المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الكلام في الصلاة لما يحدث فيها من السهو - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٧

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ص: باب: الكلام في الصلاة لما يحدث فيها من السهو

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ثقتي

‌ص: باب: الكلام في الصلاة لما يحدث فيها من السهو

ش: أي هذا باب في بيان أن الكلام في أثناء الصلاة لأمر يحدثُ فيها من السَّهو هل يبطل الصلاة أم لا، وكيف الحكم في ذلك؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا شيخ أحسبه أبا زيد الهروي قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، قال: سمعت أبا قلابة يحدث، عن عمه أبي المهلب، عن عمران ابن حصين:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر ثلاث ركعات، ثم سلم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله، إنك صليت ثلاثًا، قال: فجاء فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلم".

حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح قال: ثنا وهيب، عن خالد الحذاء

فذكر بإسناده مثله إلا أنه قال: "فقام إليه الخرباق وزعم أنها صلاة العصر".

حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا معلَّى بن أسد، قال: ثنا وهيبٌ عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال:"سلم رسول عليه السلام في ثلاث ركعات، فدخل الحجرة مُغضَبًا، فقام الخرباق -رجل بسيط اليدين- فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: فخرج يجر رداءه فسأل؛ فأخبر؛ فصلى الركعة التي كان ترك وسلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم".

ش: هذه ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي زيد الهروي، واسمه سعيد بن الربيع الجرشي العامري البصري، روى له مسلم والترمذي والنسائي.

ص: 5

عن شعبة بن الحجاج، عن خالد الحذاء روى له الجماعة، عن أبي قلابة عبد الله ابن زيد الجرمي أحد الأئمة الأحناف روى له الجماعة، عن عمه أبي المُهلّب الجرمي البصري واسمه عمرو بن معاوية قاله النسائي. وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو، روى له الجماعة: البخاري في غير "الصحيح".

عن عمران بن الحصين رضي الله عنه.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال:"صلى رسول الله عليه السلام الظهر أو العصر ثلاث ركعات، ثم سلم فقال رجل من أصحاب النبي عليه السلام يقال له الخرباق: أقصرت الصلاة؟ فسأل النبي عليه السلام فإذا هو كما قال، قال: فصل ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم".

الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه أبو حاتم.

عن وهيب بن خالد البصري، عن خالد الحذاء

إلى آخره.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(2): ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "صلى رسول الله عليه السلام العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، فقال: يا رسول الله، فذكر له الذي صنع، فخرج مغضبًا يجرُّ رداءه حتى إنتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم؛ فصلى تلك الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم.

(1)"مسند أحمد"(4/ 440).

(2)

"المعجم الكبير"(18/ 195 رقم 470).

ص: 6

الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن معلى بن أسد البصري شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد البصري عن [

] (1) مسلم (2) قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا خالد -وهو الحذاء- عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال:"سلم رسول الله عليه السلام في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام ودخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم".

وبقي الكلام فيه من وجوه:

الأول: في خِرْباق -وهو بكسر الخاء المعجمة- ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين أيضًا، وكلاهما لقب عليه، وقال السمعاني في "الأنساب": ذو اليدين ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعًا، وقال ابن حبان في "الثقات": ذو اليدين ويقال له: ذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال أبو عبد الله العدني في "مسنده" قال: أبو محمد الخزاعي، ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.

وقال: ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): حدثنا ابن فَضيل، عن حصين، عن عكرمة قال:"صلى النبي عليه السلام بالناس ثلاث ركعات ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات، فقال: كذلك يا ذا اليدين -وكان يسمى ذا الشمالين- قال: نعم؛ فصلى ركعة، وسجد سجدتين".

(1) طمس في "الأصل، ك"، ولعل موضعه: عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي المهلب عن عمران بن حصين، وأخرجه.

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 404 رقم 2574).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 392 رقم 4512).

ص: 7

وقال ابن الأثير في "معرفة الصحابة": ذو اليدين اسمه الخرباق من بني سليم كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذو الشمالين، ذو الشمالين خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، وشهده أبو هريرة لما سهى رسول الله في الصلاة فقال ذو اليدين:"أقصرت الصلاة أم نسيت؟ " وكان الزهري يقول: إنه ذو الشمالين المقتول

ببدر وإن قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر ثم أحكمت الأمور بعد ذلك.

قال القاضي عياض: وأما حديث ذي اليدين فقد ذكر مسلم (1) في حديث عمران بن حصين أن اسمه الخرباق، وكان في يديه طول وفي الرواية الأخرى:"بسيط اليدين".

وفي حديث أبي هريرة (2): "رجل من بني سليم" ووقع للعذري: "سلم" وهو خطأ وقد جاء في حديث عبيد بن عمير مفسرًا فقال فيه: "ذو اليدين أخو بني سليم" وفي رواية الزهري: "ذو الشمالين رجل من بني زهرة، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قالوا: لأن ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير وهو من بني سليم، فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم وإن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق وهو رجل أخر حليف بني زهره اسمه عمير بن عبد عمرو من خزاعة بدليل رواية أبي هريرة حديث اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: "صلى بنا رسول الله عليه السلام

" وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخيبر بعد يوم بدر بسنتين، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من وهمه، وقد عدّهما بعضهم حديثين في نازلتين وهو الصحيح؛ لاختلاف صفتهما؛ لأن في حديث الخرباق ذي الشمالين أنه سلم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين من

(1)"صحيح مسلم"(1/ 404 رقم 574).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 404 رقم 573).

ص: 8

اثنتين، وفي حديث الخرباق أنها العصر، وفي حديث ذي اليدين الظهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله انتهى.

وقال أبو عمر: ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل ما في حديث أبي هريرة، وأما قول الزهري في هذا الحديث: إنه ذو الشمالين فلم يتابع عليه.

قلت: الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع.

أنه وقع في كتاب النسائي (1) أيضًا: أنا هارون بن موسى الفرويّ، حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال:"نسي رسول الله عليه السلام في سجدتين، فقال: ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال رسول الله: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فقام رسول الله عليه السلام فأتم الصلاة".

وهذا أيضًا سند صحيح.

صرح فيه أيضًا (2): أن ذو الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس، أنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أن رسول الله صلى يومًا فسلم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة، ولم أنس، فقال: بلى والذي بعثك بالحق، قال: رسول الله عليه السلام أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم فصلى بالناس ركعتين".

وهذا سند صحيح على شرط مسلم: وأخرج نحوه الطحاوي عن ربيع المؤذن عن شعيب بن الليث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب .... إلى آخره على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

(1)"المجتبى"(3/ 24 رقم 1229).

(2)

"المجتبى"(3/ 23 رقم 1228).

ص: 9

فثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك وأن المخاطب للنبي هو ذو الشمالين، وأن من قال ذلك لم يهم ولا يلزم مق عدم تخريج ذلك في الصحيحين عدم صحته، فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع.

فإن قيل: أخرج البيهقي (1) حديثًا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النبي عليه السلام فقال: الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف بني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي عليه السلام بسهوه فإنه بقي بعد النبي عليه السلام.

كذا ذكره شيخنا (2) أبو عبد الله الحافظ ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال: حدثني شعيب بن مطير، عن أبيه ومطير حاضر فصدقه، قال شعيب: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خشب، فأخبرك أن رسول الله عليه السلام

" ثم قال البيهقي: وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله أقصرت الصلاة؟ وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك، فقد أخطأ، فإن ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب، وليس له راو.

قلت: سنده ضعيف؛ لأن فيه معدي بن سليمان، فقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يحدث عن ابن عجلان. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، والملزوقات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.

وفي سنده أيضًا شعيب لم يعرف حاله، وولده مطير قال فيه ابن الجارود: سمع ذا اليدين، روى عنه ابنه شعيب، لم يصح حديثه، وفي "الضعفاء" للذهبي: لم يصح حديثه. وفي "الكاشف": مطير بن سليم عن ذي الزوائد وعنه ابناه شعيب وسليم لم يصح حديثه.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 365 رقم 3742).

(2)

"سنن البيهقي الكبري"(2/ 366 رقم 3744).

ص: 10

ولضعف هذا السند قال: البيهقي في كتابه "المعرفة": ذو اليدين بقي بعد النبي عليه السلام فيما يقال، ولقد أنصف وأحسن في هذه العبارة، ثم إن قول شيخه أبي عبد الله:"كل من قال ذلك فقد أخطأ" هو خطأ غير صحيح.

روى مالك في "موطأه"(1): عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي حثمة بلغني: "أن رسول الله عليه السلام ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار -الظهر أو العصر- فسلم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين -رجل من بني زهرة بن كلاب- أقَصرت الصلاة

" الحديث، وفي آخره: مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك.

فقد صرّح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين، وأنه من بني زهرة.

فإن قيل: هو مرسل. قلت: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أنه يتصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرناه مما رواه النسائي آنفًا، ثم قول الحاكم، عن ذي الشمالين:"لم يعقب" يفهم من ظاهره أن ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك فيما قد علمناه، والله أعلم. فإن قيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا على شخص واحد على ما زعمتم فحينئذ يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة، وذلك لأن ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول:"صلى بنا رسول الله عليه السلام إحدى صلاتي العشي إما الظهر أو العصر .... " الحديث، وفيه: "فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله

".

أخرجه مسلم (2) وغيره، وفي رواية: "صلى لنا رسول الله عليه السلام صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين

" الحديث.

(1)"موطأ مالك"(1/ 94 رقم 212).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 404 رقم 573).

ص: 11

قلت: الجواب عن هذا الإشكال ما ذكره الطحاوي في هذا الباب على ما يجيء عن قريب إن شاء الله أن معناه: صلى بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة كما روي عن النزال بن سبرة قال: "قال لنا رسول الله: إنَّا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف

" الحديث، والنزال لم يَرْ رسول الله عليه السلام، وإنما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاوس قال: "قدم علينا معاذ بن جبل رضي الله عنه فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا" وإنما أراد: قدم بلدنا؛ لأن معاذًا إنما قدم اليمن في عهد رسول الله عليه السلام قبل أن يولد طاوس رضي الله عنه، ومثله ما ذكره البيهقي في باب "البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة": عن مجاهد قال: "جاءنا أبو ذرٍّ

" إلى آخره ثم قال البيهقي: مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: "جاءنا" أي جاء بلدنا، فافهم.

الوجه الثاني: فيه دليل على أن سجود السهو سجدتان.

الثالث: فيه حجة لأصحابنا أن سجدتي السهو بعد السلام، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في أنها قبل السلام.

الرابع: أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه هل يصح؟ فظاهر الحديث يدل على أنه يصح؛ لأنه قال: "فجاء فصلى ركعة"، وفي رواية غيره من الجماعة:"فرجع رسول الله عليه السلام مقامه".

ولكن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة: فعند الشافعية فيها وجهان أصحهما: أنه يصح؛ لهذا الحديث؛ لأنه ثبت في "صحيح مسلم": "أنه مشى إلى الجذع وخرج السرعان"، وفي رواية:"دخل منزله"، وفي رواية: "دخل الحجرة ثم خرج، ورجع الناس وبنى على صلاته.

والوجه الثاني وهو المشهور عندهم: أن الصلاة تبطل بذلك، وقال: النووي وهذا مشكل وتأويل الحديث صعب على من أبطلها، ونقل عن مالك: أنه ما لم ينتقض وضوءه يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بهذا الحديث ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: إذا سلم ساهيًا على الركعتين

ص: 12

وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم، يعود إلى القضاء لما عليه ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه.

أما إذا صرف وجهه عن القبلة فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك؛ لأن المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر لا يعود وتفسد صلاته.

وأما إذا كان في الصحراء فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمن أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه وإلا فلا، وإن مشى أمامه لم يذكره في الكتاب.

وقيل: إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلا فلا، وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل: إذا جاوز موضع سجوده لا يعود وهو الأصح، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة، فإن كان، يعود ما لم يجاوزها؛ لأن داخل السترة في حكم المسجد والله أعلم، وأجابوا عن الحديث أنه منسوخ على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

قوله: "مُغْضَبًا" بفتح الضاد.

قوله: "يجر رداءه" جملة حالية.

قوله: "فأخبر" على صيغة المجهول، أي: أخبر النبي عليه السلام أن الأمر كما قاله الخرباق.

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله عليه السلام صلى للناس ركعتين، فسهى فسلم، فقال له ذو اليدين

" فذكر مثل حديث ابن عون وهشام، وحديثهما أنه قال: "أقصرت الصلاة يا رسول الله، قال: لا، قال: فصلى ركعتين أخراوين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلم".

ش: إسناده صحيح، وأبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي المدني، روى له الجماعة.

ص: 13

وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي المدني، روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو أسامة

إلى آخره سواء.

وأخرجه ابن ماجه (2) أيضًا: ثنا علي بن محمد وأبو كريب وأحمد بن سنان، قالوا: نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر:"أن رسول الله سهى فسلم في الركعتين فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ما قصرت وما نسيت. قال: إنك صليت ركعتين. قال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم؛ فتقدَّم فصل ركعتين ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو". انتهى.

قلت: ابن عون هو عبد الله بن عون المزني أبو عون البصري، روى له الجماعة، وهشام هو ابن حسان الأزدي البصري روى له الجماعة، وكلاهما رويا هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وسيجيء حديثهما إن شاء الله تعالى.

ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال:"صلى بنا رسول الله عليه السلام إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر -وأكثر ظني أنه ذكر الظهر- فصلى الركعتين ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها إحداهما على الأخرى، فعرف في وجهه الغضب، قال: وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي الناس أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهاباه أن يكلماه، فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله عليه السلام سماه ذا اليدين فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنْسَ ولم تقصرْ الصلاة، قال: بلى نسيت يا رسول الله، فأقبل على القوم فقال: أصدقَ ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين ثم سلم، ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 393 رقم 4514).

(2)

"سنن ابن ماجه"(1/ 383 رقم 1213).

ص: 14

حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام نحوه.

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أيوب بن أبي تميمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله عليه السلام انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة؟

" ثم ذكر نحو ما بعد ذلك من حديث حماد بن زيد، ولم يذكر في هذا الحديث ما ذكره حماد في حديثه من قول أبي هريرة: "صلى بنا رسول الله عليه السلام".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا، وهيبٌ، قال: ثنا هشام بن حسَّان، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله عليه السلام

" ثم ذكر مثله.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن سيرين، قال: قال أبو هريرة: "صلى النبي عليه السلام إحدى صلاتي العشي

" ثم ذكر نحوه، ولم يقل أبو بكرة في هذا الحديث: "صلى بنا".

حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله عليه السلام

" ثم ذكر مثله.

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله عليه السلام

" ثم ذكر نحوه.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير قال: ثنا أبو سلمة، قال: ثنا أبو هريرة قال: "صلى لنا رسول الله عليه السلام

" ثم ذكر نحوه.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).

ص: 15

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:"سلم رسول الله عليه السلام في ركعتين، فقيل له: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ فأخبر بما صنع، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم سجد سجدتين وهو جالس".

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام صلى يومًا فسلم في ركعتين ثم أنصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص ولم أنس. فقال: بلى والذي بعثك بالحق، فقال رسول الله عليه السلام: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فصلى للناس ركعتين".

حدثنا إبراهيم بن منقد، قال: ثنا إدريس، عن عبد الله بن عياش، عن ابن هرمز، عن أبي هريرة مثله، وزاد:"وسجد سجدتي السهو بعد السلام".

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة: "أن النبي عليه السلام انصرف من ركعتين

" فذكر نحو ذلك غير أنه لم يذكر السلام الذي قبل السجود.

ش: هذه ثلاثة عشر طريقًا كلها صحاح.

الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.

وأخرجه أبو داود (1): عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله عليه السلام إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- قال: صلى بنا ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع

(1)"سنن أبي داود"(1/ 264 رقم 1008).

ص: 16

[يديه](1) عليها -إحداهما على الأخرى- يعرف في وجهه الغضب، ثم خرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة [قصرت الصلاة](2) وفي الناس أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهاباه أن يكلماه فقام رجل كان رسول الله عليه السلام يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر الصلاة، قال: بل نسيت يا رسول الله؛ فأقبل رسول الله عليه السلام على القوم فقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومئوا: أي نعم؛ فرجع رسول الله عليه السلام إلى مقامه

فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر، ثم كبر [وسجد](2) مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر". قال: فقيل لمحمد: سلم في السهو؟ فقال: لم أحفظ من أبي هريرة، ولكن نبئت عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال:"ثم سلم".

وأخرجه مسلم (3): عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة مثله.

الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخطيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني وعبد الله بن عون المزني البصري وسلمة بن علقمة التميمي البصري ثلاثتهم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه البخاري (4): من حديث ابن عون، عن ابن سيرين فقال: ثنا إسحاق، ثنا ابن شميل، أنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله عليه السلام إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصل بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد

(1) في "الأصل، ك": "يده"، والمثبت من "سنن أبي داود".

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود".

(3)

"صحيح مسلم"(1/ 403 رقم 573).

(4)

"صحيح البخاري"(1/ 182 رقم 468).

ص: 17

فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كله اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر؟ فقال كما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم؛ فتقدم فصل ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وبر، فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم".

وأخرجه النسائي (1) أيضًا: عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: "صلى النبي عليه السلام إحدى صلاتي العشي -قال: أبو هريرة: ولكني نسيت- قال: فصلى بنا ركعتين

" الحديث.

وأخرجه أبو داود (2): من حديث سلمة بن علقمة، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله عليه السلام

" بمعنى حديث حماد كله إلى آخر قوله: "نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم، قال: قلت: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد، وأَحَبَّ إلى أن يتشهد". ولم يذكر:"كان يسميه ذا اليدين" ولا ذكر: "فأومئوا" ولا ذكر الغضب" انتهى.

قلت: حديث حماد بن زيد هو الذي ذكرناه، عن أبي داود عن قريب فافهم.

الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.

وأخرجه البخاري (3): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك بن أنس، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله عليه السلام

(1)"المجتبى"(3/ 20 رقم 1224).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 265 رقم 1010).

(3)

"صحيح البخاري"(1/ 252 رقم 682).

ص: 18

انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله عليه السلام: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم. فقام رسول الله عليه السلام فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده وأطول".

وأخرجه النسائى (1): عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك

إلى آخره نحوه.

الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن عيسى والحسن بن قزعة قالا: ثنا عبد الأعلى، نا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة: "أن النبي عليه السلام صلى بهم إحدى صلاتي العشي -وأكبر ظني أنها الظهر- ثم انصرف إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يديه عليها -إحداهما على الأخرى- قال: وفي الناس أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهاباه أن يكلماه، قال: وخرج سرعان الناس فقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، قال: فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله عليه السلام يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر الصلاة، قال: بك يا رسول الله، قال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. قال: فرجع فصل بنا الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر وهو جالس وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.

الخامس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحجاج بن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سير بن، قال: قال أبو هريرة

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (2): ثنا حفص بن عمر، ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى النبي عليه السلام إحدى صلاتي العشاء- قال محمد: وأكثر ظني

(1)"المجتبى"(3/ 22 رقم 1225).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 412 رقم 1172).

ص: 19

العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا: قصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم ذا اليدين فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر.

السادس: عن محمد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد الثقفي المدني من رجال مسلم، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

وأخرجه السراج في "مسنده" نحوه.

السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان اسمه قزمان -قاله الدارقطني- مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي روى له الجماعة.

عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم (1)، والنسائي (2): كلاهما عن قتيبة، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلى لنا رسول الله صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله عليه السلام: كل ذلك لم يكن. فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله؛ فأقبل رسول الله عليه السلام على الناس، فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فأتم رسول الله عليه السلام ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم".

(1)"صحيح مسلم"(1/ 404 رقم 573).

(2)

"المجتبى"(3/ 22 رقم 1226).

ص: 20

الثامن: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري البصري، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم (1): حدثني حجاج بن الشاعر، قال: نا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: نا يحيل، قال: ثنا أبو سلمة، قال: ثنا أبو هريرة: "أن رسول الله صلى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلم فأتاه رجل من بني سليم فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ .... " وساق الحديث.

التاسع: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان أيضًا، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.

وأخرجه أبو داود (2): حدثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن سعد، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام:"أنه صلى الظهر -يعني النبي عليه السلام فسلم في الركعتين، فقيل له: نقصت الصلاة؟ فصلى ركعتين، ثم سجد سجدتين".

وأخرجه النسائي (3) أيضًا: عن سليمان بن عبيد الله، عن بهز بن أسد، عن شعبة

إلى آخره.

العاشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (4): ثنا آدم، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا النبي عليه السلام الظهر أو العصر، فسلم، فقال له ذو

(1)"صحيح مسلم"(1/ 404 رقم 573).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 331 رقم 1014).

(3)

"المجتبى"(3/ 23 رقم 1227).

(4)

"صحيح البخاري"(1/ 411 رقم 1169).

ص: 21

اليدين: الصلاة يا رسول أنقصت؟ فقال النبي عليه السلام: أحقٌّ ما يقول؟ قالوا: نعم. فصل ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين".

الحادي عشر: عن ربيع بن سليمان المؤذن شيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن شعيب بن الليث من رجال مسلم، عن يزيد بن أبي حبيب من رجال الجماعة، عن عمران بن أبي أنس المصري من رجال مسلم، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.

وأخرجه النسائي (1): عن عيسى بن حماد، عن الليث

إلى آخره نحوه سواء.

وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (2): عن شبابة، عن ليث إلى آخره نحوه.

وهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أن ذا اليدين وذا الشمالين كلاهما واحد وأنهما لقبان على خرباق السلمي كما قد ذكرناه، وفيه ردّ على من قال: إن الزهري وهم في قوله: "أن ذا اليدين وذا الشمالين"، واحد وأنه تفرد به، وقد مضى الكلام فيه مستقصى.

الثاني عشر: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، عن إدريس بن يحيى الخولاني المصري، عن عبد الله بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة-بالشين المعجمة- ابن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القتباني المصري، فهو وإن كان النسائي قد ضعفه فهو من رجال مسلم، وثقه ابن حبان وغيره.

وهو يروي، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة.

الثالث عشر: عن ربيع بن سليمان المؤذن -صاحب الشافعي- عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1)"المجتبى"(3/ 23 رقم 1228).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 392 رقم 4510).

ص: 22

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام سلم في ركعتين، فقالوا: يا رسول الله، نسيت أو قصرت الصلاة؟ فقال رسول الله عليه السلام: لم أنس ولم تقصر الصلاة. قالوا: يا رسول الله نسيت، فركع ركعتين أخريين وسجد سجدتين". انتهى.

قوله: "الظهر أو العصر" شك من الراوي، وهو ابن سيرين، والدليل عليه ما جاء في رواية البخاري:"صلى بنا رسول الله عليه السلام إحدى صلاتي العشي قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا".

قوله: "وأكبر ظني أنه ذكر الظهر" هو قول ابن سيرين أي: أكبر ظني أن أبا هريرة ذكر صلاة الظهر، وكذا ذكره البخاري في كتاب "الأدب" وأطلق على الظهر والعصر صلاة العشي؛ لأن العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى الصباح، وفي "الصحاح": العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة.

قلت: الذي قاله الجوهري هو أصل الوضع، وفي الاستعمال: يطلق على ما ذكرنا.

قوله: "مقدم المسجد" بفتح الدال المشددة.

قوله: "إحداهما على الأخرى" قد فسره في رواية أخرى بقوله: "وشبك بين أصابعه

".

قوله: "ثم خرج سرعان الناس" بفتح السين والراء والعين المهملات، أي أخفاؤهم والمستعجلون منهم وأوائلهم ويلزم الأعراب "نونه" في كل وجه، هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير:"السَّرعان" -بفتح السنن والراء- أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعه، ويجوز تسكين الراء.

ص: 23

قلت: وكذا نقل القاضي عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في "المغازي" -بضم السين وإسكان الراء- ووجهه أنه جمع سريع كفقير وفقران وكثيب وكثبان، ومن قال:"سِرَعان" بكسر السين فهو خطأ، وقيل: يقال أيضًا: سِرْعان -كسر السين وسكون الراء-وهو جمع سريع كرعيل ورعلان وأما قولهم: سرعان ما فعلت، ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، مع إسكان الراء والنون مفتوحة أبدًا.

قوله: "فقام رجل طويل اليدين" وفي رواية: "فقام ذو اليدين" وفي رواية: "رجل من بني سليم" وفي رواية: "رجل يقال له: الخرباق بن عمرو وكان في يده طول". وفي رواية: "رجل بسيط اليدين". هذا كله رجل واحد، واسمه: الخرباق ابن عمرو، ولقبه: ذو اليدين، وذو الشمالين، كما ذكرناه فيما مضى مستقصى.

قوله: "لم أنس ولم تقصر الصلاة" وفي رواية مسلم: "كل ذلك لم يكن" وفي رواية أبي داود: "كل ذلك لم أفعل" قال النووي: فيه تأويلان:

أحدهما: أن معناه لم يكن المجموع ولا ينفي وجود أحدهما.

والثاني: وهو الصواب معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أني كملت الصلاة أربعًا، ويدل على صحة هذا التأويل وأنه لا يجوز غيره، أنه جاء في رواية للبخاري في هذا الحديث أن النبي عليه السلام قال:"لم تقصر ولم أنس" ويقال: "لم أنس" يرجع إلى السلام، أي: لم أسْهُ فيه، إنما سلمت قصدًا، ولم أَسْهُ في نفس السلام، وإنما سهوت، عن العدد؛ قال القرطبي: "وهذا فاسد؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سئل عنه، ويقال: بين النسيان والسهو فرق؛ فقيل: كان النبي عليه السلام يسهو ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأن فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي. وقال القشيري: يبعد الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه يتلوح من اللفظ، على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض، وقال القرطبي: لا نسلم الفرق، ولئن سلم فقد

ص: 24

أضاف عليه السلام النسيان إلى نفسه في غير مما موضع بقوله: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"(1).

وقال القاضي: إنما أنكر عليه السلام نسيت المضافة إليه، وهو قد نهى عن هذا بقوله:"بئسما لأحدكم أن يقول نسيت كذا، ولكنه نُسَّي"(2) وقد قال أيضًا: "لا أُنَسَّى" على النفي ولكن أنسى" (3).

وقد شك بعض الرواة في روايته فقال: "أنس، أو أنسَّي" وأن "أو" للشك أو للتقسيم، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يُغلب ويجبر عليه؛ فلما سأله السائل بذلك أنكره وقال:"كل ذلك لم يكن" وفي الأخرى "لم أنس ولم تقصر" أما القصر فبين، وكذلك "لم أنس" حقيقة من قبل نفسي ولكن الله أنساني، ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أن النهي في الحديث عن إضافة نسيت إلى الآية الكريمة؛ لأنه يفتح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النهي الخاص النهي عن إضافته إلى كل شيء؛ فافهم.

وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز فيها النسيان.

قلت: تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله: "لم أنس ولم تقصر الصلاة" مثل قوله: "كل ذلك لم يكن" والمعنى: كل من القصر والنسيان لم يكن، فيكون في معنى: لاشيء منهما بكائن، عك شمول النفي وعمومه لوجهين:

أحدهما: أن السؤال عن أحد الأمرين بـ"أم" يكون لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم لا على التعيين، فجوابه إما بالتعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة

(1) متفق عليه من حديث ابن مسعود، فأخرجه البخاري (1/ 156 رقم 392)، ومسلم (1/ 400 رقم 572).

(2)

متفق عليه من حديث ابن مسعود أيضًا، فأخرجه (4/ 1921 رقم 4744)، ومسلم (1/ 544 رقم 790).

(3)

أخرجه مالك في "موطأه"(1/ 100 رقم 225) بلفظ: "إني لأنسى- أو أنسَّى لأسن".

ص: 25

للمستفهم، لا ينفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنه عارف بأن الكائن أحدهما.

والثاني: لما قال: "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: "قد كان بعض ذلك" ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع.

وقوله "قد كان بعض ذلك" موجبة جزئية، ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي، وها هنا قاعدة أخرى وهي: أن لفظة كل إذا وقعت في حيز النفي كان النفي موجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: ما جاء كل القوم، ولم آخذ كل الدراهم، وقوله: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد؛ لقوله عليه السلام:"كل ذلك لم يكن".

قوله: "فقالوا: نعم" وفي رواية البخاري: "فقال الناس: نعم" وفي رواية أبي داود: "فأومئوا: نعم" كما ذكرنا، وأكثر الأحاديث:"قالوا: نعم" ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعضهم أومأ، وبعضهم تكلم، ثم إذا كان كلامًا لا إشارة كان إجابة للرسول عليه السلام وهي واجبة قال الله تعالى:{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} (1) وقال بعض المالكية: لا يلزم أن تكون الإجابة بالقول، بل يكفي فيها

الإيماء، وعلى تقدير أن تجب بالقول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة، لجواز أن تجب الإجابة، ويلزمهم الاستئناف، أو يكون النبي عليه السلام تكلم معتقدًا للتمام والصحابة تكلموا مجوزين النسخ. انتهى.

ويضعف هذا قول ذي اليدين: "قد كان بعض ذلك" وقولهم: "نعم" بعد قوله: "أصدق ذو اليدين" فقد تكلموا بعد العلم بعدم النسخ.

فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة؟.

(1) سورة الأنفال، آية:[24].

ص: 26

قلت: قال النووي رحمه الله: فجوابه من وجهين:

الأول: أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة، من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال ذو اليدين:"أقصرت الصلاة أم نسيت".

والثاني: أن هذا كان خطابًا للنبي عليه السلام وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح "أن الجماعة أومئوا" أي: أشاروا: نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا.

قلت: وفي الجواب الأول نظر كما ذكرنا الآن، وقال القاضي: وقد يجاب عن هذا بأن يقال: يمكن أن يجاوبوه إشارة إذ لم يكن استدعى منهم النطق، وفي كتاب أبي داود ما يشير إلى هذا؛ لأنه ذكر أن أبا بكر وعمر أشارا إليه أن يقوم، ولعل أن من روى عنهما أنهما قالا: نعم أي: أشار، فسمى الإشارة قولًا.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: احتج به بعضهم على جواز الترجيح بكثرة العدد، قال القرطبي: لا حجه فيه؛ لأنه إنما استكشف لما وقع له من التوقف في خبره حيث انفرد بالخبر عن ذلك الجمع لكثير وكلهم دواعيهم متوفرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عما وقع، فوقعت الريبة في خبر المخبر لهذا، وجوز أن يكون الغلط والسهو منه لا لأنها شهادة.

الثاني: فيه إشكال على مذهب الشافعي؛ لأن عندهم أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إمامًا كان أو مأمومًا ولا يعمل إلا على يقين نفسه، واعتذر الشيخ محيي الدين النووي: عن هذا بأنه عليه السلام سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر

بعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره، لرجع ذو اليدين حين قال النبي عليه السلام:"لم تقصر ولم أنس".

قلت: هذا ليس بجواب مخلِّص لأنه لا يخلو من الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول عليه السلام لا لأجل يقين نفسه، فافهم.

ص: 27

وقال ابن القصار: اختلفت الرواية في هذا عن مالك، فمرة قال: يرجع إلى قولهم -وهو قول أبي حنيفة- لأنه قال: يبني علي غالب ظنه، وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، كقول الشافعي.

الثالث: استدلت طائفة -منهم: الأوزاعي- على جواز الكلام في الصلاة لمصلحة الصلاة.

الرابع: استدلت به طائفة -منهم: الشافعي ومالك وأحمد- أن الصلاة لا تفسد بالكلام ناسيًا.

وسيجيء الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى.

ص: فذهب قوم إلى أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة، وأن الكلام من الإِمام ومن المأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة، واحتجوا في مذهبهم في كلام المأموم للإمام لما قد تركه من الصلاة بكلام ذي اليدين لرسول الله عليه السلام[في هذه الآثار التي رويناها، وفي مذهبهم في الكلام السهو على أن لا يقطع الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم](1) لذي اليدين: "لم تقصر الصلاة" في هذه الآثار التي رويناها، وفي مذهبهم في الكلام على السهو أنه لا يقطع الصلاة، فقدل رسول الله عليه السلام لذي اليدين:"لم تقصر ولم أنس" وهو يرى أنه ليس في الصلاة، قالوا: فلما بني رسول الله عليه السلام على ما قد صلى، ولم يكن ذلك قاطعًا عليه ولا على ذي اليدين الصلاة؛ ثبت بذلك أن الكلام لإصلاح الصلاة مباح في الصلاة، وأن الكلام في الصلاة على السهو غير قاطع الصلاة.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: ربيعة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: كلام القوم في الصلاة لإمامهم على وجه إصلاحها لا يفسد الصلاة، وكذلك كلام الكل على وجه السهو لا يفسدها.

(1) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "ش".

ص: 28

وقال أبو عمر بن عبد البر: وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة لا يفسدها، كقول مالك وأصحابه سواء، وإنما الخلاف بينهما أن مالكًا يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلا ما روى عنه في المنفرد، وهو قول أحمد بن حنبل، ذكر الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم يُفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه، وذكر الخرقي عنه: أن مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا بطلت صلاته إلا الإِمام خاصة؛ فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته.

وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم: إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم تتم الصلاة وأنه فيها، أفسد صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة؛ لأنه قد كملها عند نفسه لا تبطل، وأجمع المسلمون طرًّا أن الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك أن الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر. انتهى.

وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، وروي عنه ترك الأخذ به، وأنه كان يستحب أن يعيد ولا يبني، قال: وإنما تكلم النبي عليه السلام وأصحابه؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت، ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم، ورواه عنه أبو قرة، وقاله ابن نافع وابن وهب وابن كنانة وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم عنه، وقالوا: كان هذا أول الإِسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها، وقد اختلف قول مالك وأصحابه في التعمد بالكلام لإصلاح الصلاة من الإِمام والمأموم، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر، وجعلوه مفسدًا للصلاة إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده، وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو انتهى.

ص: 29

وقال ابن قدامة في "المغني": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا، وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، فأما الكلام لغير ذلك فينقسم خمسة أقسام.

أحدها: أن يتكلم جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، فقال القاضي في "الجامع": لا أعرف عن أحد نصًّا في ذلك، ويحتمل أن لا تبطل صلاته؛ لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة بدليل حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، فلا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه بخلاف الناسي، فإن الحكم قد ثبت في حقه.

القسم الثاني: أن يتكلم ناسيًا وذلك نوعان:

أحدهما: أن ينسى أنه في الصلاة، ففيه روايتان:

إحداهما: لا تبطل الصلاة وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه عليه السلام تكلم في حديث ذي اليدين.

والثانية: تفسد صلاته، وهو قول النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي، لعموم أحاديث المنع من الكلام.

النوع الثاني: أن يظن أن صلاته قد تمت فيتكلم، فهذا إن كان سلامًا لم تبطل صلاته -رواية واحدة- لأنه عليه السلام وأصحابه فعلوه وبنوا علي صلاتهم، وإن لم يكن سلامًا فالمنصوص عن أحمد في رواية جماعة من أصحابه، أنه إذا تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة أو شيء من شأن الصلاة مثل كلام النبي عليه السلام ذا اليدين لم تفسد صلاة، وإن تكلم في شيء من غير أمر الصلاة كقوله: يا غلام اسقني ماء، فسدت صلاته، وفيه رواية ثانية: أن الصلاة تفسد بكل حال، وهذا مذهب أصحاب الرأي، وفيه رواية ثالثة: أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحالٍ سواء كان من شأن الصلاة أو لم يكن، إمامًا كان أو مأمومًا، وهذا مذهب مالك والشافعي؛ لأنه نوع من النسيان، فأشبه التكلم جاهلًا، وتخرج فيه رواية رابعة: وهو أن المتكلم إن كان إمامًا تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد صلاته، وإن تكلم غيره فسدت صلاته.

ص: 30

القسم الثالث: أن يتكلم مغلوبًا على الكلام، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها: أن تخرج الحروف من فيه من غير اختيار مثل أن يتثاءب فيقول: هاه. أو يتنفس: فيقول: آه. أو يسعل فنطق في السعلة بحرفين وما أشبه هذا أو يغلط في القراءة فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أو يجيئه البكاء فيبكي، ولا يقدر على رده، فهذا لا يفسد صلاته، نص عليه أحمد، وقال القاضي فيمن تثاءب فقال: آه آه، تفسد صلاته.

النوع الثاني: أن ينام فيتكلم، فقد توقف أحمد عن الجواب فيه وينبغي أن لا تبطل صلاته.

النوع الثالث: أن يكره على الكلام، فيحتمل أن يخرج على كلام الناسي والصحيح إن شاء الله أن هذا تفسد صلاته.

القسم الرابع: أن يتكلم بكلام واجب مثل أن يخشى على ضرير أو صبي الوقوع في هلكة، أو يرى حية ونحوها تقصد غافلًا، أو نائمًا، أو يرى نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح، فقال أصحابنا: تبطل الصلاة بهذا، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، ويحتمل أن لا تبطل الصلاة، وهو ظاهر قول أحمد، وهذا ظاهر مذهب الشافعي.

القسم الخامس: أن يتكلم لإصلاح الصلاة، وجملته أن من سلم من نقص في صلاته يظن أنها قد تمت، ثم تكلم، ففيه ثلاث روايات:

إحداهن: أن الصلاة لا تفسد إذا كان الكلام في شأن الصلاة، مثل كلام النبي عليه السلام وأصحابه في حديث ذي اليدين.

والثانية: تفسد صلاتهم، وهو قول الخلال ومذهب أصحاب الرأي؛ لعموم أحاديث النهي.

والثالثة: أن صلاة الإِمام لا تفسد؛ لأن النبي عليه السلام كان إمامًا وبني علي صلاته، وصلاة المأمومين الذين تكلموا تفسد، فإنه لا يصح اقتداؤهم بأبي بكر وعمر

ص: 31

- رضي الله عنهما لأنهما تكلما مجيبين النبي عليه السلام، وإجابته واجبة عليهما؛ ولا بذي اليدين لأنه تكلم سائلًا عن نقص الصلاة في وقت يمكن ذلك فيها وليس بموجود في زمننا، وهذه الرواية اختيار الخرقي واختص هذا بالكلام في شأن الصلاة، فأما من تكلم في صلب الصلاة من غير سلام ولا ظن تمام، فإن صلاته تفسد، إمامًا كان أو غيره، لمصلحة الصلاة أو غيرها، وذكر القاضي في ذلك الروايات الثلاث ويحتمله كلام الخرقي لعموم لفظه، وهو مذهب الأوزاعي، فإنه قال: لو أن رجلًا قال للإمام وقد جهر بالقراءة في العصر: إنها العصر لم تفسد صلاته، والله أعلم.

قوله: "وإن الكلامَ" بالفتح عطف على قوله: "إلى أن الكلام".

قوله: "واحتجوا في مذهبهم" أي واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه.

قوله: "لِما قد تركه" أي لأجل ما قد تركه الإِمام من الصلاة.

قوله: "وفي مذهبهم" أي واحتج هؤلاء القوم أيضًا في مذهبهم في الكلام على جهة السهو أنه لا يفسد الصلاة، بقول رسول الله عليه السلام .... إلى آخره.

قوله: "قالو" أي قال هؤلاء القوم.

قوله: "ثبت" جواب لقوله "فلما بني" فافهم.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز الكلام في الصلاة إلا بالتكبير والتهليل وقراءة القرآن، ولا يجوز أن يتكلم فيها لشيء حدث من الإمام فيها.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وعبد الله بن وهب وابن نافع من أصحاب مالك، فانهم قالوا: لا يجوز الكلام في الصلاة إلا بالتكبير والتهليل وقراءة القرآن، ولا يجوز أن يتكلم في الصلاة لأجل شيء حدث من الإِمام في الصلاة.

ص: 32

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمون، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال:"بينما أنا مع رسول الله عليه السلام في صلاة إذ عطس رجل، فقلت: يرحمك الله، فحدقني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أماه، ما لكم تنظرون إليَّ؟! قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت، فلما انصرف النبي عليه السلام من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، والله ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ولكن قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التكبير والتسبيح وتلاوة القرآن".

حدثنا يونس وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن هلال ابن علي، عن عطاء بن يسار، عق معاوية بن الحكم

ثم ذكر نحوه وزاد: "فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك".

أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام لما عَلَّم معاوية بن الحكم إذ تكلم في الصلاة قال له: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسييح والتكبير وقراءة القرآن" ولما لم يقل له: أو ينوبك فيها شيء مما تركه إمامك فتكلم به، دل ذلك أن الكلام في الصلاة بغير التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن يقطعها.

ش: أي أحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث معاوية بن الحكم السلمي، لأنه عليه السلام لما علمه حين تكلم في الصلاة قال له: "إن صلاتنا هذه

" إلى آخره، دل أن الكلام في الصلاة بغير التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن يقطعها، وإلا لخلا كلامه عن الفائدة وذا لا يجوز.

ص: 33

ثم إنه أخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الأسكندراني السكري شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، وثقه ابن يونس وغيره.

عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الإِمام المشهور، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، روى له الجماعة. عن هلال بن أبي ميمونة العامري، روى له الجماعة، عن عطاء بن يسار الهلالي أبي محمَّد القاضي المدني روى له الجماعة، عن معاوية بن الحكم السلمي الصحابي رضي الله عنه.

وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي بأتم منه.

وقال مسلم (1): نا أبو جعفر محمَّد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة وتقاربا في اللفظ، قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله عليه السلام إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله؛ فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله عليه السلام فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله عليه السلام؛ فقلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإِسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان. قال: فلا تأتهم. قال: ومنا رجال يتطيرون. قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم، وقال ابن الصباح: فلا يصدنكم، قال: فقلت: ومنا رجال يخطون،

(1)"صحيح مسلم"(1/ 381 رقم 357).

ص: 34

قال: كان نَبيٌّ من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قِبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله عليه السلام فأخبرته، فعظَّم ذلك عليَّ، قلت يا رسول الله، أفلا أعتقها! قال: ائتني بها، فأتيت بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة.

وقال: أبو داود (1): ثنا مسدد، ثنا يحيى.

ونا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل يعني ابن إبراهيم -المعنى- عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير

إلى آخره نحوه، وفيه اختلاف يسير.

وقال النسائي (2): أنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: حدثني عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "قلت يا رسول الله، أنا حديث عهد بالجاهلية، فجاء الله بالإِسلام، وإن رجالا منا يتطيرون. قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم، ورجال منا يأتون الكهان، قال: فلا يأتوهم. قال: يا رسول الله ورجال منا يخطون. قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك. قال: وبينا أنا مع رسول الله عليه السلام في الصلاة إذ عطس رجل من القوم

" إلى قوله: "وتلاوة القرآن" نحو رواية الطحاوي، وبعده قال: "ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي من قبل أحد والجوانية، وإني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها من شاة، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، ثم انصرفت إلى رسول الله عليه السلام فأخبرته؛ فعظم ذلك عليّ، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها فقال لها رسول الله عليه السلام أين الله لأ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: إنها مؤمنة فأعتقها.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 244 رقم 930).

(2)

"المجتبى"(3/ 14 - 17 رقم 1218).

ص: 35

الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري وسليمان بن شعيب الكيساني، كلاهما، عن بشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي ومن رجال البخاري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، حدثني معاوية بن الحكم، قال: "بينا أنا مع رسول الله عليه السلام في الصلاة

" إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة المدني، عن هلال بن علي وهو هلال بن أبي ميمونة المذكور في الحديث السابق، عن عطاء بن يسار المدني

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (2): ثنا محمد بن يونس، نا عبد الملك بن عمرو، نا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال:"قدمت على رسول الله عليه السلام عُلِّمت أمورًا من أمور الإِسلام فكان فيما عُلِّمت: أن قيل لي: إذا عطست فأحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله، فقل: يرحمك الله. قال فبينا أنا قائم مع رسول الله عليه السلام في الصلاة إذ عطس رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك الله -رافعًا بها صوتي- فرماني الناس بأبصارهم، حتى احتملني ذلك فقلت: ما لكم تنظرون إلي بأعين شزر؟! قال: فسبحوا، فلما قضى النبي عليه السلام الصلاة، قال: من المتكلم؟ قيل: هذا الأعرابي؛ فدعاني رسول الله عليه السلام فقال: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك، فما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله عليه السلام".

قوله: "بينا" أصله "بين" فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، فقيل:"بينا" وقد تدخل فيه الميم فيقال: "بينما" وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى

(1)"السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 249 رقم 3165).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 245 رقم 931).

ص: 36

جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذْ وإذا، وقد جاء في الجواب كثيرًا تقول: بينما زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو وها هنا جوابه قوله:"إذ عطس".

قوله: "فحدقني القوم" بتخفيف الدال، ومعناه: رموني بأبصارهم وحدقهم، وهي جمع حدقة وهي العين، ويروى:"فحدَّقني" بتشديد الدال، من التحديق: وهو شدة النظر.

قوله: "وا ثكل أماه" الثكل بضم الثاء المثلثة وإسكان الكاف، وبفتحهما جميعًا لغتان كالنُّحْل والنَّحَل، حكاهما الجوهري وغيره، وهو: فقدان المرأة ولدها، وامرأة ثكلى وثاكل، وثَكِلته أمه -بكسر الكاف- وأثكله الله أمه، وثكلت المرأة وأثكلت: فقدت ولدها، والواو في قوله:"وا ثكل" تسمى واو الندبة، نحو وا زيداه، والندبة والندب: لغة من ندبت الميت إذا بكيت عليه، وعددت محاسنه، وأصله من ندبه: إذا حَثَّه، كأن الحزن يحث النادب على مد الصوت باسم الميت، ودعاء الناس إلى التضجر معه، والأولى بالندبة: النساء لضعفهن عن تحمل المصيبة، فيبنى المفرد على ما يرفع، نحو: وا زيداه، وا زيدان وينصب المضاف وشبهه نحو: وا عبد الله، ثم يلحقونه حرف مد ليطول الصوت به فيكون أظهو للغرض، وهو التفجع وإظهار اسم المندوب، فيقال: وا زيداه واختير الألف؛ لأنه أقعد في المد من أختيها، أو لأنها أخف، وزيادتها أكثر، ولا يلحق الألف المضاف عند الإضافة لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، بل يلحق المضاف إليه نحو: وا عبد اللاه وإن كان المضاف إليه منونًا فسيبويه يحذف تنوينه نحو: وا غلام زيداه، ثم ها هنا.

قوله: "وا ثكل أماه" مضاف ومضاف إليه، فدخل الألف في المضاف إليه، وهو أماه، وفي رواية:"أمِّياه" قال المُطرزي: حديث ابن الحكم: "وا ثكل أماه"، وروي "أمِّياه" الأولى بإسقاط ياء المتكلم مع ألف الندبة، والثانية بإثباتها، والهاء للسكت، ثم قيل: إن الميم مكسورة، ولقد سمعت بعض من أثق به من أهل الحديث بضم

ص: 37

الهمزة وفتح الميم المشددة وكذا وجدته مضبوطًا بخط المطرزي، وقد قلنا: إن الهاء للسكت، دخلت لتتبين بها الألف؛ لأنها حرف خفي، فالوقف عليه يزيدها خفاء.

قوله: "فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم" معناه: فعلوا هذه الفعله ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، قال عياض: يحتمل أنه كان قبل نهي النبي عليه السلام عن التصفيق في الصلاة والأمر بالتسبيح، وقد يحتمل أن هذا تصير التصفيق في حديث أبي بكر رضي الله عنه على ما أشار إليه بعضهم.

قوله: "فلما رأيتهم يسكتوني" جواب "لَمَّا" محذوف تقديره: ما خالفتهم لكني سكت.

قوله: "يسكتوني" والأصل فيه: "يسكتونني" بنونين، فحذفت نون الوقاية للتخفيف، ويجوز أن يكون المحذوف "نون" الجمع، على لغة من يري حذفها بدون الجازم والناصب، فافهم.

قوله: "فبأبي وأمي" هو هكذا في رواية النسائي، وفي رواية مسلم:"بأبي هو وأمي" فقوله: "هو" مبتدأ، وخبره قوله:"فبأبي"، وقوله:"أمي" عطف عليه، والمعنى هو مفدَّى بهما، وفي بعض نسخ الطحاوي:"بأبي وأمي هو" ومعناه أيضًا: هو مفدَّى بأبي وأمي، أو: فديته بأبي وأمي، فعلى الأول محل الياء رفع، وعلى الثاني جر، فافهم.

قوله: "ولا كهرني" معناه: ولا انتهرني، ولا أغلظ لي، وقيل: الكهر: استقبالك الإنسان بالعبوس، وقرأ بعض الصحابة (فأما اليتيم فلا تكهر) وقيل: كهره ونهره بمعنى.

قوله: "بالجاهلية" والجاهلية: ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالتهم وفحشها.

ص: 38

قوله: "يأتون الكُهان" بضم الكاف جمع كاهن، وهو الذي يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدَّعي معرفة الأسرار.

و"العرَّاف" الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وبهذا حصل الفرق بينهما، وإنما نهى عن إتيان الكهان؛ لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم: أبو محمد البغوي، وقال الخطابي: كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من يزعم أن له رئيسًا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيه، ومنهم من سمي عرافًا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها لمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من يتهم به ونحو ذلك، ومنهم من يسمي المنجم كاهنًا.

قوله: "يتطيرون" من التطير وهو التشاؤم بالشيء، وكذلك الطيرة، وهي مصدر تطير أيضًا، يقال: تطير طيرة كتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرها، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه.

قوله: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم" معناه: أن الطيرة شيء يجدونه في نفوسهم ضرورة ولا عتب عليهم في ذلك؛ فإنه غير مكتسب لهم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في مقاصدكم.

