الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
علاقة "التفسير بالبيان المتصل" بعلوم القرآن الكريم
يعدّ علم التفسير- بما فيه التفسير بالبيان المتَّصل- فرعٌ من فروع علوم القرآن الكريم، ولا ينفك عن فروعه الأخرى، وفي هذا المطلب نعرض لتلك العلاقة من خلال بيان وجه ارتباط "التفسير بالبيان المتَّصل"، ببعض علوم القرآن الكريم على النحو التالي:
أولا: علم القراءات:
علم القراءات هو" علمٌ بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة"(1).
ومن الاختلاف في القراءات أن تَرد للآية قراءةٌ عن الصحابة أو التابعين ببعض الزيادات المتصلة بها، والتي لم ترد في القراءة المتواترة، ورغم شذوذ هذه القراءة لمخالفتها رسم المصحف إلا أن جمهور العلماء يرى جواز القراءة بها في غير الصلاة، وروايتها والاستشهاد بها على معنى الآية، مالم تتعارض في معناها مع القراءة المتواترة (2).
وفي النماذج التالية نلاحظ استعانة المفسّرين بالقراءات التي بها زيادةٌ تفسيرية، على فهم الآية، والترجيح:
(1) منجد المقرئين ومرشد الطالبين، لابن الجزري (1/ 9)، وقد وقفت على عدد من تعريفات العلماء، وانتخبت منها تعريف ابن الجزري؛ لاستيفائه المطلوب، مع وجازة لفظه. للاستزادة يُنظر: منجد المقرئين ومرشد الطالبين (1/ 9)، إتحاف فضلاء البشر، لابن الجزري (ص: 6)، البدور الزاهرة، لعبد الفتاح القاضي (ص: 7)، القراءات وأثرها في علوم العربية، للدكتور: محسن سالم محيسن (1/ 9).
(2)
للاستزادة يُنظر: الاستذكار، لابن عبد البر (2/ 486)، ومجموع الفتاوى (13/ 394)، والبرهان في علوم القرآن (1/ 337).
أولا: ما جاء في تفسير قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (1).
اختلف في تفسير الصلاة الوسطى، والقول بأنها صلاة العصر هو رأي جمهور العلماء، فقد قرأ بعض الصحابة:{والصلاة الوسطى صلاة العصر} على البدل (2).
ثانيا: في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} (3).
أجمع العلماء على أن المراد في هذه الآية الإخوة لأم، فقد وردت القراءة عن أُبيّ (4) رضي الله عنه:" وله أخ أو أخت من الأم "، وفي قراءة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:" وَلَهُ أخ أو أخت من أُمٍّ "(5).
ومما تقدم يتبين علاقة القراءات بالتفسير بالبيان المتصل، فالقراءة التفسيرية تعد تفسيرًا بالبيان المتّصل.
(1) سورة البقرة: 238.
(2)
المصاحف لابن أبي داود (ص: 196، 208، وما بعدها).
وممن قرأها من الصحابة: أبي، وابن عباس، وحفصة، وعبيد بن عمير. للاستزادة يُنظر: جامع البيان (5/ 177).
(3)
سورة النساء: 12.
(4)
هو أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر وأبو الطفيل سيّد القراء. كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا والمشاهد كلها، توفي سنة 19 هـ، وقيل 30 هـ. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/ 65)، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (1/ 181).
(5)
النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (1/ 28).
للاستزادة، يُنظر: فضائل القرآن، للقاسم بن سلام (ص: 297)، وزاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي (1/ 381)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (5/ 78)، والبحر المحيط في التفسير (3/ 547)، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (2/ 229).
ثانيا: علم نزول القرآن الكريم:
هو العلم الذي يختص بنزول القرآن الكريم، من عند الله عز وجل (1).
وعند النظر في نزول آيات القرآن الكريم، نجده على أحوال متعددة فقد تنزل الآيات خمسًا أو عشرًا، أو أقل من ذلك أو أكثر، وحينًا ينزل بعض آية في وقت، ثم تنزل تتمتها في وقت لاحق، وقد يطول الفاصل، أو يقصر، ولله في ذلك الحكمة البالغة (2).
ومن تلك الأحوال ما يكون مبيِّنًا لما سبقه، أو مخصِّصًا، أو مفصِّلًا
…
فيتبين بنزول اللّاحق معانٍ وأحكام، لم تكن معلومة من قبل، ومن ذلك ما يأتي:
أولا: ما روي عن سهل بن سعد (3) رضي الله عنه أنه قال: " أُنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} (4)، ولم ينزل: {مِنَ الْفَجْرِ} (5)، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: {مِنَ الْفَجْرِ} (6)، فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ "(7).
