المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن] - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج - جـ ٢

[الخطيب الشربيني]

فهرس الكتاب

- ‌كِتَابُ الْجَنَائِزِ

- ‌[فَصْلٌ فِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

- ‌كِتَابُ الزَّكَاةِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ الْحَيَوَانِ

- ‌فَصْلٌ إنْ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمَاشِيَةِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ النَّبَاتِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِ

- ‌بَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ

- ‌[فَصْلٌ شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ]

- ‌بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ

- ‌بَابُ مَنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ

- ‌[فَصْلٌ فِي أَدَاءِ زَكَاةِ الْمَالِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ]

- ‌كِتَابُ الصِّيَامِ

- ‌[فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ الصَّوْمِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الْفَاعِلُ]

- ‌فَصْلٌ شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ:

- ‌[فَصْلٌ فِي فِدْيَةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مُوجِبِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ]

- ‌[بَاب فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ]

- ‌كِتَابُ الِاعْتِكَافِ

- ‌[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ]

- ‌كِتَابُ الْحَجِّ

- ‌بَابُ الْمَوَاقِيتِ

- ‌بَابُ الْإِحْرَامِ

- ‌[فَصْلٌ فِي رُكْنِ الْإِحْرَامِ وَمَا يُطْلَبُ لِلْمُحْرِمِ]

- ‌[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا يُطْلَبُ فِي الطَّوَافِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَسُنَنٍ]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا يُخْتَمُ بِهِ الطَّوَافُ وَبَيَانُ كَيْفِيَّةِ السَّعْيِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالدَّفْعِ مِنْهَا وَفِيمَا يُذْكَرُ مَعَهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكَيْفِيَّةِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]

- ‌بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ

- ‌بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ

- ‌[كِتَابُ الْبَيْعِ]

- ‌[كتاب البيع]

- ‌باب الربا

- ‌[بَابٌ فِي الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَغَيْرِهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْبُيُوعِ نَهْيًا لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَتَعَدُّدِهَا]

- ‌بَابُ الْخِيَارِ

- ‌[فَصْلٌ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي خِيَارِ النَّقِيصَةِ]

- ‌فَصْلٌ التَّصْرِيَةِ

- ‌[بَابٌ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ]

- ‌بَابُ التَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكُ وَالْمُرَابَحَةُ

- ‌[بَابٌ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهِمَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ بَيْعِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَبُدُوِّ صَلَاحِهِمَا]

- ‌بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ

- ‌[بَابٌ فِي مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ]

الفصل: ‌[فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن]

إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ.

فَصْلٌ لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَيُشْتَرَطُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ يَسْتَأْنِفُ،

ــ

[مغني المحتاج]

الْأَشْهَرَ، وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ الْمَوَاقِيتِ السَّابِقُ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَوْ وَجَبَ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ لَمَا عَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ (إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا جَزْمًا لِلْمَشَقَّةِ بِالتَّكْرِيرِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ.

تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَصْرِ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا مِنْ الْحِلِّ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ وَلَا خَائِفًا مِنْ ظَالِمٍ أَوْ غَرِيمٍ يَحْبِسُهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ الظُّهُورُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا فَالرَّقِيقُ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَصَدَ الْحَرَمَ كَقَصْدِ مَكَّةَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَتُهُ خِلَافَهُ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُطْلَبُ فِي الطَّوَافِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَسُنَنٍ]

(فَصْلٌ) فِيمَا يُطْلَبُ فِي الطَّوَافِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَسُنَنٍ (لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ) مِنْ قُدُومٍ وَرُكْنٍ وَوَدَاعٍ وَمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ فِي الْفَوَاتِ وَطَوَافِ نَذْرٍ وَتَطَوُّعٍ (وَاجِبَاتٌ) لَا بُدَّ مِنْهَا فِيهِ شُرُوطًا كَانَتْ أَوْ أَرْكَانًا فَلَا يَصِحُّ بِدُونِهَا وَلَوْ كَانَ نَفْلًا (وَسُنَنٌ) يَصِحُّ بِدُونِهَا (أَمَّا الْوَاجِبُ) فِي الطَّوَافِ فَثَمَانِيَةٌ: أَحَدُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَيُشْتَرَطُ) لَهُ (سَتْرُ الْعَوْرَةِ) كَسَتْرِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا طَافَ عَارِيًّا وَأَجْزَأَهُ كَمَا لَوْ صَلَّى كَذَلِكَ (وَ) ثَانِيهَا (طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ) فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْخَبَرُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَطَافِ، وَقَدْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا الْعَفْوَ عَنْهَا، قَالَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْلِ وَالْبَقِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا مَرَّ، وَكَمَا فِي كَثْرَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ، وَكَمَا فِي طِينِ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ اهـ.

وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمْ أَرَ لِلْأَئِمَّةِ تَشْبِيهُ مَكَانِ الطَّوَافِ بِالطَّرِيقِ فِي حَقِّ الْمُنْتَقِلِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْبِدَعِ غَسْلَ بَعْضِ النَّاسِ الْمَطَافَ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ مَنْعُ الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُتَنَجِّسِ الْعَاجِزَيْنِ عَنْ الْمَاءِ مِنْ طَوَافِ الرُّكْنِ لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا فُعِلَتْ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَالطَّوَافُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ.

قَالَ شَيْخُنَا: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ إذَا صَلَّى ثُمَّ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ (فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ) عَمْدًا (تَوَضَّأَ) وَأَوْلَى مِنْهُ تَطَهَّرَ لِيَشْمَلَ الْغُسْلَ (وَبَنَى) مِنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ سَوَاءٌ أَكَانَ عِنْدَ الرُّكْنِ أَمْ لَا (وَفِي قَوْلٍ يَسْتَأْنِفُ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَفَرَّقَ

ص: 243

وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمُبْتَدِئًا بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ،

ــ

[مغني المحتاج]

الْأَوَّلَ بِأَنَّ الطَّوَافَ يُحْتَمَلُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِيهَا، فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَخِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَمْدِ وَأَوْلَى بِالْبِنَاءِ إنْ قَصُرَ الْفَصْلُ، وَكَذَا إنْ طَالَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ أَوْ مَطَافُهُ بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ أَوْ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهِ كَأَنْ بَدَا شَيْءٌ مِنْ شَعْرِ رَأْسِ الْحُرَّةِ أَوْ ظُفْرٍ مِنْ رِجْلِهَا لَمْ يَصِحَّ الْمَفْعُولُ بَعْدُ، فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ بَنَى عَلَى مَا مَضَى كَالْمُحْدِثِ، سَوَاءٌ أَطَالَ الْفَصْلُ أَمْ قَصُرَ كَمَا مَرَّ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوِلَاءِ فِيهِ كَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. لَكِنْ يُسَنُّ الِاسْتِئْنَافُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَلَوْ نَامَ فِي الطَّوَافِ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَمْ يَنْقَطِعْ طَوَافُهُ (وَ) ثَالِثُهَا (أَنْ يَجْعَلَ) الطَّائِفُ، (الْبَيْتَ) فِي طَوَافِهِ (عَنْ يَسَارِهِ) مَارًّا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ إلَى جِهَةِ الْبَابِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .

فَإِنْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَمَشَى أَمَامَهُ أَوْ اسْتَقْبَلَهُ أَوْ اسْتَدْبَرَهُ وَطَافَ مُعْتَرِضًا أَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ وَمَشَى الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لِمُنَابَذَتِهِ لِمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَلَوْ طَافَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ عَلَى وَجْهِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ كَوْنِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ صَحَّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَافَ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ إلَى أَسْفَلَ وَرِجْلَاهُ إلَى فَوْقُ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.

تَنْبِيهٌ: لَوْ زَادَ الْمُصَنِّفُ مَا زِدْته لَكَانَ أَوْلَى لِيُخْرِجَ هَذِهِ الصُّوَرَ الْمَذْكُورَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَنْقَسِمُ إلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ قِسْمًا. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمُجُّهُ السَّمْعُ وَلَا يَقْبَلُ تَجْوِيزَهُ الذِّهْنُ وَكَانَ السُّكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى، وَيُسْتَثْنَى، مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِقْبَالُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ كَمَا سَيَأْتِي (وَ) رَابِعُهَا كَوْنُهُ (مُبْتَدِئًا) فِي ذَلِكَ (بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (مُحَاذِيًا) بِالْمُعْجَمَةِ (لَهُ) أَيْ الْحَجَرِ أَوْ بَعْضِهِ (فِي مُرُورِهِ) عَلَيْهِ ابْتِدَاءً (بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) بِأَنْ لَا يَتَقَدَّمَ جُزْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ، وَالْمُرَادُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ جَمِيعُ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، وَاكْتَفَى بِمُحَاذَاةِ جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ كَمَا اكْتَفَى بِمُحَاذَاةِ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِجُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَصِفَةُ الْمُحَاذَاةِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ وَيَقِفَ عَلَى جَانِبِ الْحَجَرِ الَّذِي لِجِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِهِ. ثُمَّ يَنْوِيَ الطَّوَافَ وَيَمُرَّ مُسْتَقْبِلًا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَجَرَ، فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالطَّوْفَةِ الْأُولَى فَلَيْسَ لَنَا حَالَةٌ يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ فِيهَا فِي الطَّوَافِ إلَّا هَذِهِ، فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ كَمَا مَرَّ وَهَذَا مَنْدُوبٌ، فَلَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ابْتَدَأَ. مِنْ غَيْرِ اسْتِقْبَالٍ صَحَّ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ الْوَاجِبَةَ تَتَعَلَّقُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ لَا بِالْحَجَرِ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ نُحِّيَ عَنْ مَكَانِهِ وَجَبَتْ مُحَاذَاةُ الرُّكْنِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَيُسَنُّ حِينَئِذٍ اسْتِلَامُ مَحَلِّهِ وَتَقْبِيلُهُ وَالسُّجُودُ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي (فَلَوْ بَدَأَ) فِي طَوَافِهِ (بِغَيْرِ الْحَجَرِ) كَأَنْ ابْتَدَأَ بِالْبَابِ (لَمْ يُحْسَبْ) مَا طَافَهُ (فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ) أَيْ الْحَجَرِ (ابْتَدَأَ مِنْهُ)

ص: 244

وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ أَوْ دَخَلَ مِنْ إحْدَى فَتْحَتَيْ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنْ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ وَجْهٌ، وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا

ــ

[مغني المحتاج]

وَحُسِبَ لَهُ الطَّوَافُ مِنْ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ غَسْلَ عُضْوٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْوَجْهَ أَوَّلَ وُضُوئِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ النِّيَّةَ إذَا كَانَتْ وَاجِبَةً لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْضَارِهَا عِنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا خُرُوجُ جَمِيعِ بَدَنِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَيْتِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْخَارِجُ عَنْ عُرْضِ جِدَارِ الْبَيْتِ مُرْتَفِعًا عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَرَكَتْهُ قُرَيْشٌ لِضِيقِ النَّفَقَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: وَالشَّاذَرْوَانُ ظَاهِرٌ فِي جَوَانِبِ الْبَيْتِ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: أَيْ وَكَأَنَّهُمْ تَرَكُوا رَفْعَهُ لِتَهْوِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أُحْدِثَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ عِنْدَهُ شَاذَرْوَانُ

قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لِدَقِيقَةٍ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَرَأْسُهُ فِي حَالِ التَّقْبِيلِ فِي جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقِرَّ قَدَمَيْهِ فِي مَحَلِّهِمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ التَّقْبِيلِ وَيَعْتَدِلَ قَائِمًا (أَوْ) أَدْخَلَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ فِي جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ كَأَنْ (مَسَّ الْجِدَارَ) الْكَائِنَ (فِي مُوَازَاتِهِ) أَيْ الشَّاذَرْوَانِ، أَوْ أَدْخَلَ جُزْءًا مِنْهُ فِي هَوَاءِ الشَّاذَرْوَانِ، أَوْ هَوَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ (أَوْ دَخَلَ مِنْ إحْدَى فَتْحَتَيْ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ الْمَحُوطِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ بِجِدَارٍ قَصِيرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ الرُّكْنَيْنِ فَتْحَةٌ (وَخَرَجَ مِنْ) الْفَتْحَةِ (الْأُخْرَى) أَوْ خَلَّفَ مِنْهُ قَدْرَ الَّذِي مِنْ الْبَيْتِ وَهُوَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَاقْتَحَمَ الْجِدَارَ وَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ (لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ) فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ. أَمَّا فِي غَيْرِ الْحِجْرِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29][الْحَجَّ] وَإِنَّمَا يَكُونُ طَائِفًا بِهِ إذَا كَانَ خَارِجًا عَنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ طَائِفٌ فِيهِ.