قوله: "لا يصدهم" أي: فلا يصدهم ذلك عن التصرفات.

قوله: "يخطون" من الخط، هو الضرب في الرمل على ما ذكر في كيفيته وقال ابن الأعرابي في تفسير الخط: كان الرجل يأتي العراف وبين يديه غلام، فيأمره بأن يخط

ص: 39

في الرمل خطوطًا كثيرة وهو يقول: ابني عيان أسرعا البيان، يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى أخر ما يبقى من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها (1) تفسد، وفي "المحيط": رجل عطس فقال المصلى: يرحمك الله، أو يرحمك ربك تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس بمنزلة قوله: أطال الله بقاءك وعافاك الله، ولو قال له: الحمد لله لم تفسد، وإن أراد به الجواب؛ لأن التحميد

لا يستعمل في جواب العاطس، وإذا عطس وخاطب نفسه فقال: يرحمك الله لم يضره؛ لأنه لم يخاطب غيره، وإنما يدعو لنفسه.

وقال: الشيخ محيي الدين النووي: وقال أصحابنا إن قال: يرحمك الله أو يرحمكم الله بكاف الخطاب، بطلت صلاته، وإن قال: يرحمه الله، أو اللهم ارحمه، أو رحم الله فلانًا لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله سرًّا هذا مذهبنا وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر والنخعي وأحمد: يجهر به، والأول أظهر.

والخامس: فيه دليل على تحريم الكهانة والعرافة والاتيان إلى الكهان والعرافين وتصديق كلامهم كما قد ذكرناه.

السادس: فيه دليل على تحريم التطير والتشاؤم كما ذكرنا.

السابع: فيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة، دلَّ على ذلك قوله:"فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم"

الثامن: فيه دليل على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر.

التاسع: فيه دليل أن الكافر الذي لا يعتقد دينًا باطلًا ولا يعرف إلا الله إذا أقر بالله وبرسالة نبيه عليه السلام يحكم بإيمانه وإسلامه، وأما الكافر الذي يعتقد دينًا من

(1) يوجد هنا سقط في "الأصل، ك" لعله بمقدار وجه أو وجهين، وباقي كلام ابن الأعرابي: كما في عون المعبود (3/ 142): فإن كان الباقي زوجًا فهو دليل الفلاح والظفر، وإن بقي فردًا فهو دليل الخيبة واليأس.

ص: 40

الأديان الباطلة أو كتابًا من الكتب السماوية فلا يحكم بإسلامه بمجرد الإقرار بالله ورسوله حتى يتبرأ عما يعتقده من الدين الباطل.

العاضر: فيه سيرة رسول الله عليه السلام في التعليم من الرفق بالجاهل، وترك الغضب عليه إذا لم يقصد مخالفة، وفيه تنبيه لغيره أن يسلك مسلكه في تعليم غيره، فافهم.

فإن قيل: استدلا لكم بهذا الحديث لا يتم؛ لأنه لا يدل على أن الكلام ناسيًا في الصلاة يفسدها؛ وذلك لأن النبي عليه السلام علمه أحكام الصلاة وتحريم الكلام فيها، ثم لم يأبيه بإعادة الصلاة التي صلاها معه، وقد كان تكلم بما تكلم به، ولا فرق بين

من تكلم جاهلًا بتحريم الكلام عليه، وبن من تكلم ناسيًا لصلاته، في أن كل واحد منهما قد تكلم، والكلام مباح له عند نفسه.

قلت: لا نسلم أن كلام معاوية بن الحكم رضي الله عنه على وجه السهو والنسيان، بل كان عامدًا ولكن كان جاهلًا بتحريم الكلام، وقولكم: ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه، فيحتمل أن يكون أمره بذلك ولم ينقل إلينا، فإذا احتمل عدم أمره بالإعادة وأمره بالإعادة كان الرجوع إلى عموم قوله:"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" في دلالته على بطلان الصلاة بالكلام سواء كان عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، فالحديث لا يدل على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، فافهم.

ص: ثم قد علَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بعد ذلك ما يفعلون لما ينوبهم ني صلاتهم، حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي عليه السلام قال:"من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله، فإنما التصفيق للنساء والتسييح للرجال".

حدثنا ابن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن المسعودي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي قال: "انطلق رسول الله عليه السلام إلى قوم من الأنصار ليصلح بينهم، فجاء حين الصلاة وليس بحاضر، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه، فبينما هو كذلك إذ جاء رسول الله عليه السلام، فصفح القوم فأشار إليه رسول الله عليه السلام أن يثبت، فأبى

ص: 41

أبو بكر رضي الله عنه حتى نكص، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فلما قضى صلاته قال لأبي بكر: ما منعلى أن تثبت كما أمرتك؟! قال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يتقدم أمام رسول الله عليه السلام، قال: فأنتم ما لكم صفحتم؟! قالوا: لنؤذن أبا بكر، قال: التصفيح للنساء والتسييح للرجال".

حدثنا نصر، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن أبي حازم

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله عليه السلام قال:"من نابه في صلاته شيء فليسبح، فإن التصفيح للنساء".

ش: لما لم يبين النبي عليه السلام في حديث معاوية بن الحكم ماذا يفعلوا إذا نابهم شيء في الصلاة، ومنعه عن الكلام بقوله: "إن صلاتنا هذه

" الحديث، ودل أن كلام الناس مطلقًا يفسد الصلاة، علَّم بعد هذا ما يفعلون في صلاتهم إذا نابت لهم نائبة، وذلك في حديث سهل بن سعد وغيره.

وأخرجه بأربع طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم، روى له الجماعة، عن سهل بن سعد الساعدي الصحابي رضي الله عنه.

وهذا الإسناد على شرط مسلم.

وأخرجه أحمد في مسنده (1): ثنا سفيان، عن أبي حازم، سمع سهل بن سعد، عن النبي عليه السلام:"من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله إنما التصفيح للنساء والتسبيح للرجال".

(1)"مسند أحمد"(5/ 330 رقم 22853).

ص: 42

وأخرجه البخاري (1): ثنا يحيى، أنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال النبي عليه السلام: "التسبيح للرجال، والتصفيح للنساء".

وأخرجه مسلم (2) نحوه.

الثاني: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، عن عبد الله بن يزيد القرشي أبي عبد الرحمن المقرئ القصير شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي وثقه أحمد ويحيى وآخرون، عن أبي حازم

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (3): ثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:"خرج النبي عليه السلام يصلح بين بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة، فجاء بلال أبا بكر رضي الله عنهما، فقال: حبس النبي عليه السلام، فتؤم الناس؟ قال: نعم إن شئتم؛ فأقام بلال الصلاة، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فصلَّى، فجاء النبي عليه السلام يمشي في الصفوف يشقِّقها شقًّا حتى قام في الصف الأول، فأخذ الناس بالتصفيح -قال سهل: هل تدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق- وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثروا التفت، فإذا النبي عليه السلام في الصف، فأشار إليه: مكانك! فرفع أبو بكر يديه فحمد الله، ثم رجع القهقرى وراءه، وتقدم النبي عليه السلام فصلَّى".

وفي رواية للبخاري (4): "فتقدم رسول الله عليه السلام فصلى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق! إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله؛ فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت، يا أبا بكر، ما منعلى أن تصلي بالناس حين

(1)"صحيح البخاري"(1/ 403 رقم 1146).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 316 رقم 421).

(3)

"صحيح البخاري"(1/ 402 رقم 1143).

(4)

"صحيح البخاري"(1/ 414 رقم 1177).

ص: 43

أشرت إليك؟! فقال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله عليه السلام".

وأخرجه مسلم (1): حدثني يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي:"أن رسول الله عليه السلام ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله عليه السلام والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس من التصفيق التفت، فرأى رسول الله عليه السلام فأشار إليه رسول الله عليه السلام أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله عليه السلام من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي عليه السلام فصلى، ثم انصرف فقال يا أبا بكر! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله عليه السلام. فقال رسول الله عليه السلام: ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق، من نابه شيء في الصلاة فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء".

وأخرجه أبو داود (2): ثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم عن سهل بن سعد: "أن رسول الله عليه السلام ذهب إلى بني عمرو بن عوف

" إلى آخره نحو رواية مسلم.

وأخرجه النسائي (3): أخبرنا أحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، ثم ذكر كلمة معناها: ثنا أبو حازم، قال سهل بن سعد: "كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فصلى الظهر، ثم أتاهم ليصلح بينهم، ثم قال لبلال: يا بلال، إذا حضر العصر ولم آت فمر أبا بكر فيصل بالناس، فلما حضرت أذن

(1)"صحيح مسلم"(1/ 316 رقم 421).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 211 رقم 940).

(3)

"المجتبى"(2/ 82 رقم 793).

ص: 44

بلال، ثم أقام فقال لأبي بكر تقدم، فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة، ثم جاء رسول الله عليه السلام فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر وصفح القوم، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا دخل في الصلاة لم يلتفت، فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يمسك عنه التفت، فأومأ إليه رسول الله عليه السلام بيده، فحمد الله عز وجل على قول رسول الله عليه السلام له امضه، ثم مشى أبو بكر رضي الله عنه القهقرى على عقبيه، فلما رأى ذلك رسول الله عليه السلام، تقدم فصلى بالناس فلما قضى صلاته، قال: يا أبا بكر، ما منعك إذْ أومأت إليك أن لا تكون مضيت؟ فقال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله عليه السلام وقال للناس: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفح النساء.

الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد البصري، عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد. إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في سننه (1).

الرابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي أيضًا، عن قبيصة بن عقبة بن محمد الكوفي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم

إلى آخره.

وأخرجه الدارمي في "سننه"(2): أنا يحيى بن حسان، ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي وعبد العزيز محمد، وعبد العزيز بن أبي حازم، وسفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي عليه السلام مثله.

قوله: "من نابه" أي: نزل به شيء من الأمور المهمة، من: نَابَه يَنُوبُه نَوْبًا.

قوله: "التصفيق" مصدر من صفق إذا ضرب على يده، والتصفيح: هو التصفيق يقال: صفح بيده، وصفق، قيل: الذي بالحاء الضرب بظاهر اليدين.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 123 رقم 5090).

(2)

"سنن الدارمي"(1/ 365 رقم 1365).

ص: 45

إحداهما: على باطن الآخرى، وقيل: بإصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، والتصفيق بالقاف: ضرب إحداهما الصفحتين على الأخرى، وهو اللهو واللعب، ولكن لم يرد ها هنا إلا مجرد ضرب اليد على اليد لأجل التنبيه.

قوله: "إلى قوم من الأنصار" هم بنو عمرو بن عوف.

قوله: "فجاء حين الصلاة" أي: صلاة العصر كما صرح بها في رواية النسائي، وكذا صرح بها في إحدى روايات البخاري.

قوله: "فصفح القوم" من التصفيح وقد ذكرنا معناه.

قوله: "أن يثبت""أن" أتى هذه تفسيرية كما في رواية مسلم: "أن امكث".

قوله: "حتى نكص" أي: رجع صراعه وفي رواية البخاري: "ثم رجع القهقرى".

وفي رواية مسلم: "ثم استأخر" وفي رواية النسائي: "ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه" وفي رواية: نَكِصَ على عقبيه ليصل الصف، ومعنى كله الرجوع.

فإن قيل: لِمَ لَمْ يثبت أبو بكر رضي الله عنه إذ أشار إليه سيدنا عليه السلام بالثبات وظاهره يقتضي المخالفة؟.

قلت: علم أبو بكر رضي الله عنه أنها إشارة تكريم لا إشارة إلزام، والأمور تعرف بقرائنها، ويدل على ذلك شق رسول الله عليه السلام الصفوف حتى خلص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى.

قوله: "كما أمرتك""الكاف" فيه للتعليل و"ما" مصدرية، والمعنى: لأجل أمري إياك بالثبات في مكانك، وقد منع بعضهم كون "الكاف" للتعليل وأجازه بعضهم، وقيده بعضهم بأن تكون الكاف مكفوفة بـ "ما" وذلك كما في قول سيبويه عن العرب: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه، والحق جوازه سواء كان مجردًا عن "ما" أو

ص: 46

مكفوفا بـ "ما" فالأول كما في قوله تعالى: {وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (1) أي: أعجب لعدم فلاحهم، والثاني كما في قوله تعالى:{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} (2) قال الأخفش: أي لأجل إرسالي فيكم رسولًا منكم، فاذكروني وكما في قوله:{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} (3).

قوله: "لم يكن لابن أبي قحافة" أراد به أبو بكر نفسه؛ لأن أبا قحافة أبوه، واسمه عثمان أسلم يوم الفتح، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة، وكانت وفاة الصديق رضي الله عنه قبله فورث منه السدس.

وهو بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبالفاء.

قوله: "لنؤذن" من الإيذان وهو الإعلام، أي: لنعلم أبا بكر رضي الله عنه بأنك حضرت يا رسول الله عليه السلام.

ويستنبط من هذا أحكام:

الأول: أن السنة لمن نابه شيء في الصلاة كإعلام من يستأذن عليه، وتنبيه إمامه ونحو ذلك: أن يسبح إن كان رجلًا فيقول: سبحان الله، وأن يصفق إن كانت امرأة فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللهو واللعب، فإن فعلت هذا على وجه اللعب بطلت صلاتها؛ لمنافاته الصلاة، وعن هذا قال صاحب "المحيط": إذ استأذن على المصلى غيره فسبح إعلامًا أنه في الصلاة لا تفسد، ثم قال: والمرأة تصفق للإعلام وروى الحديث المذكور.

الثاني: أن الإمام إذا تأخر عن الصلاة يقدم غيره إذا لم يخف فتنة ولا إنكارا من الإِمام.

(1) سورة القصص، آية:[82].

(2)

سورة البقرة، آية:[151].

(3)

سورة البقرة، آية:[198].

ص: 47

قال السفاقسي: وفيه دليل على جواز استخلاف الإِمام إذا أصابه ما يوجب ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وبه قال عمر وعلي والحسن وعلقمة وعطاء والنخعي والثوري.

وعن الشافعي وأهل الظاهر: لا يستخلف الإمام، وقال بعض المالكية تأخر أبي بكر رضي الله عنه وتقدمه عليه السلام من خواص النبي عليه السلام لأنهم كانوا تَقَدَّموا النبي عليه السلام بالإحرام، ولا يفعل ذلك بعد النبي عليه السلام.

قلت: هذا الحديث حجة على الشافعي في منعه صحة الاستخلاف، وأصحابنا جوزوا الاستخلاف بهذا الحديث، وبحديث عائشة رضي الله عنها: لما مرض مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة فأذن، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس

" الحديث (1).

فإن قيل: أنتم ما تجوزون الاستخلاف إلا فيمن سبقه الحدث، حتى لو تعمد ذلك أو قهقه أو تكلم لا يجوز الاستخلاف، فكيف تستدلون بالحديث؟

قلت: لأن الذي سبقه الحدث عاجز عن المضي في الصلاة فيجوز له الاستخلاف، كما أن أبا بكر رضي الله عنه عجز عن المضي فيها ليكون المضي من باب المتقدم على رسول الله عليه السلام، وقد قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (2) فصار هذا أصلًا في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف غيره.

الثالث: قال النووي في تقدمه عليه السلام: يستدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم في الصلاة بعد الإِمام الأول؛ فإن الصديق رضي الله عنه أحرم بالصلاة أولًا ثم اقتدى بالنبي عليه السلام حين أحرم بعده، قال: وهو الصحيح من مذهبنا.

(1) متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها، البخاري (1/ 236 رقم 633)، ومسلم (1/ 312 رقم 418).

(2)

سورة الحجرات، آية:[1].

ص: 48

الرابع: قال ابن الجوزي: فيه دليل على جواز الصلاة بإمامين وذلك أن النبي عليه السلام لما وقف عن يسار أبي بكر رضي الله عنه علم أبو بكر أنه نوى الإمامة فعندها نوى أبو بكر الإتمام.

الخامس: قال الطبري: فيه دليل على أن من سبق إمامه بتكبيرة الإحرام، ثم ائتم به في صلاته أن صلاته تامة، وبيان فساد قول من زعم أن صلاته لا تجزئه؛ وذلك لأن أبا بكر رضي الله عنه كان قد صلى بهم بعض الصلاة، وقد كانوا كبروا معه للإحرام، فلما أحرم رسول الله عليه السلام لنفسه للصلاة بتكبيرة الإحرام ولم يستقبل القوم صلاتهم بل بنوا عليها مؤتمين به، وقد كان تكبيرهم للإحرام تقدم تكبيره.

والجواب عن هذا: أن إمامهم كان أبا بكر رضي الله عنه أولًا ولم يسبق تكبيرهم على تكبيره، ثم إن النبي عليه السلام أتم صلاة أبي بكر ولم يبتدئها من أولها حتى يلزم ما ذكره، وهذا ظاهر لمن يتكلم بالتأمل.