(1) نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، للأستاذ الدكتور: محمد الشايع (ص: 5)، بتصرف يسير.
(2)
يُنظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 155).
(3)
هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، وكان اسمه حزنًا، فسماه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سهلًا، له ولأبيه صحبة، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمس عشرة سنة، توفي سنة 88 هـ.، وقيل 91 هـ، وعمره مائة سنة. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/ 664)، وأسد الغابة (2/ 575).
(4)
سورة البقرة: 187.
(5)
سورة البقرة: 187.
(6)
سورة البقرة: 187.
(7)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
…
الآية}، (3/ 28)، رقم الحديث: ] 1917 [، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر .. ، (2/ 767)، رقم الحديث: ] 1091 [بنحوه، وكلاهما عن سهل بن سعد.
فبعد الوقوف على قصة نزول الآية، تبين لنا أثر علم النزول في فهم الآية، وفهم وجه إشكال المعنى على بعض الصحابة، لا سيما وقد تجزأ نزول الآية الواحدة، فقوله:{مِنَ الْفَجْرِ} بيان متصل بالآية، ولكنه نزل متراخٍ عن أولها.
ثانيا: ما جاء في نزول قول الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (1)، أن البراء (2) رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا (3) رضي الله عنه، فَجَاءَ بِكَتفٍ، فَكَتبَها، وَشَكَى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رضي الله عنه (4) ضِرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} " (5).
(1) سورة النساء: 95.
(2)
هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الحارثي الخزرجي، يكنى أبا عمارة، استصغره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي رضي الله عنه، وتوفي سنة 72 هـ. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/ 155)، وأسد الغابة (1/ 362).
(3)
هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، من كتاب الوحي، استصغر يوم بدر، وكانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بالسريانية، فأمر زيدا فتعلمها في بضعة عشر يوما، استخلفه عمر رضي الله عنه على المدينة ثلاث مرات، توفي سنة 45 هـ على الأغلب. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/ 537)، وأسد الغابة (2/ 346).
(4)
هو عمرو بن زائدة، وقيل عبدالله بن قيس الأعمى، الصحابي المشهور، أسلم قديما، كَانَ يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بلال رضي الله عنه، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة في عامّة غزواته يصلّي بالناس، توفي أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. يُنظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 998)، والإصابة في تمييز الصحابة (4/ 495).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قوله تعالى:{لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ .. الآية} ، (4/ 24)، رقم الحديث: ] 2831 [، من حديث البراء رضي الله عنه.
ولا ريب أن تتمتها تفسيرٌ لها، أزيل به ما أشكل على ابن أم مكتوم رضي الله عنه.
ثالثا: علم المناسبات:
تعريف علم المناسبة: " هو علمٌ تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن ". (1)
وقد اهتم العلماء بدراسة علم المناسبات، ومنه المناسبات بين السور المتتالية، والمناسبات في السورة الواحدة (2).
وفي شأن المناسبة بين الآيات في السورة الواحدة يقول الزركشي:
" والذي ينبغي في كل آيةٍ، أن يُبحث أول كل شيءٍ عن كونها مكمِّلةً لما قبلها أو مُستقلّة، ثم المستقلّة، ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ "(3).
فقسّم المناسبات إلى قسمين رئيسين: مكمِّلة، ومُستقلّة.
وموضوع بحثنا في القسم الأول، وهو: الآية المكمِّلة لما قبلها، ومرتبطة بها.
وقد بين الزركشي أن الارتباط يكون لسببين:
الأول: لتعلق الكلام بعضه ببعضٍ وعدم تمامه بالأولى.
الثاني: أن تكون الآية الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير، أو الاعتراض والتشديد (4).
أقول: والتفسير بالبيان المتّصل قد يكون للسبب الأول، نحو قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ
(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (1/ 6)، للاستزادة يُنظر: الإتقان في علوم القرآن (3/ 369، وما بعدها).
(2)
للاستزادة يُنظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 37 ــ 40)، وأسرار ترتيب القرآن، للسيوطي (ص: 5)، والإتقان في علوم القرآن (3/ 369، وما بعدها).
(3)
البرهان في علوم القرآن (1/ 37).
