني والقاضي الفاضل- شعرا ونثرا- ما يستحق أن يفرد بكتاب مستقل؛ ثم يختار له من نظمه شيئا، قل أو كثر.
وكثيرا ما نقف في مختاراته- الشعرية والنثرية- على الجديد الذي لا نعرفه في مصادرنا التراثية؛ فترجمة الببغاء- مثلا- كلّه جديد، وكله مما يستدرك على مجموع شعره ونثره.
وكان الاعتماد في إخراج هذا الجزء، على النسخة الوحيدة التي أصدرها الدكتور فؤاد سزكين- جزاه الله خيرا- عن أصلها المحفوظ في أياصوفيا- المكتبة السّليمانية بإستانبول، تحت رقم 3425.
وهي نسخة تامة، لا خرم فيها، تقع في 396 صفحة، مكتوبة بقلم واحد، وبخط مقروء واضح، قليل الإعجام، نادر الضبط؛ وكثيرا ما يرسم الناسخ بعض الكلمات رسما دون أن يدرك معناها؛ وهنا لابد من أن يلجأ المحقق إلى تقاليب
الكلمة ليقف على المعنى الذي يتناسب مع السجع ودقة المعنى؛ وفي هذا من الصعوبة ما لا يدركه إلا من دفع إلى مضايقه.
وإذا كان الناسخ جاهلا، لا يفرق بين المذكر والمؤنث، فالأمر يزداد صعوبة.
وكان من الممكن أن يكون العمل أكثر دقة، لو توفرت لدينا نسخة دار الكتب المصرية، رقم 2568.
فالحمد لله الذي أعان في تحقيق هذا الجزء ويسّره، والشكر للقائمين على المجمّع الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين أحسنوا الظن بنا. ورحم الله امرءا ستر عيوب أخيه، فالكمال لمن له الكمال سبحانه.
والحمد لله في البدء والختام.
إبراهيم صالح دمشق/ الشام 13 ذو القعدة 1421 هـ 6 شباط (فبراير) 2001 م
بسم الله الرحمن الرحيم على الله توكلت* ثم كانت وزراء وكتاب، مع من سمّينا وبعدهم في خدمة الخلفاء والملوك، ممن لم يرض البرق شرارة من زياده، ولا العنبر الهندي مدة لمداده؛ طالما عد الهلال لقلمه قلامة، وكان الأفق لزهره كمامة، ومد الصباح له صحيفة، وألقى بالرماح لقضيّته في كفه نحيفة؛ وحصل لهم من النعم ما فاض فضله، ومن النقم ما أعيت عضله؛ وسنأتي منهم على الغرض: فمنهم من نذكره لاشتهار اسمه، ومنهم من نذكره باستحقاقه؛ ثم هؤلاء على قسمين: قسم اشتهر للإكثار ولا يتعدى طبقة المقبول، وقسم منهم أصحاب الغوص؛ وأكثر ما تجد ذلك للمتأخرين، فقد أبدعوا في استخراج المعاني وتوليدها؛ وقبل ذكرهم نقول:
إن كتابة الإنشاء كانت في المشرق في خلافة بني العباس منوطة بالوزراء، وربما انفرد بها رجل؛ وذكر ابن عبدوس «1» في مواضع من كتابه من [ولي] ديوان السّرّ وديوان التّرسّل؛ ثم كانت آخر وقت قد أفردت، واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة، وكان في المشرق يسمى كاتب الإنشاء، ثم لما كثر عددهم سمي رئيسهم رئيس ديوان الإنشاء، ثم بقي يطلق عليه تارة صاحب ديوان الإنشاء، وتارة كاتب السر؛ وهي إلي أحبّ، وعندي أنبه، وعند الناس أدل؛ وكان في دول السلاجقة وملوك الشرق يسمى ديوان الطغراوية، وبه سمي مؤيد الدين الطغرائي «2» ،- والطغراء هي الطرة، وهي التي تكتب فوق البسملة بالقلم
الغليظ، يتضمن ألقاب الملك، وهي لفظة أعجمية، وكانت تقوم مقام خط السلطان بيده على المناشير والكتب، ويستغنى بذلك عن أن يكون للسلطان علامة بخطه، لكثرة الوثوق بصاحب هذه الرتبة- و [عند] أهل المغرب يسمى رئيس ديوان الإنشاء صاحب القلم الأعلى.
وأهل هذه الرتبة لم يزل لهم الاختصاص والقرب أكثر من كل عام وخاص، يحتاج الأمراء إلى مداراتهم، وتقصر الوزراء مع علو رتبة الوزارة عن مناراتهم؛ يجتمعون بالملك إذا أرادوا على عدد الأنفاس، وهم معنى الدولة وعليهم عولة كل الناس.
وآخر ما كانت الملوك لا تكاتب الخلفاء ببغداد إلا إلى هذا الديوان، أعني ديوان الإنشاء، وكانت تسميه الديوان العزيز، ولهذا كانت كتبهم تستفتح: أدام الله أيام الديوان العزيز؛ إشارة إلى ديوان الإنشاء، لأن الكتب كانت إليه، والمخاطبة له، وهو المراد بقولهم فيما يوجد في التواريخ وكتب الإنشاء والترسّل:
الديوان العزيز؛ وعليه كان يطلق هذا الاسم، وله بهذا من الشرف ما له، ومن الفخر ما يجر على السماء أذياله؛ وقد آن أن نذكر من القسمين من يذكر:
فأما القسم الأول: فمنهم عبد الحميد وابن العميد والصاحب بن عباد، وهم وإن كانوا من مشاهير الكتاب فإنهم بعداء من الغوص وحسن التوكيد والاختراع، وقد قدمنا في تراجمهم مع الوزراء عنوان قولهم ومبلغ طولهم.