الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعليق علي مادة "تأريخ
"
(1)
الدور الزمنى لقاللبس Calippe الفلكى الحاسب اليونانى هو التصبح للدور الذي استنبطه ماطن Meton الفلكى اليونانى الأثينى المشهور في سنة 432 قبل الميلاد ونسب إلى اسمه أو أضيف إليه فقيل الدور الماطنى أو دور ماطن: وكان هذا الدور يتألف من 6940 يومًا أي عدد أيام الدور القمرى البالغ 19 سنة شمسية والذي في نهايته ترجع تواريخ ميلاد القمر إلى مثل مواقعها التاريخية من الأشهر- غير أنه ثبت فيما بعد أن ذلك العدد من الأيام التي يتألف منها الدور القمرى عند ماطن يزيد بقدر تسع ساعات ونصف ساعة على المدى الحقيقي للدور القمرى المؤلف من مدة 19 سنة شمسية كما يزيد بقدر سبع ساعات ونصف ساعة على مجموع المدد المتعاقبة بين كل ميلاد للقمر والميلاد الذي يليه مكررًا 235 مرة، أي شهرًا قمريًا، فحدث بعد ذلك بقرن من الزمان أن جاء فلكى يونانى آخر وهو قاللبس فاقترح إصلاح الدور الماطنى بأن ضاعف مدته أربع مرات إذ جعله 76 سنة على أن يحذف من آخر هذه المدة يوم واحد باعتبار أحد الأشهر القمرية ذات الثلاثين يومًا شهرًا قمريًا ذا 29 يومًا، وقد نسب هذا الدور إليه إذ سمى بالدور القاللبسى وهو -كما يؤخذ مما تقدم- ألف من أربعة أدوار ماطنية في كل دور من الثلاثة الأولى 1940 يومًا وفي الدور الرابع الأخير 6939 يومًا وثلاثة أرباع اليوم وعلى هذا التعديل أصفق الفلكيون المحاسبون وعملوا به لأن الدور القمرى الرابع المؤلف من 6939 وثلاثة أرباع اليوم جاء منطبقًا تمامًا الانطباق على أسلوب النسئ في التقويم اليوليوسى. وغير عسير على المتأمل أن يلمح مزايا هذا التعديل الحسابى وفوائده الجماء إذ حسبه أن يعرف تواريخ مولد القمر كل سنة من سنى هذا الدور ليقف فورًا على هذه التواريخ بعينها في آية سنة كانت متى عرف مكانها من سلسلة سنوات الدور. والعدد الذي عليه الاصطلاح للدلالة على كل سنة من سنوات الدور القمرى يسمى بالعدد الذهبي، إما لأن اليونان كانوا ينقشونه بحروف الذهب في جدران معابدهم وإما لأنه كان يكتب
بالزرياب (ماء الذهب) في تقاويمهم مبالغة في لفت الأنظار إليه.
ومع ما ظهر من فوائد الاصلاح القاللبسى للدور الماطنى على الوجه السابق فإن الضبط لم يكن ضبطًا مطلقًا، إذ ظهر عند تطبيقه أنه يؤدى إلى فرق يوم كامل في كل 353 سنة شمسية.
(2)
صح ما ذكره مؤلف المادة من أن مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام كان في سنة 882 من عهد ذي القرنين الموافقة سنة 571 من التاريخ المسيحي وسنة 216 من التاريخ العربي (الجاهلى) الذي أشهره هي أشهر التاريخ الهجرى الحاضر بأسمائها وترتيبها وسنة 40 من ملك كسرى أنوشروان، كما توافق الأيام التي تلت قران السيارين زحل والمشترى في برج العقرب وهو القرآن المعروف بـ "قران ملة الإسلام" أو "قران الملة" فحسب، على ما ورد في كتاب "منتهى الإدراك في تقاسيم الأفلاك" إذ قال:"ولد النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من القرآن الدال على ملة الإسلام " وقد حدد يحيى ابن محمد بن أبي شكر المغربي الأندلسى على وجه التقريب موضع المولد الشريف من تلك السنة فقال: إن سنة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم اتفقت مع سنة 882 للإسكندر وفيها كان قران بين زحل والمشترى في برج العقرب- قبل الولادة بقليل".
وقد ثبت بالحساب الفلكى الدقيق أن هذا القرآن حدث سنة 571 م. كما جاء في كتاب "الكامل في أسرار النجوم " وكتاب "القرانات " لأحمد بن عبد الجليل وكلاهما من مخطوطات دار الكتب الأهلية بباريس، وهذا دليل على أنه صلوات الله عليه ولد في تلك السنة وفي فصلى الربيع منها في الأيام أو الأسابيع القليلة التالية لشهر مارس أي في شهر نيسان (أفريل).
لكن في أي يوم من هذا الشهر كان مولده صلى الله عليه وسلم، وما هو مقابله من التاريخ العربي؟ الجواب: إن الذي عليه الإجماع في مولده عليه السلام هو أنه كان لثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الأول وأنه كان عند إبهار النهار- أي وسطه- في قول وحين طلوع الفجر في قول جده
عبد المطلب: "ولد لي الليلة مولود مع الصبح" غير أن هذا الإجماع على تاريخ مولده لم يكن سوى ما أخذه الناس بالتواتر واصطلحوا عليه اعتباطًا، إذ الحقيقة أن تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم مختلف فيه بفروق أيام قليلة. فقد قيل إنه كان لعشر ليال مضت من ربيع الأول. وذهب الحافظ الدمياطى إلى أنه كان لسبع عشرة ليلة خلت منه. وقال ابن دحية "إنه كان لثمان مضت منه وأنه هو الذي لا يصح غيره لأن عليه إجماع أهل التاريخ".
وقد تناول المغفور له محمود حمدى باشا الفلكى المصري -الذي شرف مصر ورفع رأسها عاليًا بين علماء أوروبا في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي ببحوث ومصنفاته التي طبعت كلها في دار الطباعة الإمبراطورية بباريس- تناول الاختلاف بالتحقيق والتمحيض في رسالته التي طبعت في هذه الدار سنة 158 ميلادية تحت عنوان Memoire Sur le Calendrier arabe avant l'Islamisme -effendi، astro hammad، par Mahmoud فتأدى به التحقيق الدقيق والتمحيص العميق إلى تقرير الحقيقة الآتية وهي: أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان في ليلة الاثنين الموافق 9 من ربيع الأول سنة 216 من تاريخ العرب. وقد ساق في مساق التدليل على صواب تحقيقه هذا اثنى عشر وجها تاريخيًا وفلكيًا تخلص منها إلى أن التواريخ المختلف فيها لمولده عيه السلام وهي 8، 10، 12، من ربيع الأول ليس منها ما يطابق وقوعه يوم اثنين. وأن الاثنين إنما كان يوم 9 ربيع الأول الموافق 20 إبريل سنة 571 من الميلاد المسيحي.
(3)
هذا التاريخ وضعه عمر الخيام وعبد الرحمن الحارثى: وهو تاريخ شمسى بدأ بالعاشر من رمضان سنة 471 هجرية. وأسمى بالتاريخ الجلالى نسبة إلى السلطان جلال الدين السلجوقى، واتخذ له أسماء الأشهر القديمة مع التمييز بينها والجديدة فقيل: شهر فروردين قديم وفروردين الجلالى وشهر أردبهشت القديم وأردبهشت الجلالى، وجعل رأس
السنة بوم نوروز السلطان الذي تحل الشمس فيه ببرج الحمل واعتبرت كل سنة من ثلاث سنين متوالية 365 يومًا والسنة الرابعة بعدها 366 يومًا، وبالنظر لاعتبار وقوع رأس السنة يوم الاعتدال الربيعى (يوم حلول الشمس في برج الحمل وهو في الآن نفسه يوم النيروز) كان التاريخ الجلالى من أضبط تواريخ الأمم الماضية لأن سنواته حقيقية وأشهره اصطلاحية.
محمد مسعود.
تاريخ: لفظ عربي بمعنى العهد أو الحساب أو التوقيت، أي تحديد الوقت. وقد استكملت المادة السابقة على وجه مرض بفضل المادة الباحثة في مادة زمان. ومن ثم أصبحت الاستفادة منها غير ميسورة إلا بالرجوع إلى تلك المادة ، وفيما يلي تذييل للمادتين يكمل ما فيهما من نقص مع الاعتماد على المصادر الأصلية الماسة بالموضوع كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
إن أصل كلمة تأريخ هو الأصل السامى العام لكلمة "ورخ" التي تمثل على سبيل المثال في كلمتى، يارْيّح" العبرية التي معناها القمر و"يرَح" التي معناها الشهر. وعلى هذا القياس يكون معنى كلمة تأريخ هو التوقيت أي تحديد الشهر، ثم اتسع نطاق هذا اللفظ فشمل من جهة معنى تحديد عهد حادث ما، وبمعنى التأريخ: أي رواية هذا الحادث، ومن جهة أخرى بمعنى تحديد الوقت أو العصر أو التاريخ المدون بحسب السنين. ومما يلفت النظر ما أورده البيرونى في ص 29 من كتاب الآثار الباقية (طبعة سخاو Sachau) ودكره الخوارزمى أيضًا في مصنفه مفاتيح العلوم (طبعة فإن فلوتن، ص 79) بالتفنيد والتخطئة من أن كلمة تأريخ فارسية معربة وأن أصلها الفارسى هو "ماه روز" التي تدعو إلى الشعور شعورًا لا مراء فيه بأن المراد منه تعيين بدء الشهر. ومن ثم يرى أن هذه النظرية تتصل بالقصة التي رواها عدة مؤرخين وهي ترد أخذ المسلمين بتأريخ الهجرة تقويمًا لهم إلى نصيحة الهرمزان للخليفة عمر (البيرونى: الكتاب المذكور).
وقد نقلت أسماء الأشهر العربية القديمة المذكورة في مادة زمان عن البيرونى من الجدول الذي في صفحة 69 من طبعة سخاو. ووردت هذه الأسماء باختلاف يسير، ولكنه ملحوظ، في الجدول والأبيات التي في الصفحات 60، 61، 62 من هذا الكتاب.
زد على هذا أن البيرونى يذكر في صفحة 63 أشهر ثمود إلى جانب منظومة أبي سهل عيسى بن يحيى المسيحي التي تعين على استذكار هذه الأشهر (إنظر عن أبي سهل مقدمة سخاو لكتاب البيرونى ص 32؛ ابن أبي أصيبعة، طبعة ميللر Mueller جـ 1، ص 307 وما بعدها Gesch.: Brockelmann arab. Litt جـ 1، ص 238). ولأيام معينة من الشهر أسماء أوردها البيرونى في صفحة 64.
ويمكن الرجوع إلى مقال فيشر Fisher فيما يختص بالأسماء العربية القديمة لأيام الأسبوع (Fischer في - Zeitschrift des Deutschen Mor genlaednischen gesellschaft جـ 1، ص 220 - 226) ويطلق على وحدة الزمن التي تتألف من أربع وعشرين ساعة لفظ "يوم " تمييزًا له عن النهار. ويوم يسبق ليلة في الاصطلاح "يوم وليلة" ولكن النهار يذكر بعد الليل. وقد اهتدى فيشر سنة 1909 إلى علة ذلك، وهي أن النهار يرجع إلى الحساب السامى الأول الذي كان يجعل اليوم من الغروب إلى الغروب، بينما يرجع الليل إلى التقويم المتأخر الذي يجعل اليوم من المساء إلى المساء مما له صلة بالسنة القمرية. وقد شعر العرب بأن اليوم اصطلاح شامل فقدموه وأخروا النهار لأنهم أدركوا أنه تعبير عام على الزمن لا يصبح يومًا إلا إذا ضم إليه الليل. وهذا هو الوضع الصحيح الذي ارتأوه (Tag und Nacht" im Ar-: Fischer" abischen und die semit. Tagesberechung في Saechs Ges. d Abh. Phil-hist. . Kl. d.' Wiss جـ 27، رقم 21).
و" أيام الفِجَار" ليست هي أيام الغدر وإنما هي أيامَ القتال في الشهر الحرام وأبو الريحان البيرونى يسمى أحد هذه الأيام بيوم الغدر (ص 34، س 8 وفي Handbuch der Chronologie: Ginzel جـ 1، ص 251، غير أن الإشارة التي في هذا الكتاب غير واضحة). وقد حدث
هذا الغدر في روايته (س 10) قبل عام الفيل. وكان موقع الحادث الذي آثروا تسميته بالفجار في سنى الشباب من عمر النبي.
وقد اتخذ المسلمون من الهجرة بداية لتأريخهم، ولم نصل بعد إلى حل لمسألة اليوم الذي يوافق أول المحرم من العام الأول للهجره (1). وكذلك لم يتقدم بنا بول خطوة في هذا السبيل (Buhl: Das Leben Muhammeds ترجمة H.H.Schaeder، سنة 1930 ص 196) وقد أخذ ماير J. Mayer مما ذهب إليه بابنكر Babinger (انظر Die Ges- chichtsehreiber der Osmanen und ihre Werke و Mitteilungen Zur Osmanischen Geschichte، جـ 2، ص 269) من أن يوم 15 يولىة سنة 622 هو اليوم الأول للتأريخ الهجرى. ونشأت بعد هذا صعوبات فلكية، ولم يحاول تقرير يوم من أيام النسيء للتغلب على هذه الصعوبات وإنما حول اليوم إلى 16 يولية. وقد أبدى بابنكر في تعليق له أنه قد أخذ بيوم 15 حتى عهد السلطان سليم الأول كما يستفاد من إشارة عاشق باشا زاده إلى يوم "الخميس"(عاشق باشا زاده، ص 273، س 9). ثم جرى الحساب بعد فتح مصر اعتبارًا من 16 يوليو. غير أنه لا شواهد هناك تؤيد ذلك. وبدأ فستنفلد ومالر (Wuestenfeld-Mahler: Vergleichungstabellen) بيوم 16، وهو ما جهر مالر بعدم صحته (انظر مقدمة الطبعة الثانية سنة 1926) وعلى كل حال فمما ينبغي ألا يغيب عنا أن تاريخًا إسلاميًا لا يمكن تحديده تحديدًا لا مراء فيه إلا إذا عرف اليوم الذي بدأ فيه هذا التأريخ من أيام الأسبوع. ومن الثابت أن يوم 15 يونية سنة 622 كان يوم خميس ويوم 16 منه كان يوم جمعة (للتوسع في هذه المسألة انظر Ginzel، جـ 1، ص 258 وما بعدها).
وقد دخل بعض التحوير على أسماء الشهور الإسلامية في مراكش وفي الأرخبيل الهندى الشرقي بعضه من الوجهة الهجائية والبعض الآخر من وجهة التسمية (انظر Ginzel؛ جـ 1، ص 253 (مراكش)، ص 417 [جاوة]،
(1) راجع الحاشية رقم (1) من هذه المادة ففيها ما يمهد للقارئ استخراج تاريخ اليوم الأول للهجرة من التاريخ المسيحي.
ص 427 [الجزر الأخرى]). وفي جزيرة مدغشقر يستخدمون أسماء صور فلك البروج الأثنى عشر، ويتخذون أحيانًا الأسماء السنسكريتية للشهور.
ولا يمكن أن يتعاقب أكثر من أربعة أشهر ذات ثلاثين يومًا تعاقبًا متصلا ولا أكثر من ثلاثة أشهر ذات تسعة وعشرين يومًا تعاقبًا متصلا أيضًا كما جاء في كشاف اصطلاحات الفنون طبعة شبرنكر، مادة تأريخ، لأن تحديد بداية الشهر مرتبطة برؤية الهلال. وفيما يختص بمحاولة إدخال السنة الشمسية لأغراض الخراج يمكن الرجوع إلى Ginzel (جـ 1، ص 64، وما بعدها، البيرونى، ص 31 وما بعدها، ص 68؛ Kl. Schr.: A. V. Gutschmid، جـ 2، سنة 1980، ص 415، 513، 757).
أما عن تأريخ الطوفان فانظر البيرونى، ص 23 وما بعدها والجدول الذي في صفحة 137 فقد قال إن أصحاب النجوم حددوا بداية ذلك التأريخ، أي القرآن، من لدن القرآن الأول لزحل والمشترى الذي اتفق وقوعه قبل الطوفان بمائتين وتسع وعشرين سنة ومائة وثمانية أيام. وبين كون الطوفان وبين أول ملك بختنصر الأول ألفا سنة وستمائة وأربع سنين. وبين بختنصر وبين الإسكندر، أي التاريخ السلوقى، أربعمائة وست وثلاثون سنة. ولكن ورد في الجدول أن بين كون الطوفان وبين أول ملك بختنصر 860.173 يومًا. ويظن تبعًا لهذا أن الـ 2.604 سنة حسبت على الأرجح من لدن القرآن. وحدد أبو معشر الفلكى تأريخ الطوفان في وقت قران جميع الكواكب في آخر برج الحوت وأول برج الحمل، وأن بين ذلك الوقت وبين أول تأريخ الإسكندر ألفين وسبعمائة وتسعين سنة كبيسة (أي شمسية) وسبعة أشهر وستة وعشرين يومًا، وذكر البيرونى في صفحة 25 الخلاف بين هذين الحسابين. وحساب الـ 2.604 سنة التي أسلفنا ذكرها من لدن قران زحل والمشترى (أي تأريخ الطوفان 2604 - 229 = 2375 سنة قبل بختنصر) يوصلنا إلى نفس النتائج تقريبًا.
وشهور تأريخ بختنصر المعروف بالتأريخ القبطى القديم مصرية (كشاف
اصطلاحات الفنون، رقم 7، مدته 159.20؛ وفي رواية البيرونى 159.101 وفي سخرم schram 159.136 قبل التأريخ السلوقى [أي 26 فبراير سنة 747 ق. م كما ذكر كنزل، جـ 1، ص 143] وهو ما يتفق والـ 436 سنة المذكورة آنفًا). وسنوه إثنا عشر شهرًا كل منها ثلاثون يومًا، ويضاف إلى ذلك خمسة أيام النسئ، وبين تأريخ بيلبس وهذا التأريخ مماثلة، وغاية ما في الأمر أن بين بختنصر وبيلبس 424 سنة عدتها في رواية البيرونى 760/ 154 يومًا (ص (137؛ وانظر Ginzel جـ 1، ص 147) أي أنه كان في 12 نوفمبر سنة 324 ق. م.
