الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
تقديم مقررات سابقة
من أبرز علامات أهل الأهواء والبدع تقديمهم لمذاهبهم وبدعهم وأهوائهم على النّصوص الشرعية، وجعل النّصوص الشرعية تبعًا لها، فيقومون بتطويع النّصوص، وتأويلها لتوافق آراءهم.
قال ابن تيمية: "والألفاظ نوعان: نوعٌ يوجد في كلام الله ورسوله، ونوعٌ لا يوجد في كلام الله ورسوله، فيُعرف معنى الأول ويُجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويُعرف ما يعنيه الناس بالثاني ويُرد إلى الأول، هذا طريق أهل الهدى والسُّنّة.
وطريق أهل الضّلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعًا لهم، فيَردُّونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نفسر القرآن بالعقل واللغة، يعنون أنهم يعتقدون معنىً بعقلهم ورأيهم ثم يتأوّلون القرآن عليه بما يمكنهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف الكلم عن مواضعه" (1).
وقد بيّن طريقتهم في ذلك بقوله:
" إحداهما: قومٌ اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها
…
فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظرٍ إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان
…
تارةً يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارةً يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يُرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون
(1) مجموع الفتاوى (17/ 355).
خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول" (1).
وبيّن الشاطبي أن من أسباب الخلاف والابتداع: اتّباع الهوى، فقال:" الثاني من أسباب الخلاف: اتّباع الهوى، ولذلك سُمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك"(2).
وذكر السّيوطي في العلوم التي يحتاجها المفسر:
"التاسع: أصول الدّين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله تعالى، فالأصوليّ يؤول ذلك، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب، وما يجوز"(3).
نماذج من الخطأ في التفسير، لتقديم مقررات سابقة:
النموذج الأول:
من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى:
(1) مقدمة في أصول التفسير (ص: 33).
(2)
الاعتصام، للشاطبي (2/ 683).
(3)
الإتقان في علوم القرآن (4/ 215).
(4)
سورة يونس: 3.
قيل: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} جرى مجرى التّفسير لقوله: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (1).
الشاهد: من الخطأ تفسير الاستواء بتدبير الأمر
…
، وحمله عليه من الانحراف والتأويل المنهي عنه، لأن الواجب في الصفات إثباتها كما وردت عن الله عز وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا التأويل الفاسد كان سببه عقيدته الأشعرية (2)، التي تقوم على تعطيل أغلب الصفات، فتأوَّل صفة الاستواء وفسّرها بما بعدها.
والصحيح في تفسيرالآية ما عليه أئمة السلف من إثبات استواء الله على عرشه، كما ورد من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل.
وقد وضّح ابن كثير مذهب السّلف الصالح في الصّفات، بقوله:
" إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، وأن الظاهر المتبادر إلى أذهان المشبِّهين منفيٌ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (3)، بل الأمر كما قال الأئمة: "من شبه الله بخلقه فقد كفر،
(1) قال به القفال، يُنظر: مفاتيح الغيب (14/ 270).
(2)
الأشاعرة: هي فرقة كلامية إسلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي عاش في كنف شيخ المعتزلة أربعين سنة، ثم خرج على المعتزلة، واتخذ طريقة ابن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل، وهي: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين .. ، وكذلك صفتي العلوّ والاستواء، فتأوّلها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها، وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله تعالى تنزيهًا له، وقد عاد الأشعري فيما بعد لمذهب أهل السنة والجماعة ومات عليه. ومن أشهر أئمة الأشاعرة: أبو بكر الباقلاني (ت.402 هـ)، والفخر الرازي (ت.606 هـ). يُنظر: الملل والنِّحل، للشهرستاني (1/ 94)، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (1/ 83)
(3)
سورة الشورى: 11.
ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". (1)
وقال: "وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى"(2).
النموذج الثاني:
ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى:
قال الزّمخشري في تفسير قوله: " {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : وصَفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم كَلَا مكرٍ بالإضافة إلى مكره فقال:{فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} ، ثم فسّر ذلك بقوله:
{يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} ؛ لأن من علم ما تكسب كل نفسٍ، وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون، وهم في غفلةٍ مما يراد بهم" (4).
الشاهد: من الخطأ في التفسير جعلُ المفسر قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} تفسيرًا متصلًا لما سبقها وهو قوله: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} ؛ بقصد نفي صفة المكر وتنزيه الله تعالى عنها، وفقًا لمقرراتهم السابقة.
والصَّواب: أنه يجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات كما يليق بجلال الله
(1) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (3/ 427) باختصار.
(2)
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (3/ 427).
(3)
سورة الرعد: 42.
(4)
الكشاف (2/ 535).
وعظمته من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ومن تلك الصفات: صفة المكر، فهي وإن كانت من الصفات المذمومة في حق البشر، فلا يقتضي ذلك نفيها عن الله- ̧-.
قال ابن القيم: "لا ريب أن هذه المعاني يُذمُّ بها كثيراً، فيقال: "فلان صاحب مكرٍ وخداعٍ وكيدٍ واستهزاء"، ولا تكاد تُطلق على سبيل المدح، بخلاف أضدادها، وهذا هو الذي غرّ من جعلها مجازًا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيبٍ وذم.
والصّواب أن معانيها تنقسم إلى محمودٍ ومذموم
…
فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظنّ المعطلون أن ذلك هو حقيقتها فإذا أُطلقت لغير الذم كان مجازًا (1)، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم: فما كان منها متضمنًا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحقٍ وعدلٍ ومجازاةٍ على القبيح فهو حسنٌ محمود، فإن المخادِع إذا خادع بباطلٍ وظلم، حسُن من المُجازِي له أن يخدعه بحقٍ وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ ظالمًا متعديًا كان المكر به والاستهزاء عدلًا حسنا" (2).
(1) المجاز: "ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة". المثل السائر (1/ 74).
(2)
مختصر الصواعق المرسلة، لمحمد البعلي (ص: 305).