وقال ابن بطال: لا أعلم من يقول إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة، إلا الشافعي بناءً على مذهبه، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإِمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبر قبل إمامه.

السادس: قال السفاقسي: احتج به من الحذاق على أبي حنيفة في قوله: "إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته" ومذهب مالك والشافعي: إذا سبح لأعمى خوفًا لأن يقع في بئر أو من دابة أو حية؛ أنه جائز.

قلت: لا نسلم أن يكون هذا حجة على أبي حنيفة؛ لأن الذي في الحديث: "فصفق الناس" وهو غير التسبيح.

وأما قوله "من نابه شيء في الصلاة فليسبح" فأبو حنيفة أيضًا يعمل به كما بينا ولئن سلمنا ذلك فمراد أبي حنيفة من قوله: "إذا سبح الرجل لغير إمامه لم يجزه" إذا كان على وجه الجواب مثل ما أخبر الرجل لمن في الصلاة بخبر يعجبه، وقال: سبحان الله، وأما إذا كان لا على وجه الجواب لا تفسد صلاته كما في المسأله المذكورة؛ لعموم قوله: "من نابه شيء

" الحديث.

ص: 49

السابع: استدل به مالك أن من أخبر في صلاته بسرور فحمد لله لا يضر صلاته؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه رفع يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله عليه السلام، وقال ابن القاسم: ومن أُخبر بمصيبة فاسترجع، أو أُخبر بشيء فقال: الحمد لله على

كل حال، أو قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لا يعجبني وصلاته مجزئة، وقال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة، وكذلك عند أبي يوسف من أصحابنا إذا أُخْبِر المصلي بما يسوءه فاسترجع، أو أُخبر بما يسره فحمد الله، لا تبطل صلاته، لفعل أبي بكر رضي الله عنه.

وقال أبو حنيفة ومحمد: تفسد؛ لأنه خرج مخرج الجواب، ويجاب لهما عن فعل أبي بكر رضي الله عنه بما قاله ابن الجوزي: إنما كان إشارة منه إلى السماء لا أنه تكلم، وفيه نظر لأنه صرح بقوله: فحمد الله على ما أمره به رسول الله عليه السلام والأحسن أن يقال: إن هذا لم يخرج من أبي بكر مخرج الجواب فافهم.

الثامن: ينبغي أن يكون المقدم نيابة عن الإِمام أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به.

التاسع: أن المؤذن وغيره يعرض المتقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه.

العاشر: أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة؛ لقوله: "فصفح القوم".

الحادي عشر: جواز الالتفات في الصلاة للحاجة.

الثاني عشر: استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة.

الثالث عشر: جواز رفع اليدين بالدعاء.

الرابع عشر: جواز المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين.

الخامس عشر: أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه الإكرام وعدم الإلزام، وترك الامتثال لا يكون مخالفة للأمر.

السادس عشر: استحباب ملازمة الآداب مع الكبار.

ص: 50

السابع عشر: فيه بيان فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على سائر الصحابة رضي الله عنهم.

الثامن عشر: أن الإمامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة.

التاسع عشر: جواز خرق الإِمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج لخرقها؛ لخروجه إلى طهارة أو لرعاف ونحوهما ورجوعه، وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذر، وكذا خرقها في الدخول إذا رأى قدامه فُرجةً لأنهم مقصرون بتركها.

العشرون: قال النووي: فيه أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة فهذا هو السنة ولو أقام غيره كان خلاف السنة، ولكن يعتد بإقامته عندنا.

قلت: لا يلزم من ذلك أنه إذا أقام غيره يكون خلاف السنة، وليست ها هنا دلالة على هذه الدعوى.

الحادي والعشرون: قال أيضًا: فيه دليل على تقديم الصلاة لأول وقتها.

قلت: هذا أيضًا لا يدل على فضيلة المتقدم؛ لأنهم ربما كانوا استعجلوا بها خوفًا على فواتها بصبرهم وانتظارهم إلى حضور رسول الله عليه السلام؛ لأنه عليه السلام قد كان ذهب إلى قباء وهي بعيدة من المدينة، وفي مثل هذا نحن أيضًا نقول بالتقديم، والله أعلم.

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".

حدثنا أبو أمية، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" قال الأعمش: فذكرت ذلك لأبراهيم، فقال: كانت أمي تفعله.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عوف، قال: ثنا محمد، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.

ص: 51

حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله عليه السلام مثله.

ش: هذه أربع طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

وأخرجه البخاري (1): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".

وأخرجه مسلم (2)، وأبو داود (3)، والنسائي (4).

الثاني: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن يعلى بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الكوفي، روي له الجماعة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(5): من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثله.

قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: قد كانت أمي تفعله.

الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.

(1)"صحيح البخاري"(1/ 403 رقم 1145).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 318 رقم 422).

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 247 رقم 939).

(4)

"المجتبى"(3/ 11 رقم 1207).

(5)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 247 رقم 3153).

ص: 52

وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا أحمد بن محمد البرتي، حدثنا أبو سلمة، ثنا أبان، ثنا قتادة أن محمد بن سيرين حدثه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن نبي الله عليه السلام قال:"التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".

وأخرجه أيضًا: عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".

الرابع: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن يونس بن بكير بن واصل الكوفي الحمال، عن محمد بن إسحاق.

عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفي الحجازي، وثقه أبو حاتم والدارقطني.

عن أبي غطفان بن طريف قيل: اسمه سعد، من رجال مسلم.

عن أبي هريرة.

وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا محمد بن رافع والحسن بن منصور، قالا: ثنا حفص بن عبد الرحمن، ثنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "التسبيح للرجال في الصلاة، والتصفيق للنساء".

ص: فعلمهم رسول الله عليه السلام في هذه الآثار في كل نائبة تنوبهم في الصلاة التسبيح ولم يبح غيره، فدل ذلك على أن كلام ذي اليدين لرسول الله عليه السلام بما كلمه به في حديث عمران وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.

ش: أي فعلم رسول الله عليه السلام الصحابة في الآثار المذكورة، وهي التي رواها سهل بن سعد وأبو هريرة ومعاوية بن الحكم "في كل نائبة" أي: نازله تنزل بهم في الصلاة أن يقولوا سبحان الله، ولم يبح لهم أن يقولوا شيئًا غير ذلك، فدل ذلك أن كلام ذي اليدين خرباق السلمي لرسول الله عليه السلام بقوله:"أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ".

ص: 53

الذي ذكر في حديث عمران بن الحصين وعبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.

حاصل هذا الكلام: أن حديث ذوإليدين منسوخ، وقد ذكر جماعة من المحققين أن ناسخه حديث عبد الله بن مسعود الذي أخرجه البخاري (1)، ومسلم (2)، وأبو داود (3)، والنسائي (4) بأسانيدهم عن عبد الله قال: "كنا نسلم على النبي عليه السلام

وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال:"إن في الصلاة لشغلًا".

وحديث زيد بن أرقم الذي أخرجه الجماعة (5) بأسانيدهم عنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه، حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (6) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وذلك لأن ذا اليدين قتل يوم بدر، كذا روي عن الزهري وغيره على ما يجيء إن شاء الله، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الإِسلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبي عليه السلام أو صحابي آخر.

فإن قيل: قد روي في بعض روايات مسلم في قصة ذي اليدين أن أبا هريرة قال: "بينا أنا أصلي مع النبي عليه السلام صلاة الظهر، فسلم رسول الله عليه السلام في الركعتين، فقام رجل من بني سليم

" الحديث وهذا تصريح منه أنه حضر تلك الصلاة، فانتفى بذلك ما ذكرته وما ذكره الطحاوي أيضًا من التأويل الذي أوله، على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.

(1)"صحيح البخاري"(3/ 1407 رقم 3662).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 382 رقم 538).

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 305 رقم 923).

(4)

"المجتبى"(3/ 19 رقم 1221).

(5)

تقدم

(6)

سورة البقرة، آية:[238].

ص: 54

قلت: يحتمل أن بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة في إحدى رواياته: "صلى بنا" أنه كان حاضرًا فروى الحديث بالمعنى على زعمه وقال: "بينا أنا أصلي" هذا وإن كان فيه بعد إلا أنه يقربه ما ذكرنا من الدليل على أن ذلك كان قبل بدر، ويدل عليه أيضًا أن في حديث أبي هريرة:"ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها" وفي حديث عمران بن حصين: "ثم دخل منزله" ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القبلة ويمشي وقد بقي عليه شيء من الصلاة فلا يخرجه ذلك عنها.

فإن قيل: فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة.

قلت: فيلزم على هذا لو أكل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى أنه في الصلاة أنه لا يخرجه ذلك منها، وأيضًا فقد أخبر النبي عليه السلام ذو اليدين، وخبر الواحد يجب العمل به، ومع ذلك تكلم عليه السلام وتكلم الناس معه مع إمكان الإيماء؛ فدل على أن ذلك كان والكلام مباح في الصلاة ثم نسخ.

فإن قيل: قد جاء في رواية حماد بن زيد أنهم أومئوا.

قلت: قد اختلف على حماد في هذه اللفظة، قال البيهقي في "المعرفة": هذه اللفظة ليست في رواية مسلم عن أبي الربيع، عن حماد، وإنما هي في رواية أبي داود عن محمد بن عبيد.

فإن قيل: قد سجد النبي عليه السلام سجدتي السهو في حديث ذي اليدين، ولو كان الكلام حينئذ مباحًا كما قلتم لما سجدهما.

قلت: لم تتفق الرواية على أنه عليه السلام سجدهما بل اختلفوا في ذلك، فقال البيهقي: لم يحفظها الزهري لا عن أبي سلمة ولا عن جماعة، حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة، وخرج الطحاوي رحمه الله-على ما يأتي- عن الزهري قال:"سألت أهل العلم بالمدينة، فما أخبرني أحد منهم أنه صلاهما -يعني سجدتي السهو- يوم ذي اليدين" فإن ثبت أنه لم يسجدهما فلا إشكال، وإن ثبت أنه سجد نقول: الكلام في

ص: 55

الصلاة وإن كان مباحًا حينئذٍ، لكن الخروج منها بالتسليم قبل التمام لم يكن مباحًا، فلما فعل عليه السلام ذلك ساهيًا، كان عليه السجود لذلك.

فإن قيل: قال البيهقي: "باب ما يستدل به على أنه لا يجوز أن يكون حديث ابن مسعود في تحريم الكلام ناسخًا لحديث أبي هريرة وغيره في كلام الناسي" وذلك لتقدم حديث عبد الله وتأخر حديث أبي هريرة وغيره، قال ابن مسعود فيما روينا عنه في تحريم الكلام:"فلما رجعنا من أرض الحبشة" ورجوعه من أرض الحبشة كان قبل هجرة النبي عليه السلام، ثم هاجر إلى المدينة وشهد مع النبي عليه السلام بدرًا، فقصة التسليم كانت قبل الهجرة.

قلت: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن إلا بالمدينة، وبها نهي عن الكلام في الصلاة، وقد روى حديث ابن مسعود بما يوفق حديث زيد بن أرقم قال:"كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" وهو حديث صحيح صريح في أن تحريم الكلام كان بالمدينة؛ لأن صحبة زيد رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، ثم ذكر حديث ابن مسعود من جهة شعبة، ولم يقل: إنه كان حين انصرافه من الحبشة، ثم ذكره من وجه آخر بمعنى حديث زيد سواء، ولفظه:"إن الله حدث أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وأن تقوموا لله قانتين .... " ثم ذكر حديثًا، ثم قال: ففيه وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المنع من الكلام كان بعد إباحته.

فإن قيل: حديث ابن مسعود في سنده عاصم بن بهدلة، قال البيهقي في كتاب "المعرفة": صاحبا الصحيح توقيا روايته لسوء حفظه. وقال أبو عمر في "التمهيد": من ذكر في حديث ابن مسعود: "إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة"، وقد وهم ولم يقل ذلك غير عاصم وهو عندهم سيء الحفظ كثير الخطأ.

(1) سورة البقرة، آية:[238].

ص: 56

قلت: الحديث رواه ابن حبان في "صحيحه" والنسائي في "سننه" وقال: البيهقي ورواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود، وتداوله الفقهاء إلا أن صاحبي الصحيح يتوقيان روايته لسوء حفظه، فأخرجا من طريق آخر ببعض معناه. وقال أبو عمر: وقد روي حديث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم كما ذكرناه، وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال، ثم إن حديث عاصم ليس فيه فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى مكة بل يحتمل أن يريد فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى المدينة ليتفق حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم، وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن مسعود لما عاد من الحبشة إلى مكة رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله عليه السلام بالمدينة وهو يتجهز لبدر، وذكر البيهقي فيما بعد في هذا الباب من كلام الحميدي: أن إتيان ابن مسعود رضي الله عنه من الحبشة كان قبل بدر، وظاهر هذا يؤيد ما قلنا، وكذا قول صاحب "الكمال" وغيره: هاجر ابن مسعود إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. ولهذا قال الخطابي: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة.

وهذا يدل على اتفاق حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم على أن التحريم كان بالمدينة كما تقدم من كلام صاحب "التمهيد".

وقد أخرج النسائي في "سننه"(1): من حديث ابن مسعود قال: "كنت آتي النبي عليه السلام وهو يصلي فأسلم عليه، فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم، فقال: "إن الله عز وجل حدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين". فظاهر قوله:"وأن تقوموا لله قانتين" يدل على أن ذلك كان بالمدينة بعد نزول قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (2) موافقًا لحديث زيد بن أرقم، فظهر بهذا كله أن قصة التسليم كانت بعد الهجرة بخلاف ما ذكره البيهقي، ثم إنه استدل على ما ذكره بحديث أخرجه عن ابن مسعود قال: "بعثنا

(1)"المجتبى"(3/ 18 رقم 1220).

(2)

سورة البقرة، آية:[238].

ص: 57

رسول الله عليه السلام إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلًا -وفي آخره قال:- فجاء ابن مسعود فبادر، وشهد بدرًا".

قلت: ليس فيه أنه جاء إلى مكة كما زعمه، بل ظاهره أنه جاء من الحبشة إلى المدينة؛ لأنه جعل مجيئه وشهوده هذا عقيب هجرته إلى الحبشة بلا تراخ، ثم خرج عن موسى بن عقبة أنه قال: وممن يذكر أنه قدم على النبي عليه السلام بمكة من مهاجرة أرض الحبشة الأولى، ثم هاجر إلى المدينة فذكرهم، وذكر فيهم ابن مسعود، قال: وكان ممن شهد بدرًا مع رسول الله عليه السلام، وهكذا ذكره سائر أهل المغازي بلا خلاف.

قلت: أما قول ابن عقبة: "قدم على النبي عليه السلام بمكة من مهاجرة الحبشة" أراد به الهجرة الأولى؛ فإنه عليه السلام كان بمكة حينئذ ولم يرد هجرة ابن مسعود الثانية فإنه عليه السلام لم يكن بمكة حينئذ بل بالمدينة، فلم يرد ابن عقبه بقوله:"ثم هاجر إلى المدينة" أنه هاجر إليها من مكة بل من الحبشة في المرة الثانية.

وأما قول البيهقي: وهكذا ذكره سائر أهل أهل المغازي، إن أراد به شهود ابن مسعود بدرًا فهو مسلَّم، ولكن لا يثبت به مدعاه أولًا، وإن أراد به ما فهمه من كلام ابن عقبة أن رجوعه في المرة الثانية كان إلى مكة، وأنه هاجر منها إلى المدينة ليستدل بذلك على أن تحريم الكلام كان بمكة، يقال له: كلام ابن عقبة يدل على خلاف ذلك كما قررناه، ولئن أراد ابن عقبة ذلك فليس هو مما اتفق عليه أهل المغازي كما تقدم عن ابن الجوزي وغيره.

فإن قيل: فقد ذكر في كتاب "المعرفة" عن الشافعي أن في حديث ابن مسعود أنه مر على النبي عليه السلام بمكة، قال: فوجدته يصلي في فناء الكعبة

" الحديث.

