المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الأفضل في الصلوات التطوع هل هو طول القيام أو كثرة الركوع والسجود - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٧

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ص: باب: الأفضل في الصلوات التطوع هل هو طول القيام أو كثرة الركوع والسجود

‌ص: باب: الأفضل في الصلوات التطوع هل هو طول القيام أو كثرة الركوع والسجود

ش: أي هذا باب في بيان أن: هل الأفضل في النوافل طول القيام أو كثرة الركوع والسجود؟

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا أبو الأحوص وحُديج، عن أبي إسحاق، عن المخارق قال:"خرجنا حجاجًا فمررنا بالربذة فوجدنا أبا ذر قائمًا يصلي، فرأيته لا يطيل القيام ويكثر الركوع السجود، فقلت له في ذلك، فقال: ما ألوت أن أحسن، إني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة".

ش: يحيى بن عبد الحميد صاحب "المسند" ضعفه بعضهم ووثقه الأكثرون، وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفي روى له الجماعة، وحُدَيج -بضم الحاء المهملة- ابن معاوية بن حديج، ضعفه النسائي وغيره، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا.

وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السُبيعّي روى له الجماعة، والمُخارق -بضم الميم- غير منسوب، قال الذهبي: مجهول. وفي "التكميل": وثقه ابن حبان.

وأبو ذر اسمه جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا يحيى بن آدم نا زهير، عن أبي إسحاق، عن المخارق قال:"خرّجنا حُجَّاجًا، فلما بلغنا الربذة قلت لأصحابي: تقدّموا وتخلّفت فلقيت أبا ذر وهو يصلي، فرأيته [لا] (2) يطيل القيام ويكثر الركوع والسجود، فذكرت له ذلك، فقال: ما ألوت أن أحسن إني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: من ركع ركعة أو سجد سجدة رُفع بها درجة وحطت بها عنه خطيئةٌ".

(1)"مسند أحمد"(5/ 147 رقم 21346).

(2)

ليست في "مسند أحمد".

ص: 218

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المخارق، قال:"مررت بأبي ذر بالربذة، فدخلت منزله فوجدته يصلي، يخفف القيام قدر ما يقرأ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّه} ويكثر الركوع والسجود، فلما قضى صلاته قلت له: يا أبا ذر، رأيتك تخفف القيام وتكثر الركوع والسجود؟ فقال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: ما من عبد يسجد لله سجدةً أو يركع لله ركعة إلا حطّ الله عنه بها خطيئة ورفعه بها درجة".

قوله: "حُجاجًا" بضم الحاء جمع حاج، وإنتصابه على الحال.

قوله: "بالربذة" بفتح الراء والباء الموحده والذال المعجمة، وهي قرية من قرى المدينة، وبها قبر أبي ذر رضي الله عنه.

قوله: "ما ألوت" أي ما قصرت، قال الجوهري: ألا، يألو: أي قصرّ، وفلان لا يألوك نصحًا فهو آلِ والمرأة آلية، وجمعها أوال.

قوله: "بها" الباء فيها باء المقابلة والعوض، فافهم.

ص: فذهب قوم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل في الصلوات التطوع من القيام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، والشافعي في قول، وأحمد في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل في النوافل من طول القيام، واحتجوا في ذلك بظاهر هذا الحديث المذكور، ويحكى ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: طول القيام أفضل.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: جمهور أهل العلم من التابعين ومن بعدهم منهم: مسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في رواية.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 10 رقم 4472).

ص: 219

وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: قد روي عن النبي عليه السلام في هذا حديثان ولم يقض فيه بشيء.

وقال إسحاق: أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، إلا أن يكون رجل له جزء من الليل يأتي عليه فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلى فإنه يأتي على جزءه وقد ربح كثرة الركوع والسجود.

ص: وكان من الحجة لهم: ما قد رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا عن رسول الله عليه السلام: "أنه سئل أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت" وفي بعض ما روينا في ذلك: "طول القيام". ففضل رسول الله عليه السلام بذلك إطالة القيام على كثرة الركوع والسجود.

ش: أي وكان من الدليل والبرهان للأخرين فيما ذهبوا إليه: حديث جابر رضي الله عنه قال: "أتى رجل النبي عليه السلام فقال: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.

أخرجه الطحاوي في باب "القراءة في ركعتي الفجر" عن علي بن معبد، عن شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، وعن أبي بشر الرقي، عن الفريابي، عن مالك بن مغول، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، به.

وأخرجه مسلم (1)، والترمذي (2)، وأحمد (3)، وقد ذكرناه هناك.

وأشار بقوله: "وفي بعض ما روينا" إلى ما رواه عن علي بن معبد، عن الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي:"أن النبي عليه السلام سئل أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القيام".

وأخرجه أبو داود (4) ولفظه: "أيّ الأعمال أفضل". وقد ذكرناه هناك مستقصى.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 520 رقم 756).

(2)

"جامع الترمذي"(2/ 229 رقم 387).

(3)

"مسند أحمد"(3/ 314 رقم 14408).

