المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌22- ومنهم: أحمد بن أبي الفتح محمود الشيباني كمال الدين، أبو العباس - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - جـ ١٢

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثانى عشر]

- ‌مقدمة التحقيق

- ‌1- وأما أبو إسحاق فهو الصابي

- ‌4- أبو الفرج، عبد الواحد بن نصر بن محمد، القرشيّ المخزومي، المعروف بالببغاء

- ‌5- ومنهم: بديع الزّمان الهمذاني

- ‌6- ومنهم: أبو نصر العتبيّ

- ‌8- ومنهم: أبو عليّ، الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشّخباء العسقلاني

- ‌9- ومنهم: القاضي الفاضل: [السريع]

- ‌10- ومنهم: محمّد بن محمّد، عماد الدّين، أبو حامد القرشيّ، الأصبهانّي، الكاتب

- ‌11- ومنهم: نصر الله بن محمّد بن محمّد، ضياء الدّين، أبو الفتح، ابن الأثير الجزريّ، الكاتب

- ‌12- ومنهم: ابن زبادة، قوام الدين، أبو طالب، يحيى بن سعيد بن هبة الله ابن علي بن زبادة الشيباني

- ‌13- ومنهم: شهاب الدين النسائي، أبو المؤيد، محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن المؤيد الخرندزي

- ‌14- ومنهم: ابن أبي الحديد، عز الدين، عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد الحسين بن أبي الحديد، المدائني، أبو حامد

- ‌15- موفق الدين، القاسم بن هبة الله، أبي المعالي

- ‌16- ومنهم: ابن بصاقة، فخر القضاة، أبو الفتح، نصر الله بن هبة الله بن عبد الباقي بن الحسين بن يحيي الغفاري، الكناني

- ‌18- ومنهم: ابن قرناص، محيي الدين

- ‌19- ومنهم: ابن العجمي، كمال الدين، أحمد بن عبد العزيز الحلبي، أبو العباس

- ‌20-[ومنهم] : ابن الأثير الحلبي، تاج الدين، أبو جعفر، أحمد بن سعيد

- ‌21-[ومنهم] : شهاب الدين، أبو محمد [يوسف] بن كمال الدين أبي العباس أحمد بن عبد العزيز بن العجمي

- ‌22- ومنهم: أحمد بن أبي الفتح محمود الشيباني كمال الدين، أبو العباس

- ‌23- ومنهم: محمد بن عبد الله، شرف الدين، أبو محمد بن فتح الدين أبي الفصل، ابن القيسراني، القرشي، المخزومي

- ‌24- ومنهم: محمود بن سلمان بن فهد، الحلبي، الكاتب، شيخنا العلامة، حجة الكتاب، فرد الزمان، شهاب الدين، أبو الثناء

- ‌25- ومنهم: عليّ بن محمد بن سلمان بن حمائل، الشيخ الإمام، جمال الدول، علاء الدين، أبو الحسن

- ‌27- ومنهم: عبد الله بن علي بن محمد بن سلمان، عرف بابن غانم، جمال الدين، أبو الفضل، المقدسي

- ‌28- ومنهم: زين الدين الصفدي، أو حفص، عمر بن داود بن هارون بن يوسف الحارثي

- ‌29- ومنهم: خليل بن أيبك الصفدي، أبو الصفا، صلاح الدين

- ‌فهرس المترجمين

- ‌فهرس المصادر المعتمدة في الحواشي [المخطوطة والمطبوعة]

الفصل: ‌22- ومنهم: أحمد بن أبي الفتح محمود الشيباني كمال الدين، أبو العباس

وكان واحد أولياء الدولة بأسا لا يكل شباه، وعزما لا يوفر كاهل الريح يقتاد جنائبه ويركب صباه، وفضلا جاملا جامعا فاق فيه كل شبيه إلا أباه.

ومنه قوله:

ولا زال بابه الكريم للآمال ملاذا، وجنابه المحروس من حوادث الأيام معاذا، وثوابه وعقابه لوليه وعدوه هذا لهذا، وهذا لهذا، وينهي أن مولانا- ولله الحمد- قد جبله الله على فعل الخير وجعله من أهله، وحبب إليه الإحسان ومكن من فعله، خصوصا من ينتمي إلى خدمته الشريفة ويلجأ إلى ظله، ومملوكه فلان ممن يعد نفسه من الأرقاء، ويرتمي إلى موالاته التي هي درجات السعادة والارتقاء، وما تهجم المملوك بهذه الخدمة إلا لما كان عند نفسه المثابة، ولا ثقل على خاطره الشريف إلا لوقوع ذلك من مكارم مولانا بموقع الإصابة، وقد جعل المملوك السؤال مفتتح عبوديته لمولانا وموالاته، بحسنة قد أهداها إلى صحائف حسناته.

‌22- ومنهم: أحمد بن أبي الفتح محمود الشيباني كمال الدين، أبو العباس

«1»

ص: 365

* بحر يقذف الدر، وأفق يطلع النجوم الغرّ، وكان للدنيا جمالا، وللدين كمالا، جعل للبيان سحرا، وللطيب شحرا، وقدمته الدولة على الرؤساء، وعظمته على الخلطاء والجلساء، وكانت الملوك تنزله منزلة لسانها ويمينها، وتحله محلة ترجمانها وأمينها، وظلت تصرف به البأس والندى، ويتصرف في الأولياء والعدى آونة تحسب نسيبه سؤالا، ويجود بسيبه نوالا، وآونة تحز بقصبه الغلاصم، ويجر بكتبه لجذّ الأيدي والمعاصم، وطالما فتحت به المعاقل الأشبة، وساقت سرجها السوام في رياض النجوم المعشبة، ثم قفلت الممالك بأقاليده، وقفلت المسالك بتقاليده واصطفته الرئاسة لقربها، وأصفت له السياسة موارد شربها، وكتب كتب السر أكثر عمره، وصرف ديوان الإنشاء مدة بأمره وكان بدمشق عينا لأعيانها، وزينا وحلية لبيانها، راقيا للإيوان، رائسا للديوان، وكان عمّي ثم أبي لا يعتمد كل منهما إلا على أمانته، ولا يرنح فكره إلا بإيضاحه وإبانته، وخطه أبهج من الروض الأريض، وأزين من النقش المخضر على معاصم الغواني البيض، وله من كثرة الاطلاع ما حقق له المآرب، وصدق أنه الشمس ضوؤها يغشى المشارق والمغارب، ولم يكن أكثر منه اتّضاعا في ارتفاع، وتنازلا وهو في اليفاع، لا يجد في نفسه حرجا لأحد، ولا مضضا ممن أنكر حقه وجحد، لا يضره أي مكان حله، ولا يضره لبس عباءة أم حلة، وكان يتعرف إلى الله عساه ولعله، ويتعرض لقضاء حوائج الناس لله لا لعلة، هذا بلا تكلف يشق عليه في عرضه مطلوب، أو يشق به لعرضه أردية أو جيوب، مع ملازمته تلاوة يؤنس بها جانب الجامع المعمور، ومرآة يشرق بها وجه النهار ويعمر قلب الديجور، وعمل زاك صحب به الأحياء، وجاور سكان القبور.