(4)
يُنظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 37، وما بعدها) باختصار.
وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2)} (1)، فهاهنا سؤال يحتاج جوابا، وجاء الجواب في الآية التالية:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} ، فجاءت:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} مبيِّنة ومفسِّرة لما قبلها (2).
وقد يكون في بعض أحواله للسبب الثاني، نحو قوله تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} (3).
فالآيتين {(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} جاءت تفسيرًا لما قبلها: {اللَّهُ الصَّمَدُ} (4).
قال الطبري: " {الصَّمَدُ}: الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت"(5).
قال السيوطي: " وثمرة المناسبة: الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه، وما أمامه من الارتباط والتعلّق الذي هو كلُحمة النسب،
…
وهو سرّ البلاغة؛ لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال
…
ولذا كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير، نسبة علم البيان من النحو " (6).
وقال العز بن عبد السلام (7): " المناسبة علمٌ حسنٌ، لكن يشترط في حسن ارتباط
(1) سورة الطارق: 1، 2.
(2)
يُنظر: جامع البيان (24/ 351، 352)، وزاد المسير (4/ 428)، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (8/ 374).
(3)
سورة الإخلاص: 1 - 4.
(4)
سورة الإخلاص: 2.
(5)
يُنظر: جامع البيان (24/ 691)، ومعالم التنزيل، للبغوي (8/ 588).
(6)
أسرار ترتيب القرآن (ص: 5).
(7)
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد ابن مهذب السلمي، الملقب بسلطان العلماء وشيخ الإسلام، أصله مغربيّ، ومولده بدمشق سنة 578 هـ، كان عابدا ورعا، اشتهر بالفقه والفتيا، شيخ المذهب، وله مؤلفات، منها:"تفسير القرآن"، و" المجاز"، توفي سنة 660 هـ. يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/ 209)، وطبقات المفسرين للداوودي (1/ 315).
الكلام أن يقع في أمرٍ متحد مرتبطٌ أوله بآخره " (1).
أقول: وإنه يكثر أن تكون المناسبة بين الآيات المتتالية، أو الآية وخاتمتها، مرتبط بتفسيرها، ومنه ما يكون تفسيرًا بالبيان المتَّصل.
رابعًا: علم الوقف والابتداء:
تعريف علم الوقف والابتداء: " علمٌ يَعرف به القارئ ما يصلح الوقوف عليه، وما لا يصلح، والمواضع التي يصلح الابتداء بها، والتي لا يصلح "(2).
والوقف: "قطع الصّوت آخر الكلمة زمنًا ما، أو هو قطع الكلمة عما بعدها "(3).
والابتداء: "الشروع في القراءة بعد قطعٍ أو وقف"(4).
أقسام الوقف:
أولا: الاختياري (الذي تم معناه): وهو ما يقصده القارئ بمحض إرادته من غير عروض سببٍ خارجي (5).
(1) الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، للسلمي (ص 221).
(2)
وقوف القرآن وأثرها في التفسير، لمساعد الطيار (ص: 18، 19)، وعزاه للشيخ: عبدالعزيز بن عبد الفتاح قاري، رئيس اللجنة العلمية لمراجعة مصحف المدينة سابقًا، وقد ورد في الكتاب ناقصًا، ونبّه على ذلك في برنامج (أضواء القرآن)، الحلقة الرابعة عشر، بعنوان: أثر الوقف والابتداء في التفسير والقراءات.
(3)
منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، للأشموني (1/ 23).
(4)
هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، للمرصفي (1/ 392).
(5)
يُنظر: النشر في القراءات العشر (1/ 225، 226)، والميزان في أحكام تجويد القرآن، لفريال زكريا (ص: 197).
مراتب الوقف الاختياري (1):
1 -
الوقف التام:
هو الذي يحسُن القطع عليه والابتداء بما بعده، لأنه لا يتعلق بشيء مما بعده. (2)
2 -
الوقف الكافي:
هو الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده، غير أنَّ الذي بعده متعلقٌ به من جهة المعنى دون اللفظ (3).
3 -
الوقف الحسن:
هو الذي يحسُن الوقف عليه، ولا يحسُن الابتداء بما بعده؛ لتعلقه به من جهة اللفظ والمعنى جميعًا (4).
