الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: المرور بين يدي المصلي هل يقطع ذلك عليه صلاته أم لا
؟
ش: أي هذا باب في بيان مرور [المارّ](1) بين يدي المصلي هل يقطع ذلك على المصلي صلاته أم لا؟.
وجه المناسبة بين البابين: أن فيما قبله كان الخلاف في الإشارة المفهمة في الصلاة هل تقطعها أم لا؟ وفي هذا الخلاف في مرور المار بين يدي المصلي هل يقطع الصلاة أم لا؟
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن منصور، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله عليه السلام: "لا يقطع الصلاة مرور شيء إذا كان بين يديه كآخرة الرحل، وقال: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود، قال: قلت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألتني عما سألت رسول الله عليه السلام فقال: "إن الكلب الأسود شيطان".
ش: إسناده صحيح، ويونس هو ابن عبيد بن دينار البصري، روى له الجماعة، ومنصور هو ابن زاذان الواسطي روى له الجماعة، وحميد بن هلال بن هبيرة البصريّ روى له الجماعة، وعبد الله بن الصامت الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وأبو ذر جندب بن جنادة.
وأخرجه مسلم (2): ثنا ابن أبي شيبة، قال: نا إسماعيل بن علية.
وحدثني زهير بن حب، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حميد ابن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا قام
(1) في "الأصل، ك""المصلي"، ولعله سبق قلم من المؤلف رحمه الله: وسيأتي بعد قليل على الصواب.
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 365 رقم 510).
أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله عليه السلام كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان".
وأخرجه الأربعة (1) أيضًا مطولًا ومختصرًا.
قوله: "كآخرة الرحل" أي كقدر مؤخر الرَّحل، و"الرَّحل" بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين: الذي تركب عليه الإبل، وهو الكور. وقال الجوهري: الرحل رحل البعير وهو أصغر من القتب، والجمع الرحال، وثلاثة أرحل.
وقال عياض: آخرة الرحل هو العود الذي في آخر الرحل.
والمؤخرة: -بضم الميم وكسر الخاء- كذا قاله أبو عبيد، وحكى ثابت فيه فتح الخاء، وأنكره ابن قتيبة، وأنكر ابن مكي أن يقال مقدِّم ومؤخِّر -بالكسر- إلا في المعين خاصة، وغيره بالفتح، ورواه بعض الرواة بفتح الواو وتشديد الخاء.
قوله: "من الأبيض" معناه ما بال الأسود من الأبيض.
قوله: "إن الكلب الأسود شيطان" فيه معنيان: الأول يجوز أن يكون حقيقًا ويكون الكلب الأسود جنسًا من الشياطين؛ لأن الشياطين أجناس وأنواع كالعفاريت والسفالي والغيلان، ويجوز أن يكون بمعنى تشبيه بليغ لوصف خاص فيه دون غيره من الكلاب.
ويستنبط منه أحكام:
الأول: أن المصلي إذا كان بينه وبين المار سترة؛ لا يضر صلاته مرور المار.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 187 رقم 702)، و "جامع الترمذي"(2/ 161 - 163 رقم 338)، و"المجتبى"(2/ 63 رقم 750)، و "سنن ابن ماجه"(1/ 306 رقم 952).
واختلفوا في المقدار الذي يكون بينه وبين السترة؛ فقيده بعض الناس بشبر، وآخرون بثلاثة أذرع وبه قال الشافعي وأحمد، وهو قول عطاء وآخرون بستة ذكر السفاقسي قال: أبو إسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلي بينه وبين القبلة ستة أذرع، وفي نسخة "بثلاثة أذرع"، وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح نحوه، وقال: القرطبي لم يحد مالك في ذلك حدًّا إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من يمر بين يديه.
وقال: أبو داود (1): نا القعنبي والنفيلي، قالا نا عبد العزيز -هو ابن أبي حازم- قال: أخبرني أبي، عن سهل قال:"كان بين مقام النبي عليه السلام وبين القبلة ممر عنز".
الثاني: أن مقدار السترة ينبغي أن يكون كقدر مؤخرة الرحل، وقال: عياض أقل ما يجزئ من ذلك: قدر عظم الذراع في غلظ الرمح عند مالك وهو التفات إلى صلاته عليه السلام لمؤخرة الرحل في الارتفاع وللعنزة في الغلظ.
الثالث: اختلف العلماء في هذا الحديث، فقال بظاهرة جماعة من الصحابة والتابعين على ما يجيء بيانه مستقصى إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة أن النبي عليه السلام قال:"إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ما استطاع؛ لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
ش: إسناده صحيح، وسفيان هو ابن عيينة.
وأخرجه أبو داود (2): ثنا ابن الصباح، أنا سفيان.
ونا عثمان بن أبي شيبة وحامد بن يحيى وابن السرح، قالوا: ثنا سفيان، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة يبلغ به النبي عليه السلام قال: "إذا صلى أحدكم
…
" إلى آخره نحوه.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 185 رقم 696).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 185 رقم 695).
وأخرجه النسائي (1)، وابن حبان في "صحيحه" (2): في النوع الخامس والتسعين من القسم الأول.
قوله: "فليدن منها" أي فليقرب من السترة.
قوله: "لا يقطع الشيطان عليه صلاته" خرج مخرج التعليل، ومعنى قطع الشيطان صلاته عليه إذا لم يدن من السترة: أنه ربما يمر بينه وبينها أحد أو حيوان فيحصل له التشوش بذلك، ولا يدري كم صلى، فتحصل له وسوسة، فتقطع صلاته، وإنما نسب إلى الشيطان لأن قطع العبادة وإبطالها من أعمال الشيطان.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس -رفعه شعبة- قال:"يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال: أحسبه قد أسنده إلى النبي عليه السلام- قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب والحمار واليهودي والنصراني والخنزير، ويكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك صلاتك".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن قتادة، عن جابر بن زيد أي الشعثاء اليحمدي الجوفي -بالجيم- نسبة إلى درب الجوف بالبصرة وقيل ناحية عمان.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا مسدد
…
إلى آخره نحوه، ثم قال: أوقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة، عن جابر بن زيد على ابن عباس.
(1)"المجتبى"(2/ 62 رقم 648).
(2)
"صحيح ابن حبان"(6/ 136 رقم 2373).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 187 رقم 703).
والثاني: عن إبراهيم بن أبي داود إلبرلسي، عن محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري، شيخ الأربعة، ووثقه النسائي وابن حبان.
عن معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي روى له الجماعة، عن أبيه هشام روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير روى له الجماعة، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة مسلم مقرونًا بغيره.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا محمد بن إسماعيل البصري، ثنا معاذ، نا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال: أحسبه عن رسول الله عليه السلام- قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير السترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة حجر".
وقال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء؛ فلم أر أحدًا جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة وهو شيخه محمد بن إسماعيل، والمنكر فيه ذكر المجوسي وفيه على قذفة بحجر، وذكر الخنزير وفيه نكارة.
قال: ولم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي سمينة وأحسبه وهم لأنه كان يحدثنا عن حفظه.
وقال ابن القطان: ليس في سنده متكلم فيه، غير أن علته بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقال: إنه مرفوع.
وفي "العلل"(2) لابن أبي حاتم: سُئِل أبو زرعة عن حديث رواه عبيس بن ميمون، عن ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يرفعه:"يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة واليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير" فقال: هذا حديث منكر.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 187 رقم 704).
(2)
"علل ابن أبي حاتم"(1/ 177 رقم 507).
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا معاذ، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل أن رسول الله عليه السلام قال:"يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي عروبة هو سعيد بن مهران أبو النضر البصري. وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا جميل بن الحسن، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل، عن النبي عليه السلام -قال:"يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار".
ص: فذهب قوم إلى هله الآثار، فقالوا: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار إذا مروا بين يدي المصلي.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وعكرمة وأبا الأحوص ومكحولا وأحمد بن حنبل وإسحاق وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار.
ويحكى ذلك عن أبي ذرٍّ وابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
وأخرج عبد الرزاق (2): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ماذا يقطع الصلاة؟ قال: المرأة الحائض والكلب الأسود".
وأخرج (3): عن معمر، عمن سمع عكرمة يقول:"يقطع الصلاة الكلب والخنزير واليهودي والنصراني والمجوسي والمرأة الحائض".