ومن نثره قوله:

ص: 366

طالما حل الرتب العالية بجليل مقداره، وحلى المناصب العالية بجلي أنواره، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره، وهامت الأفكار في أودية محامده وما بلغت وصف محله ومقداره، وافتخر قلم الفتيا براحته، فتباعد السيف عن قربه خوفا من مهابته، وسدد إلى الحق سهام أحكامه، فأصابت الأغراض وعالج الأفهام بإفهام كلامه، فشفى صحيحه الأمراض، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة، ونشر هذه الروضة الخضرة، فرسم بالأمر العالي أن يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية بدمشق، فليكتب بها دروس فضله التي لا تدرس الأيام آثارها، ويغرس في قلوب طلبتها حب فوائده ليجتني ساعة غرسها ثمرها، لتصبح هذه المدرسة كنيفا ملئ علما، وقليبا حشي فهما، وفلكا تبدي شمسا وتخفي نجما، وكنانة تخرج من طلبتها في كل حين سهما.

قلت: هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، وقد أخذت الأمينية «1» له من نجم الدين بن سني الدولة. «2»

عدنا إلى ابن العطار:

ومن إنشائه رسالته التي سماها «رصف الفريد في وصف البريد» : أما بعد حمد الله البر، المسير في البحر والبر، والصلاة على من علا البراق،

ص: 367

واخترق السبع الطباق، وعلى آله وصحبه الذين سبقونا بالإيمان، وعلى التابعين لهم بإحسان:

فإنه لما كانت النفوس مولعة بحب العاجل، متطلعة إلى الاطلاع على المستقبل من الأمور والآجل، لم تزل أنفس الخلفاء والملوك وأنفس الأكابر من الأمراء والعظماء به كلفة صبّة، وإلى استعلام أحوال ممالكها وعساكرها ورعاياها منصبة، وعلم مثل ذلك من خلق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فبردهم في الآفاق ضاربة، وطلائعهم تارة بالمشارق طالعة وآونة في المغارب غاربة، كرة في أبحار السراب تعوم، وأخرى بالآفاق كأنها نجوم:[الطويل]

تروح فتغدو في الصباح طريدة

وتغدو فتبدو في الظلام خيالا

تستطلع لهم خبرا، وتطوي وتنشر بساط الأرض وردا وصدرا، وتعوض أسماعهم بما تنقله إليهم أثرا، عما فات أعينهم مشاهدة ونظرا:[الكامل]

فلهم وإن غدت البلاد بعيدة

طرف بأطراف البلاد موكل

«1» من كل فتى قد هجر الكرى، وأشبه البدر فلا يمل من طول السرى:[البسيط]

وخلّف الريح حسرى وهي جاهدة

ومرّ يختطف الأبصار والنظرا

قد أعدّ للسفر في ليله ونهاره من الخيل كل أشقر صباح، وأشهب مساء، وأصفر أصيل، وأدهم ليل:[مخلع البسيط]

وألجم الصبح بالثريا

وأسرج البرق بالهلال

وسابق الضلال فهي تزور عنه ذات اليمين وذات الشمال، فلا تزال من ورائه

ص: 368

مشرقا قبل الزوال، ومغربا بعد الزوال، موكل بفضاء الأرض يذرعه «5» متوقع أن كل بلد يقطعه:[الكامل]

وكأنما اتخذ البروق أعنة

وكأنما اتخذ الرياح جناحا

فمما أنبأ الكتاب العزيز من تطلع المرسلين والأنبياء، إلى سرعة الاطلاع من الأمور والأنباء، ما ورد في قصة سليمان عليه السلام من طلبه سرعة إتيان عرش بلقيس، ووصوله قبل ارتداد طرفه إليه، وقد نقل عن نوح عليه السلام استبطاؤه الغراب وإردافه له بالحمام «1» ؛ هذا وقد ضرب المثل ببكور الغراب «2» ، وخروجه في الظلام؛ ولولا اعتقاد موسى الكليم عليه السلام أنه للباري جل جلاله أرضى، لما قال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى

«3» وفي سيره، بأهله ومسراه، ناداه ربه بالوادي المقدس: إني أنا الله؛ وما انعقد على رهن السباق والإجماع، إلا لما فيه من فضيلة الإسراع؛ ولم يكن الشيطان الرجيم بمطرود، لو جرى على سجيته في العجلة، وبادر في السجود، ولا سيما وقد خلق الإنسان من عجل؛ وما يعلو المدرك المسرع من أنوار الجذل، وما يغشى المبطئ من فتور الخجل، ومن كمال فضيلتي الحج والعمرة، ما هو واجب أو مستحبّ من الرمل وشتان ما بين المبطئة والسريعة، ويا بعد ما بين الساقة والطليعة:«4» [البسيط]

ص: 369

وربما فات قوما جل أمرهم

من التأني وكان الحزم لو عجلوا

وكثيرا ما قيل في القوم: وعداك ذمّ، وتخطاك لوم، وتحرك تعش، وسر في البلاد تنتعش؛ وقال سبحانه وتعالى لخلقه: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ

«1» هذا وأشرف الدراري الكواكب السواري، وما الجواري في البحر كالسواري، وهل أجن إلا الماء الواقف؟ وهل طاب إلا الماء الجاري؟:[الوافر]

وإن لزوم عقر البيت موت

وإن السيرفي الأرض النشور

والقعود مع العيال قبيح، ومن يمن النجاح سرعة التسريح:[مخلع البسيط]

والمهد أسكن للصبي

بحيث جاء به ومرّا

وبفضيلة السير في البلاد والانتقال، بلغ البدر درجة الكمال، وأمنت الشمس المنيرة من الملال:[الكامل]

والصقر ليس بصائد في وكنه

والسيف ليس بضارب في جفنه

ولولا ضرب إخوة يوسف في الأرض، لما نجا أبوهم من حزنه، وقد جعل الله رحلتي الشتاء والصيف للإيلاف، وركني الحج والعمرة للسعي والطواف، وفي استخلاف من لا يستطيع التحيّز للضرورة خلاف:[البسيط]

والمرء ما لم يفد نفعا إقامته

غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر

وسعة الخطوة دليل الإقبال، وسبيل إلى بلوغ الآمال، ولا ريب أن العز في النقل «2» ، وفي بلاد من أختها بدل «3» :[البسيط]