(1) اختلف العلماء في مراتب الوقف، وهو خلاف اصطلاحي، قال ابن الجزري:"وأكثر ما ذكر الناس في أقسامه غير منضبط ولا منحصر"، وقد اعتمدت هذه المراتب الثلاث؛ لأنها اقتصرت على الفروع الرئيسة التي بها يحصل المقصود هنا، دون التفاصيل الدقيقة التي ليس من تفصيلها مزيد فائدة في هذا البحث، يُنظر: بغية المستفيد في علم التجويد، لابن بلبان (ص: 52، 53)، ومنار الهدى في بيان الوقف والابتدا (ص: 23)، والنشر في القراءات العشر (1/ 225، 226).
(2)
يُنظر: المكتفى في الوقف والابتدا، لأبي عمرو الداني (ص: 8)، ومنار الهدى في بيان الوقف والابتدا (1/ 25)، والنشر في القراءات العشر (1/ 225، 226).
ويستثنى من ذلك: إن أوهم وصله معنى غير المراد، فيلزم الوقف عليه. ولا يختص اللزوم بالتام فقط، ولكن اللازم في التام أكثر من غيره.
(3)
يُنظر: المكتفى في الوقف والابتدا (ص: 10)، ومنار الهدى في بيان الوقف والابتدا (1/ 25)، والنشر في القراءات العشر (1/ 225، 226).
(4)
يُنظر: المكتفى في الوقف والابتدا (ص: 11)، ومنار الهدى في بيان الوقف والابتدا (1/ 25)، والنشر في القراءات العشر (1/ 225، 226).
ثانيا: الاضطراري: الذي لم يتم به الكلام، واصطُلح على تسميته:(القبيح)، وهو الوقف على ما لم يتم به الكلام في ذاته، واشتد تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى، فلا يجوز تعمُّد الوقف عليه إلا لضرورةٍ من انقطاع نفسٍ ونحوه؛ لعدم الفائدة أو لفساد المعنى (1).
بعد تأمل التعاريف السابقة، يتبيّن أن الحكم على الوقف مبنيٌ على نوع اتصال الموقوف عليه، بما بعده من لاحق الكلام، فهو في ذلك على مراتب: فإما ألاّ يتّصل ما بعد الوقف بما قبله لفظًا ولا معنى، فهو التام، أو يتَّصل ما بعده بما قبله معنىً لا لفظًا، فهو الكافي، أو لا يتَّصل ما بعده بما قبله معنى ولفظًا، فهو الحسن، أو يشتد اتصاله بما بعده، فلا يتم المعنى المراد إلا به، فهو القبيح (2).
ومن الاتصال المعنوي، (البيان المتَّصل) المفسِّر لما قبله - وهو موضوع
الدراسة-.
ومما يؤكد على أهمية البيان المتصل في تحديد موضع الوقف، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يَاأُبَيُّ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ، أَوْ حَرْفَيْنِ؟
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: "قُلْ: عَلَى حَرْفَيْنِ"، قُلْتُ:"عَلَى حَرْفَيْنِ"، فَقِيلَ لِي:"عَلَى حَرْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ "
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: "قُلْ: عَلَى ثَلَاثَةٍ"، قُلْتُ:"عَلَى ثَلَاثَةٍ"، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ"، ثُمَّ قَالَ: " لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا، مَا
(1) يُنظر: القول السديد في علم التجويد، لأبي الوفا (ص: 209)، منار الهدى في بيان الوقف والابتدا (1/ 28)، النشر في القراءات العشر (1/ 225، 226).
(2)
وسيأتي في الفصل الأخير بعض النماذج عليه.
لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ " (1).
قال الإمام أبو جعفر النحاس (2) تعليقًا على الحديث: " فهذا تعليم التّمام توقيفًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة والثواب ويفصل ما بعدها إن كان بعدها ذكر النار أو العقاب "(3).
ومما يدل على ارتباط الوقف بنوع العلاقة بما اتَّصل من الآي، ما روي عن ذر عن يُسَيع الكندي (4) قال:"جاء رجل إلى ابن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: " كيف تقرأ هذه الآية: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)} (5)، وهم يقتلون؟ "
فقال علي رضي الله عنه: "اُدنُه"، ثم قال:" {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (6) "، أي ويعذب الظالمين، أو وعذب الظالمين " (7).
(1) أخرجه أبو داوود في سننه، كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب الوتر، باب (أنزل القرآن على سبعة أحرف)، (2/ 76)، رقم الحديث:[1477]، من حديث أبيّ رضي الله عنه، وقال الألباني: صحيح. صحيح الجامع الصغير وزيادته، للألباني (2/ 1295).