وتأريخ الإسكندر الذي يسمى أيضًا التأريخ القبطى الجديد يبدأ في الحقيقة من لدن الإمبراطور أغسطس (انظر Ginzel. جـ 1، ص 224 وما بعدها) ويوافق 14 فبراير. سنة 27 ق. م. (كشاف اصطلاحات الفنون رقم 3، المدة 217291، وفي رواية البيرونى، ص 137: 219.242 وفي التفهيم، ورقة 174 " 217.415؛ وفي رواية سخرم Schram، 217.321 يومًا بعد التأريخ السلوقى في زمن دقلطيانوس؛ أي في تأريخ كنزل Ginzel لدقلطيانوس انظر Chronologie، جـ 1، ص 229؛ ومدته 29 أغسطس عام 284 م).
والتأريخ السلوقى يبدأ يوم الاثنين بعد وفاة الإسكندر (323) باثنتى عشرة سنة شمسية (كشاف اصطلاحات الفنون، رقم 2؛ مدة 34.700. وفي رواية البيرونى 340.701 وفي رواية Schram 340.731 يومًا قبل الهجرة؛ وفي رواية كنزل. جـ 3، ص 41، في أول أكتوبر سنة 312 ق. م. ويزعم سخرم أنه في أول سبتمبر سنة 311 ق. م، انظر ما أسلفنا بيانه). ويزعم آخرون أنه يبدأ في أول ملكه. وقد شاع الخلط في هذا المقام بين الإسكندر الأكبر وبين الإسكندر الرابع Aigos ويرى البيرونى في صفحة 28 أن الإسكندر لما خرج وهو ابن ست وعشرين سنة متجهزًا لقتال دارا ورد بيت المقدس واليهود ساكنوه فأمرهم بترك تأريخ موسى وداود والتحول إلى تأريخه واستعمال
تلك السنة أوله. وهي السنة السابعة والعشرون من ميلاده، فأجابوه إلى ذلك وائتمروا بأمره فيه لإطلاق الأحبار ذلك لهم عند مضى كل ألف سنة من لدن موسى. (انظر Ginzel جـ 1، ص 176، 263).
أما أهل فارس فأسلوبهم في الحساب لم يوضح توضيحًا كافيًا في نواحيه الرئيسية. والثابت أن السنة الفارسية القديمة كانت سنة شمسية شهورها اثنا عشر شهرًا كل منها 30 يومًا، ويضاف إلى ذلك خمسة أيام للنسئ أي أنها كانت 365 يومًا. وأيام الشهر لها أسماء ذكر كنزل صيغها الفهلوية والزندافستية (جـ 1، ص 281) وذكر البيرونى في صفحة 43 صيغها الفارسية الحديثة. واليوم الثامن والخامس عشر والثالث والعشرون من الشهر تسمى باسم واحد (انظر ما يلي، وكان هذا شان تلك الأيام عند السغد وأهل خوارزم " انظر Ginzel، ج 1، فيما رواه عن البيرونى ص 46 وما بعدها.
وأسماء هذه الأشهر (في أوضاعها الواردة عناوين للمواد كل مادة خاصة بحالة معينة) هي كما يلي:
فروردين (19) مهر (16)
أرديهشت (3) آبان (10)
خرداذ (6) آذر (9)
تبر (13) دى (8، 15، 23)
مرداذ (7) بهمن (2)
شهرير (4) اسفندارمذ (5)
وقد أورد كنز Ginzel معاني هذه الأسماء في كتابه، جـ 1، ص 278 وما بعدها.
ووردت أسماء الأشهر كلها بمثابة أسماء للأيام وقد وضعنا بين قوسين رقم اليوم الذي يشترك مع الشهر في الإسم. وللتمييز بينهما يضاف لفظ (ماه) إذا كان المقصود به الشهر، وروز إذا كان المقصود به اليوم. ويحتفل باليوم الذي يجئ متفقًا في الإسم مع الشهر (انظر Ginzei، جـ 1، ص 289 وما بعدها).
وتقل السنة البالغ عدد أيامها 365 ست ساعات عن السنة المدارية، ولذلك فإنه لا يمكن جعل صلتها بالفصول ثابتة إلا بكبس يوم كل أربع سنين، أو يكبس شهر كل مائة وعشرين سنة،
ومن المأثور (Ginzel، جـ 1، الفصول من 76 - 78) أن الطريقة الثانية كانت مستعملة، إلا أنها لم تكن مرعية بدقة، وقد شرح كتشميد (A. V. Gutschmid: Ueber das iranische Jahe في. Kl.Schr جـ 3، سنة 1892، ص 205 وما بعدها) شرحًا مبينًا ما ذكرته الكتب من أن الشهر المكبوس والأيام المكبوسة خلال دور يبلغ 1440 سنة قد ألحقت في موضعها من الشهر التالي في سياق الأشهر بحيث لا يشرف هذا الدور على التمام حتى تكون السنة قد جبرت. ويسمى الشهر المكبوس باسم الشهر الذي ألحق به مع إضافة رقم الثاني: وآية ذلك أنهم في كل 120 سنة حسبوا السنة سنتين ثم حسبوا سنة متنقلة وأخرى ثابتة تكبس بإضافة شهر إليها. وعندما حصل الكبس لأول مرة كان موقع الأيام المكبوسة من السنة في آخرها. وعلى هذا أصبح شهر فروردين من سنة 121 المتنقلة بحكم الكبس الأول معادلا لشهر فروردين الثاني المكبوس من الشهر في كلتا السنتين، وظل متخلفًا خلال المائة والعشرين السنة التالية عن اسفندارمذ من السنة الثابتة الموافق شهر فروردين من السنة المتحركة التالية. وبعد مضى الدور الثاني المؤلف من 120 سنة وافق الشهر المكبوس شهر أرديهشت من السنة 241 المتنقلة، وسمى لذلك شهر أرديهشت الثاني. ثم تلك الأيام المكبوسة شهر أرديهشت من السنة المتنقلة وظل في دور المائة والعشرين سنة التالية حافظًا لمكانه بعد أرديهشت من السنة المتنقلة، بحيث وافق في كل مرة شهر اسفنندارمذ من السنة السابقة، وبذا كان الشهر المكبوس والأيام المكبوسة تأتى دائمًا في نهاية السنة الثابتة ولا تتغير مواضعها إلا في السنة المتنقلة كما أسلفنا بيانه. وبما أنه حدث في عهد أنوشروان كبس جعل موضع الأيام المكبوسة بمقتضاه بعد شهر آبان (سنة 350 م؛ 8 × 120 = 960 سنة) فيكون قد انقضى حوالي سنة 530 ب. م. منذ الكبس الأول، (وللتوسع في هذه المسألة انظر Ginzel جـ 1، ص 297).
وعليه فيحتمل أن يكون الكبس الذي تلا الكبس الواقع في عهد أنوشروان قد حل حوالي عام 560 من الميلاد. ولكن
بلاد فارس في ذلك العهد أصبحت بلدًا إسلاميًا، ولما لم يكن في هذه البلاد تأريخ ثابت وإنما كان التأريخ يتغير بتغير عهد كل ملك، وأن سلسلة تعاقب ملوك فارس قد انتهت حلقاتها بيزدجرد الثالث فقد استمر حساب السنين من عهد هذا الملك (632 م) ونشأ عن هذا تأريخ يزدجرد الذي سمى باسم هذا الملك الذي دالت في عهذه دولة فارس.
ويبدأ هذا التاريخ بيوم الثلاثاء 16 يونية سنة 632 الموافق لليوم الـ 1.952.063 من التقويم اليوليوسى في رواية سخرم Schram. واليوم الـ 3.623 أو 3.624 من الهجرة (انظر. Ginel، جـ 1، الفصل 69، الكشاف، تأريخ يزدجرد، رقم 4). وإذ لم يكن هناك كبس في القرون الأولى من تأريخ يزدجرد فقد ظلت أيام النسئ تلحق في موضعها قبل شهر آبان من السنة المتنقلة. وينبغى توصلا إلى حساب التواريخ بمقتضى هذا التقويم أن نعرف ما هو الموضع الذي أدرج المؤلف فيه أيام النسئ. وقد جاء الكبس في كتاب سخرم Schram الموسوم بـ Kalendario graphischen Tafeln تاليًا شهر إسفندارمذ كما جاء تاليًا شهر آبان.
وقد نتج عما ذكرناه من العدول عن الكبس أن اليوم الأول من السنة الجديدة لتأريخ يزدجرد ظل على الدوام في تأخر، ولهذا أمر السلطان جلال الدين ملكشاه بن آلب أرسلان بإصلاح هذا التقويم (انظر في هذا الشأن مادة "جلالي") وبناء على ما ورد في كشاف اصطلاحات الفنون (Dict. of Techn. Terms، رقم 5) يكون هذا التأريخ موافقًا ليوم الجمعة 18 فروردين من التقويم القديم، وهو يوافق اليوم الـ 163.173 من تاريخ يزدجرد. وقد حسب ذلك فوجد أنه يوافق فروردين الأول من التقويم الجديد. وهذا التأريخ يوافق 10 رمضان عام 471 (15 مارس سنة 1079، انظر Ginzel، جـ 1، فصل 70). ومن هذا الحين أخذوا يكبسون يومًا سادسًا كل أربع سنوات مع إغفال سنة بين آن وآخر.
وقد أدخل الإيلخان غازان محمود
على هذا التقويم إصلاحًا جديدًا. ويروي كنزل (Ginzel؛ جـ 1، ص 304) أن الفضل في معرفة بداية
التقويم الإيلخانى، وهو يوم الخميس 13 رجب من عام 701 (13 مارس سنة 1302) يرجع إلى حمد الله مستوفى القزوينى. وهذان التأريخان يتفقان إذا اعتبرنا - خلافًا لما قرره فستنفلد ومالر- أن بداية التاريخ الهجرى هو 15 يولية سنة 622.
ولكن اسم يوم الأسبوع لا يتسق مطلقًا مع هذا التحديد. لأنه إذا كان أول رجب من عام 701 هـ يقع في يوم خميس أو يوم جمعة فإذن يكون يوم 13 إما يوم ثلاثاء أو يوم أربعاء. وقد زاد طين هذا الخلط بلة أن كشاف اصطلاحات الفنون (Divt. of Techn Terms، رقم 6) جعل يوم الاثنين اليوم الأول من ذلك التأريخ على اعتبار أنه مستهل السنة 224 من التقويم الجلالى، وهذا يرجع بنا إلى عام 1302 م. على أن هذا التأريخ الذي لم يقم له وزن بعد ذلك ما برح محاطًا بالغموض والإبهام حتى الآن.
وفيما يتصل بالاصلاح الذي أدخله على التقويم السلطان أكبر، انظر (Ginzel، جـ 1، الفصول من 108 إلى 109). ما فيما يتصل بتأريخ الترك الأقدمين وأخبارهم فقد وردت في كشاف اصطلاحات الفنون (Dict. of Techn. Terms، رقم 8) بيانات مستفيضة من شأنها أن توسع نطاق معلوماتنا في نواح مختلفة من هذا التاريخ. من ذلك أنه إذا قال صاحب هذا الكشاف إن السنين عند الترك كانت سنين حقيقية (انظر مادة س؛ Dict. of Techn. Terms، مادة "سنة") أي سنين شمسية مدارية فهو إنما كان يقصد إلى السنين القمرية الشمسية، أي سنين مكونة من إثنى عشر شهرًا قمريًا أي من 354 أو 355 يومًا حصل توقيعها أي تطبيقها على السنة الشمسية بإضافة أشهر تكميلية إليها طبقًا لنظام موضوع وقاعدة معينة. وإذا كانت السنوات الكبيسة في كل دور من الزمن مقداره ثلاثون سنة يبلغ عددها إحدى عشرة سنة كما كان الحال عند العرب قبل الإسلام، فإذن يكون الغرض الذي رمى إليه بفكره هو اليوم الخامس والخمسون بعد الثلثمائة من السنة الإسلامية، على حين أن حقيقة الواقع هي أن الشهر الكبيس كان يكبس في الواقع سبع مرات من كل دور مؤلف
من تسع عشرة سنة كما هو عند الصينيين الذين تلقى الترك الأولون عنهم تقويمهم (Ginzel جـ 1، الفصل 136 عن التاريخ التركى القديم الوارد في النقوش Alttuerkische Ins-: Thomsen chriften aus der Mongolei في Zeitschr. . der Deutsch. Morgenl. Gesells، جـ VA، ص 132) وعند اليهود أيضًا. والنتيجة واحدة، لأنه إذا كانت إحدى عشرة سنة كبيسة تحل كل ثلاثين سنة وسبع سنين كبيسة كل تسع عشرة سنة فإن الخلاف يكون سنة كبيسة فقط في كل 570 سنة. وتتفق أسماء الأشهر التي ذكرها المؤلف وأسماء الأشهر التي نقلها كنزل عن ألغ بك) Ginzel، جـ 1، ص 503). وقد ظل " الترك يكبسون على طريقة أهل الصين (Ginzel، جـ 1، ص 467 وما بعدها) فإن السنة عندهم أربعة وعشرون قسمًا (تسى وكنى) من الأقسام الصينية، قسمان منها يقعان في الشهر الواحد، وإذا وقع ثانى القسمين في الشهر التالي فهذا الشهر يعد كبيسا أو زائدا، وفي لغتهم "شون آي) (أي صوم الصينيين؛ (انظر Ginzel جـ 1، ص 474) وهو ما يؤخذ منه أن الشهر الكبيس لا مكان له ثابتًا في التقويم إن بداية السنة في الدرجة السادسة عشرة من برج الدلو Aquarii فهي أيضًا من وضع الصينيين (Ginzel، جـ 1 ص 470 وما بعدها). وقد قدروا مدة السنة بـ 2436/ 365 يومًا (0.0001 يوم = 8.64 ثوان = 1 فنك) أي 365 يومًا وخمس ساعات و 98/ 46 ثانية. وهذا التقدير الخاطئ إلى أقصى حد لا يرجع إلى تحريف ما في النص بدليل ثبوت هذا الخطأ بما تبين فيما بعد من أن السنة قسمت إلى أربعة وعشرين قسمًا كل قسم خمسة عشر يومًا و (5/ 6)2.154 فنك، أما الأشهر فأشهر حقيقية أي قرانية مقررة تبدأ بالقران ويمكن معرفة موقع السنة من دور الكبس بطرح 632 من السنة الموافقة لها من تأريخ يزدجرد، لأن السنة قد حسبت أيامها بـ 365 يومًا، وقسمة فرق السنين على ثلاثين، فإذا نقص باقي القسمة عن ثلاثين فإنه يدل على أن السنة سنة كبيسة وذلك إذا كان هذا الباقي واحدا من الأرقام التالية وهي: 2، 5، 7، 10، 13، 16، 18، 21، 24، 26، 29.
وطريقة هذا الحساب الذي لا ينسحب على الشهر الكبيس بل على اليوم الخامس والخمسين بعد الثلثمائة لم يبدأ العمل به إلا في سنة 632 من تأريخ يزدجرد الموافق سنة 1.264 م.
وقد ألم المؤلف أيضًا بما كان قدماء الترك يعملون به من تقسيم اليوم، كما كان عند الصينيين إلى ساعات مضاعفة (جاغ، انظر Redhnuse مادة جاغ، وبالصينية تشى، انظر Ginzel، جـ 1، 465)، وقسمت الساعة المضاعفة هذه إلى ثمانية أقسام كل قسم يسمى كهن (كهنا؟ ويعرفه الصينيون باسم "كئو"؛ انظر Ginzel؛ المادة نفسها) وذكر المؤلف كذلك دورا صينيا ستينيا يتكون من دور واحد عشرى ودور آخر عشرينى كما ذكر كذلك أسماء الحيوانات الشائعة مطلقة على سنى الدور العشرينى (Ginzel، جـ 1، ص 452). وهناك دور يتألف من اثنى عشر يوما لكل يوم لون خاص، والغرض منه مسألة اختيار الأيام.
وببدء الخيلقة بدأ التاريخ، وبينها وسنة 860 من تاريخ يزدجرد 8.863 قرنا، [حسبما يورد] وقد انقضى منذ ذلك البدء حتى الآن 9.965 سنة وسيعيش العالم 300.000 قرن كل منها 10.000 سنة.
وتأريخ توقيت الحوادث في الإسلام يطابق إلى حد كبير علم الهيئة والعلم بالآثار الطبيعية على مقتضى ما ورد في الآيات القرآنية لم يكن حتى الآن موضوع بحث مستقل، فإن الآيات التي تضمنت الإشارة إلى علم الهيئة والبحث في التقاويم قد عنى بجمعها نلينو - Nal lino في كتابه الموسوم بـ "علم الفلك وتأريخه عند العرب في القرون الوسطى"، رومية سنة 1919 م ص 84، 104 - 112 (Plessner في Isi. وجـ 21، ص 226 - 218). وهناك ما يحدو بنا إلى الكلام على هذه النقطة فإن كتاب الآثار الباقية للبيرونى (انظر أيضًا الترجمة الإنكليزية بعنوان Chronology of Ancient Nations، لندن سنة 1879) يعد إبتكارًا صحيحًا في التأليف العلمي لأنه يعتبر أول محاولة لجمع كل تواريخ الأمم المعروفة ودراستها دراسة مبنية على النقد من الناحية الفلكية والمقارنة بينها من الناحية التاريخية، وقد أوجز البيرونى
هذا الكتاب في مؤلفه " التفهيم لأوائل صناعة التنجيم"(- the Book of In -struction in the Elements of the Art of As trology وهو منقول عن المخطوط المحفوظ في المتحف البريطانى بين المحفوظات الشرقية تحت رقم 8349، وقد قام بترجمة هذا الكتاب R. Ramsay Wright لندن سنة 1934، وضع الترجمة تجاه النص) في الأوراق من 661 - 963، وفيه بعض الخلاف في الحساب، كما سبق أن بينا.
وهناك بعض المعلومات في مقدمات التواريخ العامة مثل تاريخ الطبري، جـ 1، ص 3 وما بعدها" وهي أكثر إقتضابًا في ابن الأثير جـ 1، ص 9 وما بعدها. فقد جاء في هذه المقدمات أن اليهود قدروا المدة التي غيرت منذ بدء الخلق بـ 4.342 سنة، وهو أمر لا يتفق والتقويم العبرى. ويقال إن الروم حسبوا المدة من بدء الخليقة حتى الهجرة بـ 5.992 سنة وشهر، وذهب المجوس إلى أنها منذ عهد كيومرث إلى الهجرة 3.139 سنة.
