المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثانيالتشكيك في الأحكام الشرعية - التفسير بالبيان المتصل في القرآن الكريم

[بسمة بنت عبد الله الكنهل]

فهرس الكتاب

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أهداف البحث:

- ‌حدود البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌الجديد في البحث:

- ‌خطة البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌الفصل الأولالتفسير بالبيان المتّصل: التعريف به وأهميته

- ‌المبحث الأولتعريف التفسير بالبيان المتّصل، وعلاقته بالسّياقوفيه خمسة مطالب:

- ‌المطلب الأولتعريف "التفسير" لغة واصطلاحا

- ‌المطلب الثانيتعريف "البيان" لغة واصطلاحا

- ‌المطلب الثالثتعريف "المتَّصل" لغة واصطلاحا

- ‌المطلب الرابعتعريف "التفسير بالبيان المتَّصل

- ‌المطلب الخامسعلاقة (التفسير بالبيان المتَّصل) بالسِّياق

- ‌المبحث الثانيأهمية التفسير بالبيان المتَّصلوفيه مطلبان:

- ‌توطئة

- ‌المطلب الأولإعمال الرسول صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة التفسير بالبيان المتّصل

- ‌المطلب الثانيعلاقة "التفسير بالبيان المتصل" بعلوم القرآن الكريم

- ‌الفصل الثانيأنواع البيان المتَّصل وطرق وروده في القرآن الكريم

- ‌المبحث الأولأنواع البيان المتَّصل في القرآن الكريموفيه ثلاثة مطالب:

- ‌المطلب الأولالاتصال في الآية نفسها

- ‌المطلب الثانيالاتصال بين آيات متتالية

- ‌المطلب الثالثشبه الاتّصال

- ‌المبحث الثانيطرق ورود البيان المتَّصل في القرآن الكريم.وفيه ثلاثة مطالب:

- ‌المطلب الأولبيان المجمل

- ‌المطلب الثانيتخصيص العام

- ‌المطلب الثالثتقييد المطلق

- ‌الفصل الثالثضوابط التفسير بالبيان المتّصل

- ‌المبحث الأولضوابط التفسير بالبيان المتَّصل.وفيه ثلاثة مطالب:

- ‌توطئة

- ‌المطلب الأوللزوم التفصيل في قبول التفسير بالبيان المتَّصل

- ‌المطلب الثانيترك العدول عن ظاهر القرآن، إلا بدليل يجب الرجوع إليه

- ‌المطلب الثالثوصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إلى ذلك سبيل

- ‌المبحث الثانيأسباب الخطأ في التفسير بالبيان المتّصلوفيه ثلاثة مطالب:

- ‌المطلب الأولمخالفة طرق التفسير المعتمدة

- ‌المطلب الثانيتقديم مقررات سابقة

- ‌المطلب الثالثالجهل بالتفسير اللغوي

- ‌المبحث الثالثأثر الخطأ في التفسير بالبيان المتَّصلوفيه مطلبان:

- ‌المطلب الأولالانحراف العقدي

- ‌المطلب الثانيالتشكيك في الأحكام الشرعية

- ‌الخاتمة

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌المطلب الثانيالتشكيك في الأحكام الشرعية

‌المطلب الثاني

التشكيك في الأحكام الشرعية

ظهرت تفاسير تعرضت لآيات الأحكام، وما تشمله من مُسلَّمات معلومة من الدِّين بالضروروة، تجاهلًا منهم للنصوص الواردة في الكتاب والسُّنة تارة، ومخالفة للغة العربية تارةً أخرى، وقد استخدم أصحابها التفسير بالبيان المتَّصل أداةً؛ لنقض الأحكام الشّرعية، وتحميل النصوص ما لا تحتمل، ولبيان ذلك نستعرض بعض النماذج:

النموذج الأول: [قصر تحريم الربا على (ربا النَّسيئة)، وإباحة غيره]

في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (1)

قال محمد رشيد رضا (2): " قد علم مما تقدم في تفسير الآيات أنها نزلت في وقائع كانت للمُرابين من المسلمين قبل التحريم، فالمراد بالربا فيها ما كان معروفًا في الجاهلية من ربا النسيئة؛ أي ما يؤخذ من المال لأجل الإنساء، أي التأخير في أجل الدَّين، كأن يكون للرجل على آخر دينٌ مؤجل يختلف سببه بين أن يكون ثمنًا اشتراه منه أو قرضا اقترضه، فإذا جاء الأجل ولم يكن للمدين مالٌ يفي به؛ طلب صاحبَ المال أن ينسِئ له في الأجل ويزيد في المال، وكان يتكرر ذلك حتى يكون أضعافًا مضاعفة، فهذا ما ورد القرآن بتحريمه لم يُحرم فيه سواه، وقد وصفه في آية آل عمران التي جاءت دون غيرها بصيغة النّهي، وهي قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً

(1) سورة آل عمران: 130.

(2)

هو محمد رشيد بن علي رضا القلموني، البغدادي الأصل، ولد سنة 1282 هـ، لازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه، أصدر مجلة (المنار)؛ لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي، من مؤلفاته:(تفسير القرآن الكريم) ولم يكمله، و"الوحي المحمدي"، توفي سنة 1354 هـ. يُنظر: الأعلام (6/ 126)، ومعجم المفسرين (2/ 529).