ص: 370

لو كان في شرف المثوى بلوغ منى

لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل

والحركة ولود، والسكون عاقر، وقد ورد أن الله رحيم بالمسافر، وأنه للخضر عليه السلام خليفة «1» ، وناهيك شرفا بهذه الرتبة المنيفة، ولا إنافة على رتبة الخلافة؛ والسيف إن قرّ في الغمد صدي، والليث لولا الوثوب ردي، ولو يستوي بالقيام القعود لما ذكر الله فضل الجهاد، ولولا انتقال الدّرر عن البحور، لما عوضت من الحور بالنحور، وكثيرا ما ورد في الكتاب العزيز النهي عن التباطؤ، والحث على الإسراع:[الوافر]

وليست فرحة الإيّاب إلا

لموقوف على ترح الوداع

[من الخفيف]

إن فيه اعتناقة لوداع

وانتظار اعتناقة لقدوم

وهذا وكم بين رتبة الاتباع ورتبة الاختراع والابتداع، وبين جمود الروية وتوقد الابتداء وكلالة الرقاد وحدة الانتباه، وشتان ما بين عقلة المشيب ونشطة الشباب، وحسبك بأنك تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ

«2» ، وقد علمت فائدة الإسراع بمن لا علم عنده ومن عنده علم الكتاب، وبحركة النبض يستدل على حال القلب، ولولا إدامة الترويح عليه لغم من الكرب، ولا يقاس موقف المأموم بمقام الإمام، وإذا كانت الشجاعة في الإقدام، كذلك السلامة في الانهزام، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الأفلاك دائمة الحركات، وأرسل الرياح مبشرات، وللسحائب مسيرات، وبأرزاق العباد جاريات، وأقسم سبحانه وتعالى بالعاديات وبالمرسلات، وللإسراع سخر لمحب

ص: 371

الخير عليه السلام الريح والطير، هذه غدوها شهر ورواحها شهر، وهذه تستطلع له أنباء الملوك فتستنزلهم على حكم الذل والقهر، ولذلك درجت الملوك الحمام ورتبت البريد، فبلغت بهما في الوقت القريب ما تريد من غاية المرام البعيد، وقربت لهم مستبعدات المطالب، وأطلعتهم بسرعة الإعلام على نهايات العواقب، فبلغت هذه بسرعة إيصال البطائق، ما لم يكن أحد من البشر بطائق، وارتفعت محلقة في الهواء، وحلقت مسخرة في جو السماء، وما خفقت بأجنحتها إلا وقد وافت بالبشرى مخلقة وما أخفقت، وما خضبت كفها وتطوقت إلا للسرور وصفقت، وما حفظت العهود من الأسرار، وما ردها الحنين إلى الأوكار، وما قطعت مسافة في ساعة من نهار، وما وما وما، ولا عرجت طائرة نحو السماء إلا وقد ذكرت عهودا بالحمى، إلا أن بطائقها ربما نقلت من جناح إلى جناح، وحصل بنقلها أعظم خطر وأوفر جناح، وكشف خدرها، وأذيع سرها، فغدت مذاعة السرائر، وكانت محجوبة عن مقلة كل طائر، وذاك حافظ لما استودع من الأمانة المؤداة، أمين على ما حمل من النفقات والمشافهات، إلى الأجانب وأهل المودات، حريص على إيصال كتبها، صائن لها في حربها، صيانة الصوارم في قربها، والعيون بهدبها، يوصلها بطيها مختومة بخاتم ربّها، فهو السهم الخارج عن كبد القوس، لا يزيغ عن الغرض، وتلك ربما جرحها الجوارح، وعرض لها بالبنادق من اعترض؛ وصدها عن بلوغ المرام، غموم الغمام، وعموم الظلام، وقطع «1» طريقها، وحتم تعويقها، وقضى وحكم عليها بالتأخير، لأنها فيهما لا تطير، وذاك في الليل والنهار، والصحو والغيم يسري ويسير، ولذلك لا تسرح الحمام في المهام، إلا ويرسل تحتها البريد، مؤرخ بتاريخها فهو لها وعليها سائق وشهيد، وهي وإن شهد لها المترنم المنتدم، بالفضل والتقدم، والفضل

ص: 372

للمتقدم، فربما تقدمها البريد وسبق، وكثيرا ما توافيا فكأنما كانا على ميعاد فجاءا معا، في طلق كفرسي رهان، وشريكي عنان، وافتن فيه الناظرون وهو يحضر، فإصبع يومئ إليه بها وعين تنظر، هذا وكم شابت لقعقعة لجامه النواصي، وزينت لمقدمه البلاد والصياصي، وسرى وجفن البرق خوفا وطمعا يغامز ويختلج، فلذلك تارة ترد بما النفوس به تبتهج، وتارة بما الصدور به تنحرج، وتشاهد بما ينزل من السماء وما في الأرض يلج، وسرى وعيون القطر دامعة، وسيوف البرق لامعة، وسيول العيون للطرف قاطعة، ونبال الوبل في أكباد الأرض صادعة، ووافى المنازل والخيول بها طالعة، وبعد أن أصبحت طائرة أمست تحته واقعة، وكم حال دون «1» مرامه من أوجال أو حال، وعلق لثق ووهق زلق، يمنعه في سوقه من استرسال، بأوثق شبحة وشكال، وعام في أملاق إلى الذقن لا إلى الوسط، وتقطر فوافى ويده مغلولة إلى عنقه وكانت مبسوطة كل البسط، أو بات بعد أن كان راكبا نازلا، وبعد أن كان محمولا لسرجه وجرابه على كتفه حاملا، وسرى وطرفه بالسماء موكل، ونزل بمنزل ليس له بمنزل، وليس به ما يشرب ولا به ما يؤكل:[الرجز]

بمهمه فيه السراب يلمح

وليله بجوه مطرّح

يدأب فيه القوم حتى يطلحوا

ثم يظلون كما لم يبرحوا

كأنما أمسوا بحيث أصبحوا [الكامل]

يمشي زميلا للظلام وتارة

ردفا على كفل الصباح الأشهب

ويعدو كالحبال يمشي إلى ورا، ويغدو فلا يسأل عن السّليك ولا عن

ص: 373

الشنفرى، أو جاءت به عنس من الشام تلق، بعد أن كان يطوي الأرض بسوقه ويخترق، وقد فلى الفلا، وقيل له: هكذا هكذا وإلا فلا «1» : [البسيط]

يوما بحزوى ويوما بالعيق ويو

ما بالعذيب ويوما قصر تيماء

وتارة ينتحي نجدا وآونة

شعب الغوير وأخرى بالخليصاء

فكم قطع أرضا وركب ظهرا ووجد رفقا، ولم يكن كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وقلما جهز إلا في مصلحة من مصالح المسلمين العامة، الشاملة للأمة المحمدية من الخاصة والعامة؛ ما آب من سفر إلا إلى سفر وما سفر في مهم إلى بلد فقيل: إنه سفر ولكنه ظفر: [الطويل]