وفي كتب علم الفلك أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها كتاب عجائب المخلوقات للقزوينى (طبعة فستنفلد، ص 62 - 87)، وفي نهاية الأرب للنويرى كثير من الفوائد الأدبية (جـ 1، ص 157 - 195) ففي صفحتى 168.167 مثلًا جدول بالسنوات التي بين 94.8 للهجرة والتي سميت بأسماء خاصة لمناسبات معينة، وفي رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا معلومات فلكية لحساب الزمن وبخاصة فصول السنة" (جـ 1، ص 56 وما بعدها، جـ 2، ص 16 وما بعدها).
المصادر:
(1)
المراجع المذكورة في صلب المادة
(2)
المواد الفلكية وما شابهها
(3)
Introduction to the His-: Sarton tory of Science K، 1927 وما بعدها، في المواد الخاصة بكل فلكى
(4)
البتانى: Opus astronomicum" الطبعة اللاتينية.
(5)
C.A.Nallino، سنة 1899 - 1907
(6)
Handbook: Wensinck، مادة تقويم Calendar .
(7)
Grunde. der. Iran: Gray في phil، جـ 2، ص 675 - 678" وقيمة هذا المقال تنحصر في مراجعة الوافية.
[بلسنر m. Plessner]
" تاريخ": (علم التأريخ) ينطبق -بإعتباره مصطلحًا من مصطلحات الثقافة العلمية- على تدوين الحوادث الحولية، كما ينطبق على تراجم الرجال وسيرهم لاعلى تاريخ شامل للثقافة العقلية بصفة عامة، والتأريخ على هذا الإعتبار يتلخص تطوره عند العرب والفرس في أربع مراحل:
(أ) من البداية إلى القرن الثالث للهجرة
(ب) من القرن الثالث إلى القرن السادس
(جـ) من نهاية القرن السادس إلى بداية القرن العاشر
(د) من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر
أما عن مصادر التأريخ عند الأتراك العثمانين فيُرجع إلى المادة المعقودة على "الأتراك"، وعما كتب عن بلاد الملايو، يُرجع إلى المادة المكتوبة عن جزر الملايو.
(أ) إن مسألة مصادر تدوين التأريخ عند العرب لم تحل حلا نهائيا بعد للفارق العظيم الذي أنهتد حتى الآن إلى إدراك كنهه بين الأساطير الشعبية المنقولة بالتواتر عن العرب في العصر الجاهلى وبين الأخبار التاريخية التي ظهرت في القرن الثاني للهجرة مسايرة بعض المسايرة للعلم وما يقتضيه من الدقة والضبط، وهناك رأى لطائفة من الكتاب المحدثين يخلع على هذا التطور تاثيرًا قاطعًا كما يؤخذ من كتاب الملوك المصنف بالفارسية (انظر الفقرة الرابعة الآتية بعد)، إلا أنه يبدو من المرجح أن التأريخ عند العرب نشأ من اجتماع مصنفات تاريخية أو شبه تاريخيه مختلفة الاتجاهات والمقاصد رأينا أن من الأصلح معالجتها هنا، كل منها على حدته.
1 -
التاريخ المأثور عن العصر الجاهلي:
لعله كان من المتوقع أن يوجد في بلاد اليمن ضرب من التأريخ المأثور بالكتابة، فقد كانت هذه البلاد مركز حضارة استقرت دعائمها عهدا طويلا
وحفظت آثارها بالنقوش المعينية والسبئية والحميرية، وكل ما وصل إلينا من هذا القبيل يحمل طابع التأريخ المنقول بالسماع كبضعة أسماء للملوك القدماء وقصص غامضة لحمتها وسداها المبالغة والتهويل عن عصور غبرت وذكريات قد تكون في الغالب أكثر من تلك دقة إلا أنها أكثر منها غموضا واستغلاقا عن حوادث وقعت في القرن السابق لظهور الإسلام. وفي خلال القرن الأول للهجرة أفسح الخيال المجال للتاريخ المأثور بالسماع حتى تألفت مجموعة من الأقاصيص والأساطير زعم أصحابها أنها تاريخ واف لبلاد العرب في العصور القديمة اقترنت به أسماء رجال من طراز وهب بن منّبه وعُبَيد بن شَريهَ. وما صنفه الاثنان في هذا الموضوع دليل واف على أن العرب الأقدمين كانت تنقصهم الملكة التاريخية والنفوذ إلى الحقائق حتى في أخص ما يتصل منها بحوادث عصرهم (انظر The Two Oldest: F. Krenkow Books on Arabic Folklore في Islamic Culture المجلد الثاني) ومع ذلك فقد قبلت الأجيال التالية رواياتهم في مجموعها وأدمجها المؤرخون وكتاب آخرون في مؤلفاتهم.
وكان ابن إسحاق أحد الرواة عن عبيد، وقد جمع عبد الملك بن هشام "كتاب التيجان" لوهب في وضعه الحاضر، وأحل الطبري في ذخيرته الرائعة في المعارف الدينية المواد التي أخذها عنه محل الاعتبار؛ نعم إن ابن خلدون أشار إلى ما في بعض تلك القصص اليمانية من السخف والخرافة (جـ 1، ص 13 - 14) إلا أنه لم يتوان عن إيراد هذه القصص بعينها لتحلية نظرياته والترغيب فيها، ولهذا بقيت في مجموع التأريخ العربي عنصرا ينافى بداهة العقل ويتعارض مع نمو ملكة النقد وتفهم التأريخ القديم تفهما صائبا سديدا.
أما عرب الشمال فقد كان الحال عندهم مباينا لما تقدم بعض التباين، إذ كان لكل قبيلة تاريخ مأثور يعلو في حالات معينة على مستوى إدراك القبيلة، فانطوى بذلك على ناحية خاصة بفكرة أنساب قبائل العرب (كما عرفها العرب بعد ذلك) غير أنه لا يوجد هناك ما يرشح للإلماع إلى وجود تاريخ
مأثور لشمال بلاد العرب بحيث يعم هذه البلاد، ثم إن للقالب الذي يكيف به تاريخ القبيلة أهميته ومكانته، إذ أنه يتناول رواية أغلب حوادث "الأيام" التي في غضونها حاربت القبيلة أعداءها، وجرت العادة بأن يتخلل كل رواية للحوادث بعض أبيات من الشعر، هذا وليست النسبة بين العناصر النثرية والعناصر الشعرية واحدة، ففي بعض الأحايين يكون الشعر ضربا من ضروب الارتجال وفي بعضها الآخر تكون الرواية النثرية شرحا للقصيدة الشعرية، وفي كلتا الحالتين يكون الشعر هو الذي حافظ على تناقل الرواية وانتشارها حتى أنه لما نسيت الأشعار اندثرت الروايات القديمة باندثارها، على حين أن أشعارا جديدة كانت تنظم للتنويه بما جد من الفعال المجيدة في تاريخ القبيلة، ومثل هذه الرواية، وان تكن مصبوغة بصبغة الغرض والتحيز ومجهولة زمن الحدوث ومغالى فيها من الناحية الخيالية، إلا أنها كانت مع ذلك على جانب من الحقيقة والصواب؛ هذا وقد حولت الفتوحات الإسلامية مجرى الروايات المأثورة عن القبيلة دون تغيير في خصياتها بينما حافظت الروايات الجديدة محافظة واسعة النطاق على الاتصال القديم بين الشعر والنثر إلى جانب المبالغة وعدم الدقة المعهودين في الكتابات القديمة، وهذا أيضًا كان من شأنه التاثير في التريخ الإسلامي من حيث إن تلك الروايات المأثورة هيأت المواد التي استقى منها المؤرخون المحدثون في تدوين تاريخ الخلفاء الراشدين وخلفاء بنى أمية (انظر الفقرة الثالثة).
أما العنصر الآخر في التأريخ المأثور للقبيله فهو حفظ أنساب القبائل، ومع هذا فقد ازداد نشاط علماء الأنساب في عهد بنى أمية القديم بإنشاء "الدواوين " إلى جانب مصالح ذوي العصبيات من العرب المتنافسين، وأدى ذلك إلى وقوع الخلط في نواحى علم الأنساب (انظر كتاب كولدتسيهر: "دراسات إسلامية، جـ 1، ص 177 - 179) في القرن الثاني من الهجرة غزا علماء فقه اللغة ميادين رواية القبيلة التي كانت حتى ذاك الوقت مجالا خاصا بنشاط الرواة والنسابين. وذلك لتحقيق ما نزعوا إليه من الإحاطة بكل ما تبقى من آثار
الشعر القديم مع إيضاح غوامضه، فأدوا للتاريخ خدمة جليلة إذ جمعوا شتات هذه المجموعة من المواد التاريخية وعنوا بترتيبها وتنسيقها بعد تمييزها بعضها لاعن بعض.
وكان أبو عبيدة (110 - 209 هـ = 728 - 824 م) أحد الموالى الذين يمتون إلى العراق بماتة الأصل، وهو من المثل البارزة في ذلك النشاط، فإنه لم يحمل اسمه أي بحث من المائتى البحث المنسوبة إليه، غير أن بعض هذه البحوث وردت بجوهرها في مصنفات ألفت فيما بعد آخذة بأطراف الرواية فيما يختص بشمال بلاد العرب ومنسقة في صورة سهلة التناول كروايات القبائل المستقلة وبطون القبائل فيما يرتبط بـ "الأيام " وتنسحب أيضًا حتى على الروايات التالية لظهور الإسلام وعلى الروايات التي احتوت شرح فتوحات الأقاليم المنقسمة بعضها على بعض، والحوادث الهامة ووقائع الحروب بل أخبار الجماعات "كقضاة" البصرة و، الخوارج " و" الموالى"، وكان أبو عبيدة متهما بمحاولة الطعن في العرب لصالح الشعوبية.
ولقد كان عمل هشام بن محمد الكلبى المتوفى حوالي سنة 204 هـ (819 م) شبيهًا بعض الشبه بعمل أبي عبيدة في اتجاهه ومناحيه (انظر مقدمة سخاو لطبقات ابن سعد، مجلد 3) إذ نظم المجموعات التي عنى والده المتوفى سنة 146 هـ (م) بحشدها وقام بتوسيع نطاقها كما نظم مجموعات عوانة وأبي محنف. وتتناول رسائله في الأغلب الغرض الذي ترمى إليه بحوث أبي عبيدة، غير أن مرجع الفضل إليه في عنايته بتدوين الأخبار التاريخية الخاصة بمدينة الحيرة وأسرتها المالكة مستندة إلى المصادر والوثائق المكتوبة، وقد خطا هذا العمل المقول باستناده إلى الوثائق المحفوظة في كنائس الحيرة والأسانيد الفارسية التي ترجمت له خطوات واسعة نحو التأليف التاريخي القائم على أساس العلم. ومع أنه لم ينته إلينا من ذلك المصنف سوى مقتبسات محدودة العدد فقد أثبتت التحقيقات الحديثة صحة روايته في مجموعه، ويقال عن هشام إنه نهج هذا النهج في مصنفاته الأخرى باعتماده على الكتابات والمواد المكتوبة التي كانت
تحت يده. ولكنه لم يكن مع ذلك بمنجاة من المطاعن العنيفة التي كالها له العلماء المحافظون على التقاليد متهمين إياه بالتزوير وكذب الرواية.
2 -
صدر الإسلام
إذا إستثنينا ما استعان به هشام الكلبى من المواد الخاصة بالحيرة فإن بداية تأليف التاريخ العلمي باللغة العربية تربط بالبحث في حياة النبي وأعماله، وهو ما يستتبع رجوع أهل هذا التنظيم إلى مجموعة الأحاديث النبوية وبخاصة الأحاديث المتصلة بغزوات النبي (ومن ثم اصطاوح "المغازي" أو الغزوات الذي أطلق على المصنفات الأولى التي ألفت في السير). وكانت المدينة المنورة موطن هذه الدراسة ومهدها، ولم يختص احد بالتأليف في المغازي قبل القرن الثاني للهجرة في مواطن أخرى غير المدينة. وذاك الارتباط بالأحاديث الذي ترك أثرًا لا يمحى في أسلوب التأليف التاريخي بالاعتماد على الإسناد يفسر التغيير البالغ الذي ظهر منذ ذلك الحين في الصفات المميزة لرواية حوادث التاريخ وتمحيصها عند العرب.
وإنا لنشعر أول وهلة انا نستند إلى أساس علمي في الأثر الذي تناول العهد المكي والعهد المدني في حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم].
وقد أدى الجيل الثاني من المسلمين إلى هذا التقدم ما هو أعلق بالمصادر والمراجع منه بمجموعات سبق تكوينها. ومع هذا فإن اثنين منهم وهما أبّان بن عثمان وعروة بن الزبير ورد ذكرهما على اعتبار أنهما مصنفان في المغازي، ولكن مصنفاتهما لم تذكر قط على لسان المصنفين الذين جاءوا بعدهما. وفي الجيل التالي اشتهر بعض المحدثين بمجموعتهم الشاملة لأحاديث المغازي وبخاصة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي دوَّن بالكتابة مواد الحديث نزولا على أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز أو الخليفة هشام بن عبد الملك، وقد أودعت هذه المواد خزانة الدولة التي حل بها العفاء فيما بعد.
ويعزى إليه الفضل في أنه كان أول من قارن بين الأحاديث المختلفة المصادر لادماجها في حديث واحد وهذه خطوة إلى الإمام في العرض التأريخى.
وقد كانت الأحاديث التي رواها الزهري أساسًا للكتب المؤلفة في المغازي، وجمعها ثلاثة من كتاب الجيل التالي، إلا أن اثنين من هذه الكتب فقدا كما فقد كتابان آخران غيرهما وإنما بقيت من هذه الكتب أجزاء متفرقة. أما الكتاب الثالث وهو السيرة المشهورة التي ألفها محمد بن إسحاق ابن يسار المتوفى سنة 151 هـ (768 م) فقد كان ثمرة تفكير أبعد أفقًا وأوسع نطاقًا من تفكير سابقيه ومعاصريه، لأنه نزع فيه لا إلى تدوين تاريخ النبي فحسب بل إلى تاريخ النبوة بذاتها أيضًا. وكان في هذا الأسلوب المبتكر يشمل أقسامًا ثلاثة:"المبتدأ" وهو تاريخ العصر الجاهلى منذ الخليقة، وقد استمد أكثره من وهب بن منبه ومن المصادر العبرية، ثم "المبعث " وهو تاريخ حياة النبي حتى السنة الأولى للهجرة، ثم "المغازي" وتناول هذا التاريخ إلى وفاة النبي. وقد غدا هذا الكتاب المرجع الرئيسى لتاريخ العصر الجاهلى والصدر الأول من الإسلام وذلك على الرغم من أنه كان هدفا للنقد الصارم بما تطرق إليه من الأحاديث والمقتبسات الشعرية التي لا وزن لها. وقد عرف أن هناك أحاديث دخل عليها -كما هو معروف- بعض التحوير، غير أنه مما يدعو إلى الأسف أن ما اعتمد عليه منها الجامعون المتأخرون من العراقيين كان خير ما فيها بلا ارتياب (انظر الخطيب البغدادي) وقد تناولته يد الضياع فتمهدت السبل بذلك إلى ظهور موجز مشوه بعض التشويه جمعه المصنف المصري عبد الملك بن هشام المتوفى سنة 218 هـ (833 م). ومما هو جدير بالذكر أن جميع المؤلفين في المغازي كانوا من "الموالى" وإن يكن هذا التعبير لايستتبع حتمًا حتى في ذلك العهد رجوعه إلى أصل غير عربي. فقد كان ابن إسحاق عراقى الأصل حقًّا لأن جده يسارًا أسر في العراق سنة 12 هـ (633 م) ولكن مما يتناقى مع الصواب أن نطلب في النزعة الفكرية التي بعثت ابن إسحاق على وضع مصنفه مؤثرات فارسية حتى ولو جاءت عن طريق غير مباشر، إذ أن الصلات بين تلك النزعة والاتجاه الذي اتجه إليه وهب بن منبه من جهة ثم بينها ومذهب أهل الحديث المدنيين من جهة أخرى تثبت أن تلك
النزعة الفكرية كانت بلا شك من وحى العرب كما كانت متصلة بضوابط علم الحديث العربي الصحيح. وقد كان من نصيب الجيل التالي أن شهد أفق الدراسات والبحوث التاريخية ينفسح مداه. فقد عزى إلى ابن إسحاق تأليف تاريخ للخلفاء، وإنما يظهر أن هذا التأليف كان ضيق النطاق مختصر العبارة.
وألف محمد بن عمر الواقدي (130 - 207 هـ = 747 - 823 م) الذي خلف ابن إسحاق كتابًا لم يقتصر فيه على غزوات النبي بل تناول كثيرًا من وقائع تاريخ العهود الإسلامية التالية كما ألف تاريخًا جامعًا تناول فيه الكلام إلى عهد خلافة هارون الرشيد، وبذا اقترب علم التاريخ القائم على الحديث من المادة التاريخية التي جمعها فقهاء اللغة مع الاحتفاظ بأسلوبه الخاص في إيراد الأحاديث. وتاريخ " المغازي " للواقدى هو وحده الذي حفظ كيانه بوضعه الأصلي. ولكن كاتبه محمد بن سعد المتوفى سنة 230 هـ (844 - 845 م) اعتمد على الكثير من المواد التي جمعها ذلك المؤلف في مصنفه "كتاب الطبقات " في سيرة النبي وصحبه والتابعين.
وفكرة تصنيف معجم للتراجم كهذا تدل بذاتها على تطور جديد في فن التاريخ، وتؤيد الارتباط الوثيق بينه وبين علم الحديث، إذ أن هذه المواد جمعت في الأصل بقصد نقد الأحاديث وتمحيصها.