وَأَمَّا الْحِجْرُ فَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا طَافَ خَارِجَهُ. وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْت: فَمَا بَالُهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمَك قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ. قُلْت: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُك لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مِنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجِدَارَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ لَفَعَلْت» وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الْحِجْرَ جَمِيعَهُ مِنْ الْبَيْتِ.

قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَظَاهِرُ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الَّذِي هُوَ مِنْ الْبَيْتِ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ تَتَّصِلُ بِالْبَيْتِ، وَقِيلَ: سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَلَفْظُ الْمُخْتَصَرِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ الطَّوَافُ خَارِجَهُ لِمَا مَرَّ لِأَنَّ الْحَجَّ بَابُ اتِّبَاعٍ، وَعُلِمَ مِنْ مَنْعِ مُرُورِ بَعْضِ الْبَدَنِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَنَّ مُرُورَ بَعْضِ ثِيَابِهِ لَا يَضُرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ وَجْهٌ) بِصِحَّةِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ بَدَنِهِ خَارِجٌ فَيُصَدَّقُ أَنَّهُ طَائِفٌ بِالْبَيْتِ وَذَهَبَ إلَيْهِ الْفُورَانِيُّ (وَ) خَامِسُهَا (أَنْ يَطُوفَ) بِالْبَيْتِ (سَبْعًا) مِنْ الطَّوَفَاتِ وَلَوْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِلِاتِّبَاعِ، فَلَوْ تَرَكَ مِنْ السَّبْعِ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي الْعَدَدِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ كَعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ

ص: 245

وَدَاخِلَ الْمَسْجِدِ.

وَأَمَّا السُّنَنُ فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا

ــ

[مغني المحتاج]

اعْتَقَدَ أَنَّهُ طَافَ سَبْعًا فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّهُ سِتًّا اُسْتُحِبَّ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ. قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ وَجَزَمَ بِهِ السُّبْكِيُّ بِخِلَافِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زِيَادَةَ الرَّكَعَاتِ مُبْطِلَةٌ بِخِلَافِ الطَّوَافِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُحَاذِيَ شَيْئًا مِنْ الْحِجْرِ بَعْدَ الطَّوْفَةِ السَّابِعَةِ مِمَّا حَاذَاهُ أَوَّلًا (وَ) سَادِسُهَا كَوْنُهُ (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ حَوْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَيَصِحُّ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَإِنْ وَسِعَ وَحَالَ حَائِلٌ بَيْنَ الطَّائِفِ وَالْبَيْتِ كَالسِّقَايَةِ وَالسَّوَارِي. نَعَمْ لَوْ زِيدَ فِيهِ حَتَّى بَلَغَ الْحِلَّ فَطَافَ فِيهِ فِي الْحِلِّ لَمْ يَصِحَّ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَيَصِحُّ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ أَعْلَى مِنْ الْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ ارْتِفَاعِهِ عَنْ الْبَيْتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الصَّلَاةِ جِهَةُ بِنَائِهَا فَإِذَا عَلَا كَانَ مُسْتَقْبِلًا، وَالْمَقْصُودُ فِي الطَّوَافِ نَفْسُ بِنَائِهَا، فَإِذَا عَلَا لَمْ يَكُنْ طَائِفًا بِهِ. وَسَابِعُهَا: نِيَّةُ الطَّوَافِ إنْ اسْتَقَلَّ بِأَنْ لَمْ يَشْمَلْهُ نُسُكٌ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَالطَّوَافِ الْمَنْذُورِ وَالْمُتَطَوَّعِ بِهِ.

قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي خِلَافُ الَّذِي شَمِلَهُ نُسُكٌ وَهُوَ طَوَافُ الرُّكْنِ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَطَوَافُ الْقُدُومِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى نِيَّةٍ لِشُمُولِ نِيَّةِ النُّسُكِ لَهُ. وَثَامِنُهَا: عَدَمُ صَرْفِهِ لِغَيْرِهِ كَطَلَبِ غَرِيمٍ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ صَرَفَهُ انْقَطَعَ لَا إنْ نَامَ فِيهِ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ. .

(وَأَمَّا السُّنَنُ) الْمَطْلُوبَةُ لِلطَّائِفِ فَثَمَانِيَةٌ: أَحَدُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا) وَلَوْ امْرَأَةً لِلِاتِّبَاعِ.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَا مَحْمُولًا عَلَى آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِمُنَافَاةِ الْخُشُوعِ، وَلِأَنَّ الْبَهِيمَةَ قَدْ تُؤْذِي النَّاسَ وَتُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ. نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَدِمَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: طُوفِي وَرَاءَ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» وَفِيهِمَا «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم طَافَ رَاكِبًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِيَظْهَرَ فَيُسْتَفْتَى» فَلِمَنْ اُحْتِيجَ إلَى ظُهُورِهِ لِلْفَتْوَى أَنْ يَتَأَسَّى بِهِ، فَلَوْ رَكِبَ بَهِيمَةً بِلَا عُذْرٍ لَمْ يُكْرَهُ وَكَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ، هَذَا عِنْدَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ، وَإِلَّا حَرُمَ إدْخَالُهَا الْمَسْجِدَ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْ إدْخَالِ الْبَهِيمَةِ شَيْءٌ: أَيْ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهَا الْمَسْجِدَ، فَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيثَاقُ فَذَاكَ أَيْ خِلَافُ الْأُولَى وَإِلَّا فَإِدْخَالُهَا مَكْرُوهٌ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ لِمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ إدْخَالَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهَا الْمَسْجِدَ حَرَامٌ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ مِنْ أَنَّ إدْخَالَ الْبَهِيمَةِ إنَّمَا هُوَ لِحَاجَةِ إقَامَةِ السُّنَّةِ كَمَا فَعَلَهُ إطْلَاقُهُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهَا، وَلَا يُقَاسُ ذَلِكَ عَلَى إدْخَالِ الصِّبْيَانِ الْمُحْرِمِينَ الْمَسْجِدَ، لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، وَأَيْضًا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ الْخَوْفِ بِالتَّحَفُّظِ وَنَحْوِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْبَهِيمَةُ، وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ عَنْ جَزْمِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي الْفَصْلِ الْمَعْقُودِ لِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ. وَقَالَ: إنَّ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَمَا رُدَّ بِهِ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَمْنُوعٌ، إذْ الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَالْإِسْنَوِيُّ مُثْبِتُ الْكَرَاهَةِ، وَغَيْرُهُ نَافٍ لَهَا. وَقَالَ

ص: 246

وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ وَيُقَبِّلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ اسْتَلَمَ،

ــ

[مغني المحتاج]

الْأُشْمُونِيُّ فِي بَسْطِ الْأَنْوَارِ: قُلْت نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ الرُّكُوبِ بِلَا عُذْرٍ وَجَزَمَ بِهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَقَالَ مِنْ " زِيَادَتِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: إدْخَالُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ إنْ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ فَمَكْرُوهٌ.