كأنّ به ضغنا على كلّ جانب

من الأرض أو شوقا إلى كل جانب

ورد مبشرا وللمسار في الوجود مسيرا، فأزال العناء، وأنال المنى، وأفاد الغنى، وانثالت عليه الجوائز والتشاريف من ههنا ومن ههنا:[البسيط]

ما درت الشمس إلا جاء يقدمها

وفي المغارب منه قبلها أثر

وكاد لشدة إحضاره، يسبق أذني جواده في مضماره، فتراه لسرعة سيره، لا يرتد طرفه عن أمد حتى يتعداه إلى غيره، فهو أبدا يسبق طرفه إلى ما يرمق، وما يستولي طرفه على أمد إلا ويتجاوزه ويسبق، فيكاد يأخذ مغربا من مشرق، فيبلغ غاية الأقطار، ويخترق من الآفاق حجب الأستار، حتى يقال: إنه ما سار ولكنه طار، وفي الأرض طار:[السريع]

قال له البرق وقالت له الر

يح جميعا وهما ما هما

أأنت تجري معنا؟ قال: إن

نشطت أضحكتكما منكما

ص: 374

أنا ارتداد الطرف قد فتّه

إلى المدى سبقا فمن أنتما

ولم يزل البريد مرتبا فيما تقدم وسلف من الأيام؛ ومعاوية أول من أحدثه في الإسلام، وأحكم أمره الذي حكم البلاد شرقا وغربا، ونظر إلى السحابة فقال:

أمطري أنى شئت، فخراجك إليّ يجيء «1» ؛ وعلم أنه من أعظم مهمات الملك العظام، فقال: ربما فسد بحبسه ساعة تدبير عام: [الطويل]

فدانت له الدنيا فأصبح جالسا

وأيامه فيما يريد قيام

لا سيما في هذا العصر، وعدو الدين قد أمر أمره، واستشرى شره، وامتدت أطماعه في البلاد، وسرى فيها منه الفساد، مسرى السم في الأجساد، وهو أولى الأمور التي لا يستأذن عليه، وقد وافى مسرعا، والذي يقال له: لعا، إذا قيل لسواه لا لعا:[البسيط]

وجاء منه بقرطاس يخب به

فأوحش القلب من قرطاسه فزعا

وقد أقام الله بهم للإسلام، بالديار المصرية والشام، كل شهم أمضى من سهم، وأبعد غاية من نجم:[الوافر]

إذا جارته شهب الأفق قالت:

أعان الله أبعدنا مرادا

محمود الطرائق، مقبول الخلائق عند الخلائق، خفيف الحركات، مسارع إلى الحركات، قصيف يرجح به ظله، خفيف على ظهر المطية حمله، وإذا كان الناس أرواحا وأجساما، فهو روح كله، عارف بالآداب، والسلوك، للمثول بين يدي الأمراء والسلاطين والملوك، عذب العبارة، خفي الإشارة، منجح السفارة، كتوم الأسرار، موفق الإيراد والإصدار، صادق اللهجة، ثابت العدالة، مليّ بأداء

ص: 375

السلام وإبلاغ الرسالة، ليست معرفته على آداب السفر مقصورة، جامع بين أدب النفس وأدب الدرس، حسن الاسم، وضي الرسم «1» ، سوي الوسم، سريع إلى الداعي، مبادر إلى امتثال الأوامر والدواعي، ما يفوه بالجواب إلا ورجله في الركاب، فهم، متى رسم لهم بالسفر يسارعون، وإلى الإجابة يهرعون، وعلى الخدمة أنفسهم يعرضون كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ

«2» وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

«3»

[البسيط]

لا يستقر بهم ربع ولا سكن

كأنهم فوق متن الريح نزّال

ما ندب منهم ندب لهم إلا وبادر مطيعا، وما غاب إلا ثاب سريعا، فما ماثله في السير ذكوان، ولا ضاهاه حذيفة بن بدر وقد ساق هجان النعمان «4» :[الكامل]

ألف النوى حتى كأن رحيله

للبين رحلته إلى الأوطان

والله سبحانه وتعالى يطوي البعيد لمن يشاء من خلقه، ويسهل العسير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

إلا أن حضور النيات التي بها انعقاد الأمور الدينيات، لا يحصل إلا بالثبات والأناة، والطمأنينة في الركوع والسجود كمال الفرض فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ

«5» وكما ورد في التنزيل النهي عن

ص: 376

التباطي، ورد النهي عن التسرع وسببه، فقال عز من قائل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ

«1» ونهى عن العجلة تارة في الخير وتارة في الشر، قولا جزما، فقال سبحانه وتعالى: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا

«2» وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً

«3» ، ولا ريب أن الثبات من الله تعالى، والعجلة من الشيطان الرجيم، وأن الله عز وجل امتنّ بالتثبت على النبي الكريم، فقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا

«4» : وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا

«5» كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا

«6» وإن ورد عن سليمان عليه السلام طلب الإسراع في الكتاب المبين، فكذلك ورد عنه التثبت في قوله تعالى: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ

«7» وبماذا يصف الواصف، أو ينعت الناعت، فرق ما بين العجلة والتأني؟ وبين البروج المتقلبة والبروج الثوابت؟ وبالتأني يحصل التأتي، ويكون المرء من أمره على بصيرة، ويشاهد في مرأى مرآة فكره صورة الخيرة، ويأمن من تردد الحيرة، وقد قيل: أصاب متأن أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، وحصل على أنكاد وأي أنكاد، ولولا التأني قبل إرسال السهم لم تحصل به النكاية، ولولا التثبت قبل إطلاقه ما وصل إلى الغرض ولا بلغ الغاية، فالعجلة والندامة فرسا رهان وشريكا عنان، وإن حمد المجلي يوم الرهان؛ وما

ص: 377

زالت ثمرة العجلة الندامة، وربما كانت الهلكة في العجلة، وفي التؤدة السلامة، وفي الثبات والأناة ما لا يحصر من أمر العواقب في سائر الحالات؛ وأسرع السحب في الجهام، وما الإقدام في كل أمر من الشجاعة، ولا الثبات من الإحجام:[البسيط]

والحرب ترهب لكن الأناة لها

عند التأيّد أضعاف من الرهب

لا يا من الدهر بأس الجمر لامسه

وقد يروح سليما لامس اللهب

والتسرع خرق، والأناة حلم ووقار، والتثبت دليل القدرة من الله عز وجل مثبت القلوب والأبصار، وفرق سبحانه وتعالى بين الشجرة الثابتة والشجرة التي ما لها من قرار.

وما كان الثبات في شيء إلا زانه، ولا التسرع في أمر إلا شانه؛ ومع العجل الزلل، ومع الزلل الخجل، ومع الخجل الوجل، ومع الوجل الخلل الجلل.