هذا، ولذلك الجزء من كتاب ابن سعد في قالبه الأخير الذي صاغه فيه، أي كتاب سيرة النبي (المجلدان الأول والثاني من الكتاب المطبوع) أهمية من وجهين: الأول أن تاريخ المغازي له تكملة تتضمن أوامر النبي ونواهيه وكتبه؛ وقد قال الواقدي إن ابن سعد استمد بكل ما وقعت عليه يده من الوثائق والأسانيد. وأظهر حجة مما تقدم على ذلك أن. تلك الأجزاء التي أضيفت لأول مرة عن صفة أخلاق النبي وعلامات النبوة كانت ممهدة لما أنشئ بعد ذلك من الكتب في شمائل النبي والدلائل.
ويخطو هذا التطور بنا خطوة أخرى نحو توجيه عناصر الحديث الصحيح في اتجاه آخر من رواية الأحاديث (كما رأينا في ابن إسحاق) لك أن تلتمسه في فن القصاص، ويصور لنا العودة إلى
صنف من صنوف الأدب الشعبي يمت بصلة إلى مصنفات وهب بن منبه. وبهذا الاتجاه الجديد الذي نهجته السيرة والذي اتجه إليه كذلك جميع المتأخرين من مؤرخى السيرة النبوية يتضح لنا جليًا أن نصيبه من الأسلوب التاريخي قد أشرف على النهاية.
3 -
تاريخ الخلافة:
أتينا في الفصلين السابقين على وصف لبداية تدوين الحوادث التي أعقبت وفاة النبي في وسائل متفرقة. ومما يجدر ذكره أن هذا النشاط كان مقصورًا على العراق، فلم تعز آية رسالة من هذا القبيل إلى عالم ما من علماء الشام أو بلاد العرب أو مصر خلال القرنين الأولين للهجرة، ومن ثم تبوأ العراق ورواية حوادثه المحل الأول بين المؤلفات التاريخية التي وصفت فيما بعد. بيد أن المأثور من حديث المدينة قد أمدنا أيضًا، فيما بعد. فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين، بمادة أفادت بعض المؤلفين (كالواقدى) من ناحية اتصالها بأهل الحديث المدنيين (نسبة إلى المدينة). وما برح في مجال الشك وجود وثائق مخطوطة في المدينة كانت في ذلك العهد من المراجع التي يرجع إليها، ومع هذا فإن الدقة التي تتسم بها الأخبار التاريخية الواردة في الحديث المدني تدعو إلى الاعتقاد بوجود مواد من هذا القبيل فيها. وقد توافرت الدلائل على وجود وثائق في العصر الأموى بدمشق والعراق معًا (انظر بخاصة. كرومان Allgemeine Einfuehrung in die arabischen papyri، فينا سنة 1924، (ص 27 - 30) ولذا كان محتملًا أن يكون المصنفوق المتأخرون قد اعتمدوا على مواد من هذا القبيل في ترتيب مجموعة دقيقة للحوادث بحسب تسلسل الزمن ترتيبًا تناول ذكر أسماء الولاة والحكام وأمراء الحج وما جرى هذا المجرى عامًا فعامًا.
ولاستيفاء مثل هذا البيان الجامع لجأ المؤلفون إلى هواد روعى في جمعها التوفيق بين مناهج الرواة وفقهاء اللغة. وقد كانت المنزلة الأولى بين للك المواد للروايات الخاصة بالقبائل العربية في العراق، وطائفة منها هي الروايات الخاصة بقبائل آزد التي جمعها هي وروايات أخرى أبو مخنف المتوفى سنة 157 هـ (774 م) وقد تولى نقلها هشام
الكلبى (انظر فيما تقدم)، وهي عبارة عن رواية الكوفة لجانب على ضد أهل الشام، أما رواية كلب التي يوردها "عوانة بن الحكم " المتوفى سنة 147 هـ (764 م) والتي نقلها هشام الكلبى أيضًا ففيها نزعة ظاهرة ضد على لجانب أهل الشام (انظر فيما يتعلق بهذه المصادر: Das ar-: Wellhausen abische، Reich Einleitung وهنالك رواية ثالثة لقبيلة تميم، وقد تولى إذاعتها في الآفاق "سيف ابن عمر" المتوفى حوالي سنة 180 هـ (796 م) في صورة قصة تاريخية عن الغزوات تقوم إلى حد كبير على منظومات اتصالها بالقصة يشبه كثيرًا ذلك الاتصال الذي نلحظه في المنظومات الواردة فيما روى عن أيام العرب.
وهناك أجزاء متفرقة من روايات قبلية أخرى قد ظهر أمرها بين الملأ منها رواية باهلة المتصلة بحروب قتيبة بن مسلم، فإنها بتفاصيلها الجلية الشائقة وبالمجال الذي أفسحته للوقائع والحوادث البارزة تختلف اختلافًا بينًا عن المدونات الشاملة للحوادث المرتبة على مقتضى السنين مما ألف في العصور التالية وفي هذا العصر. وهذه الروايات القبلية- على ما احتوته من روح التحيز وفي كونها لا للزم غير صاحبها - لا يمكن القول بأن قيمتها التاريخية لا يقام لها وزن خصوصًا فيما تنطوى عليه من الإيضاح والتنوير للعوامل والمؤثرات الداخلية التي سيطرت على أحوال القرن الأول من التاريخ الإسلامي. ثم إنه مما لا يجوز إغفاله أن تلك المجاميع تتصل بعلم الحديث من ناحية الشكل ومن ناحية المحافظة الدقيقة على مبدأ "الإسناد"[وبداية هذا النشاط كانت تقترن باسم الشعبي أشهر محدثى الكوفة المتوفى حوالي سنة 110 هـ (728 م)] وليس فيها ما يدل على أثر مؤثر خارجى لا شكلًا ولا موضوعًا.
وفي أوائل القرن الثالث اضطرد التقدم من جديد في طريق التأليف بوجه عام بفضل اتساع نطاق الحضارة المادية اتساعًا متواليًا وبفضل ظهور استعمال الورق الذي أسس أول مصنع له ببغداد سنة 178 هـ (794 - 795 م) فإن المخطوطات القديمة للمصنفمات الأدبية واللغوية التي صنفت منذ هذا العهد قد وصلت إلينا.
ولكن هذا الابتكار لم يقض من فوره على عادة تناقل مجموعات المواد بوساطة الرواة تلك الطريقة التي ظلت مرعية إلى نهاية القرن، لذلك يشك في أن الشطر الأوفى من المائتين والثلاثين الرسالة المنسوبة إلى علي بن محمد المدائنى البصري المتوفى سنة 225 هـ (840 م) كتب في حياته فعلا. ومما لا شك فيه أن قسمًا كبيرًا من هذه الرسائل لم يكن مجرد نسخ منقولة عن مجموعات أبي عبيدة. على أن الأهم من ذلك هو مؤلفاته الكبيرة في تأريخ الخلافة، ورسالتاه في تأريخ البصرة وخراسان. ولما كان المدائنى قد تناول جميع الروايات العراقية بأساليب النقد السليم الذي يتمشى ومذاهب أهل المدينة فقد اشتهر مصنفه بصدق الرواية، وغدا بذلك المرجع الأول لمصنفات العصر التالي، وقد أيدت التحقيقات الحديثة دقة هذا المرجع بوجه عام.
ويؤخذ من استعراض التطورات السالفة أن الحدث البارز فيها هو أن الأمة الإسلامية قد اكتسبت النزعة التاريخية، وذلك على الرغم من عداء طائفة من رجال الدين المتقدمين للدراسات التأريخية. ولا مراء في أن الحجج التأريخية الواردة في القرآن، والزهو الذي ابتعثته الفتوح الإسلامية الواسعة والمنافسات بين قبائل العرب، كل أولئك قد ساعد على خلق تلك النزعة. ولكن الظاهرة البارزة التي قوامها أن جامعى الرواية التاريخية، ما خلا اللغويين منهم، كانوا رجال دين ومحدثين فحسب، تحمل على الاعتقاد بوجود سبب أعمق لذلك الحدث، فقد كان التأريخ من وجهة النظر الدينية، مظهرًا لتدبير إلهى غايته حكم الجنس البشرى؛ وبينما كانت الغاية من التأريخ، في رأى الأجيال المتقدمة، مقصورة على تدوين حوادثه خلال تعاقب الأنبياء الذين كان خاتمهم محمد [صلى الله عليه وسلم]، إذا بجميع المذاهب الإسلامية قد اتفقت على أن الغاية من التأريخ لا تقف عند هذا الحد. ففي مذاهب أهل السنة أن الأمة الإسلامية، أي أمة الله، هي التي يرتبط بها استمرار النظام الإلهى على الأرض؛ لذا كانت دراسة تأريخ هذه الأمة تكملة ضرورية لدراسة الوحى الإلهى في القرآن
والحديث. أضف إلى ذلك أن مذهب الاستمرار التأريخى كان أحد الأسس التي قامت عليها الفكرة السياسية الدينية عند أهل السنة. وفي مذهب الشيعة، أن الحكم الإلهى يستمر في سلسلة الأئمة، وقد برهن الراوية الشيعى الوحيد بين الذين ذكروا حتى الآن، وهو أبو مخنف، على أثر هذا الشاغل الدينى بتفرغه لكتابة تأريخ الحركات الشيعية في الكوفة. وأقوى من هذا دلالة على مكانة التأريخ من النظر الدينى أن التقوى العمياء والجدل الدينى كانا قد فتحا الباب لروح التحيز والنقاش، ومن الأمثلة المدهشة على ذلك ما أورده سيف بن عمر في كتابه الثاني عن مقتل عثمان. ومن ثم غدا علم التأريخ جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية، ففي البلاد الواقعة على البحر المتوسط ابدلت الروايات التاريخية القديمة بغيرها أو صيغت من جديد وفقًا للروح الإسلامية. وقد أعقب استقرار الإسلام في هذه الأقطار الشرقية المثقفة التي لم يكن لديها تأريخ مكتوب وكذا في إفريقية الفطرية التي لم تعرف التأليف إطلاقًا، ظهور مؤلفات في التأريخ.
4 -
إن بداية التأليف التأريخى بمعناه الأعم، أي التوفيق بين المواد المستمدة من السيرة، والرسائل المتقدمة الذكر، ومصادر أخرى بغية إدماجها في رواية تأريخية متماسكة، إنما ترجع إلى منتصف القرن الثالث، وأقدم مؤلف سار على هذا النهج القديم هو أحمد بن يحيى البلاذرى المتوفى عام 279 هـ (892 م) ولقد تتلمذ البلاذرى على ابن سعد والمدائني [. . . . .](*) كتاباه الكبيران يشفان عن أثر هذين [. . . . .](*) في نفسه، وعن مزاج النقد في عصره على أكمل وجه، على أن أسلوب التأليف الذي يتميز به ذلك العصر هو تأريخ العالم الذي يبدأ بالخليقة ويلخص تاريخ العالم في إنجاز أو إسهاب جاعلًا هذا الملخص مقدمة للتاريخ الإسلامى ذاته. وليست هذه الفكرة جديدة؛ بل يرجح أن تكون توسعًا في الفكرة التي ينطوى عليها مؤلف ابن إسحاق والتي ترمى إلى ضم الشيء الكثير من التأريخ الجاهلى إلى تأريخ الأمة الإسلامية. بيد أن تأريخ العالم ليس تاريخأ للكون بأصدق معاني الكلمة، فما إن يبدأ عصر ظهور الإسلام حتى ينتفى كل اهتمام للمؤلف بتأريخ الأمم الأخرى.
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: مسح بالمطبوعة
وفي هذه الآونة سارت الرواية الفارسية لأول مرة (إلا في كتاب هشام الكلبى) في الاتجاه الرئيسى لكتابة التأريخ العربي، وذلك على الرغم من أن "كتاب الملوك"(خداى نامه) الفارسى كان قد نقل إلى العربية قبل ابن المقفع المتوفى حوالي سنة 139 هـ (756 م) بقرن ونيف. وقد أوضحنا فيما تقدم أن المواد المستمدة من القصص اليهودى والمسيحى كانت منذ أمد بعيد، قد وجدت سبيلها إلى التأريخ العربي وهو أمر لم يكن في صالحه تمامًا. كذلك كان أثر الرواية الفارسية فيه سيئًا. ذلك أنه عندما كان هذا التأريخ تابعًا لعلم الحديث كانت سرعة التصديق الطبيعية عند الناس وما كان للذكريات العربية القديمة من روعة في نفوسهم قد أخضعا لنوع من الاعتماد على التجربة واحترام أصول النقد، وهما الشرطان الجوهريان لأى تدوين صحيح للتأريخ، ولكن لم يكد التأريخ يجاوز الميدان الإسلامى حتى عادت الصعوبة القديمة في التمييز بين العناصر شبه الخرافية والتاريخية، إلى الظهور، يصاحبها الميل إلى تصديق كل موضوع في متناول الخاطر. وهذا الميل قد أذكاه طابع المصادر التي استمد منها المصنفون العرب موادهم لتدوين التأريخ القديم لفارس وعيرها من البلدان. بل إن "خداى نامه" ذاتها كانت تشتمل في أقدم أجزائها على قصص تتناول أشخاصًا خيالية (أسطورية) وعلى تأملات كهنوتية، وخرافات أبستاقية، وذكريات عن قصة الإسكندر، وكثيرًا ماكانت النزعة القصصية والبلاغية تطغى على الرواية الصحيحة في الحديث عن ملوك آل ساسان. (Das lranische Nationalepos: Noeldeke، الطبعة الثانية سنة 1920) وقد انتعشت الدراسات اليونانية بفضل نقل المؤلفات التي كتبت بهذه اللغة إلى السريانية، وأثار هذا الانتعاش في الوقت نفسه اهتمامًا بالتراث اليهودى والمسيحى واليونانى، ولم يجد هذا الاهتمام منصرفًا إلا بالرجوع إلى مصادر لم تكن أعلى شانًا من خداى نامه، مثل المصنف السريانى الموسوم بمغارة الكنز (معارت كزى).
ومن هذه المصادر استمدت المواد التي نقلها إلى صلب التاريخ الإسلامي مصنفون مثل أبي حنيفة الدينورى المتوفى سنة 282 هـ (895 م) وابن واضح اليعقوبى المتوفى سنة 284 هـ (897 م) ومع دلك فكتاب اليعقوبى من الإفاضة بحيث يشمل سكان الشمال وأهل الصين، ولذلك فهو إلى موسوعة في التأريخ أقرب منه إلى كتاب في التأريخ العام. ومن هذا القبيل كتاب المعارف للراوية ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ (889 م) وما وصل إلينا من المؤلفات القرن الثاني في التاريخ لحمزة الأصفهانى المتوفى حوالي عام 360 هـ (970 م) والمسعودى المتوفى حوالي عام 345 هـ (956 م) والحق إن المسعودى من أكبر مؤرخى العرب، ولكن فقدان أكبر مصنفاته- التي ليست كتبه الباقية إلا نتفًا منها- يجعل من المتعذر تكوين فكرة صادقة عن النهج الذي اتبعه فيها.
ويتضح جليًا من مثل هذه المؤلفات أن مادة عقلية جديدة قد دخلت على التأريخ العربي، وفي وسعنا أن نقول إن هذه المادة هي الرغبة في المعرفة لذاتها، ومما له دلالته أن كتابًا مثل اليعقوبى والمسعودى لم يكونوا مؤرخين فحسب بل كانوا من الجغرافيين أيضًا، وقد حصلوا معارفهم الجغرافية من الرحلات البعيدة بوجه خاص، ولا مراء في أننا واجدون في هذا التطور أثر من الثقافة الهيلينية المتأخرة خلال القرنين الثاني والثالث. في كتابه التأريخ. ولكن الصلة التي نشات بين التأريخ وبين تقويم البلدان قد أبقى عليها مؤلفون متعاقبون إلى العصر العثمانى.
على أن هذه المواد الدخيلة لا وجود لها -إذا استثنينا التأريخ الفارسى- في المؤلف الذي تبلغ فيه الرواية التأريخية القديمة أوجها، ألا وهو "تاريخ الأمم والملوك" الشهير لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ (923 م). ذلك أن الطبري كان بادئ ذي بدء محدثًا، وقد رمى في تأريخه إلى تكميل تفسيره للقرآن وذلك بعرضه الروايات التاريخية الإسلامية بنفس الإفاضة والنقد النزيه اللذين توخاهما في مؤلفه السابق. والكتاب، كما وصل إلينا، واضح الإيجاز بالنسبة إلى
مشروعه الأصلي الواسع النطاق، وبينما يبدى المؤلف انتقاداته في التفسير صراحة نراه في التأريخ يشير إليها تلميحًا، وكانت مواطن الضعف عنده هي ما يتوقع من محدث مثله- مثال ذلك إيثاره لمصنف "سيف " المنحول للتأريخ على مصنف "الواقدي" بسبب ما حام حول الواقدي من شبهة بين المحدثين. ولكن يتعين علينا -فيما عدا هذه المواطن- أن ننوه ببراعته الفائقة فيما بقى من الكتاب الذي كان، بما امتاز به من حجية وإفاضة، رمزًا لختام عصر من عصور التأريخ. ولم يعن أحد من المصنفين المتأخرين بأن يجمع ويحقق من جديد المواد المتصلة بالتأريخ الإسلامي القديم، وإنما كانت هذه المواد تلخص عن الطبري ويزاد عليها أحيانا من البلاذرى، ويبدأ بها من حيث انتهى الطبري.
وقد لفت ضعف القسم الأخير من تأريخ الطبري الأنظار إلى أن معالجة التأريخ بالاعتماد على الرواية وحدها لا تكفى. وقد جعل نظام الدواوين العمال ورجال البلاط في مقدمة من يرجع إليهم في تدوين التأريخ السياسي، ونحى رجال الدين إلى المرتبة الثانية. ولهذا السبب أيضًا يعد القرن الثالث خاتمة طور خاص في كتابة التأريخ العربي.
(ب) وما أن اعتبر التأريخ علمًا مستقلًا حتى أخذ ينمو بسرعة، وكثرت المؤلفات التأريخية بين القرنين الثالث والسادس كثرة يستحيل معها أن نلم بها في إسهاب، ولذلك فسنكتفى بتلخيص أهم اتجاهاتها.