وأخرج (4): عن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس مثله.
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 306 رقم 951).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 26 رقم 2347).
(3)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 27 رقم 2352).
(4)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 27 رقم 2353).
وأخرج (1): عن ابن التيمي، عن أبيه، عن عكرمة وأبي الشعثاء، عن ابن عباس قال:"يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود".
وأخرج (2): عن ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:"الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة".
وأخرج ابن أبي شيبة (3): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة".
وأخرج (4): عن غندر، عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال:"يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب".
وأخرج (5): عن غندر، عن شعبة، عن زياد بن فياض، عن أبي الأحوص مثله.
وأخرج (6): عن أبي داود، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال:"يقطع الصلاة الكلب، قيل له: فالمرأة؟ قال: لا إنما هن شقائق أخواتكم وأمهاتكم".
وقال ابن حزم في "المحلى"(7): ويقطع صلاة المصلي كون الكلب بين يديه مارًّا، وغير مارٍّ، صغيرًا أو كبيرًا، حيًّا أو ميتًا، أو كون الحمار بين يديه كذلك أيضًا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة أو غير مارة إلا أن تكون مضطجعة معترضة فلا تقطع الصلاة حينئذ، ولا تقطع النساء بعضهن صلاة بعض. انتهى.
فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص الكلب الأسود والمرأة والحمار عند من يرى قطع الصلاة بمرورها؟
(1)"مصنف عبد الرزاق"(2/ 28 رقم 2354).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 28 رقم 2355).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 252 رقم 2897).
(4)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 252 رقم 2899).
(5)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 252 رقم 2900).
(6)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 252 رقم 2905).
(7)
"المحلى"(4/ 8).
قلت: أما الكلب الأسود فإنه صرح في الحديث أنه شيطان، وأن الشياطين كثيرًا ما يتصورون في صور الكلاب السود، ولأن الملائكة لا تحضر موضعها.
وأما المرأة فلأجل جريان الحيض ونجاسته عليها؛ ولهذا جاء في حديث ابن عباس "والحائض" مكان "المرأة".
وأما الحمار فلاختصاص الشيطان به في قصة نوح عليه السلام في السفينة وتعلقه له، لنهاقته عند رؤيته وقد يقال في المرأة من هذا المعنى أيضًا لأنها تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، وأنها من مصائد الشيطان وحبائله.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يقطع الصلاة شيء من هذا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعبيدة والشعبي، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وابن سيرين والنخعي والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: لا يقطع الصلاة شيء من هذا، ويحكى هذا عن عثمان وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال:"جئت أنا والفضل ونحن على أتان، ورسول الله عليه السلام يصلي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها وتركناها ترتع، فلم يقل لنارسول الله عليه السلام".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس، عن ابن شهاب
…
فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل:"ورسول الله عليه السلام يصلي بالناس بمنى".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر وروح ووهب، قالوا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن صهيب، عن ابن عباس قال:"مررت برسول الله عليه السلام وهو يصلي وأنا على حمار ومعي غلام من بني هاشم، فلم ينصرف".
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه المدني.
وأخرجه الجماعة، وأبو داود (1) أخرج نحوه: عن عثمان بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس
…
إلى آخره.
وأخرجه النسائي (2) أيضًا: عن محمد بن منصور، عن سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد الله، عن ابن عباس قال:"جئت أنا والفضل على أتان لنا، ورسول الله عليه السلام يصلي بالناس بعرفة -ثم ذكر كلمة معناها- فمررنا على بعض الصف فنزلنا وتركناها ترتع، فلم يقل لنا رسول الله عليه السلام شيئًا".
وأخرجه ابن ماجه (3): عن هشام بن عمار، عن سفيان، عن الزهري
…
إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ويونس بن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
…
إلى آخره.
وأخرجه البخاري (4): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه قال:"أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله عليه السلام يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليّ أحد".
(1)"سنن أبي داود"(1/ 190 رقم 715).
(2)
"المجتبى"(2/ 64 رقم 752).
(3)
"سنن ابن ماجه"(1/ 392 رقم 1238).
(4)
"صحيح البخاري"(1/ 294 رقم 823).
وأخرجه مسلم (1): حدثني يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك
…
إلى آخره نحوه.
وقال أيضًا (1): حدثني حرملة بن يحيى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس أخبره:"أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله عليه السلام قائم يصلي بمنرل في حجة الوداع يصلي بالناس، قال: فسار الحمار بين يدي بعض الصف، ثم نزل عنه فصف مع الناس".
حدثنا (1) يحيى بن يحيى وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الزهري بهذا الإسناد قال:"والنبي عليه السلام يصلي بعرفة".
حدثنا (2) إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، قالا: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري بهذا الإسناد ولم يذكر فيه منى ولا عرفة، وقال:"في حجة الوداع أو يوم الفتح".
وأخرجه الترمذي (3): نا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال:"كنت رديف الفضل على أتان، فجئنا والنبي عليه السلام يصلي بأصحابه بمنى، قال: فنزلنا عنها فوصلنا بالصف، فمرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم".
قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
وأخرجه البزار بسند صحيح ولفظه عن ابن عباس: "أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله عليه السلام بعرفة وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه".
(1)"صحيح مسلم"(1/ 361 رقم 504).
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 362 رقم 504).
(3)
"جامع الترمذي"(2/ 160 رقم 337).
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(1) ولفظه: "جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار
…
" الحديث.
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي وروح بن عبادة ووهب بن جرير بن حازم، ثلاثتهم عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار العرني الكوفي، عن صهيب أبي الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه النسائي (2): أنا أبو الأشعث، قال: ثنا خالد، قال: ثنا شعبة، أن الحكم أخبره، قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدث، عن صهيب، قال سمعت ابن عباس يحدث:"أنه مرّ بين يدي رسول الله عليه السلام هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله عليه السلام وهو يصلي، فنزلوا ودخلوا معه فصلوا، فلم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتيه ففرع بينهما ولم ينصرف".
وأخرجه أبو داود (3): ثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء قال:"تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس فقال: جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله عليه السلام يصلي، فنزل ونزلت، فتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف فما بالى ذلك".
وأخرجه الطيالسي في "مسنده": ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن صهيب- قلت: من صهيب؟ قال: بصري قال: عن ابن عباس: "أنه كان على حمار هو وغلام من بني هاشم، فمر بين يدي النبي عليه السلام وهو يصلي، فلم ينصرف
(1)"صحيح ابن خزيمة"(2/ 24 رقم 836).
(2)
"المجتبى"(2/ 65 رقم 754).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 190 رقم 716).
لذلك، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتي رسول الله عليه السلام ففرغ بينهما -يعني فرق بينهما- ولم ينصرف لذلك".
وأخرجه البيهقي في "سننه (1): بهذا الطريق.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(2).
قوله: "ونحن على أتان" جملة اسمية وقعت حالًا، قال عياض: الأتان أنثى الحمير، وقد جاء في الحديث الآخر:"على حمار" أراد به الجنس ولم يرد الذكورية، كما يقال إنسان للذكر والأنثى، وقال البخاري في روايته:"على حمار أتان".
قلت: الأَتَان بالفتح الحمارة، والجمع: آتُن، أُتْن وأُتُن ويقال: بالكسر لغة أيضًا ذكره ابن عديس في "المثنى"، وفي "المحكم" الأتان: الحمار، والمأتوناء اسم للجمع، واستأتن الحمار صار أتانا، وفي "الصحاح": ولا تقل: أتانة، وقال ابن قرقول: جاء في بعض الحديث أتانة وضبط الأصيلي حمارٍ أتانٍ على النعت أو البدل منونين، "وجاء على حمار" "وجاء على أتان فالأولى الجمع بينهما، وقال: سراج بن عبد الملك أتان وصف للحمار ومعناه صلب قوي، مأخوذ من الأتانة وهي الحجارة الصلبة قال: وقد يكون بدل غلط قال: وقد يكون البعض من الكل؛ لأن الحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير، وقال ابن سراج: وقد يكون على حمار أتان على الإضافة، أي على حمار أنثى. وكذا وجدته مضبوطًا في بعض الأصول.
قوله "بعرفة" وقد جاء "بمنى" كما ذكرنا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي، وقد جاء اللفظان في "صحيح مسلم"، وقد ذكرناه.