قلت: لم يذكر ذلك أحد من أهل الحديث غير الشافعي، ولم يذكر سنده لينظر فيه، ولم يجد له البيهقي سندًا مع كثرة تتبعه وانتصاره لمذهب الشافعي، وذكر الطحاوي في "أحكام القرآن": أن مهاجرة الحبشة لم يرجعوا إلا إلى المدينة، وأنكر

ص: 58

رجوعهم إلى دار قد هاجروا منها؛ لأنهم منعوا من ذلك، واستدل على ذلك بقوله عليه السلام في حديث سعد:"ولا تردوهم على أعقابهم" ثم ذكر البيهقي عن الحميدي أنه حمل حديث ابن مسعود على العمد، وإن كان ظاهره يتناول العمد والنسيان، واستدل على ذلك فقال كان إتيان ابن مسعود من أرض الحبشة قبل بدر، ثم شهد بدرًا بعد هذا القول، فلما وجدنا إسلام أبي هريرة رضي الله عنه والنبي عليه السلام بخيبر قبل وفاته بثلاث سنين، وقد حضر صلاة رسول الله عليه السلام وقول ذي اليدين، ووجدنا عمران بن حصين شهد صلاة رسول الله عليه السلام مرة أخرى وقول الخرباق، وكان إسلام عمران بعد بدر، ووجدنا معاوية بن حديج حضر صلاة رسول الله عليه السلام، وقول طلحة بن عبيد الله:"وكان إسلام معاوية قبل وفاة النبي عليه السلام بشهرين" ووجدنا ابن عباس يصوب ابن الزبير في ذلك ويذكر أنها سنة رسول الله عليه السلام وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي عليه السلام، ووجدنا ابن عمر رضي الله عنهما روى ذلك، وكان إجازة النبي عليه السلام ابن عمر يوم الخندق بعد بدر، علمنا أن حديث ابن مسعود خُصَّ به العمد دون النسيان، ولو كان ذاك الحديث في النسيان والعمد يومئذ، لكانت صلاة رسول الله عليه السلام ناسخة له لا بعده.

قلت: ليس للحميدي دليل على أن ابن مسعود شهد بدرًا بعد هذا القول، وعلى تقدير صحة ذلك نقول: هذا القول كان بالمدينة قبل بدر، وقضية ذي اليدين أيضًا كانت قبل بدر، لكن قضية ذي اليدين كانت متقدمة على حديث ابن مسعود وابن أرقم، فنسخت بههما، يدل على ذلك ما رواه البيهقي في آخر باب.

"من قال يسجدهما قبل السلام في الزيادة والنقصان" بإسناد جيد: من حديث معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان، عن أبي هريرة، فذكر صلاة النبي عليه السلام وسهوه، ثم قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور بعد فهذا يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة؛ لتأخر إسلامه عن هذا الوقت، وأيضًا فإن ذا اليدين قتل ببدر وأما عمران بن حصين رضي الله عنه فليس في شيء من كتب الحديث التي في أيدي الناس أنه حضر تلك الصلاة،

ص: 59

ولم يذكر البيهقي ذلك مع كثرة سوقه للطرق، بل في كتاب النسائي، عن عمران: إنه عليه السلام صلى بهم وسهى، فسجد ثم سلم وكذا في "صحيح مسلم" وغيره بمعناه، والأظهر أن ذلك مختصر من حديث ذي اليدين، فظاهر قوله:"صلى بهم" أنه لم يحضر تلك الصلاة.

وأما حديث معاوية بن حديج ففي إسناده سويد بن قيس المصري التجيبي قال: الذهبي في كتابه "الميزان" و"الضعفاء": مجهول تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب.

وفي حديث معاوية هذا مخالفة لحديث ذي اليدين من وجوه تظهر لمن ينظر فيه، وفيه:"أنه عليه السلام أمر بلالًا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة" وأجمعوا على العمل بخلاف ذلك، وقالوا: إن فعل الإقامة ونحوها يقطع الصلاة، وأما تصويب ابن عباس لابن الزبير رضي الله عنهم في ذلك فقد ذكره البيهقي من طريقين في أحدهما حماد بن سلمة عن عسل بن سفيان، وقال: في باب: "من مرَّ بحائط إنسان": ليس بالقوي، وعِسْل ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.

وفي الطريق الثاني: الحارث بن عبيد أبو قدامة، قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وعنه قال: لا أعرفه. وقال البيهقي في باب: "سجود القرآن إحدى عشرة" ضعفه ابن معين.

فأما قوله: "وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي عليه السلام" فكأنه أراد بذلك استبعاد قول من يقول: إن قضية ذي اليدين كانت قبل بدر؛ لأن ظاهر قول ابن عباس ما أماط سنة نبيه عليه السلام يدل على أنه شهد تلك القضية، وقبل بدر لم يكن ابن عباس من أهل التمييز وتحمل الرواية لصغره جدًّا ونحن بعد تسليم دلالته على أنه شهد القضية نمنع كون سنه كذلك، بل قد روى عنه أنه قال: توفي النبي عليه السلام وأنا ابن خمس عشرة سنة، وصوب أحمد بن حنبل هذا القول، ويدل عليه ما روي في الصحيح عن ابن عباس أنه قال في حجة الوداع، وكنت يومئذ قد ناهزت الحلم، ولا يلزم من رواية ابن عمر ذلك وإجازته بعد بدر أن لا تكون القضية قبل بدر؛ لأنه كان عند ذلك من أهل التحمل.

ص: 60

وقوله: "علمنا أن حديث ابن مسعود خصّ به العمد دون النسيان" قلنا: لم يكن الكلام الذي صدر من ذي اليدين سهوًا، وكذا من النبي عليه السلام وأصحابه؛ لأن ذا اليدين لما قال:"بلى قد كان بعض ذلك" علم عليه السلام أن النسيان قد وقع فابتدأ عامدًا فسأل الناس فأجابوه أيضًا عامدين؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر وأن النسيان قد وقع.

ثم خرّج البيهقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر، ثم قال: فلم يأمره النبي عليه السلام النبي عليه السلام بإعادة الصلاة، فمن تكلم في صلاته ساهيًا أو جاهلًا مضت صلاته.

والجواب أن الوليد بن مسلم مدلس ولم يصرح ها هنا بالسماع من الأوزاعي، وكان معاوية جاهلًا بتحريم الكلام.

ثم قال البيهقي: الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي عليه السلام بسهوه فإنه بقي بعد النبي عليه السلام كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله، فقد ذكرنا الجواب عن هذا الفصل مستوفى فيما مضى.

ص: ومما يدل على ذلك أيضًا: أن ربيعًا المؤذن حدثنا، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن خديج:"أن رسول الله عليه السلام صلى يومًا وانصرف، وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: بقيت من الصلاة ركعة، فرجع إلى المسجد فأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أتعرف الرجل؟ فقلت: لا إلا أن أراه، فمر بي فقلت: هو هذا؛ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله".

ففي هذا الحديث أن رسول الله عليه السلام أمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة، ثم صلى ما كان ترك من صلاته، ولم يكن أمره بلالًا بالأذان والإقامة قاطعًا لصلاته، ولم يكن أيضًا ما كان من بلال من أذانه وإقامته قاطعًا لصلاته، وقد أجمعوا أن فاعلًا لو فعل هذا الآن وهو في الصلاة كان به قاطعًا للصلاة؛ فدل ذلك أن جميع ما كان من رسول الله عليه السلام في صلاته في حديث معاوية بن خديج هذا، وفي حديث ابن عمر

ص: 61

وعمران وأبي هريرة رضي الله عنهم كان والكلام مباح في الصلاة، ثم نسخ الكلام فيها، فعلَّم رسول الله عليه السلام الناس بعد ذلك ما ذكره عنه معاوية بن الحكم وأبو هريرة وسهل بن سعد رضي الله عنهم.

ش: أي ومن الذي يدل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله عليه السلام بما كلمه به في حديث عمران بن حصين وعبد الله بن عمر وأبي هريرة كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.

بيان ذلك: أنه عليه السلام أمر بلالًا بالآذان والإقامة للصلاة في حديث معاوية بن خديج، فأذن وأقام، ثم صلى رسول الله عليه السلام ما تركه من صلاته، فلم يكن أمره بذلك قاطعًا لصلاته، ولا ما كان من بلال من الأذان والإقامة قاطعًا لصلاته فدل ذلك على أن جميع ما كان من النبي عليه السلام في أحاديث هؤلاء قد كان والحال أن الكلام مباح في الصلاة، ثم نسخ الكلام في الصلاة فعلم رسول الله عليه السلام الناس بعد هذا الأمر أنهم إذا نزل بهم أمر من النوائب يقولون: سبحان الله، على ما ذكره في حديث معاوية بن الحكم وأبي هريرة وسهل بن سعد رضي الله عنهم، ثم إن الأمة قد أجمعت على أن السنة أن الإِمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به القوم، ولم يسبح ذو اليدين برسول الله عليه السلام، ولا أنكره عليه السلام عليه، فدل على أن ما أمر به عليه السلام من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان من حديث ذي اليدين، والله أعلم.

ثم إنه أخرج حديث معاوية بن حديج، عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري -كل هؤلاء ثقات- عن سويد بن قيس التجيبي المصري -فيه مقال وقد ذكرناه عن قريب- عن معاوية بن حُديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم- قيل: لا صحبة له، والأصح أن له

صحبة والله أعلم.

ص: 62

وأخرجه أبو داود (1): ثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن حديج: "أن رسول الله عليه السلام صلى يومًا فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؛ فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا إلا أن أراه، فمر بي، فقلت: هذا هو؛ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.

وأخرجه النسائي (2): عن قتيبة

إلى آخره نحو رواية الطحاوي متنًا.

وأخرجه الحكم في "مستدركه"(3): ولفظه: "صليت مع النبي عليه السلام المغرب، فسلم في ركعتين، ثم انصرف، فقال له رجل -يعني طلحة بن عبيد الله- إنك سهوت فسلمت في ركعتين، فأمر بلالًا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة".

قال الحكم: صحيح الإسناد، وقال أبو سعيد بن يونس: هذا أصح حديث معاوية بن حُديج.

قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث معاوية بن حديج.

فإن قيل: الأخبار التي وردت من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر ومعاوية بن حُديج هل هي قضية واحدة أو قضيتان أو أكثر؟.

قلت: الذي يظهر من كلام البخاري أن حديث أبي هريرة وعمران واحد؛ لقوله في إثر حديث أبي هريرة: فربما سألوه -يعني محمد بن سيرين- ثم سلم؟! قال: نبئت أن عمران قال: "ثم سلم" والذي يقوله ابن حبان إنه غيره، قال: لأن في حديث أبي هريرة الذي أعلم النبي عليه السلام: ذو اليدين، وفي خبر عمران الخرباق، وفي

(1)"سنن أبي داود"(1/ 269 رقم 1023).

(2)

"المجتبى"(2/ 18 رقم 664).

(3)

"مستدرك الحاكم"(1/ 392 رقم 960).

ص: 63

خبر معاوية بن حديج طلحة بن عبيد الله، قال: وخبر الخرباق: "سلم في الركعة الثالثة" وخبر ذي اليدين: "من ركعتين" وخبر معاوية: "من الركعتين في صلاة المغرب" فدل أنها ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات لا واحدة، فافهم.

ص: ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد كان مع رسول الله عليه السلام في يوم ذي اليدين، ثم قد حدثت تلك الحادثة في صلاته من بعد رسول الله عليه السلام فعمل بخلاف ما كان عمل به رسول الله عليه السلام يومئذ.

حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: "صلى عمر بن الخطاب عليه السلام صحابه فسلم في ركعتين، ثم انصرف فقيل له في ذلك؛ فقال: إني جهزت عيرًا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات".

فدل ترك عمر رضي الله عنه لما قد كان علمه من فعل رسول الله في مثل هذا وعمله بخلافه على نسخ ذلك عنده، وعلى أن الحكم كان في تلك الحادثة في زمنه بخلاف ما كان في يوم ذي اليدين، وقد كان فعل عمر رضي الله عنه أيضًا بحضرة أصحاب رسول الله عليه السلام الذين قد حضر بعضهم فعل رسول الله عليه السلام يوم ذي اليدين في صلاته فلم ينكروا ذلك عليه ولم يقولوا له: إن رسول الله عليه السلام قد فعل يوم ذي اليدين خلاف ما فعلت، فدل ذلك أيضًا أنهم قد كانوا علموا من نسخ ذلك ما كان عمر رضي الله عنه علمه.

ش: أي ومن الذي يدل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله عليه السلام بما ذكر كان والكلام مباح، وأن حديثه منسوخ: أن عمر بن الخطاب عمل بعد رسول الله عليه السلام بخلاف ما قد كان عليه السلام عمله يوم ذي اليدين، والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عمل بخلاف ما عمل به النبي عليه السلام.

وأيضًا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد كان فعل هذا بحضرة الصحابة، وفيهم من قد كان حاضرًا يوم ذي اليدين، فلم ينكروا ذلك عليه، ولم يقولوا: عملت

ص: 64

بخلاف ما عمل به النبي عليه السلام يومئذ، فدل ذلك أنهم علموا أيضًا ما قد علمه عمر رضي الله عنه من النسخ، فصار ذلك منهم إجماعًا.

وأخرج الأثر الذي دل على ذلك، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عثمان بن الأسود بن موسى روى له الجماعة، عن عطاء بن أبي رباح

إلى آخره.

وهذا مرسل.

قوله: "عيرًا" بكسر العين وسكون الياء آخر الحروف: الإبل بأحمالها من: يعير، إذا سار، وقيل: هي قافلة الحمير، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة، كأنها جمع عير -بفتح العين- وكان قياسها أن تكون فُعْلًا -بالضم- كسُقُف في سَقْف، إلا أنه حوفظ على الياء بالكسرة نحو: عِين.

قوله: "وأحقابها" الأحقاب: جمع حَقَب -بفتحتين- وهو الحبل الذي يشدّ على حقو البعير.

ص: ومما يدل على أن ذلك منسوخ، وأن العمل على خلافه: أن الأمة قد أجمعت أن رجلًا لو ترك إمامه من صلاته شيئًا أنه يسبح به ليعلم إمامه ما قد ترك فيأتي به وذو اليدين لم يسبح برسول الله عليه السلام يومئذ، ولا أنكر رسول الله عليه السلام كلامه إياه، فدل ذلك أن ما علم رسول الله عليه السلام الناس من التسبيح لنائبة تنوبهم في صلاتههم كان متأخرًا عن ذلك.

ش: أي: ومن الذي يدل على أن ما كان من أمر ذي اليدين منسوخ وأن العمل بعده كان على خلافه: أن أمة النبي عليه السلام قد أجمعوا

إلى آخره، وهو ظاهر، وقد ذكرنا نحوًا من ذلك فيما مضى.

قوله: "فدل ذلك أن ما علَّم" بتشديد اللام من التعليم.

قوله: "لنائبة تنوبهم" أي: لحادثة تنزل بهم.

ص: 65

ص: وفي حديث أبي هريرة أيضًا وعمران ما يدل على النسخ، وذلك أن أبا هريرة قال:"سلم رسول الله عليه السلام في ركعتين، ثم انصرف إلى خشبة في المسجد" وقال عمران: "ثم مضى إلى حجرته". فدل ذلك أنه قد كان صرف وجهه عن القبلة وعمل عملًا في الصلاة ليس منها من المشي وغيره، أفيجوز هذا لأحد اليوم أن يصيبه ذلك وقد بقيت عليه من صلاته بقية فلا يخرجه ذلك من الصلاة؟!.

ش: بيانه: أن في نفس حديث أبي هريرة وعمران بن حصين رضي الله عنهما ما يدل على ما ذكرنا من النسخ، وذلك لأن أبا هريرة قال في حديثه:"سلم رسول الله عليه السلام في ركعتين، ثم انصرف من صلاته إلى خشبة كانت في المسجد"، وعمران بن حصين قال في حديثه:"ثم مضى إلى حجرته"، يعني ما سلم في ركعتين، ففي هذه الأشياء صرف الوجه عن القبلة والعمل فيها بما ليس من فعلها نحو: المشي والتوجه إلى موضع والكلام، فهذه الأشياء مما تقطع الصلاة اليوم.

أشار إليه بقوله: "أفيجوز هذا لأحد" والهمزة فيه للاستفهام، فدل ذلك كله على انتساخ حديث ذي اليدين.

قوله: "وقد بقيت" الواو للحال.

قوله: "فلا يخرجه" عطف على قوله: "أفيجوز" فافهم.

ص: فإن قال قائل: نعم لا يخرجه ذلك من الصلاة؛ لأنه فعله ولا يرى أنه في الصلاة.

قيل له: لزمه أن يقول: لو طعم أيضًا أو شرب وهذه حالته لم يخرجه ذلك من الصلاة، وكذلك إن باع أو اشترى أو جامع أهله، فكفى بقوله فسادًا أن يلزم هذا قائله، فإن كان شيء مما ذكرنا يخرج الرجل من صلاته إن فعله على أنه يرى أنه ليس فيها، كذلك الكلام الذي ليس فيها يخرجه من صلاته، وإن كان قد تكلم به وهو لا يرى أنه فيها.

ص: 66

ش: تقدير السؤال أن يقال: لا نسلم أن المصلي يخرج من صلاته بما ذكر في حديث ذي اليدين؛ لأنه فعل ذلك والحال أنه لا يرى أن نفسه في الصلاة، وإنما كان يخرجه ذاك أن لو رأى أنه في الصلاة.