(4)

"سنن أبي داود"(2/ 36 رقم 1325).

ص: 220

ص: وليس في حديث أبي ذر الذي ذكرنا خلاف لهذا عندنا؛ لأنه قد يجوز أن يكون قول رسول الله عليه السلام "من ركع ركعة وسجد سجدة" على ما قد أطيُل قبله من القيام ويجوز أيضًا من ركع لله ركعة وسجد سجدة، رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، وإن زاد مع ذلك طول القيام كان أفضل، وكان ما يعطيه الله من الثواب أكثر، فهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث كيلا يضاد الأحاديث الآخر التي ذكرنا.

ش: هذا إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين حديث أبي ذر وبين الأحاديث التي ذكرها في باب "القراءة في ركعتي الفجر" التي تدل على أن طول القيام أفضل، وبيّن ذلك من وجهين:

أحدهما: أنه يجوز أن يكون ما ذكره عليه السلام بقوله: "من ركع ركعة وسجد سجدةً" على إطالة القيام قبل الركوع الكثير والسجود الكثير، أراد أنه يطيل القيام مع كثرة الركوع والسجود، فيكون حائزًا للفضلتين.

والآخر: أنه يكثر الركوع والسجود ليحوز ذلك الثواب العظيم، ومع هذا لو زاد عليه إطالة القيام كان له زيادة أجر آخر، فيكون ما يعطيه الله تعالى من الثواب أكثر، وبهذا التوفيق يحصل الاتفاق بين هذه الأحاديث.

وقد قيل: حديث أبي ذر لا يساوي حديث جابر بن عبد الله ولا يقاومه في صحة الإسناد، فالعمل بحديث جابر أولى.

قلت: هذا باب الترغيب، فالكل في القبول سواء، ولا يزول الاختلاف إلا بالتوفيق، وهو الذي ذكره، والله أعلم.

ص: وممن قال بهذا القول الآخر في إطالة القيام وأنه أفضل من كثرة الركوع والسجود: محمد بن الحسن: حدثني بذلك ابن أبي عمران، عن محمد بن سماعة، عن محمد بن الحسن.

وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.

ص: 221

ش: ذكر الطحاوي مثله في باب: "القراءة في ركعتي الفجر" وقال: سمعت ابن أبي عمران، وهو أحمد بن موسى الفقيه البغدادي يقول: سمعت ابن سماعة يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: بذلك نأخذ، هو أفضل عندنا من كثرة الركوع والسجود مع قلة طول القيام.

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير "أن عبد الله بن عمر رأى فتًا وهو يصلي قد أطال صلاته، فلما انصرف منها قال: من يعرف هذا؟ قال رجل: أنا، فقال عبد الله: لو كنتُ أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود، فإني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: إذا قام العبد يصلي، أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه".

ش: إسناده صحيح، وعبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، ومعاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الإندلس روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".

والعلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي أبو محمد الدمشقي، روى له الجماعة سوى البخاري.

وزيد بن أرطاة بن حدافه بن لوذان الفزاري أخو عدي الدمشقي، وثقه العجلي، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.

وجبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الله الشامي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث معاوية بن صالح، عن العلاء بن حارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير: "أن ابن عمر رأى فتًا يصلي قد أطال صلاته وأطنب فيها، فقال: من يعرف هذا

" إلى آخره نحوه.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 10 رقم 4473).

ص: 222

وقال الذهبي في "مختصر السنن": إسناده قوي.

وهذا الحديث يدل على أن تطويل الركوع والسجود أفضل من تطويل القيام.

فإن قيل: فهذا لا يصلح حجة لما قاله أهل المقالة الثانية فلم ذكره ها هنا؟!

قلت: ذكره ليجيب عن سؤال يَرد عليهم به، كما يقوله الآن.

ص: فإن قال قائل: فهذا تفضيل الركوع والسجود على القيام.

قيل له: ما فيه ما ذكرت، وإنما فيه ما يعطى المصلى على الركوع والسجود من حط الذنوب عنه، ولعله يعطى بطول القيام أفضل من ذلك، على أن ما فيه عن ابن عمر والذي روى عن النبي عليه السلام من تفضيل طول القيام أولى منه، والله أعلم.

ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد قلتم: إن طول القيام أفضل، ورجحتم ذلك بالأحاديث الصحيحة، فهذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يدل على أن تطويل الركوع والسجود أفضل.

وتقرير الجواب من وجهين:

الأول: أن يقال: لا نسلم لزوم تفضيل تطويل الركوع والسجود على طول القيام؛ لأن المفهوم منه أن المصلى يثاب على ركوعه وسجوده بحط الذنوب عنه ولا ينافي ذلك أن يعطى بطول القيام أكثر من ذلك وأفضل منه.

والثاني: أن تفضيل تطويل الركوع والسجود في هذا الحديث من كلام ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال: "لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود". وتفضيل طول القيام من كلام النبي عليه السلام حيث قال: "طول القيام" لما سُئِل أي الصلاة أفضل؟ فالأخذ بقول النبي عليه السلام أولى وأحق.

ص: 223