والمشهور أن هذه القضية كانت في حجة الوداع، وقد ذكرنا في رواية مسلم:"في حجة الوداع أو يوم الفتح" فلعلها كانت مرتين ويكون اختلاف لفظ مني وعرفة على هذا، فافهم.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 277 رقم 3317).
(2)
"صحيح ابن خزيمة"(2/ 23 رقم 835).
قوله: "ترتع " أي ترعى، يقال: رتعت الإبل إذا رعت.
قوله: "فما بالاه" أي فما أكترث له، من بالى يبالي مبالاة.
ويستفاد منه أحكام:
فيه دليل على أن الحمار لا يقطع الصلاة، وزعم ابن القصار أن من قال: إن الحمار يقطع الصلاة قال: إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإِمام بين يدي بعض الصف.
قلت: هذا كلام جيد لولا روايته البزار من أن ذلك كان بين يدي النبي عليه السلام كما ذكرناها آنفا.
وفيه حجة على أن الإِمام سترة لمن خلفه، لقوله:"فلم يقل لنا رسول الله عليه السلام شيئا" ولأن سكوت النبي عليه السلام -إن كان رآه- حجة في جواز ذلك، وإن كان لم يره فقد رآه جملة أصحابه فلم ينكروه عليه ولا أحد منهم.
وفيه جواز الارتداف على الحمير.
ص: ففي حديث عبيد الله عن ابن عباس أنهما مرا على الصف، فقد يجوز أن يكونا مرا على المأمومين دون الإمام وكان ذلك غير قاطع على المأمومين، ولم يكن في ذلك دليل على حكم مرور الحمار بين يدي الإِمام، ولكن في حديث صهيب عن ابن عباس: أنه مر برسول الله عليه السلام فلم ينصرف؛ فدل ذلك على أن مرور الحمار بين يدي الإمام غير قاطع للصلاة، وقد روي عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرناه عنه في الفصل الأول من حديث ابن أبي داود: أن الحمار يقطع الصلاة
…
في أشياء ذكرها معه في ذلك الحديث قال: وأحسبه قد أسنده.
فهذا الحديث الدي رويناه عن عبيد الله وصهيب عن ابن عباس مخالف لذلك؛ فأردنا أن نعلم أيهما نسخ الآخر؟ فنظرنا في ذلك فإذا أبو بكرة قد حدثنا قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا سماك، عن عكرمة قال:"ذكر عند ابن عباس ما يقطع الصلاة؟ فقالوا: الكلب والحمار، فقال ابن عباس: إليه يصعد الكلم الطيب، وما يقطع هذا ولكنه يكره".
فهذا ابن عباس قد قال: بعد رسول الله عليه السلام: إن الحمار لا يقطع الصلاة؛ فدل ذلك على أن ما روى عنه عبيد الله وصهيب كان متاخرًا عما رواه عنه عكرمة من ذلك.
ش: أراد بهذا تصحيح معاني الأحاديث المذكورة، وبيان النسخ فيها.
بيانه: أن ما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس المذكور فيما مضى ليس فيه دليل على حكم مرور الحمار بين يدي الإِمام؛ لأنه قال: فمررنا على بعض الصف، فقد يجوز أن يكون مرورهما على المأمومين دون الإِمام، وكان ذلك غير قاطع على المأمومين؛ وهذا قال من يري أن الحمار يقطع الصلاة: إن مرور حمار عبد الله كان خلف النبي عليه السلام بين يدي بعض الصف، وليس فيه دليل على أن مروره بين يدي الإِمام غير قاطع للصلاة.
ولكن روي عن ابن عباس في الحديث الذي رواه إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن المقدمي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال: أحسبه قد أسند إلى النبي عليه السلام- قال: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب والحمار
…
" الحديث.
فهذا الحديث يدل على أن مروره يقطع الصلاة مطلقًا؛ ولكن يعارضه ما رواه عبيد الله بن عبد الله وصهيب، عن ابن عباس؛ لأن فيه أن ذلك لا يقطع الصلاة، فقد حصل التعارض والتخالف بين حديثي ابن عباس، فيحتاج فيه أن نتظر حتى نعلم أيهما الناسخ، فنظرنا في ذلك فوجدنا عكرمة قد روى عن ابن عباس أنه قال:"ما يقطع هذا ولكنه يكره".
أخرجه بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، وثقه ابن حبان ويحيى وآخرون.
عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عكرمة مولى ابن عباس، عنه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث الثوري، عن سماك
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في "مصنفه"(2): عن الثوري، عن سماك، نحوه.
فدل ذلك أن ما رواه عبيد الله وصهيب عنه كان متأخرًا عما رواه عنه عكرمة المذكور في الفصل الأول، والمتأخر ناسخ للمتقدم؛ وذلك لأن قول ابن عباس هذا بعد النبي عليه السلام يدل على أنه قد ثبت عنده ارتفاع حكم ما رواه قيل ذلك، فيكون قوله دلالة للتأريخ، وقد أجاب بعضهم عن أحاديث القطع بأن المراد بالقطع: المبالغة في الخوف على فسادها بالشغل بهم، كما يقال للمادح: قطعت عنق أخيك. أي فعلت به فعلًا يخاف عليه هلاكه منه كمن قطع عنقه، وقد يجاب بأن الحديث الأول لا يساوي هذا الحديث ولا يدانيه على ما ذكرنا، ثم معنى قول ابن عباس:"إليه يصعد الكلم الطيب" إشارة إلى أن المصلى مشتغل بذكر ربه متوجه إليه فكلمه وذكره الطيب يصعدان إلى الله تعالى، والعمل الصالح يرفعه فلا يقطع صلاته مرور الحمار ولا الكلب ولا المرأة.
وقال: ابن حزم احتجِ بعض المخالفين بقول الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (3) قال: "فما يقطع هذا"، قال علي: يقطعه عند هؤلاء المشغبين قبلة الرجل امرأته ومسه ذكره وأكثر من قدر الدرهم من بول، ويقطعه عند الكل رويمة تخرج من الدبر متعمدة.
قلت: هذا كلام سخيف لأن بهذه الأشياء يرتفع الوضوء فيبقى المصلي بلا طهارة فكيف لا تقطعها هذه الأشياء، بخلاف مرور الحمار والكلب والمرأة فإن لا يرفع الوضوء بالإجماع، والمصلي بذلك على طهارته في ذكره وكلمه الطيب، وعمله الصالح يرفعه فلا يضره ولا يقطعه ذلك، والله أعلم.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 279 رقم 3328).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 29 رقم 360).
(3)
سورة فاطر، آية:[10].
ص: وقد روي عن الفضل بن عباس عن النبى عليه السلام ما يدل على أن الحمار أيضًا لا يقطع الصلاة:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن محمد بن عمر، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس رضي الله عنهم قال: "زارنا رسول الله عليه السلام -في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى فصلى العصر وهما بين يديه فلم تزجرا ولم تؤخرا.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب
…
فذكر بإسناده نحوه.
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يحيى بن أيوب (ح).
وحدثنا محمد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال عبد الله بن صالح في حديثه: عن محمد بن عمر، وقال ابن أبي مريم في حديثه: قال: حدثني محمد بن عمر
…
ثم ذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"زار رسول الله عليه السلام عباسًا رضي الله عنه".
فقد وافق هذا الحديث حديث صهيب وعبيد الله عن ابن عباس الذي قدمنا ذكرهما في الفصل الذي قبل هذا.
ثم رجعنا إلى حكم مرور الكلب بين يدي المصلي كيف هو، وهل يقطع الصلاة أم لا؟ فكان أحد من روينا عنه عن النبي عليه السلام أنه يقطع الصلاة ابن عباس، قد روينا ذلك عنه في أول هذا الباب، ثم قد روي في حديث الفضل الذي ذكرنا ما قد خالفه، ثم روينا عن ابن عباس بعد من قوله بعد رسول الله عليه السلام في حديث عكرمة عنه أن الكلب لا يقطع الصلاة؛ فدل ذلك على ثبوت نسخ ذلك عنده، وعلى أن ما رواه الفضل عن النبي عليه السلام من ذلك كان متأخرًا لما رواه ابن عباس عن النبي عليه السلام.
ش: أخرج ما روي عن الفضل بن عباس من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي.
عن عباس بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، وثقه ابن حبان.
عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما.