وتقرير الجواب أن يقال: إذا التزمت ذلك لزمك أن تقول: لو طعم -بكسر العين- أي: كل في الصلاة أو شرب، والحال: أنه لا يرى أنه في الصلاة أن ذلك لا يخرجه من الصلاة، وكذلك لو باع أو اشترى، أو جامع امرأته، والحال: أنه لا يرى أنه في الصلاة، كان لزمك أيضًا أن تقول: إن هذه الأشياء لا تخرجه من الصلاة، فكفى بذلك فسادًا.

قوله: "فإن كان شيء

إلى آخره" مقدمه يترتب عليها صحة ما ادعينا من انتساخ حديث ذي اليدين، بيان ذلك: أن شيئًا مما ذكرنا من الأكل في الصلاة أو الشرب أو البيع أو الشراء أو الجماع فيها إن كان يخرج الرجل من صلاته وإن كان يرى هو أنه ليس في الصلاة، فالقياس على هذا يقتضي أن يكون الكلام الذي ليس من أعمال الصلاة يخرجه من الصلاة، وإن كان قد تكلم به، والحال أنه لا يرى أنه في الصلاة، فالخصم بالضرورة يلتزم صحة المقدمة المذكورة فعليه يلزمه صحة ما يترتب عليها مما قد ذكرناه.

ص: وقد زعم القائل بحديث ذي اليدين: أن خبر الواحد تقوم به الحجة، ويجب به العمل، فقد أخبر ذو اليدين رسول الله عليه السلام بما أخبره به، وهو رجل من أصحابه مأمون، فالتفت بعد إخباره إياه بذلك إلى أصحابه فقال: أقصرت الصلاة؟ فكان متكلمًا بذلك بعد علمه بأنه في الصلاة على مذهب هذا المخالف لنا، فلم يكن ذلك مخرجًا له من الصلاة، فقد لزمه بهذا على أصله أن ذلك الكلام كان قبل نسخ الكلام في الصلاة.

ش: القائل بحديث ذي اليدين هو ربيعة ومالك والشافعي وأحمد، وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، فإذا كان معمولًا به فلا يكون منسوخًا، وإن كان كلام النبي عليه السلام كان على يقين

ص: 67

أنه أتم الصلاة، وكلام ذي اليدين على ظن أنه قصر الصلاة، وكلام القوم كان لوجوب إجابة النبي عليه السلام أو على تأويل ذي اليدين، أو لعلهم لم يسمعوا جواب النبي عليه السلام له، وعلى كل حال لم يكن كدام كل منهم قاطعًا للصلاة انتهى.

ثم اعلم أن مذهب فقهاء الأمصار أن خبر الواحد تقوم به الحجة ويجب به العمل في أمور الدين، ولكن لا يثبت علم اليقن، وعند بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين، ثم منهم من اعتبر فيه عدد الشهادة ليكون حجة، ومنهم من اعتبر أقصى عدد الشهادة وهو أربعة، فإذا كان الأمر كذلك فقد قال القائل بخبر ذي اليدين: إن خبر الواحد تقوم به الحجة ويجب به الحمل، فقال الطحاوي رحمه الله في جواب هذا: فقد أخبر ذو اليدين رسول الله عليه السلام بما أخبره به أي بالذي أخبر رسول الله عليه السلام به "وهو رجل" أي: والحال أنه رجل "من أصحابه مأمون"، "فالتفت" أي: النبي عليه السلام "بعد إخباره إياه" أي: بعد إخبار ذي اليدين "إياه" أي: النبي عليه السلام "بذلك"، وقوله "إلى أصحابه" يتعلق بقوله:"فالتفت" فقال ذو اليدين للنبي عليه السلام: "أقصرت الصلاة؟ فكان متكلمًا بذلك" أي: بقوله: "أقصرت الصلاة" بعد علمه بأنه في الصلاة، على مذهب هذا المخالف" وهو القائل بحديث ذي اليدين "فلم يكن ذلك" أي: قوله: "أقصرت الصلاة" مخرجًا له من الصلاة، فقد لزمه أي: إذا كان الأمر كذلك فقد لزم هذا المخالف بهذا أي: بالذي ذكرناه على أصله: أن ذلك الكلام كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، وأنه كان حين كان الكلام مباحًا.

ص: وحجة أخرى: أن رسول عليه السلام لما أقبل على الناس فقال: "أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم" وقد كان يمكنهم أن يومئوا إليه بذلك، فيعلمه منهم، فقد كلموه بما كلموه به مع علمهم أنهم في الصلاة، فلم ينكر ذلك عليهم، ولم يأمرهم بالإعادة، فدل ذلك أن ما ذكرنا مما في حديث ذي اليدين كان قبل نسخ الكلام.

ش: أشار به إلى جواب آخر عما قاله القائل بحديث ذي اليدين، بيانه: أنه عليه السلام لما أقبل على الناس بعد أن قال له ذو اليدين ما قاله، فقال: "أصدق ذو اليدين؟

ص: 68

فقالوا: نعم". فتكلموا صريحًا، "وقد كان يمكنهم أن يومئوا" أي: أن يشيروا برأسهم "إليه" أي: إلى النبي عليه السلام "فيعلمه منهم" أي: فيعلم النبي عليه السلام ما سأله "منهم" أي: من الصحابة، ومع هذا هم كلموا النبي عليه السلام بالذي كلموه به مع علمهم أنهم في الصلاة ولم يخرجوا منها بعد، "فلم ينكر" النبي عليه السلام "ذلك" أي: كلامهم بقولهم: "نعم"، ولم يأمرهم بإعادة صلاتهم، فدل ذلك كله أن ما ذكر في حديث ذي اليدين كان حين كان الكلام مباحًا، وأن الكلام ما حرم فيها إلا بعده، فحينئذ يكون حديث ذي اليدين منسوخًا.

ص: فإن قال قائل: فكيف يجوز أن يكون هلما قبل نسخ الكلام في الصلاة وأبو هريرة رضي الله عنه قد كان حاضرًا ذلك، وإسلام أبي هريرة إنما كان قبل وفاة النبي عليه السلام بثلاث سنين؟ وذُكِر في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هريرة فقلنا: حدثنا! فقال: "صحبت النبي عليه السلام ثلاث سنين" قالوا: فأبو هريرة إنما صحب رسول الله عليه السلام ثلاث سنين، وهو حضر تلك الصلاة، ونسخ الكلام في الصلاة كان والنبي عليه السلام بمكة، فدل ذلك على أن ما كان في حديث ذي اليدين من الكلام في الصلاة مما لم ينسخ بنسخ الكلام في الصلاة إذ كان متأخرًا، عن ذلك.

قيل له: أما ما ذكرت من وقت إسلام أبي هريرة فهو كما ذكرت، وأما قولك: إن نسخ الكلام في الصلاة كان والنبي عليه السلام يومئذ بمكة فمن روى لك هذا وأنت لا تحتج إلا بمسند ولا تسوغ خصمك الحجة عليك إلا بمثله؟ فمن أسند لك هذا وعن من رويته؟ وهذا زيد بن أرقم الأنصاري رضي الله عنه يقول: "إنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1) فأمرنا بالسكوت، وقد روينا عنه في غير هذا الموضع من كتابنا، هذا وصحبة زيد لرسول الله عليه السلام إنما كانت بالمدينة، فقد

(1) سورة البقرة، آية:[238].

ص: 69

ثبت بحديثه هذا أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد قدوم رسول الله عليه السلام من مكة، مع أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة مع رسول الله عليه السلام أصلًا؛ لأن ذا اليدين قتل يوم بدر مع رسول الله عليه السلام وهو أحد الشهداء؛ قد ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره وقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ما يوافق ذلك.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا الليث بن سعد، قال: حدثني عبد الله بن وهب، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنه ذكر له حديث ذي اليدين، فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين".

وإنما قول أبي هريرة عندنا: "صلى بنا رسول الله عليه السلام" يعني: بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، وقد روي مثل هذا عن النزال بن سبرة:

حدثنا فهد وأبو زرعة الدمشقي، قالا: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا وإياكم كنا ندعى بنو عبد مناف، وأنتم اليوم بنو عبد الله، ونحن بنو عبد الله يعني لقوم النزال" فهذا النزال يقول:"قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهو لم ير رسول الله عليه السلام يريد بذلك: قال لقومه، وقد روي عن طاوس أنه قال: قدم علينا معاذ بن جبل رضي الله عنه فلم يأخذ من الخضروات شيئًا، وطاوس لم يدرك ذلك؛ لأن معاذًا رضي الله عنه إنما قدم اليمن في عهد رسول الله عليه السلام ولم يولد طاوس حينئذ، فكان معني قوله:"قدم علينا" أي: قدم بلدنا. وروي عن الحسن أنه قال: خطبنا عتبة بن غزوان" يريد خطبته بالبصرة والحسن لم يكن بالبصرة حينئذ؛ لأن قدومه لها إنما كان قبل صفين بعام.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن أبي رجاء قال:"قلت للحسن: متى قدمت البصرة؟ قال: قبل صفين بعامٍ، فكان معنى قول النزال: "قال لنا رسول الله عليه السلام" ومعنى قول طاوس: "قدم علينا معاذ" ومعنى قول الحسن: "خطبنا عتبة بن غزوان" إنما يريدون بذلك قومهم وبلدتهم لا أنهم حضروا ذلك ولا شهدوه، فكذلك قول أبي هريرة رضي الله عنه في حديث

ص: 70

ذي اليدين: "صلى بنا رسول الله عليه السلام" إنما يريد صلى بالمسلمين لا على أنه شهد ذلك ولا حضره، فانتفى بما ذكرنا أن يكون في قوله:"صلى بنا رسول الله عليه السلام" في حديث ذي اليدين ما يدل على أن ما كان من ذلك، بعد نسخ الكلام في الصلاة.

ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف تقولون: إن ما كان من أمر ذي اليدين إنما كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، والحال أن أبا هريرة قد كان حاضرًا قضية ذي اليدين، وإسلام أبي هريرة إنما كان قبل وفاة النبي عليه السلام بثلاث سنين؟

وذكروا في ذلك ما أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز البجلي الكوفي، عن قيس بن أبي حازم حصين البجلي الكوفي.

قوله: "قالوا: فأبو هريرة" أي قال أولئك القوم الذين ذهبوا إلى أن حديث ذي اليدين غير منسوخ: فأبو هريرة إنما صحب النبي عليه السلام ثلاث سنين وقد حضر تلك الصلاة؛ لأنه قال في حديثه: "صلى بنا رسول الله عليه السلام" ونسخ الكلام في الصلاة كان والحال أن النبي عليه السلام كان بمكة، فإذا كان الأمر كذلك؛ فقدثبت أن ما كان من أمر ذي اليدين في الصلاة مما لم ينسخ بنسخ الكلام في الصلاة؛ إذ كان متأخرًا، أي: لأنه كان متأخرًا عن ذلك، أي: عن نسخ الكلام.

وتقرير الجواب مشتمل على ثلاثة أشياء:

الأول: أن ما ذكرتم من وقت إسلام أبي هريرة مسلم لا نزل لنا فيه.

الثاني: أن دعوى نسخ الكلام في الصلاة وقت كون النبي عليه السلام بمكة ممنوع غير مسلّم، وأيّ دليل يدل عليه، ومثل هذا لا يثبت إلا بسند صحيح؟ فمن أين الإسناد في هذا وعمن روي حتى ننظر فيهم؟ فهل هذا إلا مجرد دعوى بلا برهان؟ ثم كد

الطحاوي بطلان دعواهم وصحة دعوى من يدعي أن نسخ الكلام كان والنبي عليه السلام بالمدينة بما رواه في باب: "الصلاة الوسطى" عن علي بن شيبة، عن يزيد بن

ص: 71

هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال:"كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1) فأمرنا بالسكوت" وكانت صحبة زيد بن أرقم الأنصاري رضي الله عنه لرسول الله عليه السلام بالمدينة بلا خلاف، فثبت بحديثه: أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد قدوم النبي عليه السلام من مكة.

الثالث: أن أبا هريرة لم يكن حاضرًا قضية ذي اليدين، أشار إليه بقوله:"مع أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة مع رسول الله عليه السلام أصلًا" ثم برهن عليه بقوله: "لأن ذا اليدين قتل يوم بدر مع رسول الله عليه السلام وهو معدود في جملة شهداء بدر، قد ذكر ذلك محمد بن إسحاق بن يسار المدني صاحب "المغازي" حيث قال في تسمية من حضر غزوة بدر: فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، حليف لبني زهرة، قتل يومئذ شهيدًا.

وقال ابن هشام: اسمه عمير، وإنما قيل له ذو الشمالين؛ لأنه كان أعسر.

وقد بينا فيما مضى أن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وأن كليهما لقبان عليه، ولهذا كان الزهري يقول: إن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر، حكاه معمر وغيره عن الزهري، قال الزهري:"ثم استحكمت الأمور بعد".

قوله: "وغيره" أي: وغير محمد بن إسحاق مثل أبي معشر، قال ابن عبد البر: قال أبو معشر: إن ذا اليدين قتل يوم بدر.

قوله: "وقد روي عن عبد الله بن عمر ب

إلى آخره" تأكيد لصحة ما ذكره من عدم حضور أبي هريرة قضية ذي اليدين؛ لأن ابن عمر ب قال: "كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين" فبالضرورة لم يكن أبو هريرة حاضرًا قضيته.

(1) سورة البقرة، آية:[238].

ص: 72

أخرج ذلك بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وذكره ابن عبد البر في التمهيد (1): من حديث عبد الله بن وهب، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر:"أن إسلام أبي هريرة كان بعد موت ذي اليدين". فبطل بهذا قول من قال: إن ذا اليدين تأخر إلى زمن معاوية وروى عنه المتأخرون، وثبت أن أبا هريرة قد كان أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل:"من أدرك الفجر جنبًا فلا صوم له" وكان كثير الإرسال.

قوله: "وإنما قول أيضًا هريرة

إلى آخره" جواب عما يقال: كيف تقولون: إن قضية ذي اليدين كانت قبل بدر، وأن موت ذي اليدين كان قبل إسلام أبي هريرة، وأن أبا هريرة لم يحضر صلاته ولا شهدها، وأبو هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله عليه السلام" فهذا إخبار عن نفسه أنه كان حاضرًا تلك الصلاة مع النبي عليه السلام، وتقرير الجواب أن يقال: إن كلام أبي هريرة ليس على حقيقته، وإنما معنى قوله: "صلى بنا" صلى بالمسلمين، ومثل هذا سائغ زائغ في اللغة، شائع بين الناس، وذلك كما في قول النزال بن سبرة قال: "قال رسول الله عليه السلام إنا وإياكم

" الحديث أراد به: قال لقومنا؛ لأن النزال بن سبرة الهلالي العامري الكوفي من كبار التابعين، والأصح أنه لم ير النبي عليه السلام، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، من كبار التابعين، وروايته عن النبي عليه السلام مرسلة، روى له الجماعة سوى مسلم، الترمذي في "الشمائل".

وقد أخرج حديثه الطحاوي عن فهد بن سليمان وأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين الملائي الكوفي الأحول شيخ البخاري، عن مسعر بن كدام الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي الكوفي الزراد روى له الجماعة.

(1)"التمهيد"(1/ 352).

ص: 73

وكذلك روى عن طاوس بن كيسان اليماني أنه قال: "قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضروات شيئًا" أراد به: قدم بلدتنا؛ لأن طاوسًا لم يدرك معاذًا، لأن معاذًا توفي سنة ثماني عشر في طاعون عمواس بناحية الأردن، وقبره بغور بيسان في شرقيه، وكان عمره حين مات ثمانيًا وثلاثين سنة، ومولد طاوس بعد ذلك بزمان كثير؛ لأن وفاته سنة إحدى ومائة، وقيل: سنة ست ومائة بمكة، وكان عمره بضعًا وسبعين سنة.

وأخرجه الطحاوي معلقًا، وكذلك روي عن الحسن البصري أنه قال:"خطبنا عتبة بن غزوان" وأراد به خطبته بالبصرة، والحسن لم يكن بالبصرة حينئذ؛ لأن قدومه إلى البصرة إنما كان قبل وقعة صفين بعام واحد.

أخرج ذلك عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن شعبة بن الحجاج، عن أي رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وكل هؤلاء أئمة أثبات.