وللثبات وثبات وأي وثبات، وقليلا ما حصل النصر والظفر إلا بالكمين والبيات؛ وقد حكم الصادر والوارد، والمداني والشارد، وأقر المعترف والجاحد، واعترف الصديق والعدو والحاسد، وسار في الأقطار والآفاق، وبلغ من بمصر والشام والروم والعراق «1» :[الطويل]

وسار به من لا يسير مشمرا

وغنى به من لا يغني مغردا

ما حصل للإسلام والمسلمين من الانتفاع، ولعدو الدنيا والدين من الوهن والضعف والاندفاع، بثبات المقر العالي الجمالي، كافل الممالك الشريفة الشامية، أعز الله أنصاره، ومقامه على المرج، مع قوة الهرج وكثرة المرج، وأنه قام بذلك للدين نصيرا، وللملك ظهيرا، وأخذ هو ومن أقام بخدمته من العساكر

ص: 378

الشامية بقوله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً

«1» : [الوافر]

سديد الرأي لا فوت التأني

يلم به ولا زلل العجول

يعيب مضاءه وقفات حلم

كعيب المشرفية بالفلول

وقد كان العدو المخذول يظن أنه يركن إلى الإحجام، ويتربص الدوائر والعرصات من سهام الأيام، فأخلف الله ظنه، وعجل هلاكه، وضعفه ووهنه، وتحقق أنه الطود الذي لا يلتقى، والسور الذي أحاط بالشام فما إن يتسوّر ولا يرتقى، فأجفل إجفال الظليم، وطلب النجاة لنفسه ولم يلو على مال ولا حريم، وحفظ الله تعالى بثباته الإسلام، ورفه خواطر أهل الديار المصرية، وصان أهل الشام، وعادت العساكر المصرية إلى بلادها، عود الصوارم إلى أغمادها، والأجفان إلى رقادها، والجنوب إلى مهادها، وافتدى بالسلطان الشهيد قدس الله روحه كما مضى وسبق، وجاءت النصرة بحمد الله تعالى كما أراد لا كما اتفق، وأصبح وأمسى يثني عليه عدوه، فيقول حاسده: صدق؛ وبدل الله المسلمين بالأمن بعد الأوجال وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ

«2» . وكان من خبر كذا وكذا.

قلت: ولشهاب الدين محمود في معنى ذلك:

أما بعد حمد الله، ميسر أسباب النجاح، وجاعل قوائم العاديات في مصالح الإسلام كقوادم ذات الجناح، فهذه تطوى لها الأرض كما تطوى لذي الصلاح، وتلك يتسع لها مجال الفضاء كما يتسع لمرسلات الرياح، وربما تساويا في سرعة

ص: 379

القدوم، وامتازت الخيل في سرى الليل بمشابهة الفلك ومشاركة النجوم، إلا أن الخيل يعينها قوة راكبها وثباته، ويغريها بالسبق حدة عزم راكضها وثباته، ويطوي لها شقة الأرض حسن صبره على مواصلة السرى، ويقرب لها النازح طول هجره لطيف الكرى، حتى إن بعض راكبي بريدها يكاد يعثر طوق ليله بذيل صاحبه، ويلتبس على ناظره ومنتظره غدوه في المهمات برواحه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كان الرعب يتقدمه مسيرة شهر إلى العدى، والوحي يأتيه من السماء بخبر من راح لحربه أو اغتدى.

فإنه لما كان البريد جناح الممالك، ورائد المهمات الإسلامية فيما قرب أو نأى من المسالك، وبه تنفذ المهمات في أوقاتها، وتتوافق الحركات فيما يتعين من ميقاتها، وتعرف أحوال الثغور على اتساع أطرافها واختلاف جهاتها، كان المبرز في ذلك من عرف منه السبق وألف، وسلم له التقدم في السرعة من نظرائه فما ارتيب في ترجحه ولا اختلف، فكأنه شهاب يتوقد في سمائه، أو برق تألق في أذيال الغمام بسرعة وميضه وانطوائه.

ولما كان فلان ممن جلى في هذه الحلبة، وبرز في ارتقاء هذه الرتبة، فبلغ إليها غاية لا يشق غبارها المثار، ونشر منها راية لا يتعلق منها الريح الخوافق بسوى مشاهدة الآثار، فسار على البريد في قوة الهواجر المثبطة وشدتها، وقصر الليالي المعينة على السوق وتقارب مدتها، من دمشق المحروسة إلى الديار المصرية في يومين ونصف، فكان له بذلك مزية على أقرانه، ودرجة لا يرتقي إليها إلا من جاراه إلى مثلها في ميدانه؛ وسأل من علم ذلك أن يكتب له خطه بما علمه، وأن يشهد له بما تحققه من هذه الحركة التي رفعت بين الأكفاء علمه.

ص: 380

عدنا إلى ابن العطار:

ومنه رسالته في البندق أولها: أما بعد حمد الله على ما أسبغ من نعمائه، ووالى من آلائه، وأباح الإنسان من شرائه، وفسح له فيما يتدرب به ليوم هيجائه، ويعده من قوة لدفع الصائل عليه من أعدائه، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وصحبه وخلفائه وحلفائه، ما مدّ الكف الخضيب وتر البرق لقوس الغمام، وحلق طائر الفجر نحو الغرب من وكر الظلام، فإن الصيد مما اتفقت الشرائع المختلفة على تحليله، ولهجت النفوس الأبية، بتقديمه على سائر الملاذ الرياضية، وتفضيله مع أنه الراحة التي لا تنال إلا بتجشم التعب، والمسرة التي لا تدرك إلا بعد النصب واللغب، وألذه من القلوب موقعا، وأمكنه من النفوس موضعا، ما أدركه المرء بنفسه واكتسابه، لا بمشاركة بزاته وفهوده وكلابه؛ ولذلك أجهد نفوسهم فيه كثير من الملوك والخلفاء، ولم يرضوا بالصيد من وجه الأرض، فعمدوا إلى الصيد من كبد السماء، ولم يجدوا ذلك إلا في صرع الطائر الجليل، الذي لا يشترك فيه صغير مع كبير، ولا حقير مع جليل، ولو لم يكن فيه مع حصول المراد، إلا السلامة من التقطر عن الجياد، لكان أولاها بالاختيار، وأحقها عند الاختبار، وأنفوا من بقايا كسائر، كأشلاء الذئاب، وفضلات ما أكلته الفهود، وولعت به الصقور، وولغت فيه الكلاب، فعمد كل منهم إلى الانفراد في رمائه، وصرع كل طائر يتخبط في ذمائه، مخلّق بدمائه، مراصد بارتقائه لعيون الأوتار في التفافه وتحليقه، حذر في حالتي اجتماعه وتفريقه، وتغريبه وتشريقه، وإذا فكر اللبيب فيما أودعه الباري جل جلاله من القوى فيها، ظهر له أسرار ما أخفاه من بدائع صنعه بين قوادمها وخوافيها.