قَالَ أَعْنِي الْأُشْمُونِيَّ: وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْبَهَائِمِ أَنْ تَكُونَ كَالصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ بِلَا شَكٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَتَرْكُ الْكَرَاهَةِ هُنَا كَمَا مَرَّ أَوْلَى لِلْحَاجَةِ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ، بِخِلَافِ إدْخَالِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُكْرَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ كَمَا مَرَّ أَيْضًا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَحُكْمُ طَوَافِ الْمَحْمُولِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ كَالرَّاكِبِ فِيمَا ذُكِرَ، وَإِذَا كَانَ مَعْذُورًا فَطَوَافُهُ مَحْمُولًا أَوْلَى مِنْهُ رَاكِبًا صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ الدَّابَّةِ، وَرُكُوبُ الْإِبِلِ أَيْسَرُ حَالًا مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ. ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِيهِ: وَلَوْ طَافَ زَحْفًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَشْيِ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ حَافِيًا فِي طَوَافِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ. قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: وَأُحِبُّ لَوْ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَافِيًا أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْمَشْيِ لِتَكْثُرَ خُطَاهُ رَجَاءَ كَثْرَةِ الْأَجْرِ لَهُ.

(وَ) ثَانِيهَا أَنْ (يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ بَعْدَ اسْتِقْبَالِهِ: أَيْ يَلْمَسَهُ بِيَدِهِ (أَوَّلَ طَوَافِهِ) وَيُسَنُّ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ الْيُمْنَى (وَيُقَبِّلَهُ) لِلِاتِّبَاعِ.

رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِلَامِ بِالْيَدِ اسْتَلَمَ بِخَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْيَدِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَا يَسْتَلِمُهُ بِهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسَنُّ أَنْ يُخَفِّفَ الْقُبْلَةَ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهَا صَوْتٌ، وَلَا يُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ اسْتِلَامٌ وَلَا تَقْبِيلٌ، وَلَا قُرْبٌ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا عِنْدَ خُلُوِّ الْمَطَافِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَإِنْ خَصَّهُ فِي الْكِفَايَةِ بِاللَّيْلِ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ (وَيَضَعُ) بَعْدَ ذَلِكَ (جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ) لِلِاتِّبَاعِ.

رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.

وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْبِيلُ وَالسُّجُودُ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَهَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ لِلرُّكْنِ حَتَّى لَوْ نُحِّيَ الْحَجَرُ أَوْ وُضِعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكَعْبَةِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَقَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ. حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ تَقْبِيلِهِ وَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ لِزَحْمَةٍ مَثَلًا (اسْتَلَمَ) بِيَدِهِ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَا عُمَرُ إنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إنْ وَجَدْت خَلْوَةً وَإِلَّا فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» . وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَلَوْ كَانَ الزِّحَامُ كَثِيرًا مَضَى وَكَبَّرَ وَلَمْ يَسْتَلِمْ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: كَذَا أَطْلَقُوهُ. وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: إلَّا فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَآخِرِهِ، فَأُحِبُّ لَهُ الِاسْتِلَامَ وَلَوْ مَعَ الزِّحَامِ، وَهَذَا مَا تَوَقَّى التَّأَذِّي وَالْإِيذَاءَ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِلَامِهِ بِيَدِهِ اسْتَلَمَهُ بِنَحْوِ عَصًا، ثُمَّ يُقَبِّلُ مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ مِنْ يَدٍ أَوْ نَحْوِ الْعَصَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ يُقَبِّلُ يَدَهُ وَيَقُولُ: مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ» مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ مَعَ أَخْبَارٍ أُخَرَ أَنَّهُ يُقَبِّلُ يَدَهُ بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ بِهَا مَعَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مَنْسَكِهِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ،

ص: 247

فَإِنْ عَجَزَ أَشَارَ بِيَدِهِ، وَيُرَاعَى ذَلِكَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا، وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلُهُ.

وَأَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ،

ــ

[مغني المحتاج]

لَكِنْ خَصَّهُ الشَّيْخَانِ، وَمُخْتَصَرُ كَلَامِهِمَا يَتَعَذَّرُ تَقْبِيلُهُ كَمَا تَقَرَّرَ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ اسْتِلَامِهِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا (أَشَارَ) إلَيْهِ (بِيَدِهِ) أَوْ بِشَيْءٍ فِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَعِيرٍ لَهُ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ» وَلَا يُنْدَبُ أَنْ يُشِيرَ إلَى الْقِبْلَةِ بِالْفَمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِمَا فِيهَا مَعَ أَنَّهُ يُشِيرُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِلَامَ وَالْإِشَارَةَ إنَّمَا يَكُونَانِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْيُسْرَى. قَالَ شَيْخُنَا: عَلَى الْأَقْرَبِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَيُرَاعَى ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِلَامُ وَمَا بَعْدَهُ (فِي كُلِّ طَوْفَةٍ) مِنْ الطَّوَفَاتِ السَّبْعِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ» وَهُوَ فِي الْأَوْتَارِ آكَدُ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَلِمًا فِي افْتِتَاحِهِ وَاخْتِتَامِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ عَدَدًا (وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ) وَهُمَا اللَّذَانِ عِنْدَهُمَا الْحِجْرُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ (وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا) بِيَدِهِ وَلَا بِشَيْءٍ فِيهَا: أَيْ لَا يُسَنُّ ذَلِكَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ» (وَيَسْتَلِمُ) الرُّكْنَ (الْيَمَانِيَّ) نَدْبًا فِي كُلِّ طَوْفَةٍ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (وَلَا يُقَبِّلُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَكِنْ يُقَبِّلُ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِلَامِهِ أَشَارَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ لِتَرَتُّبِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَكَذَا هُنَا، وَمُقْتَضَى الْقِيَاسُ أَنَّهُ يُقَبِّلُ مَا أَشَارَ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي. وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ تَقْبِيلِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ كَوْنِهِ سُنَّةً، فَلَوْ قَبَّلَهُنَّ أَوْ غَيْرَهُنَّ مِنْ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى، بَلْ يَكُونُ حَسَنًا، كَمَا نَقَلَهُ فِي الِاسْتِقْصَاءِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَأَيَّ الْبَيْتِ قَبَّلَ فَحَسَنٌ غَيْرَ أَنَّا نُؤْمَرُ بِالِاتِّبَاعِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَتَفَطَّنْ لَهُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ.