ص: 125

وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)} (1)، وهذه أوّل آية نزلت في تحريم الربا فهو تحريم لربًا مخصوصٍ بهذا القيد، وهو المشهور عندهم، فقوله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} (2) يُحمل الربا فيه على ما سبق ذكره في النّهي الأول عملًا بقاعدة إعادة المعرفة ووفاقًا لقاعدة: "حمل المطلق على المقيّد" .. " (3). والصّحيح أنه وإن كان الربا المذكور في الآية هو ربا الجاهلية المشهور عندهم، إلا أن حرمة الربا لا تُقيّد بتلك الصورة دون غيرها، فالربا محرمٌ بجميع صوره، لتظافر الأدلة الصريحة من الكتاب والسُّنّة وإجماع السلف على تحريمه، ومن الأدلة على تحريمه:

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)} (4).

وَقَولُ النَّبِيِّ ‘: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ"(5).

وَقَولُه: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ‘ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» ، وَقَالَ:«هُمْ سَوَاءٌ» (6).

(1) سورة آل عمران: 130.

(2)

سورة البقرة: 275.

(3)

تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا (3/ 95).

(4)

سورة البقرة: 278.

(5)

أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الوصايا، باب قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} ، (4/ 10)، رقم الحديث:[2766]، من حديث أبي

هريرة رضي الله عنه.

(6)

أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله، (3/ 1219)، رقم الحديث:[1598]، من حديث جابر رضي الله عنه.

ص: 126

الشاهد: خطأ من استدل بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً (130)} (1) على تقييد الربا المحرَّم بالنوع الذي كان مشهورًا عندهم في الجاهلية، فالربا محرمٌ بكل أشكاله للآيات والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، فهو من المسلَّمات المعلومة من الدين بالضرورة، وإنما يُفهم من قوله:{أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} اعتبار العادة التي كانوا يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في المال مقدارًا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدَّين، فكانوا يفعلون ذلك مرة بعد مرة حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء (2). النموذج الثاني:

[حصر مشروعية التعدد في نساء اليتامى]

في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)} (3).

قيل: "من النّساء: نساء اليتامى الذين فيهم الكلام؛ لأن الزواج منهم يمنع الحرج في أموالهم، ومن هذا تفهم أن تعدد الزوجات لا يجوز إلا للضرورة التي يكون فيها التعدد مع العدل أقل ضررًا على المجتمع من تركه، ولتعلم أن التعدد لم يشرع إلا في هذه الآية بذلك الشرط السّابق واللّاحق"(4).

(1) سورة آل عمران: 130.

(2)

يُنظر: فتح القدير (1/ 436)، ومحاسن التأويل (2/ 411).

(3)

سورة النساء: 3.

(4)

ذكره محمد أبو زيد في تفسيره (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن)، ص: 61، ولم أقف عليه.

يُنظر: تفسير القرآن بالقرآن تأصيل وتقويم (ص: 613).

ص: 127

وقد أخطأ المفِّسر، بأن جعل حكم التعدد خاصًّا بالنساء اليتامى اللاتي ورد ذكرهنّ في أول الآية، وقد جاء الدليل ببطلان التّخصيص المزعوم، فقد روي عَنْ عَائِشَةَ؛ "أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْق، وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى}، أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله"(1).

وعن عروة بن الزبير (2) رضي الله عنه أنّه سأل عائِشةَ رضي الله عنها، عن قول الله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} إِلَى {وَرُبَاعَ} ، فقالت:«يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن» (3).

قال ابن كثير: "وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمةً وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهنّ كثير، ولم يضيّق الله عليه"(4).

قال الشّنقيطي: "لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الرّبط بين هذا الشرط وهذا الجزاء، وعليه: ففي الآية نوع إجمال، والمعنى

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} ، رقم الحديث: ] 4573 [

(2)

هو أبو عبدالله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، ولد أول خلافة عثمان سنة 23 هـ، ثقة فقيه مشهور، توفي سنة 94 هـ. يُنظر: تقريب التهذيب (ص: 674)، وسير أعلام النبلاء (4/ 421).

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب شركة اليتيم وأهل الميراث، (3/ 139)، رقم الحديث:[2494].

(4)

تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (2/ 208).

ص: 128

كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره، فإن كانت جميلةً تزوجها من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمةً رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره؛ لئلّا يشاركه في مالها، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يُقسطوا إليهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصّداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ، أي: كما أنه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة المال والجمال، فلا يحل له أن يتزوجها إن كانت ذات مالٍ وجمالٍ إلا بالإقساط إليها، والقيام بحقوقها كاملةً غير منقوصة.

وهذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يبيّنه ويشهد له قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} (1)، وقالت رضي الله عنها: إن المراد بما يُتلى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} الآية، فتبيّن أنها يتامى النّساء بدليل تصريحه بذلك في قوله:{يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} الآية، فظهر من هذا أن المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهنّ، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهنّ، وجواب الشرط دليلٌ واضحٌ على ذلك؛ لأن الرّبط بين الشرط والجزاء يقتضيه، وهذا هو أظهر الأقوال" (2).

فلا يُفهم من الآية قصر مشروعية التّعدد على اليتامى منهنّ، فتعدد الزوجات معلوم من الدِّين بالضرورة.، فهو شريعةٌ ربانيةٌ أباحها الإسلام، وجعل لها ضوابط وأحكامًا تحكمها.

(1) سورة النساء: 127.

(2)

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ط: دار الفكر (1/ 220، 221)، للاستزادة، وعرض الأقوال: جامع البيان (7/ 531).

ص: 129