وأخرجه النسائي (1): أنا عبد الرحمن بن خالد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: قال: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس قال: "زار رسول الله عليه السلام عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي عليه السلام العصر
…
" إلى آخره نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن معاذ بن فضالة الزهراني شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمد بن عمر
…
إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (2): ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن العباس، عن الفضل بن عباس قال:"أتانا رسول الله عليه السلام ونحن في بادية ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك".
الثالث: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن محمد بن عمر، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس.
(1)"المجتبى"(2/ 65 رقم 753).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 191 رقم 718).
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1) نحوه.
الرابع: عن محمد بن حميد أيضًا، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب
…
إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في الكبير (2): ثنا يحيى بن أيوب العلاف، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أن عباس بن عبيد الله بن عباس حدثه، عن الفضل بن عباس قال:"أتى رسول الله عليه السلام عباسًا في بادية لنا، فصلى العصر وبين يديه كليبة لنا أو حمارة لنا فما ينهاها ولا يؤخرها".
وقد طعن ابن حزم في هذا الحديث: أن العباس بن عبيد الله بن العباس لم يدرك عمه الفضل.
قلت: ذكر جماعة من الثقات أنه روى عن عمه الفضل بن عباس فيدل هذا على أنه أدركه.
قوله: "كليبة" تصغير كلبة.
قوله: "فلم تزجرا" على صيغة المجهول أي الكليبة والحمارة وكذا قوله: "ولم تؤخرا" على صيغة المجهول.
قوله: "تعبثان" أي تلعبان، من العبث وهو الإفساد، وفي بعض نسخ أبي داود "تعيثان" من عاث الذئب في الغنم تعوث عيثًا: إذا أفسد، ويجوز أن تكون عثي يعثي عيثا إذا أفسد، من باب عَلِمَ يَعْلَم، ويقال: عَثَا يَعْثو من باب نَصَرَ يُنْصُر، وتكون التثنية تعثيان بتقديم الثاء المثلثة.
ومما يستفاد من هذا الحديث: أنه إذا صلى في الصحراء بلا سترة لا بأس عليه، قال الأبهري: لا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من
(1)"مسند أحمد"(1/ 211 رقم 1797)، (1/ 212 رقم 1817).
(2)
"المعجم الكبير"(18/ 295 رقم 756).
المرور بين يديه واختلفوا في موضع يأمن، فعن مالك قولان، وعند الشافعي هي مشروعة مطلقًا، فإن كان في الفضاء هل يصلي إلى غير سترة؛ فأجازه ابن القاسم لهذا الحديث، وقال مطرف وابن الماجشون: لا بد من السترة، وذكر عن عروة وعطاء وسالم والقاسم والشعبي والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة.
قوله: "فقد وافق هذا الحديث" أي قد وافق حديث الفضل بن عباس هذا حديث صهيب البكري البصري وحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة اللذين ذكرا فيما مضى في الفصل الذي قبل هذا، وهما رويا عن ابن عباس في حديثيهما حكم الحمار، وأنه لا يقطع الصلاة فكذلك روى الفضل في حديثه المذكور حكم الحمار وأنه لا يقطع الصلاة، وزاد هو في روايته هذه "الكلب" بأنه لا يقطع الصلاة، وقد كان روي عن ابن عباس أن مرور الكلب بين يدي المصلي يقطع الصلاة، وهو المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وروي عنه أيضًا ما يخالفه، وهو الذي احتج به أهل المقالة الثانية، وقد ذكرنا أن بينهما تعارضًا ظاهرًا، وذكرنا أيضًا أن روايته الثانية ناسخة للأولى؛ لأنه روي عنه من بعد النبي عليه السلام -فيما رواه عكرمة عنه- أن الكلب لا يقطع الصلاة، وفتواه هذه تدل على انتساخ ذلك الحديث الذي فيه القطع؛ لأنه لو لم يعلم ذلك ولم يثبت عنده لما قال بعد النبي عليه السلام قولًا يخالف ما رواه عنه، ودل ذلك أيضًا على أن ما رواه الفضل عن النبي عليه السلام من ذلك كان متأخرًا عما رواه عبد الله بن عباس عن النبي عليه السلام، والمتأخر ناسخ للمتقدم بلا خلاف.
ص: غير أن أبا ذر رضي الله عنه روى عن النبي عليه السلام أنه فصل بين الكلب الأسود من غيره من الكلاب، فجعل الأسود يقطع الصلاة، وجعل ما سواه بخلاف ذلك، وأن رسول الله عليه السلام سئل عن ذلك فقال:"الأسود شيطان".
فدل ذلك على أن المعنى الدي وجب به قطعه إنما هو لأنه شيطان، فأردنا أن ننظر هل عارض ذلك شيء؟
فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو ظفر، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار.
وعن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن في سعيد، جميعًا عن النبي عليه السلام مثله.
ففي هذا الحديث أن كل مارٍّ بين يدي المصلي شيطان وقد سوى في هذا بني آدم والكلب الأسود إذا مروا بين يدي المصلي.
ش: استثنى هذا الكلام عما قبله؛ ليبين وجه التوفيق بين ما روي عن ابن عباس والفضل وبن ما روي عن أبي ذر الغفاري جندب بن جنادة المذكور في أول الباب؛ وذلك لأن أبا ذر روى أن الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة، وأن خلافه من الكلاب بخلاف ذلك، وهما رويا أن الكلب مطلقًا لا يقطع الصلاة.
وجه التوفيق في ذلك: هو أن النبي عليه السلام لما سئل عن الكلب الأسود قال: الأسود شيطان، فعلل بأن المعنى الموجب لقطع الأسود هو كونه شيطانًا، فإذا كانت العلة هذه فقد وجدنا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه جعل كل مارٍّ بين يدي المصل شيطانًا، وهو بعمومه يتناول بني آدم والكلب الأسود والأبيض والأحمر وغير ذلك، فعلم من ذلك أن الكلب على سائر ألوانه حكمه في هذا الأمر كحكم غيره من بني آدم والحمار، في عدم القطع؛ لأنه عليه السلام أمر بالدرء في حق كل مارٍّ ولم يخص مارًّا عن مارٍّ.
فإن قيل: إذا سلم ذلك، فما وجه التخصيص بذكر الأسود؟
قلت: قد قيل: إن الكلب الأسود جنس من الشياطين أو إن الشياطين غالبًا يتمثلون بصورة الكلب الأسود؛ فلذلك خصصه بالذكر، مع أن حكم الكل سواء كما ذكرناه.
ثم إنه أخرج حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك رضي الله عنه من ثلاث طرق صحاح.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم القرشي، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه مسلم (1): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك
…
إلى آخره نحوه. وأبو داود (2): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (3): عن قتيبة، عن مالك نحوه، غير أنه ليس في روايته:"فإنما هو شيطان".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر عبد السلام بن مطهر شيخ البخاري وأبي داود، عن سليمان بن المغيرة القيسي البصري روى له الجماعة، عن حميد بن هلال بن هبيرة العدوي روى له الجماعة، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي عليه السلام نحوه.
وأخرجه البزار في "مسنده": حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي، عن أبيه، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال:"إذا كان أحدكم يصلي فأراد أحد أن يمر بين يديه فليمنعه، فإن أبي فليقاتله فإنه شيطان" وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يونس، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد إلا عبد الوارث، وقد رواه سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 362 رقم 505).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 185 رقم 697).
(3)
"المجتبى"(2/ 66 رقم 757).
الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، شيخ البخاري في "أفعال العباد"، وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق وذكره ابن حبان في "الثقات".
عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن صفوان بن سليم المدني روى له الجماعة، عن عطاء بن يسار.
عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، جميعًا عن أبي سعيد، عن النبي عليه السلام.
وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، ثنا عبد العزيز -وهو ابن محمد- عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان".
قوله: "فلا يدعن" بنون التأكيد المشددة، أي فلا يتركن.
قوله: "وليدرأه ما استطاع" أي وليدفعه قدر استطاعته.
قال القاضي عياض: أي ليدفعه ويمنعه عن ذلك، ولا يسامحه في المرور، وهو معنى قوله:"ما استطاع".
قوله: "فإن أبي" أي امتنع.
"فليقاتله" قال القاضي: أي إن أبى بالإشارة ولطيف المعنى؛ فليمانعه، وليدافعه بيده عن المرور، وليعنف عليه في ردّه.
قال أبو عمر: هذا لفظ جاء على وجه التغليظ والمبالغة.