1 -
كان علماء كل إقليم قد شرعوا منذ القرن الثالث في جمع الروايات التأريخية التي تتصل بتأريخهم، وإذا استثنينا كتابًا في تأريخ مكة (انظر الأزرقي) يمت في جوهره إلى ما ألف في السيرة، فإن أقدم تأريخ لقطر من الأقطار هو تأريخ مصر وفتوح المغرب الذي ألفه عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد الحكم المتوفى 257 هـ (871 م). ومما هو خليق بالذكر أن هذا المصنف يحتوي على نفس المواد المميزة للتواريخ العامة المتقدمة الذكر، ولكنه يفتقر إلى ما فيها من النقد الصحيح. وتعتمد أخبار الغزوات على رواية أهل المدينة والروايات المحلية. أما المدخل إلى الكتاب فليس مستمدًا من مواد مصرية أصلية
بل هو على الأخص مستمد من مصادر أخرى وروايات منقولة عن أهل المدينة. ويلاحظ ذلك المزج الخالى من النقد بين السير الخرافية وبين روايات صحيحة نوعًا ما في تأريخ الأندلس المنسوب إلى عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة 238 هـ (853) وفي الكتاب الجامع لآثار اليمن الموسوم بالإكليل للهمدانى المتوفى سنة 334 هـ (945 - 946 م). وربما كانت التواريخ المحلية التي ألفت عن بعض المدن خلال القرن الثالث أكثر اتزانًا ودقة، ولم يبق منها سوى مجلد واحد في تأريخ بغداد (انظر ابن أبي طاهر طيفور). وفي القرون التالية ظهر عدد كبير من هذه التواريخ، وكانت تتجه عادة وجهتين تبعًا لاهتمام المؤلف، فإما إلى السير وإما إلى الحوادث التأريخية (انظر فقرة 4 في أسفلها). والمصنفات التي وصلت إلينا من هذا النوع الأخير لا تخلو دوامًا من العناصر الخيالية، غير أن فيها كثيرًا من المواد القيمة التي استبعدت من التواريخ الجامعة، ومن هنا نشأت أهميتها الكبيرة (انظر على سبيل المثال: النرشخى، وابن القوطية، وعمارة، وابن إسفنديار). ولما كانت هذه التواريخ في جملتها تتمشى من حيث الإنشاء وطريقة الأداء مع ما هو مألوف في الإقليم الذي تتحدث عنه وفي الزمان الذي كتبت فيه فإنه ينبغي لنا ألا نتناولها بأكثر من ذلك في هذا المقام، وحسبنا أن ننوه بأنها تؤلف قسمًا هامًا من أقسام التأريخ الإسلامي سواء أكان مكتوبًا بالعربية أم بالفارسية.
2 -
على أنه من المتعذر أن نميز بين التأريخ العام والتاريخ الإقليمى بعد منتصف القرن الرابع. ومن ثم كانت الصفة الغالبة على التصنيف التأريخى البحت هي كتابة الحوليات المعاصرة مع التقديم لها في الغالب بموجز في التأريخ العام. ولم يصبح في وسع مؤلف هذه الحوليات أن يجعل أغراضه ورواياته عالمية، فكل مؤلف مقيد بحدود النظام السياسي الذي يعيش في كنفه، ويندر أن يوفق إلى معالجة حوادث تجرى في أقاليم بعيدة عنه، ولكن إلى أي حد يمكننا أن نعتبر هذا التقييد مقابلًا في الحياة العقلية لفقدان الموحدة السياسية عند المسلمين؟ الحق إنها مسألة ما زالت مثارا للجدل. إلا أن هناك
عاملًا أهم من ذلك في نظرنا ألا وهو أن تدوين التأريخ السياسي قد انتقل في الغالب إلى أيدى العمال ورجال البلاط. وقد أثر هذا التغيير في أسلوبه ومادته وروحه. وقد كان تدوين الحوادث الجارية ميسورًا لدى الكتاب المحنكين وملائما لطبائعهم. وكانت المصادر التي يستقون منها معلوماتهم هي الوثائق الرسمية والصلات الشخصية وما يدور بين العمال وفي دوائر البلاط من أحاديث. ولهذا السبب اختصر الإسناد إلى حد الاكتفاء بإشارة موجزة إلى المصدر، بل إن بعض المصنفين المتأخرين قد استغنوا عنه كلية في كثير من الأحيان. ولكن لم يكن هناك مناص من أن يبدو في روايتهم للحوادث ما عرف عن طبقتهم من التحيز والنظر إلى المسائل الاجتماعية والسياسية والدينية نظرة ضيقة. وخلى المؤلفون جانبًا تلك الفكرة الدينية القديمة التي أضفت على التأريخ رحابته وروعته، وأخذت الحوليات تجنح إلى الاقتصار على ذكر ما يفعله الأمير وما تقوم به حاشيته. ونجد من جهة أخرى أن ما يصنفه الكتاب عن الحوادث السياسية الظاهرة موثوق به- على الجملة- مع مراعاة ما يتقيد به كاتب في خدمة أمير. فالتواريخ المعاصرة لابن مسكويه المتوفى عام 421 هـ (1030 م) ولهلال الصابئ المتوفى عام 448 هـ (1056 م) فيها أثر ينبئ بأن هذين الكاتبين قد أحكما الأخذ بمعيار الدقة وتحررا - إلى حد ما - من سلطان التحيز السياسي. ومما يثبت أن الكتاب كافة قد أخذوا بهذا المعيار ما بقى لنا من مثل كتابى تأريخ مصر والأندلس اللذين ألفهما عبيد الله ابن أحمد المسبِّحى المتوفى عام 420 هـ (1029 م) وابن حيان القرطبي المتوفى عام 469 هـ (1076 - 1077 م).
وكان لصبغ التأريخ بالصبغة المدنية أثر آخر خطير. فقد استعاض المؤرخون عن المبررات الدينية القديمة بالدعوة إلى القيمة الأخلاقية لدراسة التأريخ. فهو عندهم يردد ذكر الفعال الطيبة ويبسطها أمثالًا نافعة في تربية الأجيال القادمة (انظر مقدمة كتاب تجارب الأمم لابن مسكويه، ومقدمة كتاب الوزراء هلال الصابئ). وقد صادفت هذه الدعوة قبولًا تامًّا لدى جمهرة علماء
الأخلاق ورجال الأدب، لأنه إذا كان التأريخ فرعًا من فروع الأخلاق وليس علمًا من العلوم فإنه لا ينبغي للمؤرخين أن يترددوا في تكييف أمثالهم التاريخية بما يوائم أغراضهم. وقد ذهبت كتب الأدب و "مرايا الأمراء" الطافحة بمثل هذه الضلالات مدى بعيدًا في إفساد ذوق الجمهور وملكة الحكم عنده، بل إن بعض المؤرخين والإخباريين لم يسلموا دائما من هذه العدوي.
3 -
ولنذكر في هذا المقام تلك الادعاءات التأريخية العديدة التي أذيعت في هذا العهد أو في تأريخ متأخر عنه. ولم يكن جلّها محض اختلاق بل كان يستند إلى أساس من الرواية الصحيحة مزج بصنوف الروايات الشعبية والقصص الخيالى ومواد الدعاوة والحزبية، وكان يرمى في الغالب إلى هدف سياسى أو دينى معين (انظر على سبيل المثال مواد ابن أعثم وابن قتيبة والمرتضى والأشرف والواقدى) شأنه في كل دلك شان مؤلفات سيف بن عمر المتقدمة الذكر (فقرة 3 أ، أعلاها).
4 -
على الرغم من أن الفقيه والمحدث قد تنحيا لعمال الديوان عن مكانهما في تدوين التأريخ السياسي فقد ظلا مستأثرين بكتابة السير التي هي أوسع مجالًا من ذلك التأريخ. وكانت كتابة السير -كما قدمنا- ضربا من الرواية القديمة، ولا شك في أن التأريخ السياسي كان أكثر إخلاصًا للفكرة القديمة بعد تحوله إلى حوليات عن البيوت المالكة، لأن سير العلماء "ورثة النبي" كانت في نظر المتعلمين أصدق تعبير، عن التأريخ الحق لأمة الله على الأرض من النظم السياسية الزائلة.
وكانت المواد المتعلقة بالشخصيات البارزة موضوعًا منذ القدم لمجموعات قائمة بذاتها إلى جانب طبقات المحدثين والفقهاء المنتمين إلى هذا المذهب أو ذاك، وهذه الطبقات تقوم على عمل فنى ويندر أن تأخذ سمة السير في معناها الصحيح، ومن أقدم ما وصل إلينا من هذه المصنفات سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز التي ألفها أخو ابن عبد الحكم المتقدم الذكر، ومن الواضح أنها تستند في بعض أجزائها إلى وثائق مكتوبة وفي أجزائها الأخرى إلى رواية أهل التقوى ولاسيما في المدينة. بيد أن هذه المصنفات تتناول - في أغلب
الأحيان- فريقًا أو طبقة بأسرها من الناس، ففي المقامات الصوفية -على سبيل المثال- وضعت مصنفات كثيرة في سير الأولياء وأخصها المؤلف الكبير لاحلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهانى المتوفى سنة 430 هـ (1038 م)، أما عند الشيعة فلم يقتصر الأمر على الكتب الموضوعة عن فقهاء الشيعة ومصنفاتهم (انظر الطوسى) وإنما وجدت كتب كثيرة أخرى عن الاستشهاد في بيت على. ومما يميز هذه الحقبة معاجم تراجم العلماء ومشاهير الرجال الذين خرجوا من مدينة أو اقليم واحد، والمألوف أن تكون هذه المعاجم كبيرة ضخمة يؤلفها علماء من نفس المدينة أو الإقليم؛ ومن هذا القبيل معجم الخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هـ (1071 م) الذي يقع في أربعة عشر مجلدًا. ومعظم هذه المؤلفات لم يبق منه شيء إلا التأريخ الكبير لدمشق الذي وضعه ابن عساكر المتوفى عام 571 هـ (1176 م) وسلسلة من التراجم الأندلسية (انظر ابن الفرضى وابن بشكوال وابن الأبّار) وبعض المعاجم المختصرة. ولعل تاريخ دمشق هو أكمل المؤلفات العربية الجامعة التي من نوعه.
وكانت كتب التراجم تستقى من مراجع أخرى أيضًا. وهذه الكتب غزيرة المادة كما كان متوقعا، وهي تتزود من فقه اللغة بمعناه الضيق ومن فروعه الأخرى التي تجنح إلى الأدب. ومن المصنف الأول ما أنتجه الكتاب عن طبقات النحاة وتراجم أكابر الفقهاء. ومن المصنف الثاني ما ألفه المصنفون من كتب جامعة عن الشعراء ورجال الأدب (انظر ابن قتيبة والثعالبى). وقد أفردت مصنفات من هذا القبيل لأصحاب الحرف الأخرى كالأطباء والفلكيين. وكان فن الموسيقى باعثا على تصنينف أعظم مؤلف عربي في التراجم في القرون الأولى ألا وهو كتاب الأغانى لأبي الفرج الأصفهانى المتوفى سنة 356 هـ (967 م).
ويبدو من جهة أخرى أنه لم يكن هناك إقبال من الكتاب على أن يترجموا لأنفسهم. ولم يبق من آثار ذلك العهد سوى رسالتين للمؤيد في الدين المتوفى سنة 470 هـ (1087 م) وأسامة بن مرشد بن منقذ المتوفى سنة 584 هـ (1118 م).
وكل هذه الكتب التي وضعت في التراجم تتميز هي والتراجم الإسلامية المتأخرة بخصائص مشتركة. فهي تعنى في الغالب بطريقة الإسناد، وتؤرخ الحوادث- ولا سيما تأريخ الوفاة- بدقة فائقة، وتورد أهم ما يكتنف حياة المترجم له في إيجاز، ولا تخرج الإشارات المختصرة عن هذه الخصائص مضافًا إليها بيانات بأسماء المؤلفات إذا كان المترجم له كاتبا ومقتطفات من الشعر إذا كان شاعرا، وجل مادة التراجم نوادر لم يراع في ترتيبها التأريخ أو الموضوع. وإبراز شخصية المترجم على هذا النمط يترك في الأذهان أثرًا واضحًا في غالب الأحيان، إلا أنه يكون في بعضها مضطربا وبخاصة إذا لم يوجد ما يؤيد صحة هذه النوادر. ومع ذلك فإن هذا المصنف من التأليف- رغم كل ما يرمى به من اطمئنان للأقاويل وعدم السير على قاعدة ما - يعتبر مكملا قيما للحوليات السياسية مصححًا لها بحكم قربه من حياة الناس.
5 -
ولقد امتزج التأريخ بالتراجم في عهد متقدم، وشاهد ذلك تلك التواريخ التي تقوم على السير. وكان هذا الأسلوب في التاليف ملائما كل الملاءمة لأولئك الذين كتبوا تواريخ الوزراء مثل محمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة 331 هـ (942 - 943 م) الصابئ المتوفى عام 448 هـ (1056 م) وقد سبق أن تحدثنا عنه، وعلى ابن منجب الصيرفى المتوفى عام 542 هـ (1147 - 1148 م) وهو الذي حدثنا عن وزراء الخلفاء الفاطميين، كما كان ملائما لأولئك الذين صنفوا تواريخ القضاة، ومن أقدم التواريخ التي من هذا القبيل ما كتبه محمد بن يوسف الكندى المتوفى عام 350 هـ (961 م) عن قضاة مصر، وما كتبه محمد بن الحارث الخشنى المتوفى عام 360 هـ (970 - 971 م) عن قضاة قرطبة.
وقد نهج الصولى المتوفى سنة 335 هـ (946 م) نهجا خاصا في "كتاب الأوراق " الذي ألفه في تأريخ العباسيين، إذ جمع بين التراجم السياسية والتراجم الأدبية. ولما قامت البيوت الحاكمة في مختلف الأقاليم طبقت عليها هذه الطريقة حتى حلت
الحوليات الخاصة بهذه البيوت في القرنين الخامس والسادس محل الحوليات القائمة على الرواية، وذلك في ولايات المشرق على الأقل. وكانت هذه الخطوة بالغة الضرر، لأن تعظيم العنصر الشخصى قد زاد من أهمية العوامل الشخصية ولاسيما عندما شرع الحكام أنفسهم يتحكمون في كتابة تواريخ عصرهم ويشرفون عليها. وبذلك أضحى التأريخ عملا يسوده التلفيق، وحل أسلوب رسائل الكتاب القائم على البلاغة والتعقيد محل الأسلوب السهل البسيط. ويظهر أن إبراهيم الصابئ المتوفى عام 384 هـ (994 م) هو أول من اتبع النهج الجديد في مصنفه المفقود الذي ألفه في تأريخ البويهيين ويعرف بالتاجى. وقد عمم العتبى المتوفى عام 427 هـ (1035 م) هذا النهج في المصنف المشابه لهذا ألا وهو "اليمينى" في تأريخ سبكتكين ومحمود الغزنوي. ولعل لهذا صلة بنهضة اللغة الفارسية والرواية التاريخية الفارسية (انظر فقرة 1، 4 أعلاها) في المشرق، بل ربما كان هناك أثر للملحمة الفارسية التي كانت في ذلك الوقت آخذة في الظهور (انظر دقيقى والفردوسى). ولئن أمكن تبرئة مؤلفى التواريخ الرسمية من الخضوع وإخفاء الحقائق؛ فإننا لا ننسى أن التجاءهم للطنطنة وافتقارهم إلى الحكم السليم يترك أثرا سيئا في النفس. ومن سوء الطالع أن ما كان لبعض هذه التواريخ من صيت بعيد في أوساط الأدباء وتوالى صدور مثل هذه التواريخ قد أديا إلى اعتبارها نموذجا. غير أن هذه النظرة لا تنصف تماما ذلك العلم الذي أقامته الأجيال الأولى من علماء المسلمين في صبر وجلد.
6 -
وفي هذه الظروف غير الملائمة شرع في كتابة المصنفات التأريخية من جديد باللغة الفارسية. ومما تجدر ملاحظته أن كثيرا من أقدم ما ظهر من المصنفات كان منقولا من الكتب العربية أو موجزا لها. وأول هذه المصنفات ذلك التلخيص المشوب بالتعسف الذي أعده الوزير أبو على البلعمى عام 352 هـ لتأريخ الطبري، وهذا الموجز لا يخلو من زيادات هامة في كثير من الأحيان (انظر الكرديزى) ولم يصل إلينا سوى بعض التواريخ المحلية وتواريخ البيوت
الحاكمة التي كتبت بالفارسية في ذلك العهد، وليس في هذه التواريخ من السمات التي تميزها عن المؤلفات العربية المعاصرة في ولايات المشرق إلا القليل. ويلوح أن كثيرا من الكتاب مثل النسوى كانوا يجارون الظروف فيكتبون حينا بالعربية وحينا آخر بالفارسية. غير أن هناك مثلًا بارزا خرج على المألوف في هذه المصنفات وهو تلك اليوميات الكاملة الخالية من الهوى الحزبى التي ألفها أبو الفضل البيهقي المتوفى عام 470 هـ (1077 م) وهذا الكتاب نسيج وحده بين ما وصل إلينا من المؤلفات التي ترجع إلى ما قبل العهد المغولى.
وقد نهضت اللغة الفارسية وبدأت تصبح لغة أدب في عهد الأسر التي حكمت فارس في القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادي. ومعظم الفضل راجع إلى حكام الأتراك في القرون التالية، الذين كانوا لا يعرفون اللغة العربية بوجه عام. وقد نقلوا اللغة الفارسية إلى البلاد التي غزوها. وكانت فتوحاتهم تمتد غربا إلى الأناضول وشرقا إلى الهند. وما إن وافى القرن السادس على التمام (القرن الثاني عشر الميلادي) حتى بدأت التواريخ الفارسية تدون في هذه البلاد، فكان في آسية الصغرى محمد بن الراوندى حوالي عام 600 هـ (1203 م) وفي الهند فخر الدين مبارك شاه المتوفى بعد عام 602 هـ (1203 م) وهو جد ذلك الفرع الطويل من المؤرخين الهنود الفرس.
7 -
وينبغى لنا قبل أن ننتقل إلى الحقبة التالية أن نشير في إيجاز إلى فرعين آخرين من فروع التأليف المتصل بالتأريخ. فقد استخدمت العلوم الرياضية والفلكية في تأريخ الحوادث.، ونجد شواهد ذلك في عدة مؤلفات قديمة. وخلفت لنا هذه الطريقة أثرًا بارزًا هو كتاب "الآثار الباقية" لأبي الريحان البيرونى المتوفى عام 440 هـ (1048 م). أما الفرع الآخر فميله إلى الآثار القديمة أظهر من ميله إلى التأريخ بمعناه الدقيق. إذ هو قد اقتصر على الكلام على مساكن القبائل العربية في أوطانها الجديدة. ومن الجلى أن هذا التأليف الموسوم بالخطط قد ظهر في العراق، واهم كتاب في الخطط قد فقد،
وهو للهيثم بن عدى المتوفى عام 207 هـ (822 - 823 م). وقد لقى هذا المصنف من التأليف عناية خاصة لدى كتاب مصر.