(2)
هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس، النحوي المصري؛ كان من الفضلاء، ومن أهل العلم بالفقه والقرآن، من مؤلفاته:"إعراب القرآن"، "اشتقاق الأسماء الحسنى" توفي سنة 338 هـ. يُنظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/ 136)، ووفيات الأعيان (1/ 99).
(3)
القطع والائتناف، للنحاس (ص: 13).
(4)
هو يُسَيْع بن معدان الحضرمي، وقيل: الكندي الكوفي، وقيل: أسيع، روى عن: علي بن أَبي طالب، والنعمان بن بشير، قيل إنه ثقة معروف، ولم أقف على سنة وفاته. يُنظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للمزي (32/ 306).
(5)
سورة النساء: 141.
(6)
سورة النساء: 141.
(7)
يُنظر: تفسير الثوري (1/ 98)، وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 481)، جامع البيان (9/ 327)، والحاكم في المستدرك، باب سورة النساء (2/ 338)، رقم الحديث: ] 3206 [، جميعهم عن ذر عن يُسَيع الكندي.
قال ابن النّحاس: " لما اتّصل الكلام بما قبله تبيَّن المعنى، وعُرف المشكل "(1).
بل إنه قد يختلف الوقف الواحد في نوعه باختلاف تفسير المفسِّرين وتأويلهم لمعنى الآية، كقوله تعالى:{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} (2)، فقد ورد في تفسيرها وجهان:
الأول: أن التَّحريم والتيه كان أربعين سنة (3)، بنصب {أَرْبَعِينَ} بـ {مُحَرَّمَةٌ} على تفسير (التحريم)، فعلى هذا يكون الوقف على:{يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} ، وهو اختيار ابن جرير، حيث يقول:"إِنما نصبت بالتَّحريم، والتَّحريم كان عامًا في حق الكلّ، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد "(4).
وقيل الوقف على {أَرْبَعِينَ سَنَةً} ، ثم يستأنف:{يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} (5).
الثاني: أن (التَّحريم) كان أبداً، وأن (التِّيه) كان أربعين سنة، بنصب {أَرْبَعِينَ} بـ {يَتِيهُونَ} ، فعلى هذا يكون الوقف على {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} (6).
قال الزَّجاج (7): "لا يجوز أن ينتصب بالتّحريم، لأن التّفسير جاء أنها محرَّمة
(1) القطع والائتناف (ص: 15).
(2)
سورة المائدة: 26.
(3)
وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وقال به: الربيع والسدي، وغيرهم.
(4)
جامع البيان (10/ 197).
(5)
المكتفى في الوقف والابتدا (ص: 59).
(6)
المرجع السابق (10/ 191).
(7)
هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السّري الزّجّاج البغدادي النحوي، لزم المبرّد وتعلم منه، ثم كان من ندماء المعتضد، من مؤلفاته:"معاني القرآن"، و"الاشتقاق"، توفي سنة 311 هـ. يُنظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/ 194)، وسير أعلام النبلاء (11/ 222).
عليهم أبداً " (1).
قال أبو الفتح بن جنّي (2): " ومتى كانت الجملة تفسيرًا لم يحسُن الوقف على ما قبلها دونها؛ لأن تفسير الشيء لاحقٌ به ومتمِمٌ له وجارٍ مجرى بعض أجزائه كالصِّلة من الموصول، والصِّفة من الموصوف، وقد يجيء لبيان العلة والسّبب "(3).
فهذا العلم الجليل القدر يرجع إلى علم التفسير، لاسيما ما كان من التفسير بالبيان المتصل، فاعتباره في الوقف مطلب به تبرز المعاني، ويحسن الأداء.
(1) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (2/ 165)، وهو قول وهو قول عكرمة، وقتادة، ونافع، ويعقوب، والأخفش، وأبي حاتم، واختاره الداني، يُنظر: جامع البيان (10/ 190، وما بعدها)، زاد المسير (1/ 535)، المكتفى في الوقف والابتدا (ص: 59).
(2)
أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي النحوي اللغوي المشهور، كان إمامًا في علم العربية، من مؤلفاته:" الخصائص " و " سر الصناعة "، وخدم البيت البويهى: عضد الدولة وولديه، وتوفي سنة 392 هـ يُنظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة (2/ 340)، ووفيات الأعيان (3/ 246).
(3)
البرهان في علوم القرآن (3/ 37).