وقال الباجي: يحتمل أن يكون بمعنى فليلعنه، فالمقاتلة بمعنى اللعن موجودة، قال الله تعالى:{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} (1) قال: ويحتمل أن تكون بمعنى: فليعنفه على فعله ذلك، وليؤاخذه، وخرج من ذلك معنى المقاتلة المعلومة بالإجماع.
(1) سورة الذاريات، آية:[10].
قوله: "فإنما هو شيطان" قال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: الحامل له على ذلك شيطان، يؤيده حديث ابن عمر عند مسلم:"لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أي فليقاتله، فإن معه القرين".
وعند ابن ماجه: "فإن معه العُزَّى"(1) وقيل: معناه فإنما هو فعل الشيطان لشغل قلب المصلي كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه من قولهم: بئر شطون أي بعيدة، ومنه سمي الشيطان لبعده عن رحمة الله، فسماه شيطانًا لاتصافه بوصفه، كما يقال: فلان الأسد، أي يبطش ويقوى كبطشه وقوته.
قلت: فعل هذا يكون هذا من باب التشبيه البليغ، نحو زيد أسد، شبه المارّ بين يديه بالشيطان لاشتراكهما في شغل قلب المصلي والتشويش عليه.
ثم اعلم أن الشيطان اسم لكل متمرد، قال الجوهري: كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب فهو شيطان، فعل هذا يجوز حمل الكلام على ظاهره.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن المصلي لا يُمَكن أحدًا من المرور بين يديه لقوله: "فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه".
الثاني: أنه يدفع المار مهما أمكن، فإن امتنع عليه فليقاتله بمعنى فليعنف في المنع عنه كما ذكرنا.
وقال النووي: هذا أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه قال القاضي عياض: وأجمعوا أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم تكون هدرًا فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك.
قال: ابن شعبان عليه الدية في ماله كاملة وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر. ذكره ابن التين.
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 307 رقم 955).
قال عياض: واتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده، وإنما يدافعه ويرده من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، واتفقوا على أنه إذا مر لا يرده كَيْلَا يصير مرورًا ثانيًا، وقد روي عن البعض: يرده.
واختلفوا إذا جاز بين يديه وأدركه هل يرده أم لا؟ فقال ابن مسعود: يرده وروي ذلك عن سالم والحسن، وقال أشهب: يرده بإشارة ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه أشد من مروره؛ فإن مشي إليه ورده لم تفسد صلاته.
فإن قيل: المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي أو هو من أجل مرور المار؟
قلت: الظاهر أنه من أجل مرور المار، يدل عليه قوله عليه السلام:"لأن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه"(1) وقال في حق المصلي: "إن الصلاة لا يقطعها شيء"(2).
الثالث: أن المقاتلة المذكورة إنما تكون بعد الدفع لاحتمال أن يكون المار ساهيًا أو لم ير المصلي أو لم يتبين له أنه يصلي أو فعله عامدًا؛ فإن رجع حصل المقصود، فإن لم يرجع قوتل وحكى السفاقسي عن أبي حنيفة بطلان الصلاة بالدفع، وهو قول الشافعي في القديم وقال ابن المنذر: يدفع في نحوه أولًا مرة، ويقاتله في الثانية، وقيل: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشد من الرد منُكِرًا عليه، وهذا كله ما لم يكثر، فإن أكثر فسدت صلاته وضَمَّن عمر بن عبد العزيز رجلًا دفع آخر وهو يصلي فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه.
ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عليه السلام.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين".
(1) متفق عليه من حديث أبي جهيم، البخاري (1/ 191 رقم 488)، ومسلم (1/ 363 رقم 507).
(2)
رواه أبو داود في "سننه"(1/ 249 رقم 720) من حديث أبي سعيد الخدري من قوله.
ومعنى هذا معنى حديث أبي سعيد سواء، وأن ابن آدم في مروره بين يدي أخيه المصلي مرور بقرينه أيضًا بين يديه، وهو شيطان.
ثم قد أُجْمع على أن مرور بني آدم بعضهم ببعض في صلاتهم لا يقطعها؛ قد روي ذلك عن النبي عليه السلام من غير وجه.
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله سمع المطلب يقول:"رأيت النبي عليه السلام يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه ليس بينه وبين القبلة شيء".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت ابن جريج، يحدث عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده المطلب بن أبي وداعة فذكر مثله غير أنه قال:"ليس بينه وبين الطوّاف سترة".
قال سفيان فحدثنا كثير بن كثير بعد ما سمعته من ابن جريج قال: أخبرني بعض أهلي، ولم أسمعه من أبي.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا هشام -أراه- عن ابن عم المطلب بن أبي وداعة عن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن أبيه، عن جده، عن النبي عليه السلام بذلك.
ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر مثل ما روى عن أبي سعيد الخدري في درء المصلي المار بين يديه ومقاتلته معه لكونه شيطانًا، ومعنى الحديثين في الحقيقة سواء؛ لأنه قال في حديث أبي سعيد:"فإنما هو شيطان" وفي حديث ابن عمر: "فإنه معه القرين" أي الشيطان، ولا شك أنه إذا مر بين يدي المصلي يمر بقرينه أيضًا لأنه لا يفارقه، فعلى هذا يكون في حديث أبي سعيد مجاز من قبيل ذكر الشيء باسم مجاوره؛ لأنه أطلق عليه الشيطان وأراد قرينه، فيكون حديث ابن عمر مفسرًا لحديث أبي سعيد رضي الله عنهم فحينئذ اتفق معنى الحديثين، ولكنهم لما أجمعوا على أن مرور بني آدم بعضهم ببعض في صلاتهم لا يقطع الصلاة كما روي ذلك في أحاديث كثيرة على
ما يأتي؛ ثبت بذلك أن مرور غير بني آدم من الحيوانات كذلك لا يقطعها؛ لأن النبي عليه السلام أمر بالدرء في حق كل مارّ ولم يخص مارّا دون مارّ، وأخبر أن كل مارّ بين يدي المصلي شيطان، فكانت العلة الموجبة للدرء والمقاتلة عامة في حق الكل، فكما أنه لا يبطل الصلاة في بني آدم فكذلك في غيرهم.
ثم حديث عبد الله بن عمر صحيح ورجال إسناده ثقات، غير أن في يعقوب بن حميد اختلافًا، والأكثرون على توثيقه كما ذكرناه.
وابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني روى له الجماعة، والضحاك بن عثمان بن عبد الله أبو عثمان المدني الكبير روى له الجماعة سوى البخاري، وصدقة بن يسار الجزري ثقة روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأخرجه مسلم (1): حدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين". انتهى.
أي المصاحب من الشياطين، والقرين يكون في الخير والشر، وفي الحديث ما من أحد إلا وُكِّل به قرينه أي مصاحبه من الملائكة والشياطن، وكل إنسان فإن معه قرينًا منهما فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه.
وأما حديث المطلب بن أبي وداعة السهمي الصحابي رضي الله عنه فأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة السهمي المكي من رجال البخاري، عن بعض أهله وهو مجهول، سمع المطلب بن أبي وداعة إلى آخره.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 363 رقم 506).
وأخرجه أبو داود (1) في كتاب الحج: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، قال لي بعض أهلي يحدثني عن جده: "أنه رأى النبي عليه السلام يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يقرون بين يديه وليس بينهما سترة، قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة، وقال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه، قال: ثنا كثير، عن أبيه فسألته فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه كثير بن المطلب وثقه ابن حبان، عن جده المطلب بن أبي وداعة
…
إلى آخره.
وهذا إسناد حسن جيد.
وأخرجه النسائي (2): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عيسى بن يونس، قال: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله عليه السلام طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى ركعتين بحزائه في حاشية المقام وليس بينه وبين الطُوَّاف أحد، وقال ابن المديني: قال سفيان: سمعت ابن جريج يقول: أخبرني كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، فذهبت إلى كثير فسألته، فقال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي عن جدي.
ذكره البيهقي في "سننه"(3): عن ابن المديني.
الثالث: عن يزيد بن سنان شيخ النسائي أيضًا، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، عن هشام بن حسان، عن ابن عم المطلب بن أبي وداعة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن أبيه، عن جده، عن النبي عليه السلام.
(1)"سنن أبي داود"(2/ 211 رقم 2016).