ثم نذكر أخيرا أن انتشار اللغة العربية بين جماعات النصارى في المشرق قد أدى إلى تأليف كتب عربية في تأريخ الكنائس النصرانية، وهذه الكتب تشتمل أحيانا على تأريخ البوزنطيين والعرب وأشهر من ألف كتبا من هذا القبيل البطريق الملكانى يوتيخيوس والأسقف اليعقوبى أبو البشر (Severus ساويرس) ابن المقفع. وهناك مؤلف عجيب في هذا الميدان ألا وهو تأريخ الديارات النصرانية في مصر وغربى آسية الذي ألفه الكاتب المسلم علي بن محمد الشابشتى المتوفى عام 338 هـ (998 م).
ج- ويزداد التباعد بين التأريخ العربي والفارسى ابتداء من القرن السادس الهجرى الموافق الثاني عشر الميلادي. وتمت بفتوح المغول الخطوة النهائية في سبيل حلول اللغة الفارسية محل اللغة العربية في ميدان الثقافة الفارسية التركية، وقد انتشرت هذه الثقافة في الوقت نفسه نتيجة للتوسع الإسلامي في جميع هذه الأقاليم.
ومع ذلك فقد زاد الإنتاج في التأريخ العربي، ولم يعد في وسعنا إزاء هذه الكثرة البالغة في المواد إلا أن نعالج التأريخ العربي (1) والفارسى (2) كلا على حدة.
1 -
ولقد اتخذت جل المؤلفات التاريخية في ذلك العهد نفس السبل التي توجهت إليها من قبل، وهي تتميز في الوقت نفسه بجماع من المواد الجديدة، وأبرز هذه التغييرات ما طرأ على العلاقات بين التراجم والأخبار السياسية من جهة وما انتاب مادة التواريخ العامة من جهة أخرى. أما العوامل الكامنة التي أفضت إلى هذا التطور فهي ظهور العالم المؤرخ ثانية إلى جانب المؤرخ الرسمي فيما يختص بالأولى، وانتقال مركز النشاط في التأريخ العربي من العراق إلى الشام ثم إلى مصر فيما يختص بالثانية.
2 -
وأهم ظواهر العهد الجديد في كتابة الحوليات عودة المصنفين إلى التأليف في التأريخ العام الذي يبدأ
بخلق العالم أو التأليف في التأريخ العام الذي يبدأ بظهور الإسلام، وهو الأغلب، وبذلك انتعشت تلك النظرة القديمة الإنسانية التي تقوم على أن التأريخ هو حوليات عن البشر، ولو أنه لم يقم بأى تحقيق جديد لتأريخ القرون الأولى. زد على هذا أن اتجاه العالم باد في ذلك الجهد الذي أنفق في سبيل الجمع بين الحوليات السياسية والحوليات القائمة على التراجم، وهو أمر مشاهد في الأخبار المحلية المتقدمة مثل تأريخ دمشق لابن القلانسى المتوفى سنة 555 هـ (1160 م). ولا شك في أن الحيز النسبى الذي يفرده المؤلف لهذه الحوليات أو تلك يتبع هواه. ففي بعض التواريخ (انظر ابن الجوزي والذهبي وابن دقماق) تطغى أخبار الوفيات على الحوادث السياسية حتى لتتضاءل هذه وتقتصر في الغالب على جمل قليلة مقتضبة، والأمر على عكس ذلك في تأريخ الكامل المشهور الذي ألفه عز الدين بن الأثير المتوفى سنة 630 هـ (1233 م). ويتميز هذا الكتاب بما بذله المؤلف من محاولة سرد التأريخ بأسلوب يجعله أقرب إلى الحياة منه إلى الجمود. وآية ذلك أنه حشد الحوادث في روايات وأدخلها جميعا في إطار من الحوليات. ولئن كشف الفحص الدقيق عن أن هناك عيوبا في طريقة تناول ابن الأثير لمواد كتابه فإن رشاقة هذا الكتاب وما امتاز به من إشراق قد أكسباه شهرة باكرة، وجعلا منه ذلك المرجع العمدة الذي استقى منه المصنفون المتأخرون.
وقد يجمل بنا أن نذهب إلى أن إحياء فكرة الخلافة على الناس كافة كانت من بين الأسباب التي أوحت بهذا الاتجاه العالمى. ولكن جمهرة من المؤرخين المتأخرين بالغوا في احتذاء هذا المثل، وأكثر هؤلاء يعتمد اعتمادا كبيرا على ابن الأثير (انظر ابن واصل، وسبط ابن الجوزي، وابن العبرى، وابى الفداء، وبيبرس بن المنصورى، وابن كثير، واليافعى) ولو أنهم كانوا يكملون مقتبساتهم بمواد محلية وأخرى أحدث عهدا. وقد أبدى بعض المؤلفين شيئًا من الاستقلال، وشاهد ذلك للك الحوليات التي ألفها صاحب الموسوعة المصري شهاب الدين النويرى المتوفى عام 732 هـ (1332 م) وابن الفرات
المتوفى سنة 807 هـ (1405 م)؛ وقد سار جرجيس المكين النصرانى المتوفى عام 672 هـ (1273 م) على نهج يوتيخيوس (انظر فقرة ب 7) ومع ذلك فإن أهم التواريخ العامة المتأاخرة من جهة علم تدوين التأريخ هي ما كتب في الأندلس والمغرب. وإذا قارنا المؤرخين في المغرب بمعاصريهم في المشرق ألفينا أن تصور أولئك للتأريخ أوسع أفقا ونظرتهم له أقل هوى. ولم يبق من التواريخ العديدة التي صنفها ابن سعيد المغربي المتوفى سنة 673 هـ (1274 م) سوى أجزاء متفرقة لكنها كافية للدلالة على أنه اعتمد فيها على نسخ كثيرة موثوق بها من عدة مؤلفات قديمة، وكان ابن سعيد هذا رجلا كثير الرحلة لا يكل دؤوبا على البحث لا يعتور عزيمته وهن.
وليس في مقدورنا أن نوفى في هذا المقام الكلام على تأريخ عبد الرحمن بن خلدون المتوفى 808 هـ (1406 م) الذي ذاع صيته في الخافقين، ولم تُقل بعد الكلمة الأخيرة عن مكانته بين الفلاسفة المؤرخين على الرغم من وفرة ما كتب في هذا الصدد؛ وهناك مسألة ما زالت مستغلقة من وجهة نظر علم تدوين التأريخ عند المسلمين، وهذه المسألة هي أنه لا يوجد ما يدل على أن أحدا من خلفاء ابن خلدون قد درس أو طبق المبادئ التي أذاعها على الرغم من تألق نجم مدرسة المؤرخين المصريين في القرون التالية وانصراف الهمم إلى التأريخ في تركية حيث ترجمت المقدمة في القرن السابع الهجرى الموافق الثاني عشر الميلادي.
2 -
وقد ظهر إلى جانب التواريخ العامة عدد كبير من التواريخ المكتوبة عن الأقاليم أو عن الأسر المالكة أو في التراجم، وجل هذه الهؤلفات كتبها أولئك الذين صنفوا التواريخ العامة؛ وذهبت فتوحات المغول بريح الثقافة العربية في فارس والعراق ولم يبق من آثارها - بعد أن ظهر تاريخ العباسيين المفقود الذي ألفه تاج الدين بن الساعى المتوفى عام 674 هـ (1275 م) - سوى مصنفات قليلة تنطوى على بعض تواريخ ومختصرات ضئيلة القيمة (انظر ابن الطقطقى)، ومع هذا فإن مركز التأريخ العربي كان قد انتقل قبل ذلك إلى الشام حيث كان قيام دولتى
بنى زنكى وبنى أيوب قد حفز الهمم إلى تأليف سلسلة من التواريخ، وكان ممن اجتذبهم إلى هذا اللون من التصنيف عماد الدين الإصفهانى المتوفى عام 597 هـ (1201 م) وهو آخر من يمثل مدرسة فارس والعراق التي تؤثر الكتابة المسجوعة. غير أن الشآميين نبذوا ذلك الأسلوب المنثور المنمق وفضلوا عليه نثرا أكثر استقامة وقربا من الطبيعة، وهو أمر عاد على التأريخ العربي فيما بعد بأجزل الفوائد؛ وان ما صنفه بهاء الدين بن شداد المتوفى سنة 632 هـ (1234 م) وأبو شامة المتوفى عام 665 هـ (1268 م) في التراجم ليفوق ما صنفه عماد الدين في نفس الموضوع بمراحل.
والحق إن التواريخ المسجوعة كانت تعود إلى الظهور بين الحين والحين، بل إن الكاتب المصري ابن عبد الظاهر المتوفى عام 692 هـ (1293 م) قد ابتدع أسلوبا جديدا بتأليفه تأريخ السلطان بيبرس شعرا، غير أنه من الواضح أن هذا التطور لا يعزى إلى أي مؤثر خارجى، شأنه في ذلك شأن استخدام المنشئ بدر الدين بن حبيب المتوفى سنة 779 هـ (1337 م) السجع في تاريخه، ولكن السيرة المسجوعة المشهورة التي نظمها ابن عربشاه الدمشقي المتوفى عام 854 هـ (1450 م) في هجاء تيمور هي بدون ريب متأثرة بالكتابات الفارسية المعاصرة (انظر فقرة (2) 2 أسفلها).
ونجد من جهة أخرى أن تأريخ البلاغة على عهد الفاطميين الذي ألفه الداعى اليمنى عماد الدين إدريس بن الحسن المتوفى عام 862 هـ (1467 م) وسماه عيون الأخبار هو كتاب يشعر قارئوه شعورا عجيبا بأنه يشبه أن يكون صدى متأخرا للرواية الساسانية القديمة (انظر فقرة 1، 4).
وقد سار المماليك سيرة أسلافهم الأيوبيين وشملوا برعايتهم كتاب التأريخ، وظلت دمشق وحلب مقرين لرواة بعيدى الهمة، وان كانت الثانية لا تستطيع أن تجارى الأولى في هذا المضمار. وعلى الرغم من أنه كانت هناك بعض الصلة المتبادلة بين رواية القاهرة ورواية هاتين المدينتين فإن هذه الرواية كانت تتميز بشيء من الاستقلال وبخاصة في باب التراجم
(انظر فقرة 3 في آخرها) وما إن وافى القرن الأخير من حكم المماليك حتى ظهرت مدرسة مصرية متميزة من المؤرخين تخرج فيها نخبة ممتازة من الكتاب إلا أنها لم تلبث أن انهار صرحها فجاة. وتبدأ هذه النخبة بتقى الدين المقريزى صاحب التصانيف الكثيرة المتوفى عام 845 هـ (1442 م) ومنافسه العينى المتوفى عام 855 هـ (1451 م) ثم يأتي بعدهما تلميذ المقريزى أبو المحاسن بن تغرى (تنرى) بردى المتوفى عام 874 هـ (1469 م) ومنافسه علي بن داود الجوهرى المتوفى عام 900 هـ (1494 - 1495 م) وشمس الدين السخاوى المتوفى عام 902 هـ (1497 م) والكاتب المتفنن في علوم جمة جلال الدين السيوطي المتوفى عام 911 هـ (1505 م) وتلميذه ابن إياس المتوفى حوالي عام 930 هـ (1524 م).
وظهر في القرن التالي مؤرخ آخر للفتح العثمانى هو أحمد بن زُئبُل المتوفى بعد عام 951 هـ (1544 م) إلا أنه كان يتبع مذهبا في الرواية مختلفا. وعلى الرغم من أن هؤلاء الكتاب قد وقعوا في كثير من الأخطاء التي وقع فيها أولئك الذين ألفوا الحوليات السياسية الأولى إلا أن انخراط العالم ورجل البلاط في زمرتهم وتناوبهما على التصنيف قد جعل هذه التواريخ أوسع افقا وأصح حكما، وباعد بينها وبين المديح كثيرا. وأظهر ما في مؤلفاتهم أنها تقتصر على مصر إلى حد أن أولئك الذين صاغوا مؤلفاتهم على نسق التواريخ العامة قد جعلوها ضمن إطار مصرى صميم. وأبرز كاتب جرى هذا المجرى هو المقريزى. ولا ترجع مكانته إلى دقته التي لم تكن معصومة من الزلل بقدر ما ترجع إلى دأبه ومثابرته وتشعب أغراضه وعنايته بوجوه التأريخ التي تجنح إلى الاجتماع والإحصاء.
وتختلف كتابات المؤرخين الذين كتبوا عن الأقاليم عن مؤلفات هؤلاء من حيث النطاق أكثر من اختلافها معها في المنهج أو فيما تقوم عليه شخصية الكاتب. فالمصنفات اليمنية التي ألفها ابن وهاس الخزرجى المتوفى عام 812 هـ (1409 م) وابن الدَيبَع المتوفى عام 944 هـ (1537 م) تشبه في
مادتها التواريخ المصرية شبها كبيرا وإن كانت أضيق نطاقا.
وما يقال في هذه المصنفات اليمنية ينطبق على تواريخ الأسر الحاكمة والتواريخ المحلية التي كتبت في المغرب والأندلس؛ وهناك بعض كتاب يفوقون غيرهم من مؤرخى المغرب في المادة وفي طريقة الأداء مثل عبد الواحد المراكشى الذي عاش في القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادي، وابن أبي زرع الذي عاش في القرن الثامن الهجرى الموافق الرابع عشر الميلادي، إلا أن الوزير الغرناطى لسان الدين بن الخطيب المتوفى عام 776 هـ (1374 م) يتميز عليهم جميعا لأنه بلغ من الكمال مرتبة تصل إلى حدود العبقرية.
ولعل ابن عذارى يضارع ابن الخطيب إن لم يفقه في مضمار التأريخ القائم على النقد، وهذا الحكم مبنى على المؤلفات التي بقيت في أيدينا لكليهما.
3 -
على الرغم من أن همم الكتاب قد انصرفت انصرافا عظيما إلى التأريخ السياسي فإن نبوغ العرب الحقيقي في علم تدوين التأريخ يتجلى في كتابة السير أكثر من تجليه في رواية الأخبار.
ولقد كان الجمع بين التراجم وبين الحوليات السياسية- سواء أكانت عامة أم محلية- عملا كاد ينعقد عليه إجماع مؤرخى العرب في ذلك العهد كما سبق أن بينا. ويبقى علينا الآن أن نبحث في تلك الطائفة الكبيرة من المؤلفات الموقوفة على ما لا يدخل في باب التراجم السياسية.
في خلال النصف الأول من القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادي بلغ الميل إلى التخصص الذي ظهر في العهد السابق (انظر أنقرة ب، 4) أقصاه بتألف طائفة من المجموعات في التراجم لها شأن خاص. فقد ألم ياقوت الرومى المتوفى عام 626 هـ (1229 م) بستة قرون مرت على الأدب العربي في كتابه "إرشاد الأريب". وقد صور لنا ابن القفطى المصري المتوفى عام 646 هـ (1248 م) وابن أبي أصيبعة الدمشتى المتوفى عام 668 هـ (1270 م) في معجميهما كل ما أنفقه المسلمون الأولون من جهد في الطب والعلوم. ولم ينقطع التأليف في تراجم من خرجوا من إقليم واحد، وشاهد ذلك
تأريخ حلب الذي ألفه القاضي كمال الدين ابن العديم المتوفى عام 660 هـ (1262 م) وتأريخ غرناطة الذي ألفه ابن الخطيب وغير ذلك من المجموعات التي تكمل هذه التواريخ عادة، ويضاف إلى هذه المصنفات كتب طبقات الفقهاء وغيرهم المألوفة، وبحوث في آثار القدماء، ومثال ذلك المعجم الذي ألفه المؤرخ ابن الأثير في الصحابة وسماه "أسد الغابة".
وظهر إلى جانب هذه المؤلفات القائمة على التخصص نوعان جديدان من المعاجم الشاملة في التراجم، وانتشر هذه المصنف من التأليف وبخاصة في الشام. وقد ابتدع ابن خلكان المتوفى عام 681 هـ (1282 م) النوع الأول، أي العام، والحق إن دقته ومزاجه يبرران ما لاقاه كتابه من ذيوع الصيت، غير أن المعجم الذي ألفه خليل بن أيبك الصفدى المتوفى عام 764 هـ (1363 م) يفوق معجم ابن خلكان حجما ومدى حتى لوضممنا إلى هذا الذيل الذي صنفه ابن شاكر الكتبى المتوفى عام 764 هـ (1363 م)، وقد حال كبر حجم مؤلف الصفدى دون طبعه، ولهذا المؤلف أيضًا ذيل ألفه المؤرخ أبو المحاسن وسماه "المنهل الصافي".
أما النوع الثاني من هذه المعاجم فبعيد الغرض، إلا أنه يقتصر على مدة محدودة من الزمن. ولعل لهذا النهج في التأليف صلة بالتأريخ العام للذهبي (انظر فقرة ج، 1 في أعلاها) الذي رتب مواد التراجم وقسمها إلى طبقات حتى نهاية القرن السابع الهجرى، ويمكن استخلاض هذه المواد من الرواية الأصلية بحيث تؤلف عملا مستقلا. وإن فكرة سلك التراجم في عدد من القرون لتعود إلى البرزالى المتوفى عام 739 هـ (1339 م) وكان معاصرا للذهبي. وقد بدأت هذه الطريقة بداية حسنة بظهور الدرر الكامنة لابن حجر العسقلانى المتوفى عام 852 هـ (1449 م) لأن هذا الكاتب قد جمع في مصنفه مشاهير الرجال والنساء في القرن الثامن الهجرى ورتبهم ترتيبا أبجديا، وفي هذا المصنف آخر أثر لنظام الوفيات الذي يرد كل شخص إلى القرن الذي مات فيه؛ والمعجم الذي يقابل هذا في القرن التاسع الهجرى
اسمه "الضوء اللامع"، وهو من تأليف تلميذ لابن حجر يدعى السخاوى، وقد تقدم ذكره، وهو من وفيات عام 902 هـ (1497 م) وسارت الأجيال المتأخرة بهذه السلسلة من المعاجم حتى القرن الثاني عشر الهجرى (انظر الفقرة د، (1)(2).