ص: 381

فمنها التّم «1» ، الذي هو أتمها صورة، وأعظمها سورة، قد علا على الغيوم لرمي بنادق النجوم، وخاض بحر الظلام، وعبّ فيه، وأخذ منه قطعة بساقيه وقطعة بفيه، حتى ورد على جبال من برد، فاكتسب منها رياشه، واكتسب من بياضها أرياشه.

ثم الكيّ «2» ، الذي هو في طيرانه، واعتنانه في مضماره واستنانه، كالفارس في ميدانه، كأنه النجم في حالة الرجم، لو عارضه السماك لاقتلعه، أو الحوت لابتلعه.

ثم الإوز «3» ، الذي يمشي متبخترا، وينقر متحذرا، كأنما يدوس على مثل حد السيف ويمتاز على أبناء جنسه برحلة الشتاء والصيف، يبيت على فرد رجل واحدة، ويرمق موهما أن عينه راقدة، وليست براقدة.

ثم اللغلغ «4» ، الذي يوافي من بلاد الخزر، ولا يتقي من البندق سهام القدر، ولا يخشى أن تصيبه عين من الوتر، لا يحارب إلا بسحر الجفون من خزر العيون، ولا يستجن إلا من تدبيج الصدر بزرد موصون.

ثم الأنيسة «5» ، تتهادى تهادي الطاووس، وتختال اختيال العروس، حتى تلتقط حبات القلوب، وتصيد سوافر النفوس؛ كم قطعوا في طلبها من أنهار نهار، وسمحوا بإنفاق أكياس النجوم من خزائن الليل وما فيها من درهم ودينار، فما فازوا بوصالها، ولا ظفروا إلا من على وجه الماء بطيف خيالها.

ص: 382

ثم الحبرج «1» ، الذي تهادى في مشيته غير مروع، وكأنما على كتفيه بقايا من صدأ الدروع، لم يتدرع بمقاصة الأنهار، ولا أوى إلى ظل الأشجار، بل برز كأنه مناجز، يشير ألا هل من مبارز.

ثم النّسر «2» ، الذي علا عليها شأنا، وغدا لها سلطانا، وسار فيها بالعفاف عن دمائها أجمل السير، وتحصن من قنة الجبل بقبة السماء، فأصبح صاحب القبة والطير، حتى لقد ضج الأبد من عمر لبد، «3» لما طالت صحبته له على رغمه واستعان به النمروذ في الصعود إلى السماء على زعمه، فما ظنك بفتية تقصد صرع من هذه قواه، ومن جملة أنجم السماء أخواه، لو صارعه عقاب الجو لصرعه، أو عارضه أحد النسرين لما قدر أن يطير معه.

ثم العقاب «4» ، التي اشتهر منها الشهامة والضراوة، حتى اشتهر ما بينها وبين الحية من العداوة، فإنها توسد فرخها لحوم الأرانب، وما عنقاء مغرب عندها إلا كبعض الجنادب، وطالما حلق وراء كل جيش عصائب منها تهتدي بعصائب «5» ، من كل لقوة ذي دكنة وقوة، تخال الغواني ضمختها بالغوالي، أو درعتها الغوادي مدرعة الليالي «6»

: [الطويل]

ص: 383

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

لدى وكرها العناب والحشف البالي

وأما التي تجهل بأسباقها، ولا تجهل بأعناقها، فنقول:

ثم الكركي «1» ، الذي فاق العقاب في قوة طيرانه والنسر، وأم مصر من الدربندات «2» ، ولم يبعد على عاشق مصر، نجعت من أقصى البلاد وآفاقها، خوارج في طلب أقواتها وأرزاقها.

ثم الغرانيق «3» ، التي لا تبرز إلا محمرة الحدق، لقوة الغيظ وشدة الحنق، حذرة من قوس الرامي وبندقه، مدرع كل طائر منها محبوك الزرد من مغرزه إلى مفرقه.

ثم الضّوع «4»

الذي زاد على الطيور طولا وعرضا، وأعد للدفاع من مغرزه ما هو أنكى من السيف والسنان وأمضى، وطالما رام الرامي إلحاقه بإرسال البنادق وراءه، فأتعب جياد القسي وأنضى، كأنه قطعة من الغيم تصرفها الرياح، أو بقية الغلس من الليل على وجه الصباح، وكأنما ورد مرة نهر المجرة، ورعى نرجس نجومه كرة، وخاف أن يكون له إليها كرة.

ثم المرزم «5» ، الذي يبارز بجوشن مورد وجؤجؤ مزرد، كأنه صرح ممرد، كأنما خرج من الهيجاء في طلب النجاء، وبه رشاش من الدماء، فتبصر فإذا الطير مسخرات في جو السماء.

ص: 384

ثم السّبيطر «1» ، الذي يبارز مبارزة الشجاع، ويلتقم الأفعوان والشجاع، قد تبدأ الرماة بصدره وبنحره، وليس جوشنه من جناحيه إلا قدامه ووراء ظهره.

ثم العناد «2» ، الذي اشتد بأسا، واختار شعار الخلفاء لباسا، وما سمح بإظهار ذوائبه وأشرافها، إلا ليعلم أنها من عظماء الطير أشرفها، قد تحلى من الحدق المراض، بالضدين من السواد والبياض، وما منها إلا ما يزاحم النجوم بالمناكب، كأنه يحاول ثأرا عند بعض الكواكب، لا يبرز إليها رام إلا راجلا وهو مشمر للذيل، غارق إلى وسطه في وحل وسيل، يصرع فارسا من السماء على أشهب الصبح وأشقر البرق، وأدهم الليل.

ومنه قوله:

وأعلى في الخافقين خوافق أعلامه، وبسط على البسيطة قوادم عدله وخوافي إنعامه، حتى لا تشرق شمس إلا على ما ملكت يمينه، ولا تلقاه ملك إلا خضع له بالسجود جبينه.

المملوك يقبل الأرض، ويجمع بين الطهورين، صعيدها الطيب، وسحابها الصيب، وينهي ورود المثال الشريف، فتناول منه كتاب أمانه باليمين، وأعطي بمبايعته اليمين، ولثمه وهو موضع رغبات اللاثمين، وورده فرأى العجب، إنه البحر العذب، ولا يقذف من الدر إلا الثمين.

ومنه قوله:

وكانت المملكة الحلبية من ممالكنا بمنزلة السور على البلد، والروح من

ص: 385

الجسد، وقد علم تعلق الروح بالجسد، واتفق لها الانتقال إلينا، ولنا بها إلى ربه الانتقال، وأصبحت من يميننا في اليمين، وكانت وهي من الشمال في الشمال، ولم نر لها إلا من غذي بلبانها، وعني بشأنها، وعد فارس حلبتها يوم رهانها، فطالما طمحت إليه بنظرها، واحتمت به من غير الأيام وغررها، فكفاها الأمور الجسام، وحمى حماها وكيف لا تحمى وهي ذات جوشن بالحسام، ولم يزل طامح نظره حولها يدندن، ولهجة أمله بها تلجلج، وعنها لا لا ترن «1» ، رأينا إنالته هذا المطلوب، وقضينا له منها حاجة كانت في نفس يعقوب، وحكمناه من ذلك فيما طلب، ومثله من حلب الدهر أشطره، ونال الزبدة من حلب.