(2)
"المجتبى"(2/ 67 رقم 758).
(3)
"السنن الكبرى"(2/ 273 رقم 3296).
وفيه أيضًا مجهول.
وأخرجه الطبراني (1): من حديث هشام بن حسان، عن سالم الخياط، عن كثير بن المطلب.
وقال: ثنا محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، ثنا زيد بن أخرم، ثنا عبد القاهر بن شعيب، عن هشام بن حسان، عن سالم بن عبد الله، عن كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده:"أن النبي عليه السلام خرج من الكعبة فقام حيال الركن، فصلى ركعتين والناس يقرون بين يديه يطوفون بالبيت الرجال والنساء".
قوله: "باب بني سهم" باب من أبواب مسجد الكعبة.
قوله: "وبين الطواف" في رواية النسائي بفتح الطاء وتخفيف الواو، وقد ضبطه بعضهم من أفاضل المحدثين بضم الطاء وتشديد الواو، وأراد به جمع طائف، ولكل منهما وجه، والله أعلم.
واستفيد من الحديث: أن مرور المار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وأن درء المار ليس بشرط لصحة الصلاة، إذ لو كان شرطًا لما كان عليه السلام ترك الدرء في الحديث المذكور؛ لأنه لم ينقل أنه درأهم، وأن نصب السترة ليس بشرط لصحة الصلاة؛ إذ لو كان شرطًا لنصبها عليه السلام حينئذ.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، أنه قال: تذاكروا عند عائشة رضي الله عنها ما يقطع الصلاة؟ فقالوا: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة فقالت عائشة رضي الله عنها: لقد عدلتمونا بالكلاب والحمير، وقد كان رسول الله عليه السلام يصلي في وسط السرير وأنا عليه مضطجعة، والسرير بينه وبين القبلة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس بين يديه فأؤذيه فأنسل من قَبِل رجلي انسلالًا".
(1)"المعجم الكبير"(20/ 290 رقم 685).
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وبشر بن عمر، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت:"كان رسول الله عليه السلام يصلي وأنا بينه وبين القبلة، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم بين يديه، فأنسل انسلالا".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا مالك، عن أبي النضر (ح).
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب وأشهب، عن مالك عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت:"كنت أمد رجلي في قبلة رسول الله عليه السلام -وهو يصلي؛ فإذا سجد غمزني فرفعتهما فقبضتهما فإذا قام مددتهما".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله عليه السلام كان يصلي وهي معترضة أمامه في القبلة، فإذا أراد أن يوتر غمزها برجله فقال: تنحي".
حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس البصري، قال: ثنا المقرى، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"كان رسول الله عليه السلام يسبح من الليل وعائشة معترضة بينه وبين القبلة".
حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله عليه السلام يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوتر".
ش: هذه سبع طرق صحاح، ستة منها عن نفس عائشة، وواحد عن علي بن أبي طالب في قضية عائشة:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني روى له الجماعة، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي الضحى مسلم ابن صبيح -بضم الصاد وفتح الباء الموحدة- العطار الكوفي روى له الجماعة.
عن مسروق بن الأجدع روى له الجماعة
…
إلى آخره.
وأخرجه البخاري (1): ثنا إسماعيل بن خليل، ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم -يعني بن صبيح- عن مسروق، عن عائشة:"أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: لقد جعلتمونا كلابًا؛ لقد رأيت النبي عليه السلام يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير، فتكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله فأنسل انسلالًا".
وأخرجه مسلم (2): ثنا عمرو الناقد وأبو سعيد الأشج، قالا: ثنا حفص بن غياث.
ونا عمر بن حفص بن غياث -واللفظ له- قال: ثنا أبي، قال: نا الأعمش، قال: نا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها.
قال: وحدثني مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة:"وذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت رسول الله عليه السلام يصلي وأني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي رسول الله عليه السلام، فأنسل من عند رجليه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم وبشر بن عمر بن الحكم الزهراني، كلاهما عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (3): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؛ لقد رأيتني
(1)"صحيح البخاري"(1/ 192 رقم 489).
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 366 رقم 512).
(3)
"صحيح مسلم"(1/ 367 رقم 512).
مضطجعة على السرير فيجيء رسول الله عليه السلام فيتوسط السرير، فيصلي فأكره أن أسنحه، فأنسل من قِبَل رجلي السرير، حتى أنسل من لحافي".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (1): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي عليه السلام أنها قالت:"كنت أنام بين يدي رسول الله عليه السلام ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، وأشهب بن عبد العزيز القيسي، كلاهما عن مالك
…
إلى آخره.
وأخرجه مسلم (2): عن يحيى بن يحيى، عن مالك
…
إلى آخره، نحو رواية البخاري.
الخامس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة.
وأخرجه أبو داود (3): نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر.
ونا القعنبي، نا عبد العزيز يعني بن محمد وهذا لفظه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت:"كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله عليه السلام، فيصلي رسول الله عليه السلام وأنا أمامه، إذا أراد أن يوتر -زاد عثمان: غمزني ثم اتفقا- فقال تنحي".
(1)"صحيح البخاري"(1/ 192 رقم 491).
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 366 رقم 512).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 190 رقم 714).
السادس: عن إبراهيم بن محمد بن يونس البصري مولى عثمان بن عفان نذيل مصر، عن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي المصري وثقه يحيى وأبو داود، عن عمه إياس بن عامر الغافقي وثقه ابن حبان، عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا عبد الرحمن، نا موسى بن أيوب
…
إلى آخره نحوه سواء.
السابع: عن محمد بن عمرو بن يونس الثعلبي المعروف بالسوسي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (2): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام، حدثني أبي، عن عائشة قالت: "كان النبي عليه السلام يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت:"إن النبي عليه السلام كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة راقدة على الفراش الذي يرقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت".
وأخرجه ابن ماجه (4) أيضًا.
قوله: "لقد عدلتمونا" أي لقد سويتمونا بالكلاب، من قولك عدلته بهذا إذا سويت بينهما، وكذلك عادلت.
قوله: "وقد كان رسول الله عليه السلام يصلي في وسط السرير" وفي بعض النسخ: "يصلي وسط السرير، بدون كلمة "في" وكذا رواية السراج في "مسنده"، والوَسَط
(1)"مسند أحمد"(1/ 99 رقم 772).
(2)
"صحيح البخاري"(1/ 192 رقم 490).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 189 رقم 711).
(4)
"سنن ابن ماجه"(1/ 307 رقم 956).
بفتح السين لأن كل ما متصل كالدار والرأس فهو بالفتح، وكل ما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك فهو بالسكون، ولهذا يسكن السين في قوله:"الجالس وَسْط الحلقة ملعون" ويقال كل ما يصلح فيه "بين" فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه "بين" فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر.
قوله: "وأنا عليه مضطجة" جملة إسمية وقعت حالًا.
قوله: "فتبدوا لي الحاجة" أي تظهر لي الحاجة، وفي رواية السراج:"فتكون لي الحاجة".
قوله: "فأنسل" أي أمضي بتأن وتدريج، وهو من الانسلال وثلاثية سل، من سللت الشيء أسلُّه سلًا، يقال: سللت السيف وأستللته بمعنى؛ قاله الجوهري.
قوله: "انسلالا" نصب على أنه مفعول، لقوله فأنسل.
قوله: "لقد رأيتني" أي لقد رأيت نفسي.
قوله: "أن أسنحه" بالحاء المهملة، أي أكره أن استقبله ببدني في صلاته، من سَنَحَ لي الشيء: إذا عَرَضَ، ومنه السانح ضد البارح.
قوله: "غمزني" من غمزت الشيء بيدي، قاله الجوهري، وأُنشد (1):
وكلنتُ إذا غَمزتُ قَنَاةَ قوم
…
كَسَرتُ كُعُوبَهَا أو تَسْتَقِيما
وغمزته بعيني؛ قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} (2) والمراد به ها هنا الغمز باليد.
وفيه حجة لأصحابنا لأن الأصل في الرجل أن تكون بغير حائل؛ عرفًا وكذلك اليد؛ كذا قال ابن بطال، وقال: وقول الشافعي: كان غمزه إياها على ثوب فيه بعد. انتهى.
(1) القائل، هو زياد الأعجم، كما في "لسان العرب" (مادة: غمز).
(2)
سورة المطففين، آية:[30].