فَائِدَةٌ: السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ الْأَرْكَانِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الرُّكْنَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ فِيهِ فَضِيلَتَانِ: كَوْنُ الْحَجَرِ فِيهِ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم. وَالْيَمَانِيُّ فِيهِ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ.

وَأَمَّا الشَّامِيَّانِ فَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْفَضِيلَتَيْنِ.

(وَ) ثَالِثُهُمَا: الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ، فَيُسَنُّ (أَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ) وَكَذَا فِي كُلِّ طَوْفَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى آكَدُ (بِسْمِ اللَّهِ) أَطُوفُ (وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَاسْتَحَبَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ

ص: 248

اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك، وَالْحَرَمُ حَرَمُك، وَالْأَمْنُ أَمْنُك، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ.

ــ

[مغني المحتاج]

(اللَّهُمَّ) أَطُوفُ (إيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك، وَوَفَاءً) أَيْ تَمَامًا (بِعَهْدِك) وَهُوَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ (وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَإِيمَانًا وَمَا بَعْدَهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَفْعَلُهُ إيمَانًا بِكَ إلَخْ.

فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ، وَقَالَ:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172][الْأَعْرَافَ] ، فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ بِذَلِكَ عَهْدٌ وَيُدْرَجَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَلْيَقُلْ) نَدْبًا (قُبَالَةَ الْبَابِ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ فِي الْجِهَةِ الَّتِي تُقَابِلُهُ (اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك، وَالْحَرَمُ حَرَمُك، وَالْأَمْنُ أَمْنُك، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ) هَذَا الدُّعَاءُ مِنْ زَوَائِدِ الْمِنْهَاجِ، وَأَصْلُهُ عَلَى الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَقَالَ: يُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَشَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَعْنِي بِالْعَائِذِ نَفْسَهُ: أَيْ هَذَا الْمُلْتَجِئُ الْمُسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ النَّارِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، وَأَنَّ الْعَائِذَ هُوَ إبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم غَلَطٌ فَاحِشٌ وَقَعَ لِبَعْضِ عَوَامِّ مَكَّةَ، وَعِنْدَ الِانْتِهَاءِ إلَى الرُّكْنِ الْعِرَاقِيِّ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ، وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَعِنْدَ الِانْتِهَاءِ إلَى تَحْتِ الْمِيزَابِ: اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي فِي ظِلِّك يَوْمَ لَا ظِلِّ إلَّا ظِلُّك وَاسْقِنِي بِكَأْسِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم شَرَابًا هَنِيئًا لَا أَظْمَأُ بَعْدَهُ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَبَيْنَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَالْيَمَانِيِّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَعَمَلًا مَقْبُولًا، وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ - أَيْ وَاجْعَلْ ذَنْبِي ذَنْبًا مَغْفُورًا وَقِسْ بِهِ الْبَاقِيَ، وَالْمُنَاسِبُ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَقُولَ: عُمْرَةٌ مَبْرُورَةٌ وَيُحْتَمَلُ اسْتِحْبَابُ التَّعْبِيرِ بِالْحَجِّ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ، وَيَقْصِدُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الْقَصْدُ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الدُّعَاءِ الْآتِي فِي الرَّمَلِ، وَمَحَلُّ الدُّعَاءِ بِهَذَا إذَا كَانَ فِي ضِمْنِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَإِلَّا فَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ (وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: اللَّهُمَّ) وَفِي الْمَجْمُوعِ - رَبَّنَا (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) قِيلَ هِيَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَقِيلَ الْعِلْمُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) قِيلَ هِيَ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ الْعَفْوُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَهَذَا أَحَبُّ مَا يُقَالُ فِي الطَّوَافِ إلَيَّ وَأُحِبُّ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّهِ - أَيْ الطَّوَافِ - (وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ) فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ فَهُوَ سُنَّةٌ مَأْثُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْثُورُ أَفْضَلَ كَمَا قَالَ (وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ) بِالْمُثَلَّثَةِ: أَيْ الْمَنْقُولِ مِنْ الدُّعَاءِ فِي الطَّوَافِ (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ، وَ (مِنْ الْقِرَاءَةِ) فِيهِ لِلِاتِّبَاعِ (وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ) لِأَنَّ الْمَوْضِعَ

ص: 249

وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى: بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ وَيَمْشِي فِي الْبَاقِي، وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ وَفِي قَوْلٍ بِطَوَافِ الْقُدُومِ،

ــ

[مغني المحتاج]

مَوْضِعُ ذِكْرٍ، وَالْقُرْآنُ أَفْضَلُ الذِّكْرِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ، وَفِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ الرَّبُّ سبحانه وتعالى: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَيُسَنُّ الْإِسْرَارُ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِلْخُشُوعِ، وَيُرَاعَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي كُلِّ طَوْفَةٍ اغْتِنَامًا لِلثَّوَابِ، وَهُوَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ فِي الْأَوْتَارِ آكَدُ.

(وَ) رَابِعُهَا (أَنْ يَرْمُلَ) الذَّكَرُ الْمَاشِي وَلَوْ صَبِيًّا (فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى) كُلِّهَا مُسْتَوْعِبًا بِهِ الْبَيْتَ لَا كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالرَّمَلِ فِي بَعْضِهَا، وَالْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ بِالْأَشْوَاطِ، وَقِيسَ بِهِ الرَّمَلُ (بِأَنْ يُسْرِعَ) الطَّائِفُ (مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ) لَا عَدْوَ فِيهِ وَلَا وَثْبَ (وَيَمْشِي فِي الْبَاقِي) مِنْ طَوَافِهِ عَلَى هِينَتِهِ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْهُ قَالَ:«رَمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ وَمَشَى أَرْبَعًا» فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا حَرَّكَ الدَّابَّةَ وَرَمَلَ بِهِ الْحَامِلُ. وَيُكْرَهُ تَرْكُ الرَّمَلِ بِلَا عُذْرٍ، وَلَوْ تَرَكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا السُّكُونُ فَلَا يُغَيَّرُ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَلَا يَقْضِي بَعْدَهُمَا لِتَفْوِيتِ سُنَّةِ الْإِسْرَارِ.