واعلم أن الحسن البصري ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي عليه السلام الممتل، واسم أبيه يسار، يقال: إنه من ميسان، وقع إلى المدينة فاشترته الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك فأعتقته، ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان فصيحًا، رأى علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وعائشة، ولم يصح له سماع منهم، وحضر يوم الدار وله أربع عشرة سنة، وقال ابن حبان في كتاب "الثقات": احتلم الحسن سنة سبع وثلاثين، وخرج من المدينة ليالي صفين ولم يلق عليًّا رضي الله عنه، وقد أدرك بعض صفين، ورأى مائة وعشرين من أصحاب رسول الله عليه السلام وما شافه بدريًّا قط إلا عثمان بن عفان، وعثمان لم يشهد بدرًا، مات في شهر رجب سنة عشر ومائة، وقد ذكر أبو رجاء العطاردي، عن الحسن أنه قال: "قدمت البصرة قبل صفين بعام وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين من الهجرة، ثم إن الحسن لقي عتبة بن غزوان رضي الله عنه ولكن لم يحضر خطبته؛ لأن خطبته كانت بالبصرة قبل قدوم الحسن إليها؛ وذلك لأنه هو

ص: 74

الذي اختط البصرة، وأول من نزلها في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومات سنة سبع عشرة بطريق البصرة وهو ابن سبع وخمسين سنة، وقيل: مات بالربذة سنة خمس عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة عشرين، والله أعلم.

وقال الترمذي (1): لا نعرف للحسن سماعًا من عتبة بن غزوان بن جابر المازني رضي الله عنه.

ص: ومما يدل على نسخ الكلام في الصلاة، وأنه كان بالمدينة أيضًا:

ما حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"كنا نرد السلام في الصلاة حتى نهينا عن ذلك".

وأبو سعيد فلعله في السنن أيضًا دون زيد بن أرقم بدهر طويل، بل هو كذلك، فها هو ذا يخبر أنه قد كان أدرك إباحة الكلام في الصلاة.

ش: أي: ومن الذي يدل على نسخ الكلام في الصلاة بعد حديث ذي اليدين، وأن نسخه كان بالمدينة: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

أخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن صالح، شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان المدني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عنه.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري:"أن رجلًا سلم على النبي عليه السلام وهو في الصلاة، فرد عليه النبي عليه السلام إشارة، فلما سلم قال له النبي عليه السلام: إنا كنا نرد السلام في صلاتنا، فنهينا عن ذلك".

(1)"جامع الترمذي"(4/ 702 بعد رقم 2575).

ص: 75

قوله: "وأبو سعيد فلعله

" إلى آخره، بيان ذلك: أن أبا سعيد الخدري أصغر من زيد بن أرقم؛ لأنه استصغر يوم أحدا وأول مشاهده الخندق، وزيد بن أرقم غزا مع رسول الله عليه السلام سبع عشرة غزوة، وأول مشاهده المريسيع، والله أعلم.

وكانت غزوة أحد سنة ثلاث من الهجرة في شهر شوال، وكانت غزوة الخندق في سنة خمس من الهجرة في شوال أيضًا، وكانت غزوة المريسيع، في سنة ست، قاله محمد بن إسحاق، وعن الواقدي: أنها كانت في سنة خمس من الهجرة، وهي غزوة بني المصطلق، ويقال: كانت في سنة أربع، والله أعلم.

فإذا كان كذلك يكون أبو سعيد الخدري أصغر من زبد بن أرقم في العمر بكثير، ومع هذا يخبر أنه قد كان أدرك إباحة الكلام في الصلاة، فدل ذلك أن الكلام كان مباحًا يوم ذي اليدين.

ومما يستفاد من الحديث: عدم جواز رد السلام في الصلاة، حتى لو رد السلام وهو في الصلاة بطلت صلاته.

وقال ابن قدامة في "المغني": إذا سُلِّم على المصلّي لم يكن له ردّ السلام بالكلام؛ فإن فعل بطلت صلاته، روي نحو ذلك عن أبي ذرّ عطاء والنخعي، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأسًا، وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك، وقال إسحاق: إن فعله متأولًا جازت صلاته.

ثم قال: ويرد السلام بالإشارة، وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وإن رد عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن، روي هذا عن عطاء والنخعي وداود.

وفي "البدائع": ولا ينبغي للرجل أن يسلم على المصلي ولا للمصلي أن يرد عليه بإشارة ولا غير ذلك، ولو رد بالإشارة لا تفسد صلاته ولكنه يكره.

ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه:

ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال:

ص: 76

ثنا عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: "كنا نتكلم في الصلاة، ونأمر بالحاجة، فقدمت على النبي عليه السلام من الحبشة وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله عليه السلام صلاته، قلت: يا رسول الله! نزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء".

حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا سفيان عن عاصم

فذكر بإسناده مثله، وزاد:"وإن مما أحدث: قضى أن لا تكلموا في الصلاة".

فقد أخبر رسول الله عليه السلام أن الله عز وجل قد نسخ الكلام في لصلاة ولم يستثن من ذلك شيئًا، فدل ذلك على كل الكلام الذي كانوا يتكلمون في الصلاة، فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.

ش: أي: وقد روي فيما يدل على نسخ الكلام في الصلاة بعد حديث ذي اليدين، وأن نسخه كان بالمدينة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وأخرجه من طريقين صحيحين:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن حماد ابن سلمة، عن عاصم بن بهدلة المقرئ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله ابن مسعود.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله عليه السلام وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله عليه السلام الصلاة قال: إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 243 رقم 924).

ص: 77

وأخرجه النسائي (1) أيضًا.

الثاني: عن المزني صاحب الشافعي وخال الطحاوي، عن الإِمام محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم بن بهدلة

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (2) بهذه الزيادة كما ذكرناه.

فإن قلت: كيف قلت: من طريقين صحيحين وفيهما عاصم بن بهدلة، وقد قال البيهقي في "المعرفة" صاحبا الصحيح توقيا روايته لسوء حفظه.

قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(3): وحكم عليه بصحته، ولما أخرجه أبو داود سكت عنه، فدل على صحته عنده، وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال.

قوله: "فقدمت على النبي عليه السلام من الحبشة" وهو رجوعه من الحبشة إلى المدينة، قال ابن الجوزي: إن ابن مسعود لما عاد من الحبشة إلى مكة، رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله عليه السلام بالمدينة وهو يتجهز لبدر.

قوله: "ما قدُم وما حدُث" بضم الدال فيهما، قال ابن الأثير: يعني همومه وأفكاره القديمة والحديثة، يقال: حدث الشيء -بالفتح- يَحَدُثُ حُدُوثًا، فإذا قرن بـ"قَدُم" ضُمّ للازدواج بـ"قَدُم".

قوله: "أن لا تكلموا" أصله: أن لا تتكلموا، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، كما في:{نَارًا تَلَظَّى} (4) أصله تتلظى.

قوله: "فقد أخبر رسول الله عليه السلام

إلى آخره" إشارة إلى أن حديث ابن مسعود هذا ناسخ لحديث ذي اليدين، وقد مر الكلام فيه مستقصى.

(1)"المجتبى"(3/ 19 رقم 1221).

(2)

تقدم ذكره.

(3)

"صحيح ابن حبان"(6/ 15 رقم 2243).

(4)

سورة الليل، آية:[14].

ص: 78

قوله: "فدل ذلك على كل الكلام" أراد به كلام الناسي والعامد والساهي والجاهل؛ فإن ذلك كله سواء في إفساد الصلاة.

وقوله: عليه السلام "فلم يردّ عليّ" أعمّ من عدم الرد باللسان وبالإشارة، فدل أنه لا يرد السلام بالإشارة أيضًا.

ومما يستنبط منه: أنه يرد بعد الفراغ من الصلاة، دل عليه رواية أبي داود.

ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا أشياء يدخل فيها العباد تمنعهم من أشياء.

فمنها: الصلاة تمنعهم من الكلام والأفعال التي لا تفعل فيها.

ومنها: الصيام يمنعهم من الجماع والطعام والشراب.

ومنها: الحج والعمرة، تمنعانهم من الجماع والطيب واللباس.

ومنها: الاعتكاف يمنعهم من الجماع والتصرف.

فكان من جامع في صيامه أو أكل أو شرب ناسيًا مختلفًا في حكمه، فقوم يقولون: لا يخرجه ذلك من صيامه بتقليد آثار رووها، وقوم يقولون: قد أخرجه ذلك من صيامه.

وكل من جامع في حجته أو عمرته أو اعتكافه متعمدًا أو ناسيًا فقد خرج بذلك مما كان فيه من ذلك، فكان ما يخرجه من هذه الأشياء إذا فعل ذلك متعمدًا فهو يخرجه منها إذا فعله غير متعمد.

وكان الكلام في الصلاة يقطع الصلاة إذا كان على التعمد. لذلك فالنظر على ما ذكرنا من ذلك أن يكون أيضًا يقطعها إذا كان على السهو، ويكون حكم الكلام فيها على العمد والسهو سواء، كما كان حكم الجماع في الاعتكاف والحج والعمرة على العمد والسهو سواء، فهذا هو النظر أيضًا في هذا الباب، وقد وافق ما صححنا عليه معاني الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ص: 79

ش: ذكر في وجه هذا النظر والقياس أربعة أشياء إذا دخل فيها الرجل تمنعه عن أشياء:

الأول: الصلاة: فإنها تمنع مَنْ يدخل فيها عن الكلام والأفعال التي تنافيها.

الثاني: الصوم: فإنه يمنع مَنْ يدخل فيه عن المفطرات الثلاث وهي الأكل والشرب والجماع.

الثالث: الحج والعمرة؛ فإنهما يمنعان من يدخل فيهما عن الجماع، واستعمال الطيب واللباس ونحوهما.

الرابع: الاعتكاف: فإنه يمنع من يدخل فيه عن الجماع والتصرف، وقد استوى العمد والنسيان في الفصلين بلا خلاف وهما فصل الحج والاعتكاف، ووقع الخلاف في فصل الصوم، فقال: بعضهم ليس النسيان فيه كالعمد؛ فإنه إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا لا يفسد صومه، فلا يجب عليه القضاء والكفارة، أشار إليه بقوله:"فقوم يقولون: لا يخرجه ذلك من صيامه". وأراد بهم: الأوزاعي، والليث، والثوري، وأبا حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد في رواية؛ ومالكًا في رواية أيضًا، وبعض أهل الظاهر، فإنهم ذهبوا إلى أن من فعل شيئًا من هذه الأشياء ناسيًا لا يفسد صومه، وليس عليه شيء، قال القاضي عياض: إلا أن مالكًا قال: يلزمه القضاء لا غير، وهو مشهور مذهب مالك، وهو قول جميع أصحابه، وقول ربيعة وعطاء، وقال بعضهم: العمد والنسيان فيه سواء، حتى إنه إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا؛ فإنه يفسد صومه أشار إليه بقوله:"وقوم يقولون: قد أخرجه ذلك من صيامه" وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح، ومالكًا في رواية، وأحمد في رواية، وبعض الظاهرية.

وأما الصلاة فلم يختلفوا في أن من فعل فيها شيئًا مما هو مناف لها عمدًا -الكلام- فإنه يقطعها، فالنظر والقياس على الفصلين اللذين ليس فيهما خلاف في استواء العمدية والنسيانية، أن يكون حكم الصلاة كذلك في استواء العمدية والنسيانية.

فإن قيل: لم لا يقاس على فصل الصوم؟

قلت: لأنه مختلف فيه، وما قيس عليه متفق عليه، وهو أجدر بذلك.

ص: 80

وأيضًا فإن في الصلاة حالة مذكرة، فقياسها على لما فيه حالة مذكرة، هو الصواب؛ فافهم.

قوله: "بتقليد آثار رووها" يتعلق بقوله: "يقولون: لا يخرجه ذلك من صيامه" وأراد بالآثار: الأحاديث التي وردت في هذا الباب.

منها: ما أخرجه البخاري (1)، ومسلم (2): عن أبي هريرة: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".

ومنها: ما أخرجه الترمذي (3) عنه: "من أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله".

ومنها ما أخرجه أبو داود (4) عنه: "أن رجلًا جاء إلى النبي عليه السلام، فقال: يا رسول الله، أكلت وشربت ناسيًا وأنا صائم، فقال: الله أطعمك وسقاك".

ص: فإن سأل سائل عن المعنى الذي يأمر رسول الله عليه السلام معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة لما تكلم فيها.

قيل له: ذلك لأن الحجة لم تكن قد قامت عنده قبل ذلك بتحريم الكلام في الصلاة، فلم يأمره رسول عليه السلام بإعادة الصلاة، وقد يجوز أن يكون أمره النبي عليه السلام بإعادة الصلاة، ولكن لم ينقل ذلك في حديثه.

ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد سويتم في فساد الصلاة بالكلام بين ما إذا كان عامدًا أو ناسيًا وجاهلًا، وحكمتم بانتساخ حديث ذي اليدين، وأن ذلك كان بالمدينة، فلو كان الأمر كذلك لكان النبي عليه السلام أمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته

لما تكلم فيها، حيث قال للعاطس: يرحمك الله، ومع هذا لم يأمره بذلك، فدل على

(1)"صحيح البخاري"(2/ 682 رقم 1831).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 809 رقم 1155).

(3)

"جامع الترمذي"(3/ 100 رقم 721).

(4)

"سنن أبي داود"(2/ 315 رقم 2398).

ص: 81

أن الكلام فيها جاهلًا لا يفسد صلاته، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، فدل ذلك على التفرقة بين الأحوال.

وتقرير الجواب من وجهين:

الأول: أن إسلام معاوية بن الحكم كان في آخر الأمر، وكان جاهلًا بتحريم الكلام الذي كان مباحًا في حديث ذي اليدين، فلذلك لم يأمره عليه السلام بإعادة الصلاة.

الثاني: أنه قد يجوز أن يكون النبي عليه السلام أمره بالإعادة، ولكنه لم ينقل ذلك في حديثه؛ لأن سكوت الحديث عنه لا ينفي أمره بالإعادة؛ فافهم.

ص: وقد قال قوم: إن رسول الله عليه السلام لم يسجد يوم ذي اليدين.

حدثنا بذلك ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: "سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرني أحدٌ منهم أنه صلاها -يعني سجدتي السهو- يوم ذي اليدين، فمعنى هذا عندنا -والله أعلم- أنه إنما يجب سجود السهو في الصلاة إذا فعل بها ما لا ينبغي أن يفعل فيها، مثل القيام عن القعود أو القعود في غير مواضع القعود، أو ما أشبه ذلك مما لو فعل على العمد كان فاعله مسيئًا، فأما ما فعل فيها مما ليس بمكروه فيها فليس فيه سجود سهو، وكان حكم الصلاة يوم ذي اليدين لا بأس بالكلام فيها والتصرف، فلما فعل ذلك على السهو فيها وكان فاعله على العمد غير مسيء، كان فاعله على السهو غير واجب عليه سجود السهو، فهذا مذهب الذين ذهبوا إلى أن رسول الله عليه السلام لم يسجد يومئذ، وهذا حجة لأهل المقالة التي ثبتناها في هذا الباب، وكان مذهب الذين ذكروا أنه سجد يومئذ: أن الكلام في الصلاة والتصرف وإن كانا مباحين في الصلاة يومئذ، فلم يكن من المباح يومئذ أن يسلم في الصلاة قبل أوان التسليم، فلما سَلَّم النبي عليه السلام فيها سلامًا أراد به الخروج منها، على أنه قد كان أتمها، وكان ذلك مما لو فعله فاعل على العمد كان مسيئًا، وجب فيه سجود السهو، فهذا مذهب أهل هذه المقالة في هذا الحديث.

ص: 82

ش: أراد بهذا بيان الاختلاف في سجود النبي عليه السلام للسهو يوم ذي اليدين، وبيان حجة كل واحد من الفريقين، وأراد بالقوم هؤلاء: محمد بن مسلم الزهري، وطائفة من علماء المدينة؛ فإنهم قالوا: لم يسجد النبي عليه السلام يوم ذي اليدين، وأسند ذلك عن الزهري بقوله:"حدثنا بذلك" أي: بما قال هؤلاء القوم ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم الزهري

إلى آخره.

ثم بَيَّن معنى ما قال هؤلاء بقوله: "فمعنى هذا عندنا والله أعلم

" إلى آخره، وهو ظاهر.

قوله: "ثبتناها" من التثبيت.

قوله: "وكان مذهب الذين ذكروا أنه سجد يومئذ

إلى آخره" وأراد بهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، وهو أيضًا ظاهر.

قوله: "والتصرف" بالنصب عطف على قوله: "الكلام" في قوله: "أن الكلام في الصلاة".

قوله:"وإن كانا مباحين" واصل بما قبله، وقال مسلم في "التمييز" قول ابن شهاب: إنه لم يسجد يوم ذي اليدين، خطأ وغلط، وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو من روايات الثقات.

وقال أبو عمر: كان الزهري يقول: إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها، ليس عليه سجدتا السهو انتهى.

قلت: كيف يغلط مسلم الزهري وقد أخرج ابن عدي في "الكامل"(1): أنا أبو يعلى، ثنا ابن معين، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا ليث وابن وهب، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر:"أن رسول الله عليه السلام لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو"؟

(1)"الكامل في ضعفاء الرجال"(4/ 142).

ص: 83