وأيضًا من الجائز أن يمس منها عضوًا بغير حائل؛ لأن المكان إذا كان بغير مصباح لا يتأتى فيه الاحتراز كما إذا كان فيه مصباح، والنبي عليه السلام في هذا المقام في مقام التشريع لا الخصوصية إذ من المعلوم أن الله تعالى عصمة في جميع أفعاله وأقواله.
وقال القاضي عياض: فيه دليل على أن محاذاة المرأة في الصلاة للمصلي غير مفسدة لصلاة الرجل سواء كانت في صلاة معه أم لا خلافًا لأبي حنيفة في أن صلاة المحاذي لها من الرجال تفسد.
قلت: يالله العجب كيف يصدر مثل هذا الكلام عن مثل هذا الرجل من غير تحقيق مذهب أبي حنيفة، فأبو حنيفة: لم يقل: إن مجرد المحاذاة تفسد صلاة الرجل، بل المحاذاة المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في صلاة مطلقة تحريمة وأداء، وها هنا لم تكن عائشة رضي الله عنها شريكة النبي عليه السلام في صلاته، ولا مقيدة به، وأبو حنيفة أيضًا يقول في مثل هذا بعدم الفساد، فكيف يجعل القاضي الصورة الاتفاقية حجة على من يقول بها؛ نصرة لإمامه ومن تبعه؛ فافهم.
قوله: "أمامه" بفتح الهمزة أي قدامه.
قوله: "تَنَحَّي" أي تحولي وابعدي، وهو أمر من تنحى يتنحى فللمذكر تَنَحِّ وللمؤنث تَنَحِّى بفتح الحاء وإسكان الياء.
قوله: "يسبح من الليل" أي يتطوع من الليل، ومنه يقال لصلاة النافلة: سبحة وهي من التسبيح، كالسخرة من التسخير، وإنما خصت النافلة بالسبحة، وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة.
قوله: "على الفراش الذي يرقد هو" أي ينام عليه النبي عليه السلام "وأهله".
قوله: "فأُوتر" من قول عائشة إخبار عن نفسها، أي فأوتر أنا، ووقع في رواية البخاري:"فأوترت"، ووقعت الروايتان جميعًا في "مسند السراج".
ويستنبط منها أحكام:
الأول: أن المرأة لا تقطع الصلاة.
الثاني: جواز الصلاة إلى المرأة، وكرهه البعض النبي عليه السلام لخوف الفتنة بها وبذكرها، وإشغال القلب بها بالنظر إليها، والنبي عليه السلام منزه عن هذا كله، مع أنه كان بالليل والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، وهو المختار عندي في هذا الزمان، وحكم الصبي الأمرد كحكم المرأة في ذلك.
الثالث: جواز الصلاة إلى النائم.
والرابع: استحباب صلاة الليل.
والخامس: جواز الصلاة على السرير من غير كراهه.
والسادس: أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة.
والسابع: إن تأخير الوتر إلى آخر الليل مستحب لمن يشق بالانتباه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:"كان يفرش لي حيال مصلى رسول الله عليه السلام، كان يصلي وإني حياله".
ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق.
وعفان هو ابن مسلم الصفار، ووهيب هو ابن خالد البصري، وخالد هو الحذاء، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وزينب بنت أبي سلمة صحابية، وأم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): قال: ثنا عفان
…
إلى آخره نحوه غير أن في لفظه: "حيال مسجد رسول الله عليه السلام" أي تلقاء وجهه.
قوله: "وإني حياله" جملة اسمية وقعت حالًا، أي والحال أني أنا تلقاء وجهه.
(1)"مسند أحمد"(6/ 322 رقم 26776)، وفيه: "حيال مصلى
…
".
ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا الشيباني، عن عبد الله بن شداد، قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: "كان فراشي حيال مصلى رسول الله عليه السلام، فربما وقع ثوبه عليَّ وهو يصلي".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصالح هو ابن عبد الرحمن، وسعيد هو ابن منصور الخراساني شيخ مسلم، وأبي داود وهشيم هو ابن بشير، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله بن شداد بن الهاد أبو الوليد المدني روى له الجماعة، وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء بنت عميس وكانتا أختي ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه السلام لأمها.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا عمرو بن عون، ثنا خالد عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث قالت: "كان رسول الله عليه السلام يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخمرة".
وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا بكر بن عيسى الراسبي، نا أبو عوانة، نا سليمان الشيباني، نا عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: سمعت خالتي ميمونة -يعني بنت الحارث- زوج النبي عليه السلام: "أنها كانت تكون حائضًا وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله عليه السلام وهو يصلي على خمرته، إذا سجد أصابني بعض ثوبه".
قوله: "حيال مصلى رسول الله عليه السلام" أي تلقاء وجهه، والمصلى: الموضع الذي كان يصلي فيه عليه السلام في بيته، وهو مسجده الذي عينه للصلاة فيه.
قوله: "على الخُمْرة" بضم الخاء المعجمة وسكون الميم، وهي كحصر صغير يعمل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك فهي حصير، وسميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 176 رقم 656).
(2)
"مسند أحمد"(6/ 330 رقم 26849)
ص: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله عليه السلام بما يدل على أن بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل مار بين يدي المصلي في حديث ابن عمر وأبي سعيد عن النبي عليه السلام شيطانًا، وأخبر أبو ذر عن النبي عليه السلام أن الكلب الأسود إنما يقطع الصلاة لأنه شيطان؛ فكانت العلة التي لها جعلت لقطع الصلاة قد جعلت في بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النبي عليه السلام أنهم لا يقطعون الصلاة؛ فدل أن كل مارٍّ بين يدي المصلي مما سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصلاة.
ش: أي فقد تكاثرت وتتابعت، وأراد بهذه الآثار: الأحاديث التي رواها عن عائشة وعلي وأم سلمة وميمونة بنت الحارث رضي الله عنهم، يعني أحاديث هؤلاء تواردت بدلالتها على أن مرور بني آدم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة.
قوله: "وقد جعل كل مارٍّ
…
" إلى آخره، بيانه أن النبي عليه السلام جعل كل مارٍّ بين يدي المصلي -من بني آدم وغيرهم من الحيوان- شيطانًا، وذلك في حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد الخدري، وقد كان أخبر أبو ذر الغفاري عن النبي عليه السلام أن الكلب الأسود إنما يقطع الصلاة لأنه شيطان فصارت العلة في الجميع كون المار شيطانًا، وقد ثبت عن النبي عليه السلام أن بني آدم لا يقطعون الصلاة، فكذلك ينبغي أن لا يقطع مرور غيرهم من الحيوانات، نظرًا على ذلك وقياسًا عليه، لعموم علة القطع في الكل.
قوله: "فكانت العلة التي لها" أي للحيوانات من غير بني آدم.
وقوله: "قد جعلت في بني آدم" أيضًا خبر "كانت" فافهم.
قوله: "فدل
…
إلى آخره" نتيجة مترتبة على ما قبله من الكلام.
ص: والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ابن عمر -مع روايته ما ذكرنا عنه عن النبي عليه السلام- قد روي عنه من قوله من بعده ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال:"قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصلاة الكلب والحمار، فقال: ابن عمران رضي الله عنهما لا يقطع صلاة المسلم شيء".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، عن شعبة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع وسالم، عن ابن عمر قال:"لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، مثله.
فهذا ابن عمر قد قال هذا بعد رسول الله عليه السلام، وقد سمع ذلك من النبي عليه السلام، فقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله عليه السلام حتى صار ما قال به أولى عنده من ذلك.
ش: أي الدليل والحجة على صحة ما ذكرنا -من أن مرور كل مارٍّ بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة سواء كان من بني آدم أو غيرهم من الحيوانات- قول عبد الله بن عمر: "لا يقطع صلاة المسلم شيء" و: "لا يقطع الصلاة شيء" وقد قال ابن عمر هذا القول بعد النبي عليه السلام، والحال أنه قد كان سمع من النبي عليه السلام أنه قال:"إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين" فدل ما قاله من بعد النبي عليه السلام على انتساخ ما كان سمعه منه؛ إذ لو لم يكن كذلك لما رأى ما صار إليه أول مما سمعه.
ثم إنه أخرج أثر ابن عمر من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن عيينة، عن الزهري
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): أنا الحاكم، نا أبو العباس، نا أحمد بن شيبان، نا سفيان، عن الزهري
…
إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"لا يقطع الصلاة شيء".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 250 رقم 2885).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 278 رقم 3321).