وكان الجناب الحسامي هو الجناب المخصب لرائده، العالي عن مسامتة مستاميه ويده، فخرج أمرنا العالي أن يفوض إليه نيابة السلطنة المعظمة بالمملكة الحلبية، وقلدناه أمورها، ومن أحق من الحسام بالتقليد؟ وجردناه للانتصار به، ويظهر أثر الحسام عند التجريد، وليتفقد الجيوش ولا يفسح لهم في الركون إلى الأعذار والميل، وليتل عليهم وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ

«2» ولا يستخدم إلا كل شهم شهد الوقيعة، إذا قفل الجيش كان ساقة، وإذا توجه كان طليعة، والبريد والحمام، هما رسل المهام وأعلام الإعلام، وأرسلهما في كل مهم معا، وليجمع بين تجهزهما وإن لم يجتمعا، وليرتب أمورهما على أجمل الأوضاع، ليتوافيا على انفراد واجتماع، فكثيرا ما سبق البريد السائر، وجاء قبل الطير الطائر، فبلغ المرام، وعاق الحمام الحمام.

ومنه قوله:

ص: 386

أعز الله أنصار المقام، ولا زالت مكارمه كالبحر تقذف لمن جاز به بدرّه، والروض يسابق من مر عليه بنشره، والمسك يبادر من دنا منه بعطره، والغيث الذي لا يقتصر على سائله بفيض قطره.

المملوك يقبل الأرض التي من حل بها نال الغنى، ومن خيم بدارها نال المنى، وما اجتاز بها إلا من وافاه إسعافه وإسعاده، وما سار أحد في الآفاق إلا ومن إنعامها راحلته وزاده، وينهي ورود كتاب فلان، يصف إحسان مولانا إليه وإنعامه، وما تعجل في مقامه الأمين من دار الكرامة، وإقامته به وبعسكره في حالتي توجهه وعوده، وشكر سحابه العميم وجود جوده، وشكر المملوك عنه صدقات ملل لا يخلو نازل من إكرامه، ولا راحل من إنعامه، ولا يزال في الإقامة والظعن، إما يؤويهم إلى كنفه أو يرسل عليهم ظلة من غمامه، وتلك سجية مولانا التي جبلت على الإحسان إلى كل إنسان، واصطناع المعروف إلى المعروف وغير المعروف، والله تعالى يوزع الدهر شكر مولانا الذي شمل بره الأنام، وسطرته أنامل الحمد في صحائف الأيام.

ومنه قوله:

ووصلنا معه طرابلس، فنزل بساحتها، وجعلها للعساكر المنصورة موطن راحتها، وموطن إباحتها، وقد تكفل البحر لها بالامتناع، وضمن لها ما يزيد على حصانة القلاع، وأمدها من بلاد الفرنج كل يوم بمدد، وواصلها بالمراكب الكثيرة العدد، بما يزيد على أمواجه في العدد، فوصل رسل أهلها وتوسلوا بالذرائع، وبذل الأموال والقطائع، وعمارة المئذنة والجامع، فلم يقنع منهم بغير الإسلام، أو تسليم البلد بجملته، وإعادة القبلة من شرق بيعته إلى قبلته، فاعتصموا بالأسوار، وركنوا للقتال من وراء الجدار، وأطلقوا نحو كل سهم من

ص: 387

المنجنيق يشير عليهم بنانه بالإيمان، ويميل تارة إليهم وتارة إلينا ويميد كالنشوان، فنصبنا مجانيقنا قبالة مجانيقهم التي نصبوها من وراء أسوارها، ولم تزل ترميهم حتى عاد السور رميما، والحجر الذي كان بأعلى الأبراج في أسفل الخندق هشيما، وكثيرا ما كانت تتبر مجانيقهم فتقضي عليهم ببوارهم، وتبشرهم من أول أمرهم بإدبارهم، وتصيبهم قارعة بما صنعوا أو تحل قريبا من دارهم، فرجعت عليها العساكر المنصورة، وفي عاجل الوقت ملكوا الباشورة، فعلموا أنه لم يبق سوى الإسار، أو القتل أو الفرار، فالتبست على كل منهم مذاهبه «1» :[الطويل]

فراحوا فريقا في الإسار وبعضهم

قتيل وبعض لاذ بالبحر هاربه

فهجمت العساكر المنصورة عليها هجوم الليوث الضواري، وعاجلت أكثرهم عن الالتجاء إلى المركب أو الاعتصام بالصواري، وتصرفت فيمن بقي منهم يد القهر، وتنوعت فيهم من القتل والنهب والسبي والأسر.

ومنه قوله مما كتبه إلى أبي الفضل بن عبد الظاهر «2» : [السريع]

سقى وحيّا الله طيفا أتى

فقمت إجلالا وقبّلته

لشدة الشوق الذي بيننا

قد زارني حقا وقد زرته

وافى من الجناب العالي المحيوي، آنس الله المملوك بقربه، وحفظ عليه منزلته من قلبه، وهداه إلى الطريق الذي كان قد ظفر فيها بمطلب البلاغة من كتبه، ولا شغله بسواه حتى لا يسمع غير كلامه، ولا يرى غير شخصه ولا ينطق إلا بذكره لغلبة حبه، ولا رآه في المنام، ولا رآه في خفية واكتتام، ولا شاهده بدعوى

ص: 388

الأحلام، بلى فإن المنى أحلام المستيقظ، وهو به طول المدى حالم والناس نيام، ولا ينكر الإخلال بالمكاتبة على نائم، والقلم مرفوع عن النائم، غير أن المملوك الظاهري أماته الشوق فانتبه، بعد ما زاره بعينه، وهو لا يتأول ولا سيما في أمر ما اشتبه، وما كانت زيارته له إلا منافسة له بظنه أن المملوك علقت به سنة الكرى، ومناقشة لطلبه زور الخيال حقيقة لما سرى، لينفي الوسن عن نظره، ثم ينصرف على أثره، ولما سجدت له الأجفان ظن بها سنة فزارها منبها، وما كان إلا ساهيا بمزاره عن خدمته، فلا ينكر على جفنه السجود لما سها، ولكم غلة للشوق أطفأ حرها بمزاره، وأغلق به أشراك الأجفان خيفة من نفاره، وعقله بحبائل جفنيه خشية أن تنزع يد اليقظة حبيبه من جنبيه، وضمها على خياله ضم المحب للعناق يمينه على شماله، ولكن ما فاز بالعناق إلا يد ويدان، وعناق المملوك للطيف من فرط الوجد بأربعة أيد من الأجفان، وإن لم تؤخذ هذه الدعوى منه بالتسليم وقيل: ما زاره بل استزاره فكر له في كل واد يهيم، فبلى وحقه لقد صدق مرارا؛ إن الكريم إذا لم يستزر زارا «1» ؛ وتالله لقد وافاه ووسده على حشاه ويمناه، متشبثا بأذيال دجاه، وفجأه فوجده على أبرح الوجد الذي عهده، إلا أن ضيف الطيف ما اهتدى إلا بنار أشواقه، وما سرى بل سار في ضياء من بارق دمعه، وما يوري قدحا من سنابك براقه، وتسور أسوار الجفون، وخاض السيول من العيون، كيف لا وهو يتحقق أن لقاءه المراد، وإذا هو نام زاره طيف كرى في الرقاد.