(2)
-1: وهناك ركن من الأركان العامة في بناء الرواية الخاصة بالتأريخ الإسلامي العام يقوم وسط المذاهب المتباينة التي أخذ بها الفرس في علم تدوين التأريخ من القرن السابع الهجرى إلى القرن العاشر. غير أن أقدار المؤلفين الفرس وأصالتهم تقاس بمقدار استقلالهم في تشييد بنائهم على هذا الأساس. والتواريخ العامة العديدة المكتوبة في فارس أو في الهند ما هي إلا نقول من المصادر القديمة زيد عليها من المواد ما يصل بها إلى الزمن الذي كتبت فيه، وشأنها في التقليد شأن مثيلاتها في العربية، إن لم تكن دونها بصرا بالنقد.
وهذه المؤلفات، ومنها على قبيل المثال الكتاب الذي ألفه منهاج الدين الجوزجانى المتوفى بعد عام 664 هـ (1265 م) لها قيمة خاصة بوصفها تواريخ محلية، أما قيمتها في نظر علم التأريخ فلا تساوى شيئًا كثيرا. وعلى هذا فسنوجه جل همنا في هذا المقام إلى ما أنتجته المذاهب المختلفة التي كانت تزدهر من وقت إلى آخر في أنحاء شتى بفارس والهند والتي أثمرت نوعا متميزا من المؤلفات التاريخية.
2 -
وكانت نشاة إمبراطورية المغول غربي آسية الحافز الأول الذي دفع الكتاب إلى تأليف مثل هذه المجموعة المتميزة من المؤلفات التي استهلت بالتأريخ المبتكر القائم بذاته الذي ألفه علاء الدين عطاء ملك الجويني المتوفى سنة 681 هـ (1283 م) وإن لهذا التأريخ- على الرغم من ذلك- صلة بذلث المصنف من التواريخ الذي توافر عليه الكتاب، وهو ما سبق أن وصفنا (فقرة ب، 2 في أعلاها). وتبدأ المدرسة المغولية الحقة بالمجموعة الذائعة الصيت التي ألفها الوزير فضل الله رشيد الدين طبيب المتوفى عام 718 هـ (1318 م) وهذه المجموعة هي الأثر المباشر لدخول الايلخانية في الإسلام. وكان رشيد الدين يؤلف كتبه اجزاء باللغتين العربية
والفارسية. فجعل الجزء الأول خاصا بالأسر المالكة واعتمد فيه على الرواية المغولية اعتمادا كبيرا ثم ذيله بتأريخ ألجايتو. ويحوى الجزء الثاني إشارات في تأريخ الهند والصين وأوربة، وهو يتفق في هذا الشأن وذلك الفرع من التأريخ العربي الذي انصرف عنه الكتاب أمدا طويلا، ونعنى به الموسوعات. ويختلف عنه في أن مواده مستقاة من رواة معاصرين، ويماثله في أن تصور الكاتب لمؤلفه خير من حقيقة المؤلف نفسه؛ ومع ذلك فإن هذا لا ينقص من شأنه. ثم إن هذا الجزء قد اشتهر برصانة أسلوبه وتحريه للإسهاب أكثر من اشتهاره بالأخذ بأسباب الجمال. ولا يعنينا كثيرا أن يكون مرجع الفضل في هذا إلى رشيد الدين أو إلى عبد الله بن علي القاشانى. وإنما الذي يستوقف نظرنا هو إنه على الرغم من ذيوع صيت كتاب رشيد الدين في الخافقين فإنه قد ارتكس فجاة. ونبذ جميع الكتاب المنتمين إلى هذه المدرسة طريقته نبذا تاما، مع أنهم كانوا موضع رعايته. ولم يشذ عن ذلك سوى اثنين من أصحاب المختصرات هما بناكتى المتوفى عام 730 هـ (1329 - 1330 م) وحمد الله مستوفى القزوينى المتوفى بعد عام 750 هـ (1349 م). وجل هؤلاء- بما فيهم القزوينى نفسه- قد استعاضوا عن ذلك بمحاولة التفوق على الفردوسى بتأليف تواريخ في صورة الملاحم الطويلة القائمة على ذلك الوزن الشعرى الذي انتهجه.
وليس هناك مؤلف هام آخر مما كتب بالنثر سوى ذلك التأريخ البليغ الأسلوب الذي صنفه عبد الله بن فضل الله المتوفى بعد عام 712 هـ (1312 م) والملقب بوصاف، وهو ينحو نحو النمط القديم المعروف بالتأريخ الرسمى (انظر فقرة ب، 5). وقد أصبح هذا التأريخ عمدة، وكان من شأنه أن اغرى الأجيال اللاحقة من مؤرخى الفرس بالضرب في بيداء البلاغة.
وتعثر التأريخ في الفترة بين انحلال المدرسة المغولية وقيام تيمور. وكان هذا الفاتح يضم إلى حاشيته جماعة من الكتاب وقفهم على تدوين تأريخ حملاته وقراءة ما يكتبونه بين يديه. وعلى هذا النمط خلد ذكر حكمه بتأريخ
منظوم باللغة التركية اسمه "تأريخ خانى" وآخر بالفارسية كتبه نظام الدين شامى، وقد حذر نظام الدين من الركون إلى البلاغة والطنطنة. وعلى الرغم من ذلك عدا النسيان على مصنفه الموسوم بـ "ظفر نامه " ونبه ذكر المصنف المنمق الذي ألفه شرف الدين على يزدى المتوفى عام 858 هـ (1454 م) وسماه بالاسم نفسه، وغدا منذ ذلك الوقت نموذجا لرشاقة الأسلوب. وقد بلغ هذا النشاط في كتابة التأريخ غايته في عهد خلفاء تيمور، وبخاصة في مدرسة هراة التي أحيت رواية رشيد الدين في ظل رعايتهم ووكل شاهرخ إلى حافظ أبرو المتوفى عام 833 هـ (1430 م) أن يعيد نشر"جامع التواريخ " ويذيله، وقد قام هذا الكاتب نفسه بتأليف تأريخ عام لولد شاهرخ بايسنغر؛ وهذا التأريخ قليل الحظ من الابتكار إلا أن أسلوبه سهل رصين. ونلمح هذه الرصانة نفسها في المجمل الذي ألفه فصيح الخوافى حوالي عام 845 هـ (1441 م) ولعلها بادية في الأربعة "أولوس " الذي ألفه السلطان ألغ بك المتوفى عام 835 هـ (1449 م)، ولم يبق من هذا المصنف سوى مختصر له، وكان هذا السلطان واسع المعرفة متفننا في علوم جمة. ونحن لا نستطيع أن نخرج من كتابة التأريخ ذلك الأسلوب الرشيق المرصع الذي أشاعه كتاب من أمثال حسين كاشفى. واستجابت جمهرة المؤلفين التيموريين لفعل هذا الأسلوب، وأخذت المؤلفات المتأخرة تستبحر في البلاغة والطنطنة. ولم يستطع عبد الرزاق السمرقندى المتوفى عام 887 هـ (1482 م) - بأسلوبه الآخذ بقسط وافر من الاعتدال- أن ينافس ذلك الأسلوب المرصع الذي كتبت به "روضة الصفاء" لميرخواند المتوفى عام 903 هـ (1498 م) لأن هذا الأسلوب المنمق صادف هوى في نفوس الناس. وقد نقل خواندمير حفيد ميرخواند رواية هراة في صورتها المتأخرة إلى الهند حيث وجدت في هذه البلاد أيضًا تربة صالحة.
3 -
سبق أن أشرنا إلى أن بداية تصنيف التواريخ بالفارسية في الهند كانت أثرا من آثار الفتح الغورى وقيام سلطنة دهلى (انظر فقرة ب، 6) وأن
قوام الحوليات الهندية الفارسية مرتبط بهذه الرواية. وأهم مؤلف بعد "تاج المآثر" لحسن نظامى المتوفى بعد عام 614 هـ (1217 م) هو الذيل الذي كتبه ضياء الدين برنى المتوفى بعد عام 758 هـ (1357 م) لتأريخ الجوزجانى، ولم يؤثر إلى جانب هذا الذيل سوى تراجم قليلة تجنح إلى المدح في المادة والترصيع في الأسلوب. وعلى هذا فإن هناك دلائل على وجود رواية وطنية في إقليم السند ترجع إلى عهد الفتح العربي في القرن الأول للهجرة (القرن الثامن الميلادي)، وانا لنكاد نلمح هذه الرواية في زوايا القصة التأريخية التي أذيعت في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) باسم "جاج نامه "؛ على حين أن التأريخ المحلى في كجرات وفي الجنوب كان في الوقت نفسه أكثر اتصالا بالتأريخ في فارس.
4 -
ظلت الرواية الفارسية الأدبية سائدة في الولايات التركية والعثمانية طوال هذا العهد. ولم تكن المصنفات التي كتبت نثرا أو الملاحم إلى تتحدث عن سلاجقة الأناضول بذات قيمة أدبية، وإنما ترجع أهميتها إلى أنها كانت نموذجا سار على نهجه التأريخ التركى الناشئ، ونلمس هنا مرة أخرى أنه على الرغم من أن الكتاب لم ينصرفوا انصرافا تاما عن الأسلوب البسيط فإن الأسلوب المنمق قد رجح عند الناس آخر الأمر، هذا الأسلوب الذي بلغ الغاية من الترصيع والمبالغة في كتاب "هشت بهشت " الذي ألفه نثرا إدريس بن علي البدليسى المتوفى عام 926 هـ (1520 م) نزولا على رغبة بايزيد الثاني. وإنه لمن إلقاء القول على عواهنه أن نهون من شان مؤلف لأنه يجنح إلى التهويل، وآية ذلك أن وراء الحشو واللغو اللذين يفيض بهما مصنف البدليسى -كما يفيض بهما تأريخ وصاف وغيره من المصنفات التي تنحو هذا النحو- رواية جدية ذات قيمة تأريخية كبرى.
5 -
من أبرز الفوارق التي بين التأريخين الفارسى والعربى ندرة التراجم التأريخية في أولهما. أما التراجم الأدبية فقد كانت بطبيعة الحال وافرة، وتشمل بعض التواريخ العامة إشارات عن الوفيات بالطريقة المألوفة، أو فصول عن الأعيان وبخاصة الوزراء
والشعراء والكتاب. ثم يأتي بعد ذلك سير الأولياء والصوفية. وبعضها خاص بأفراد، وأهم شاهد على ذلك سيرة الشيخ صفى الدين التي كتبها توكل بن بزاز حوالي عام 750 هـ (1349 م) ، وبعضها الآخر يتحدث عن جماعات خاصة أو عامة وهناك مصنفان في تراجم الوزراء صنفهما كاتبان من مدرسة هراة أحدهما "آثار الوزراء" وقد ألفه سيف الدين فضلى عام 883 هـ (1478 م) والآخر " دستور الوزراء" وقد ألفه خواندمير عام 915 هـ (1509 م)، ولكن لم تكتب بالفارسية مؤلفات جديرة بأن تقارن بمعاجم التراجم العربية المعاصرة إلا في القرن التالي. وواضح أن هذا يرد إلى الصلة الوثيقة بين التراجم والبحوث الدينية. ومن الميسور أن نهتدى إلى علة خلو اللغة الفارسية من التراجم إذا تذكرنا أن اللغة العربية ظلت إلى العصر الصفوى لغة الدين والعلم حتى في إيران والهند، وأن اللغة الفارسية كادت تقتصر على الأدب. ويصعب علينا أن نبين لماذا لم تكتب، ولو بالعربية، تراجم تتصل بالأقاليم الفارسية والتركية.
د- شهد الربع الأول من القرن العاشر الهجرى (الخامس عشر الميلادي) إعادة توزيع القوى في العالم الإسلامي، وكاد هذا الأمر يشمله من أقصاه إلى أقصاه، فقد وطد الأتراك العثمانيون سلطانهم في غربي آسية وشمالى إفريقية حتى حدود مراكش.
وأنشا الصفويون في إيران دولة شيعية كائنة بذاتها، وأقام الشيبانيون دويلات أوزبكية في أواسط آسية، وظهر في الهند بيت المغل، وهب بيت شريف يدفع عدوان الأسبان والبرتغال عن مراكش. وحصل زنج النيجر على نظام إسلامي أكثر وضوحا في عهد السنغوى. وكان لا بد أن تقترن هذه الحركات بترتيب جديد للثقافات وتوجيه آخر للأمور مما خلف آثارا في جميع ألوان الأدب وبخاصة في التأريخ. والحق إن التأريخ العربي هو الذي تأثر أبلغ الأثر بذلك، أما التأريخ الفارسى فقد قاسى من جراء تلك العزلة المذهبية التي كانت عليها فارس. بيد أنه ظهرت بالتركية في ذلك الحين تواريخ تنبض بالقوة والحياة. وعلى الرغم من أن هذه التواريخ ترتبط بما سبقها فإنها تقوم -إلى حد ما- على نهج مبتكر.
(أ) 1 - وقد أدى إخضاع الولايات العربية الوسطى للحكم العثمانى إلى حرمان التأريخ العربي من البواعث المحلية التي كان وجوده مرتبطا بها، فانحط انحطاطا يكاد يكون تاما، وكان كل ما ألفه الكتاب من المصنفات التأريخية المحضة في مصر والشام وبلاد العرب حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادي) مقصورا على عدد قليل من التواريخ العامة الضعيفة المادة (انظر البكرى والدياربكرى والجنابى) وعلى بعض تواريخ محلية أو سير متفاوتة في القيمة. ووصلت الرواية التأريخية العربية القديمة آنئذ إلى خاتمتها على يد كاتبين كبيرين أحدهما نشا بمصر وهو عبد الرحمن الجبرتى المتوفى عام 1237 هـ (1822 م) والآخر نشأ بلبنان وهو حيدر أحمد الشهابى المتوفى عام 1251 هـ (1835 م). وبقيت هذه الرواية في أواسط بلاد العرب وشرقيها وجنوبيها إلى نهاية القرن وأثمرت في المغرب فقيضت لنا كاتبا حقيقا بأن ينعت بآخر السلف الصالح، ألا وهو الناصرى السلاوى المتوفى عام 1315 هـ (1897 م). وكان مجيئه عقب سلسلة مشابهة من المؤرخين الخاملين لم يقطعها سوى للك الشخصية البارزة شخصية المقرى التلمسانى المتوفى عام 1041 هـ (1632 م) الذي تعتبر حولياته في تأريخ الأندلس وسيرته لابن الخطيب خير ممهد لرواية الأندلس الزاهرة.
ولقد اتجه بعض الكتاب في تركية إلى الرواية العربية التأريخية فألف منجم باشى المتوفى عام 1113 هـ (1702 م) مؤلفه القيم في التأريخ العام بالاعتماد عليها، وانتشرت هذه الرواية أيضًا في كثير من الأقاليم القاصية التي كانت أحدث عهدا بالاسلام وبخاصة غربي إفريقية، فكان في هذا بعض ما يعوض انحطاطها في مهادها الأصلية. ومن شواهد انتشار الرواية العربية في غربي إفريقية وجود بعض التواريخ المحلية ومن أهمها تأريخ سنغوى لعبد الرحمن السعدى المتوفى بعد عام 1066 هـ (1656 م) وتواريخ ماى إدريس صاحب برنو الذي حكم من عام 910 إلى عام 932 هـ (1504 - 1526 م) وقد ألفها الإمام أحمد. وبقى
في إفريقية الشرقية تأريخ قديم لكلوة وتأريخ لحروب أحمد كران في الحبشة كتبهما شهاب الدين عرب فقيه، وتواريخ أخرى أحدث عهدا تفرعت من هذين وكتبها مؤرخون على مذهب الإباضية في عمان. وكان من شأن العلاقات الوثيقة بين بلاد العرب وبين الشاطئ الغربي للهند أن أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية في هذا الشاطئ وبخاصة في الجنوب (ارجع إلى الوثائق التي نشرها يواوده سوزا Joao de Soussa في ثبوته عام 1790) وعلى هذا فلا يدهشنا أن نجد تاريخا عربيا للحروب البرتغالية كتبه زين الدين المعبرى المتوفى عام 987 هـ (1579 م) وإذا اتجهنا في هذا الشاطى صوب الشمال لقينا تنافسا بين العربية والفارسية حتى إنه لم يبق من المؤلفات العربية التي على شيء من الحجم سوى تأريخ عربي واحد كتبه محمد بن عمر ألغخانى الكجراتى المتوفى بعد عام 1014 هـ (1605 م)، واستقى أكثر مادته من المؤلفات الفارسية. ولم يكتب في فارس نفسها بالعربية سوى تاريخ أو تاريخيين قصيرين.
2 -
واحتفظت الرواية القائمة على التراجم بقوتها ولاسيما في الشام، لأنها كانت -على عكس الرواية التأريخية- لا تعتمد كثيرا على التقلبات السياسية. وآية ذلك أن علماء دمشق واصلوا تأليف المعاجم في أعيان القرن العاشر والحادى عشر والقرن الثالث عشر، وهناك مؤلفات أخرى خلدت ذكر العلماء الذين خرجوا من مدينة واحدة أو إقليم واحد. وهناك إلى جانب هذا نوع من السير منمق مستغلق كتب بالشعر المنثور، وإن صلته بهذه المؤلفات لقريبة جدا من الصلة التي بين التواريخ المكتوبة بهذا النثر وبين التواريخ ذات الأسلوب المستقيم البسيط. وخير من يمثل هذا النحو من التأليف هو شهاب الدين الخفاجى المصري المتوفى عام 1069 هـ (1659 م). ولا أدل على شيوع مصنف هذا الكاتب من أن على خان بن معصوم قد ألف ذيلا له في الهند عام 1082 هـ (1671 م) وقد روى المحبى المتوفى عام 1111 هـ (1699 م) عن هذا الذيل، وألف أيضًا ذيلا آخر.