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث البصري، عن شعبة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع مولى ابن عمر وسالم بن عبد الله، كلاهما عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال:"لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم، قال: وكان لا يصلي إلا إلى سترة".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، مثل المذكور.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال:"لا يقطع الصلاة شيء وذُبُّوا عن أنفسكم".
ص: وأما القتال المذكور في حديث ابن عمر وأيى سعيد رضي الله عنهم من المصلي لمن أراد المرور بين يديه، فقد يحتمل أن يكون ذلك أبيح في وقت كانت الأفعال فيه مباحة في الصلاة، ثم نسخ ذلك بنسخ الأفعال في الصلاة؛ فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: هذا جواب عما قال بعضهم بقتال المصلي للمار بين يديه بظاهر حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله عليه السلام:"إن أبي فليقاتله" وتقريره أن يقال: كان الأمر بالقتال حين كانت الأفعال التي ليست من جنس الصلاة مباحة في الصلاة، نحو المشي وتناول الشيء ونحوهما؛ فلما نسخ هذا الحكم نسخ ذلك أيضًا؛ لأنه من جملة الأفعال التي ليس من الصلاة، وقد قال غيره: إن الأمر على حاله ولكن المراد منه التغليظ والبالغة في الدرء، فكأنه من شدة منعه ودفعه صار مقاتلا، وقد مرَّ الكلام فيه مرة.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(2/ 3 رقم 2368).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 2521 رقم 2886).
ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لا يختلفون في الكلب غير الأسود أن مروره بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، فأردنا أن ننظر في حكم الأسود هل هو كذلك أم لا؟ فرأينا الكلاب كلها حرام أكل لحومها ما كان منها أسود، وما كان منها غير أسود، وما كان منها غير أسود فلم تكن حرمة لحومها لألوانها ولكن لعلتها في أنفسها، وكذلك كل ما نهي عن أكله من كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، والحمر الأهلية؛ لا يفترق في ذلك حكم شيء منها لاختلاف ألوانها، وكذلك أسئارها كلها، فالنظر على ذلك أن يكون حكم الكلاب كلها في مرورها بين يدي المصلى سواء، فكما كان غير الأسود منها لا يقطع الصلاة فكذلك الأسود؛ ولما ثبت في الكلاب بالنظر ما ذكرنا كان الحمار أولى أن يكون كذلك؛ لأنه قد اختلف في أكل لحوم الحمر الأهلية فأجازه قوم، وكرهه آخرون، فإذا كان ما لا يؤكل لحمه باتفاق المسلمين لا يقطع مروره الصلاة، كان ما اختلف في كل لحمه أحرى أن لا يقطع مروره الصلاة؛ فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر غَنيّ عن مزيد البيان.
قوله: "فأجازه قوم" وأراد بهم جماعة من المالكية والظاهرية، وقال أبو عمر: وأما لحم الحمر الإنسية فلا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها، وعلى ذلك جماعة السلف إلا ابن عباس وعائشة؛ فإنهما كانا لا يريان بائسًا بأكلها على اختلاف فيه عن ابن عباس، والصحيح عنه فيه ما عليه الناس والله أعلم.
قوله: "وكرهه آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير الفقهاء والتابعين ومن بعدهم، والمراد من الكراهة كراهة التحريم، وأما البغل فإن كانت أمه حمارة فهو حرام بلا خلاف، وإن كانت فرسًا ففيه خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه كالخلاف في لحم الفرس، وإن كانت بقرة فهي تُؤكل بلا خلاف، وعن بعضهم أن البغل لا يؤكل على كل حال.
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن نفر من أصحاب رسول الله عليه السلام قد ذكرنا ما روي عنهم فيما تقدم في هذا الباب.
ش: أي قد روي أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد روي في ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم فيما تقدم.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن عليًّا وعثمان رضي الله عنهما قالا:"لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرءوا ما استطعتم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال:"لا يقطع صلاة المسلم الكلب ولا الحمار ولا المرأة، ولا ما سوى ذلك من الدواب، وادرءوا ما استطعتم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه:"أنه كان يصلي فمر بين يديه رجل، قال: فمنعته إلا أن يمر بين يدي، فذكرت ذلك لعثمان بن عفان وكان خال أبيه فقال: لا يضرك".
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن بسر بن سعيد وسليمان بن يسار حدثاه، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثهما:"أنه كان في صلاة فمر به سليط بن أبي سليط، فجذبه إبراهيم فخر فشج، فذهب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأرسل إلي فقال لي: ما هذا؟! فقلت مر بين يدي فرددته لئلا يقطع صلاتي، قال: أو يقطع صلاتك؟ قلت أنت أعلم قال: لا يقطع صلاتك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا الزبرقان بن عبد الله، عن كعب بن عبد الله قال: سمعت حذيفة رضي الله عنه يقول: "لا يقطع الصلاة شيء".
ش: أي وقد روي في أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصل لا يقطع الصلاة عن جماعة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم.
وأخرج عن عثمان من ثلاث طرق:
في الأول: معه علي بن أبي طالب، وهو عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثلاثتهم عن قتادة، عن سعيد بن المسيب.
وهؤلاء أئمة أجلاء أثبات.
وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبدة ووكيع، عن [سعيد](2)، عن قتادة عن ابن المسيب، عن علي وعثمان قالا:"لا يقطع الصلاة شيء، فادرءوهم عنكم ما استطعتم".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، عن أبيه إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف المدني، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكانت من المهاجرات الأُوَل، ويقال: إنه ولد في حياة النبي عليه السلام.
وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرج عبد الرزاق (3): عن ابن جريج قال: "أراد رجل أن يجوز أمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى عثمان رضي الله عنه، فقال للرجل: وما يضرك لو
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 250 رقم 2884).
(2)
في "الأصل": "شعبة"، والمثبت من "المصنف"، وشعبة وإن كان يروي عن قتادة، ويروي عنه وكيع، ولكنهم ولم يذكروا في الرواة عنه عبدة -وهو ابن سليمان الكلابي، إنما يروي عبدة عن سعيد بن أبي عروبة. والله أعلم. انظر ترجمة عبدة في "تهذيب الكمال"(18/ 530 - 534).
(3)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 29 رقم 2362).
ارتددت حين ردك؟! ثم أقبل على حميد فقال: له فما ضرك لو جاز أمامك؟ إن الصلاة لا يقطعها شيء إلا الكلام والأحداث، وكان خال أبيه أي كان عثمان خال أبي سعد بن إبراهيم؛ لأن أخت عثمان هي أم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كما ذكرناه الآن.
الثالث: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن بكر بن مضر بن محمد المصري روى له المجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج روى له الجماعة، عن بُسْر -بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد روى له الجماعة، وعن سليمان بن يسار الهلالي أخو عطاء بن يسار روى له الجماعة، كلاهما عن إبراهيم بن عبد الرحمن المذكور فيما مضى.
وسليط بن أبي سليط قال البخاري في "تاريخه": يعد في أهل الحجاز، سمع عثمان، وعنه ابن سيرين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن مالك قال: "بلغني أن رجلًا أتى عثمان بن عفان برجل كسر أنفه، فقال: له مَرَّ بين يديَّ في الصلاة وأنا أصلي، وقد بلغني ما سمعت في المارِّ بين يدي المصلي، قال له عثمان: فما صنعت أشرَّ يا ابن أخي، ضيعت الصلاة وكسرت أنفه".
وأخرج عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الحارث بن عبد الله الأعور، فيه مقال كثير، كذبه جماعة، وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(2/ 34 رقم 2384).
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن الثوري ومعمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال:"لا يقطع الصلاة شيء، وادرأ عن نفسك ما استطعت".
وأخرج عن حذيفة رضي الله عنه: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن الزبرقان بن عبد الله العبدي أبي الزرقاء الكوفي، وثقه ابن حبان.
عن كعب بن عبد الله العبدي الكوفي، وثقه ابن حبان.
عن حذيفة بن اليمان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن الزبرقان، عن كعب بن عبد الله، عن حذيفة قال:"لا يقطع الصلاة شيء، وادرأ ما استطعت".
(1)"مصنف عبد الرزاق"(2/ 29 رقم 2361).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(11/ 251 رقم 2889).