* فأجابه ابن عبد الظاهر «2» : [السريع]

في النوم واليقظة لي راتب

عليك في الحالين قررته

ص: 389

تفضل المولى إذا زاره

طيفي خيالي منه أن زرته

ورد على المملوك، أدام الله نعمة الجناب العالي الكمالي، ولا أسهر جفنه إلا في سبيل المكارم، ولا سهدها إلا في تأويل رؤيا مغارم الفضل التي يراها من جملة المغانم، وجعله يتغمر بحلمه هفوة الطيف، وكيف لا يحلم الحالم- كتاب شريف حبب إليه التشبيه بنصب حبائل الهدب من الجفون، والاستغشاء بالنعاس، لعل خيالا في المنام يكون «1» ، وليغنم اجتماعه ولو في الكرى، وتصبح عينه مدنية وإن مضى عليها زمن وهي من القرى، وينعم طرفه من التلاقي بأحسن الطرف، ويقول: هذا من تلك السجايا، أظرف الهدايا، ومن تلك المزايا ألطف التحف، ويرفع محل الطيف فيرقيه من الهدب في سلالم، بل يمطيه طرف طرفه ويجعلها له شكائم، لا بل يرخيها لصونه أستارا، ولا يصفها بأنها دخان إذ كان يجل موطن الطيف الكريم أن يؤجج نارا، ويعظمه عن أنه إذا أرسل خياله رائدا، أن تتعبه المناظر، وأن يكلفه مشقة بسلوك مدارج الدموع، إذ هي محاجر، ثم يخشى أنه يحصل نفور من التغالي في وصف الدموع بأنها سيول، فيهوّل من أمرها ما يهول، ويقول: هل الدمع إلا ما يرش به بين يدي الطيف؟ وهل الهدب على تقدير أنها دخان إلا ما لعله يرتفع لما يقرى به الضيف؟ وعن إبراد الأجفان بهذا، وإسخان العيون بهذه، وهل هما لإيلاف الخيال إلا ما يقصده من رحلة الشتاء ورحلة الصيف؟ ثم يحتقر المملوك إنسان عينه عن أنه يلزمه هذا الأمر تكليفا، ويتدبر قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً

«2» ويقول له: لا تطيق القيام بما لهذه الزورة للزوم من الوظيفة، لأن

ص: 390

النوم سلطان وخليفة، وأنى بذلك مع خليفة الحبيب، ويد الخلافة لا تطاولها يد؟ والعيون في الصبا زورتها حقيقة، ويمكن ألا توصف إلا بأنها ضعيفة، فنقول: كم مثلي إنسان تطاول لاستزارة الطيف حتى طرق؟ وكم خيال أتى على أعين الناس فجاء محمولا على الحدق؟ وكم محب درأ عن النوم بشبهة تغميض الأجفان عن غير غمض حد القطع على السرق؟ ثم يأخذ في طريقة غير هذه الطريقة، ويرى الاكتفاء بالمجاز عن الحقيقة، وإذا أقامت العين الحجة في تصويب استزارة الخيال يقول: ما هذه من الحجج التي تسمى وثيقة، ويرى أن تمثل الشخص الشريف في الخاطر قد أغناه عن أنه يتقلد منه الكرى، وكفاه أنه ينشد:[الكامل] سر الخيال بطيفه لما سرى

ولم يحوجه حاشاه إلى أنه يزور له محضرا، ولا أنه ينشد:

أترى درى ذاك الرقيب بما جرى «1»

اللهم إلا أن يورد مورد العين أنفع ما يدخر، والعين الصافية ما برح عندها من الخيال الخبر، وإذا كان القلب متولي الحرب مع الأشواق، فكيف يشاحح الخيال على أنه متولي النظر؟ فحينئذ يشتاق إلى الوسن، ويمد له من الهدب الرسن، ويزور ويستزير، ويقصر ويتلو وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ

«2» ويذهب لأجل ذلك مذهب من يرى أنه يقدم على الأيام الليالي، ويعظمها لأنه مظنة هجمة الخيال، ويجعل جفونه أرض تلك النجمة التي تغلب عليها، وما برحت تغلّب لها أرض الجبال؛ وأما النيل فكم احتقره المملوك بالنسبة إلى كرم مولانا ونواله، وتكرّه

ص: 391

مذاقه بالإضافة إلى زلاله، وتحقق أن مقياس راحته هو الذي يستسعد به الأمم، وأن الأصابع من الأصابع الكريمة، والعمود القلم، وأن طالب ورد ذاك تعب، وطالب جود سيدنا مستريح، ويكفي واصف نواله له وهو غاية المديح.

* وأمّا ما لابن العطار من شعر فكتب أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر إليه «1» : [البسيط]

لا تنكرن على الأقلام إن قصرت

له مساع إذا أبصرتها وخطا

فعارض الطرس في خدّ الطّروس بدا

من أبيض الرمل شيب فيه قد وخطا

فقال ابن العطار يجيبه «1» : [البسيط]

أقلام فضلك ما شابت ولا قصرت

له مساع إذا أنصفتها وخطا

بل عارض الطرس لما شاب غيّره

بعشبة قبل شيب فيه قد وخطا

ومنه قوله في رثاء الظاهر بيبرس البندقداري «2» : [الكامل]

بكت القسي لفقده حتى انثنت

ولها عليه من الرنين تحسر

ولحزنها بيض الصفاح قد انحنت

وتبيت في أغمادها تتستر

أرخت ذوابله ذوائبها أسى

ولرنكه وجه عليه أصفر

ولواؤه لبس الحداد فهل ترى

كان الشعار لفقده يستشعر

ملك بكته أرائك وترائك

وملائك وممالك لا تحصر

ولكم بكته حصنه وحصونه

ونزيله ونزاله والعسكر

من للمالك بعده من كافل

كم حاطها بالرأي منه مسور

قد حرك الثقلين هول مصابه

فالظاهر المودي أو الإسكندر

ص: 392