ولقد بلغ الأمر أن ألفت في المناطق الفارسية والتركية تراجم باللغة
العربية. وإن كتاب "الشقائق النعمانية" الذي ألفه قاضى إستانبول أحمد بن مصطفى طاشكبرى زاده المتوفى عام 968 هـ (1561 م) لمن الكتب العمدة في تأريخ الإسلام بتركية، وقد ذيل هذا الكتاب باللغتين العربية والتركية. وبدأ أثر الصلات التي توثقت بين الجماعات الشيعية العربية وبين نظائرها في فارس والهند في عدة معاجم شيعية، ولم يقتصر تأليف هذه المعاجم على العرب وحدهم (انظر الحر العاملى) بل تعداهم إلى الفرس والهنود، وشاهد ذلك ما صنفه محمد باقر موسوى خو انسارى الفارسى ومعاصره الهندى سيد إعجاز حسين القنتورى المتوفى عام 1286 هـ (1869 م)، وكتبت بالهند أيضًا عدة تراجم في أهل السنة.
وانتشرت الرواية العربية القائمة على التراجم من المغرب حيث ظلت العناية بها موصولة (انظر الوفرانى) إلى غربي السودان فقيض لها فيه نصير نابه الذكر هو أحمد بابا التمبكتى المتوفى عام 1036 هـ (1627 م) وكان هذا هو حال السودان الشرقي أيضًا إذ خرج منه محمد واد ضيف الله المتوفى عام 1224 هـ (1809 - 1810 م) وخلد ذكر الصالحين والفقهاء في مملكة فنج بكتابه المعروف بالطبقات.
2 -
لم تنقطع الصلات العقلية بين فارس وبين الدولة العثمانية والهند انقطاعا تاما عندما اتخذت الدولة الأولى التشييع مذهبا رسميا لها، ولم يكن لهذا الانقلاب الدينى من أثر سوى إبعاد الشقة بين التأريخ في كل من فارس والهند، وثمة ظاهرة أهم من هذه نشاهدها في تدوين التأريخ بهذين القطرين، وهي أن الكتاب كادوا ينفردون بالتأليف فيه، ويندر أن نصادف عالما على شيء من الاستقلال في الرأى أو البعد عن الهوى. فقد خلا الميدان لذلك الكاتب الخاضع الذي يطمس مجموع التفاصيل سديدها وأجوفها بغشاء ثقيل من الشعر العادى والأسلوب المرصع الملئ باللغو. وطبيعى أن هناك ما لا ينطبق عليه هذا القول، وهو أمر مشاهد بصفة خاصة في المؤلفين العديدين الذين صنفوا التواريخ العامة؛ غير أن هؤلاء كانوا من أولئك على طرفى نقيض، إذ هم قد جنحوا إلى
الجفاف والاقتضاب. وإن النظرة العامة إلى ما صنف من التواريخ بفارس والهند في هذه الحقبة لتفصح عن سلسلة مملة من التواريخ العامة والتواريخ المحلية أو الخاصة بالأسر الحاكمة، ويتخلل هذه السلسلة فترات نشط فيها الكتاب وألفوا ما يشبه التراجم بدافع من أصحاب التيجان. وكان بعض هذه الموْلفات على شيء كبير من القيمة، إلا أن أصحابه كانوا يعتبرون التأريخ فرعا من الأدب، وهو ميل تأصل في نفوسهم.
1 -
كان جل التواريخ العامة -سواء أكانت مكتوبة في الهند أم في فارس- قليل التنسيق ضئيل الحظ من الابداع؛ وكل ما فيه أن قيمته تنحصر في روايته لحوادث العصر الذي دون فيه. والتبويب بحسب الأسر المالكة هو الشائع في هذه التواريخ، وهي تردف أحيانا بذيل في تقويم البلدان، ومن بين التواريخ التي ليست أيضًا بذات أهمية تأريخ نظام شاهى المتوفى عام 972 هـ (1565 م) و"تأريخ ألفى" وهو مؤلف متعدد الأجزاء كتب بأمر من أكبر إحياء لذكرى انقضاء ألف سنة على الهجرة، و"صبح صادق" الذي ألفه كاتب الوقائع (واقعه نويس) محمد صادق آزادانى المتوفى عام 1061 هـ (1652 م)، و"خلد برين" الذي كتبه محمد يوسف واله عام 1058 هـ (1648 م)، ومؤلفات محمد بقاء سهانبورى المتوفى عام 1094 هـ (1683 م) و"تحفة الكريم" الذي ألفه مير على شيرقانى المتوفى بعد عام 1202 هـ (1787 م) وفيه ذيل عن السند، وثلاثة مؤلفات فارسية ترجع إلى القرن الأخير (انظر رضا قلى خان وسبهر ومحمد حسن خان). أما كتاب "مرآت الأدوار" الذي ألفه مصلح الدين لارى فترجع أهميته إلى أنه آخر تأريخ عام كتب عن الدولة العثمانية باللغة الفارسية، كما ترجع أهمية التأريخ الذي كتبه حيدر بن علي الرازي عام 1028 هـ (1919 م) إلى ما في تبويبه من إبداع وما يتميز به من بعد عن الصبغة الرسمية.
وقد استخدمت اللغة الفارسية أيضًا في كتابة تواريخ البلاط بدويلات التركمان في أواسط آسية وبقى من هذه التواريخ عدد كبير.
2 -
وقد دعا قيام بيت الصفويين الكتاب إلى تأليف سلسلة من التواريخ الخاصة بالأسر الحاكمة أهمها "أحسن التواريخ" الذي أتمه مؤلفه حسن روملو عام 985 هـ (1577 م) وهذا الكتاب محدود النطاق بعض الشيء، وتأريخان في عهد عباس الأول الذي حكم من عام 995 ألى عام 1037 هـ (1587 - 1627 م)، و"تأريخ عباسى" لمحمد منجم يزدى، والمؤلف الكثير الأسهاب الموسوم بـ"تأريخ عالم آراى عباسى" لإسكندر بك منشى. وقد خلد ذكر نادر شاه بتأريخين ألفهما مهدى خان أستراباذى المتوفى بعد عام 1173 هـ (1760 م). وثانيهما المعروف بـ "درة نادرى" وهو تقليد لوصاف باعتراف المؤلف. وتأريخ ثالث كبير في ثلاثة مجلدات كتبه محمد كاظم، كما خلد ذكر هذا الشاه أيضًا في التأريخ العام الذي ألفه محمد محسن وسماه "مستوفى". أما فتح على شاه الذي حكم من عام 1212 إلى 1250 هـ (1797 - 1834 م) فقد كتب بأمره ما لا يقل عن ثلاثة تواريخ في الأسر الحاكمة وتأريخ عام. وهذه المؤلفات لا تستوعب بحال كل ما كتب بفارس في هذا العهد من تواريخ الأسر الحاكمة والتواريخ المحلية، وبعض هذه التواريخ يمتاز بصفة خاصة بما يمدنا به من فوائد جليلة عن البلد أو الإقليم الذي تحدثت عنه وبجنوح أصحابها إلى الأسلوب البسيط المألوف، غير أننا إذا نظرنا إلى هذه التواريخ نظرة عامة لألفينا أن قيمتها لا تتناسب وحجمها، وأن الهند ترجحها كثيرا في هذا الشأن.
3 -
وكانت الهند في مستهل العهد المغلى ملتقى روايات ثلاث: الأولى الرواية الهندية المغلية القائمة التي ظلت متصلة منذ العهد السابق (انظر فقرة ج (2) 3) والثانية رواية مدرسة هراة (انظر فقرة (2) 2) والثالثة هي ذلك اللون الجديد الذي أدخله أباطرة المغل أنفسهم (انظر الفقرة التالية). وقد نشأ من اتحاد هذه الروايات الثلاث رواية تأريخية هندية متميزة، ولو أن قليلا من المؤرخين قد تأثروا بما أنتجه معاصروهم في فارس، وقد ظهر منذ نهاية القرن الثاني عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادي) مؤثر آخر مبعثه أولئك العلماء والمستشرقون المقيمون في الهند، إلا أن التغير الذي أصاب منهج التأريخ على يدهم لم يظهر دفعة واحدة.
وأول من أفصح عن الرواية الهندية إفصاحا مبينا: نظام الدين أحمد وعبد القادر بداءونى المتوفيان عام 1004 هـ (1595 - 1596) وذلك في كتابيهما في التأريخ العام اللذين تناولا فيهما الكلام على الهند الإسلامية منذ عهد الغزنويين. ومن الواضح أن هذا قد حدث في عهد أكبر الذي حكم من عام 963 إلى عام 1014 هـ (1556 - 1605 م). ومن حق البداءونى علينا أن ننوه في هذا المقام بتأريخه تنويها خاصا، فقد أبدى فيه إبداعا وبصرا بالنقد، وهو يمتاز فوق هذا ببرئه من الصبغة الرسمية وبانصرافه إلى التراجم الهندية انصرافه إلى الحوليات السياسية؛ أما الكتاب الذي صنفه خلفه محمد فرشته فاوسع في ميدان تأريخ الهند الإسلامية مجالا، إلا أنه دون تازيخ البداءونى بصرًا بالنقد، وما إن انقضى قرن من الزمان حتى وصلت الرواية الهندية التأريخية إلى أقصى مراحلها، إذ أخذ الكتاب الهنود يؤلفون في التأريخ الهندى الفارسى (انظر سنجان راى) مما أدى إلى تواشج الهند الهندوسية منذ البداية والهند الإسلامية، وقد تيسر ما بقى من هذا الأمر بفضل ما نقل إلى اللغة الفارسية من عيون الكتب السنسكريتية نزولا على أمر أكبر وغيره من أباطرة المغل.
وكانت تكتب إلى جانب هذه المؤلفات تواريخ عن عهود الحكام كل منها خاص بملك. وأول هذه التواريخ عن عهد أكبر. وسنكتفى هنا بذكر أهمها:
يشتهر مصنف "أكبر نامه" لأبي الفضل علامى المتوفى عام 1011 هـ (1602 م) بجزئه الثالث بصنفة خاصة. وهذا الجزء موسوم بـ "آئين أكبرى" وهو يفصل الكلام على نظام الادارة في عهد أكبر. وأرخ عهد جهانكير في مصنفه "توزك"، (انظر الفقرة التالية) وفي مصنف وزيره معتمد خان المتوفى عام 1049 هـ (1639 م) وأرخ محمد كاظم المتوفى عام 1092 هـ (1681 م) ومحمد سامى مستعد خان المتوفى عام 1136 هـ (1724 م) عهد أورنك زيب. وقد وصف غلام حسين خان المتوفى عام 1195 هـ (1781 م) اضمحلال بيت المغل ونشأة سلطان الانكليز، وكتب خير الدين محمد إلاه آبادى المتوفى بعد عام 1211 هـ (1796 م) تأريخ شاه عالم الثاني. وأقرب هذه المصنفات إلى فن التأريخ هو تأريخ آل تيمور لمحمد هاشم خوافى
خان المتوفى عام 1145 هـ (1762 م) والمصنف المعروف بـ "سواغ أكبرى" الذي كتبه أمير حيدر حسنى بلكرامى حوالي عام 1200 هـ (1785 م) بالاعتماد على المصادر الأصلية وتناول فيه بالنقد عهد أكبر.
وكان لكل بيت مستقل أو شبه مستقل من بيوت الحكم، ولكل ولاية في الهند من البنغال إلى جبال الكرنات، سلسلة من التواريخ تشبه ما أسلفنا وتقل عنها في الحجم، وهي تتسم في الغالب بسمات التأريخ المغلى. ولسنا في حاجة إلى ذكر كل هذه التواريخ ولنكتف بالتأريخين اللذين ألفهما عن الأفغان نعمت الله بن حبيب الله الهروى المتوفى عام 1021 هـ (1612 م) وإمام الدين حسين المتوفى عام 1213 هـ (1798 م). وقد اعتمد عليهما محمد عبد الكريم المتوفى بعد عام 1246 هـ (1830 م) في تأليف تأريخه المتأخر عنهما في الزمن. وعولج تأريخ أفغانستان في ناحيتها الشمالية على يد عبد الكريم البخاري المتوفى بعد عام (1246 هـ (1830 م). وقد كتب تأريخه لخانات آسية الوسطى في إستانبول.
4 -
وأهم ما يتصف به التأريخ الهندى الفارسى من الصفات الأصلية وفرة المذكرات التي كتبت في هذا العهد، وبين هذه المذكرات وبين التأريخ المألوف تباين واضح قوى. ويظهر أن التيموريين هم الذين أوحوا بهذا الاتجاه، واقدم الشواهد على ذلك مذكرات الإمبراطور بابر المتوفى عام 937 هـ (1530 م) وقد كتبت بالتركية، ومذكرات ابن عمه ميرزا حيدر دوغلات المضمومة إلى تاريخ الجغتائية المتأخرين الموسوم بـ "تاريخ رشيدى" وقد كتبت بالفارسية. ثم مذكرات همايون المتوفى عام 963 هـ (1556 م) التي كتبها ساقيه (آفتاباجى) جوهر. وقد بزته اخته من أبيه كلبدن بيكم المتوفاة عام 1011 هـ (1603 م) بمذكراتها التي كتبتها نزولا على رغبة أكبر. وتعتبر مذكرات كلبدن من اهم المصنفات التي تمس العلاقات الشخصية في التأريخ الإسلامي. وكذلك ألف جهانكير المتوفى عام 1037 هـ (1627 م) مذكرة عن السبع عشرة السنة الأولى من حكمه بعنوان "توزك جهانكيرى". وأعاد خلفه نشرها بعد أن صححها ولفقها. ويظهر أن المذكرات المصنوعة الموسومة بـ "توزكات تيموري"- والتي تدوولت في الهند على اعتبار أنها الرسائل الموثوق في
نسبتها إلى تيمور- ترجع إلى هذا العهد.
ولم ينفرد أعضاء البيت المالك بكتابة مثل هذه المذكرات. بل إن كثيرا من الأفراد قد رووا في لغة بسيطة خالية من التصنع ما شهدوه من الحوادث عيانا. وأشهر هذه المذكرات "تذكرة الأحوال " للشيخ محمد على حزين المتوفى عام 1130 هـ (1766 م) و"عبرت نامه " التي كتبها ميرزا محمد ابن معتمد خان حوالي عام 1131 هـ (1767 م)، أما بقية هذه المذكرات فوصف لرحلات ليس فيه من المواد التأريخية الهامة إلا القليل.
5 -
تقدمت كتب التراجم الفارسية في هذا العهد عن العهد السابق وكان لها الصدارة كما كان حالها في الماضي بفضل المؤلفات التي اقتصرت على شعراء فارس والهند. وكانت التراجم التأريخية قليلة أشهرها "مآثر الأمراء" لمير عبد الرزاق الأورنك آبادى المتوفى عام 1171 هـ (1758 م).
وأشمل التراجم الفارسية "هفت إقليم " الذي أتم تأليفه أمين أحمد الرازي عام 1028 هـ (1919 م) وهو مقسم -كما يبدو من عنوانه- إلى سبعة أقسام كل قسم خاص بولاية من ولايات إيران السبع. وفي نهاية القرن الثاني عشر الهجرى صنف مرتضى حسين بلكرامى كتابًا يشبه هذا ضمنه إشارات خاصة عن الهند وسماه "حديقة الإقاليم".
وليس هناك من جهة أخرى أي معاجم شاملة في التراجم على نسق ما ألف في اللغة العربية. وأقرب المعاجم شبها ما كتب باللغة الفارسية من المؤلفات المقصورة على الشيعة وعلمائهم من جهة وعلى الأولياء والصوفية من جهة أخرى. أما عن الطائفة الأولى فإن مصنف "مجالس المؤمنين " الذي كتبه بالهند نور الله بن شريف المرعشى المتوفى عام 1019 هـ (1610 م) قد اعتمد على الرواية العربية الخاصة بتراجم الشيعة، في حين أن كتاب "نجوم السماء" الذي ألفه محمد ابن صادق بن مهدى عام 1286 هـ (1869 م) قد تناول الكلام على علماء الشيعة في القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. أما التراجم الخاصة بالأولياء والصوفية فقد كتبت كما كان متوقعا بالهند فقط، وهي تعنى بصفة خاصة بأولئك الذين خرجوا من
هذه البلاد أو الذين يمتون إليها بسبب. ومن أهم المؤلفات العديدة التي تتحدث عن أشخاص الأولياء وعن الطوائف والجماعات "سير العارفين" لحامد بن فضل الله (جمالى) المتوفى عام 942 هـ (1535 - 1536) و"أخبار الأخيار" لعبد الحق البخاري المتوفى 1052 هـ (1632 م). والمصنف الضخم "مرآة الأسرار". ومن أهم الكتب المختصرة التي تتحدث عن الصوفية في جميع العصور "سفينة الأولياء" للأمير المغلى المنكود الطالع دارا شكوه المتوفى عام 1069 هـ (1659 م).
المصادر:
(1)
Geschichte: G. Brocklelmann der Arahischen Litteratzzre. جـ 1، فيمار Weimar سنة 1898؛ جـ 2، طبعة برلين سنة 1902، الملحق، طبعة ليدن سنة 1936 وما بعدها.
(2)
Die Ges-: F. Wuestenfeld chichtsschreiher der Archer' كونتكن سنة 1882.
(3)
Lectures on: D.S. Margoliouth Arabic Histories، كلكتة سنة 1930 م.
(4)
Ensavo Bio-: Pons-Boigues - bibliografico su los Historiadores Ge ografos Arabigo Espanoles مجريط سنة 1898.
(5)
Perdian Lit-: C.A. Storey erature، A. Biographical Survey، القسم الثاني، لندن سنة 1935 وما بعدها.
(6)
A Literary His-: E.G. Browne torry of Persia، كمبردج سنة 1930 م.
(7)
The: Sir H. Elliot & J. Dowson -History of India as told by its His torians، لندن سنة 1867 - 1877
(8)
فهرس مجموعات المخطوطات الشرقية المهمة.
(9)
وهناك بيان بالرسائل التي كتبت عن أشخاص المؤرخين في كل مادة من المواد القائمة بذاتها، وقد تناول هورفتز Horovitz طائفة خاصة منها في مقالة الموسوم بـ The Earliest Biographies of the Propet بمجلة Islamic Culture حيدر آباد سنة 1928 م، وكذلك فعل. E. Levi-Provencal في Les Historiensdes chorfa، باريس 1922 م.
[جب H.A.R. Gibb]