تَنْبِيهٌ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى هِينَتِهِ كَمَا زِدْته تَبَعًا لِلْمُحَرَّرِ، فَإِنَّ الْإِسْرَاعَ فِي الْمَشْيِ لَيْسَ قَسِيمَةَ الْمَشْي بَلْ التَّأَنِّي فِيهِ. وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ الرَّمَلِ مَعَ زَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ السَّعْيُ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى، فَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَأَنْ يَمْشُوا أَرْبَعًا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا» ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ يَسْتَحْضِرُ بِهِ سَبَبَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظُهُورُ أَمْرِهِمْ، فَيَتَذَكَّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْرَاعِ فِيهِ وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ (وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ) وَيُسَمَّى خَبَبًا (بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ) مَشْرُوعٌ بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافِ قُدُومٍ أَوْ رُكْنٍ (وَفِي قَوْلٍ) يَخْتَصُّ (بِطَوَافِ الْقُدُومِ) لِأَنَّ مَا رَمَلَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى عَقِبَهُ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَكَذَا مَنْ سَعَى عَقِبَ طَوَافِهِ لِلْقُدُومِ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ عَقِبَهُ، وَكَذَا إنْ أَرَادَهُ فِي الْأَظْهَرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْهُ، وَإِنْ طَافَ

ص: 250

وَلْيَقُلْ فِيهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا.

وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَلَا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ

وَأَنْ يَقْرُبَ مِنْ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى

ــ

[مغني المحتاج]

لِلْقُدُومِ وَلَمْ يَسْعَ عَقِبَهُ ثُمَّ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ رَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَالْحَاجُّ مِنْ مَكَّةَ يَرْمُلُ فِي طَوَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَإِذَا طَافَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى عَقِبَهُ وَلَمْ يَرْمُلْ فِيهِ لَا يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَوْ طَافَ وَرَمَلَ وَلَمْ يَسْعَ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِبَقَاءِ السَّعْيِ عَلَيْهِ (وَلْيَقُلْ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَلِهِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ) أَيْ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ (حَجًّا مَبْرُورًا) وَهُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ مَعْصِيَةٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْبِرِّ، وَهُوَ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ هُوَ الْمُتَقَبَّلُ (وَذَنْبًا مَغْفُورًا) أَيْ اجْعَلْ ذَنْبِي ذَنْبًا مَغْفُورًا (وَسَعْيًا مَشْكُورًا) وَالسَّعْيُ هُوَ الْعَمَلُ وَالْمَشْكُورُ الْمُتَقَبَّلُ، وَقِيلَ الَّذِي يُشْكَرُ عَلَيْهِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا قَالَهُ " الرَّافِعِيُّ، هَذَا إذَا كَانَ حَجًّا. فَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي دُعَاءِ الْمَطَافِ، وَسَكَتَ الشَّيْخَانِ عَمَّا يَقُولُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِيهَا: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزَ عَمَّا تَعْلَمُ، إنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ - {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]-.

(وَ) خَامِسُهَا (أَنْ يَضْطَبِعَ) الذَّكَرُ وَلَوْ صَبِيًّا (فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (وَكَذَا) يَضْطَبِعُ (فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ) قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ بِجَامِعِ قَصْدِ مَسَافَةٍ مَأْمُورٍ بِتَكْرِيرِهَا، وَسَوَاءٌ اضْطَبَعَ فِي الطَّوَافِ قَبْلَهُ أَمْ لَا، وَالثَّانِي لَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَكَلَامُهُ قَدْ يُفْهِمُ عَدَمَ اسْتِحْبَابِهِ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِكَرَاهَةِ الِاضْطِبَاعِ فِي الصَّلَاةِ فَيُزِيلُهُ عِنْدَ إرَادَتِهَا وَيُعِيدُهُ عِنْدَ إرَادَةِ السَّعْيِ. وَلَا يُسَنُّ فِي طَوَافٍ لَا يُسَنُّ فِيهِ رَمَلٌ (وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ فِي الْأَفْصَحِ (تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ) وَيَكْشِفَهُ (وَ) جَعْلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى الْأَيْسَرِ) كَدَأْبِ أَهْلِ الشَّطَارَةِ، وَالِاضْطِبَاعُ افْتِعَالٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّبُعِ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ، وَهُوَ الْعَضُدُ (وَلَا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ) أَيْ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ بِالرَّمَلِ تَتَبَيَّنَ أَعْطَافُهَا، وَبِالِاضْطِبَاعِ يَنْكَشِفُ مَا هُوَ عَوْرَةٌ مِنْهَا. وَالْمَعْنَى السَّابِقُ، وَهُوَ كَوْنُهُ دَأْبَ أَهْلِ الشَّطَارَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ بَلْ بِأَهْلِ الشَّطَارَةِ مِنْهُمْ، وَالتَّشْبِيهُ بِهِمْ حَرَامٌ، وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.

(وَ) سَادِسُهَا (أَنْ يَقْرُبَ مِنْ الْبَيْتِ) لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ فِي الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ، وَالْأَوْلَى - كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ - أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ثَلَاثَ خَطَوَاتٍ لِيَأْمَنَ مُرُورَ بَعْضِ جَسَدِهِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ. نَعَمْ إنْ تَأَذَّى أَوْ أَذَى غَيْرَهُ بِنَحْوِ زَحْمَةٍ فَالْبُعْدُ أَوْلَى، وَهَذَا كُلُّهُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ.

أَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى فَيَكُونَانِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ فَإِنْ طَافَا خَالِيَيْنِ فَكَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ الْقُرْبِ (فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ) مِنْ الْبَيْتِ (لِزَحْمَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا وَلَمْ يَرْجُ فُرْجَةً مَعَ الْقُرْبِ يَرْمُلُ فِيهَا لَوْ انْتَظَرَ (فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ) عَنْهُ (أَوْلَى) لِأَنَّ الْقُرْبَ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ، وَالرَّمَلُ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ

ص: 251

إلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى، وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ.

وَأَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ،

ــ

[مغني المحتاج]

بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ رَجَاهَا وَقَفَ لِيَرْمُلَ فِيهَا (إلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ) بِأَنْ كُنَّ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ (فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى) مِنْ الْبُعْدِ مَعَ الرَّمَلِ مُحَافَظَةً عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلَوْ خَافَ مَعَ الْقُرْبِ أَيْضًا لَمْسَهُنَّ فَتَرْكُ الرَّمَلِ أَوْلَى. وَيُسَنُّ أَنْ يَتَحَرَّك فِي مَشْيِهِ وَيَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَرَمَلَ كَمَا فِي الْعَدْوِ فِي السَّعْيِ (وَ) سَابِعُهَا (أَنْ يُوَالِيَ) الطَّائِفُ (طَوَافَهُ) اتِّبَاعًا وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَيَجُوزُ الْكَلَامُ فِيهِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ» وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا فِي خَيْرٍ كَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَتَعْلِيمِ جَاهِلٍ، وَجَوَابِ مُسْتَفْتٍ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُبْصَقَ فِيهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ مُكْتَنِفًا، وَأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ إلَّا فِي حَالَةِ التَّثَاؤُبِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ، وَأَنْ يُشَبِّكَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُفَرْقِعَهَا، وَأَنْ يَكُونَ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وَأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُنْتَقِبَةً وَيُكْرَهُ فِيهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَكَرَاهَةُ الشُّرْبِ أَخَفُّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي طَوَافِهِ خَاشِعًا خَاضِعًا، حَاضِرَ الْقَلْبِ، مُلَازِمًا لِلْأَدَبِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مُسْتَحْضِرًا فِي قَلْبِهِ عَظَمَةَ مَنْ هُوَ طَائِفٌ بِبَيْتِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَصُونَ نَظَرَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ، وَقَلْبَهُ عَنْ احْتِقَارِ مَنْ يَرَاهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمَرْضَى، وَيُعَلِّمَ السَّائِلَ بِرِفْقٍ، وَهَلْ الْأَفْضَلُ التَّطَوُّعُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالطَّوَافِ أَوْ الصَّلَاةِ؟ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الطَّوَافُ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ غَيْرِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ.

(وَ) ثَامِنُهَا (أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ) وَتُجْزِئُ عَنْهُمَا الْفَرِيضَةُ وَالرَّاتِبَةُ كَمَا فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَفِعْلُهُمَا (خَلْفَ الْمَقَامِ) الَّذِي لِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ لِلِاتِّبَاعِ ثُمَّ فِي الْحِجْرِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: تَحْتَ الْمِيزَابِ، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ فِي الْحَرَمِ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْأَمْكِنَةِ مَتَى شَاءَ مِنْ الْأَزْمِنَةِ، وَلَا يَفُوتَانِ إلَّا بِمَوْتِهِ، وَمَالَ الْإِسْنَوِيُّ إلَى أَنَّ فِعْلَهُمَا فِي الْكَعْبَةِ أَوْلَى مِنْهُ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَالْأَفْضَلُ مَا فِي الْمَتْنِ، لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ اتِّبَاعٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّاهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ، وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ: وَلَا أَحْسَبُ فِي أَفْضَلِيَّةِ فِعْلِهِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ إجْمَاعٌ مُتَوَارَثٌ لَا يُشَكُّ فِيهِ، بَلْ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُمَا إلَّا خَلْفَ الْمَقَامِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْمَسْجِدِ بَيْتَ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - ثُمَّ بَاقِيَ مَكَّةَ ثُمَّ الْحَرَمَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ. قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَيُسَنُّ لَهُ إذَا أَخَّرَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إرَاقَةُ دَمٍ أَيْ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْمُقْرِي بِمَا إذَا صَلَّاهُمَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لِتَأَخُّرِهِمَا إلَيْهِ عَنْ الْحَرَمِ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، وَيُصَلِّيهِمَا الْأَجِيرُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْوَلِيُّ عَنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلَوْ وَالَى بَيْنَ أَسَابِيعَ طَوَافَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ وَالَى بَيْنَ رَكَعَاتِهَا لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْهِ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَالْأَفْضَلُ خِلَافُهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ

ص: 252

يَقْرَأُ فِي الْأُولَى قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ، وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ تَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ، وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ،

ــ

[مغني المحتاج]

عَقِبَ كُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْهِ، وَلَوْ صَلَّى لِلْجَمِيعِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ (يَقْرَأُ فِي الْأُولَى) مِنْهُمَا سُورَةَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وَ) يَقْرَأُ (فِي الثَّانِيَةِ) سُورَةَ (الْإِخْلَاصِ) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلِمَا فِي قِرَاءَتِهِمَا مِنْ الْإِخْلَاصِ الْمُنَاسِبِ لِمَا هُنَا لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ (وَيَجْهَرُ) فِيهِمَا (لَيْلًا) مَعَ مَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَسَكَتَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ. وَيُسَنُّ فِيمَا فِي ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ النُّسُكِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي النَّوَافِلِ الْمَفْعُولَةِ لَيْلًا أَنْ يَتَوَسَّطَ فِيهَا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ؟ .

أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ فِي النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا مَرَّ (وَفِي قَوْلٍ تَجِبُ الْمُوَالَاةُ) بَيْنَ أَشْوَاطِهِ وَأَبْعَاضِهَا (وَ) تَجِبُ (الصَّلَاةُ) لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «أَتَى بِالْأَمْرَيْنِ وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ. أَمَّا الْمُوَالَاةُ: فَلِمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْخِلَافَ هُنَا هُوَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي التَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ فَرَّقَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا بِعُذْرٍ لَمْ يَضُرَّ جَزْمًا كَالْوُضُوءِ.

قَالَ الْإِمَامُ: وَالْكَثِيرُ هُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِتَرْكِهِ تَرْكُ الطَّوَافِ: إمَّا بِالْإِضْرَابِ عَنْهُ، أَوْ بِظَنٍّ أَنَّهُ أَتَمَّهُ. وَمِنْ الْعُذْرِ إقَامَةُ الْمَكْتُوبَةِ لَا صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالرَّوَاتِبِ بَلْ يُكْرَهُ قَطْعُ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ لَهُمَا.

وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلِخَبَرِ " هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ " وَالْقَوْلَانِ فِي وُجُوبِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إذَا كَانَ فَرْضًا، فَإِنْ كَانَ نَفْلًا فَسُنَّةٌ قَطْعًا، وَقِيلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ، وَلَا بُعْدَ فِي اشْتِرَاطِ فَرْضٍ فِي نَفْلٍ كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتْرِ فِي النَّافِلَةِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ يَصِحُّ الطَّوَافُ بِدُونِهِمَا، إذْ لَيْسَا بِشَرْطٍ وَلَا رُكْنٍ لَهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ إذَا دَخَلَ تَحْتَ نُسُكِ النِّيَّةِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ إفَاضَةٍ أَوْ نَذْرٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ زَمَنُهُ وَدَخَلَ وَقْتَ مَا عَلَيْهِ فَنَوَى غَيْرُهُ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ نَفْسِهِ تَطَوُّعًا أَوْ قُدُومًا أَوْ وَدَاعًا وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ النَّذْرِ كَمَا فِي وَاجِبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَقَوْلُهُمْ: إنَّ الطَّوَافَ يَقْبَلُ الصَّرْفَ: أَيْ إذَا صَرَفَهُ لِغَيْرِ طَوَافٍ آخَرَ كَطَلَبِ غَرِيمٍ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْخِصَالِ أَنَّ سُنَنَ الطَّوَافِ تَصِلُ إلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ خَصْلَةً وَفِيمَا ذَكَرْته لَكَ كِفَايَةٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ وَلَا يَجْعَلَنَا مِنْ الْمُبْتَدِعِينَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُحْرِمِ أَنْ يَطُوفَ بِنَفْسِهِ (وَ) لِهَذَا (لَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا) لِمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ أَوَّلًا لَمْ يَطُفْ الْمُحْرِمُ عَنْ نَفْسِهِ لِإِحْرَامِهِ وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ نَفْسِهِ (وَطَافَ بِهِ) وَلَمْ يَنْوِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا (حُسِبَ) الطَّوَافُ (لِلْمَحْمُولِ) عَنْ الطَّوَافِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ إحْرَامُهُ كَرَاكِبِ بَهِيمَةٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ بِشَرْطِهِ - أَيْ بِشَرْطِ الطَّوَافِ فِي حَقِّ الْمَحْمُولِ مِنْ طَهَارَةٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَدُخُولِ وَقْتٍ، وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِلَّا وَقَعَ لِلْحَامِلِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ لِإِحْرَامِهِ، فَكَمَا لَوْ حَمَلَ حَلَالًا، وَسَيَأْتِي أَوْ صَرَفَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، وَإِنْ نَوَاهُ الْحَامِلُ لِنَفْسِهِ

ص: 253

وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ قَصْدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ.

ــ

[مغني المحتاج]

أَوْ لَهُمَا وَقَعَ لَهُ عَمَلًا بِنِيَّتِهِ فِي حَقِّهِ.

(وَكَذَا) يُحْسَبُ لِلْمَحْمُولِ أَيْضًا (لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ) لِإِحْرَامِهِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ طَوَافِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْمُحْرِمُ الْحَامِلُ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَدَخَلَ وَقْتُ طَوَافِهِ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ قَصْدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ) خَاصَّةً تَنْزِيلًا لِلْحَامِلِ مَنْزِلَةَ الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ لِلْحَامِلِ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِنَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُصْرَفَ الطَّوَافُ إلَى غَرَضٍ آخَرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي: لِلْحَامِلِ خَاصَّةً كَمَا إذَا أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِنَا لَا يَضُرُّ الصَّارِفَ، وَالثَّالِثُ: يَقَعُ لَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ دَارَ وَالْآخَرَ قَدْ دِيرَ بِهِ (وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا) أَوْ أَطْلَقَ (فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ) وَإِنْ قَصَدَ مَحْمُولَهُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ الطَّائِفُ وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ حَلَالٌ حَلَالًا وَنَوَيَا وَقَعَ لِلْحَامِلِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُقَاسُ بِالْمُحْرِمَيْنِ الْحَلَالَانِ النَّاوِيَانِ، فَيَقَعُ لِلْحَامِلِ مِنْهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَسَوَاءٌ فِي الصَّغِيرِ حَمَلَهُ وَلِيُّهُ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ أَمْ غَيْرُهُ. لَكِنْ يَنْبَغِي كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فِي حَمْلِ غَيْرِ الْوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ لِأَنَّ الصَّغِيرَ إذَا طَافَ رَاكِبًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، فَلَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ بَلْ جَعَلَهُ فِي شَيْءٍ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ وَجَذَبَهُ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِطَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَوَافِ الْآخَرِ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ وَنَظِيرُهُ لَوْ كَانَ بِسَفِينَةٍ وَهُوَ يَجْذِبُهَا.

تَنْبِيهٌ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا نَوَاهُمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى خِلَافِهِ إلَّا أَنَّ نَصَّ الْأُمِّ فِي وُقُوعِهِ لِلْمَحْمُولِ، وَنَصَّ الْإِمْلَاءِ فِي وُقُوعِهِ لَهُمَا كَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ فَالنَّصَّانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى نَفْيِ مَا ذُكِرَ، وَنَصُّ الْأُمِّ أَقْوَى عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ هُنَا بِخُصُوصِهِ أَظْهَرُ مِنْ نَصِّ الْإِمْلَاءِ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ، وَاعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ نَقْلِهِ عَنْ الْإِمْلَاءِ مِنْ وُقُوعِهِ لَهُمَا غَلَطٌ بَلْ الَّذِي فِيهِ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ عَنْ الْإِمْلَاءِ وُقُوعُهُ لِلْحَامِلِ دُونَ الْمَحْمُولِ، وَرَجَّحَهُ الْأَصْحَابُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَوْ نَوَى الْحَجَّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَقَعَ لَهُ فَكَذَا رُكْنُهُ قَالَ: وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حُبُّ التَّغْلِيظِ، وَالرَّجُلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثِقَةٌ، وَلَكِنَّهُ كَثِيرُ الْوَهْمِ فِي الْفَهْمِ وَالنَّقْلِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ، فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ اهـ.

وَتَصْوِيرُ الْمُصَنِّفِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا كَانَ الْمَحْمُولُ وَاحِدًا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ الْمَحْمُولُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْكَافِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَحْكَامِ الْمَحْمُولِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَفِيهِ نَظَرٌ.

قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ حَمَلَهُ فِي الْوُقُوفِ أَجْزَأَ فِيهِمَا. يَعْنِي مُطْلَقًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَمَّ السُّكُونُ أَيْ الْحُضُورُ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُنَا الْفِعْلُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا، وَلَوْ طَافَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ مُعْتَقِدًا أَنَّ إحْرَامَهُ عُمْرَةٌ فَبَانَ حَجًّا وَقَعَ عَنْهُ كَمَا لَوْ طَافَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ طَوَافٌ.

ص: 254