الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الجلوس على القبور
ش: أي هذا باب في بيان حكم الجلوس على القبور هل يجوز أم لا؟.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا صدقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثناعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أنه سمع بسر بن عبيد الله الحضرمي
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن بسر، أنه سمع واثلة بن الأسقع
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله يقول: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله عليه السلام يقول ذلك.
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن يحيى بن حسان التنيسي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن صدقة بن خالد القرشي الدمشقي روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي روى له الجماعة، عن بُسر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- ابن عبيد الله الحضرمي الشامي روى له الجماعة، عن أبي إدريس عائذ الله بن عبد الله العوذي
الخولاني من أكابر علماء الشام وعبادهم وقرائهم روى له الجماعة، عن واثلة بن الأسقع الليثي الصحابي، عن أبي مرثد الغنوي واسمه كناز بن الحصين.
وأخرجه مسلم (1): ثنا حسن بن الربيع البجلي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد
…
إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه أبو داود (2) أيضًا.
الثاني: عن روى بن الفرج القطان، عن حامد بن يحيى بن هانئ البلخي شيخ أبي داود، عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن يزيد
…
إلى آخره.
وأخرجه مسلم (3): حدثني علي بن حجر السعدي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بُسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله عليه السلام: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
الثالث: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن بشر بن بكر التنيسي البجلي من رجال البخاري، عن عبد الرحمن بن يزيد
…
إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(4) نحوه.
الرابع: عن عبد الله بن محمَّد بن خشيش -بالمعجمات وضم الخاء- عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص المعروف بالعيشي شيخ أبي داود، عن عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور الحجة، عن عبد الرحمن بن يزيد
…
إلى آخره.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 668 رقم 972).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 236 رقم 3229).
(3)
"صحيح مسلم"(2/ 668 رقم 3229).
(4)
"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 435 رقم 4074).
وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، نا نعيم بن حماد. (خ)
وحدثنا زكرياء بن يحيى الساجي، ثنا العباس بن الوليد النرسي، قالا: نا ابن المبارك، ثنا ابن جابر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله يحدث، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "لا تجلسوا إلى القبور ولا تصلوا إليها".
وأخرجه الترمذي نحوه (2).
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن النضر بن عبيد الله السلمي ثم الأنصاري، عن عمرو بن حزم قال:"رآني رسول الله عليه السلام على قبر، فقال: انزل عن القبر؛ لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك".
ش: يحيى بن عبد الله شيخ البخاري رحمه الله، وابن لهيعة هو عبد الله فيه مقال، وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني روى له الجماعة، والنضر -بالنون والضاد المعجمة- بن عبد الله السلمي ثم الأنصاري روى له النسائي، وعمرو بن حزم بن زيد الأنصاري الصحابي.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): ثنا حسن، نا ابن لهيعة
…
إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"رآني رسول الله عليه السلام جالسًا على قبر"، وفي لفظة له:"وأنا متكئ على قبر".
(1)"المعجم الكبير"(19/ 193 رقم 434).
(2)
"جامع الترمذي"(3/ 367 رقم 1050) برواية أبي إدريس الخولاني بين بسر وواثلة.
(3)
ليس في "المسند" المطبوع، وذكر ابن عساكر ترجمة عمارة بن حزم في "ترتيب أسماء الصحابة" رقم (367)، وكذا الحافظ ابن حجر في ترجمته في "تعجيل المنفعة"(1/ 294)، و"المسند المعتلي"(ق 212/ أ) وذكر له هذا الحديث مع آخر.
وأخرجه النسائي (1): أنا محمد بن عبد الله بن الحكم، عن شعيب، قال: نا الليث، قال: نا خالد، عن ابن أبي هلال، عن أبي بكر بن حزم، عن النضر بن عبد الله السلمي، عن عمرو بن حزم، عن رسول الله عليه السلام قال:"لا تقعدوا على القبور".
قوله: "لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك" أي صاحب القبر، ومعنى الأذى من طرف الحي أنه إذا جلس على قبر الميت فكأنه جلس عليه وهو حيّ؛ لأن حرمة المسلم لا تختلف بالحياة والممات، ولهذا لا يجوز كسر عظم الميت ولو كان كافرًا، ولا نبش قبر المسلم، وأما من جهة الميت فلأنه ربما تفوح رائحته فيتأذى به الجالس عليه أو تحصل له وحشة فيتأذى بسببها.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم، عن ابن جريج، عن ابن الزبير، عن جابر قال:"نهى رسول الله عليه السلام عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حفص، عن ابن جربج
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن نصر بن راشد، عن جابر بن عبد الله:"أن رسول الله عليه السلام نهى أن يجلس على القبور".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- أبي معاوية الضرير روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره.
(1)"المجتبى"(4/ 95 رقم 2045).
وأخرجه الجماعة غير البخاري.
فقال مسلم (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال:"نهى رسول الله عليه السلام أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه".
وقال أبو داود (2): ثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول:"سمعت رسول الله عليه السلام نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص، وأن يبنى عليه".
وقال الترمذي (3): ثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري، قال: نا محمَّد ابن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال:"نهى رسول الله عليه السلام أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقال النسائي (4): أنا عمران بن موسى، قال: نا عبد الوارث، قال: نا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله عليه السلام عن تجصيص القبور".
وقال ابن ماجه (5): ثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد، قالا: ثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال:"نهى رسول الله عليه السلام عن تجصيص القبور". وفي رواية: "أن يكتب على القبر شيء"(6). وفي رواية: "نهى أن يبنى على القبر"(7).
(1)"صحيح مسلم"(2/ 667 رقم 970).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 235 رقم 3225).
(3)
"جامع الترمذي"(3/ 368 رقم 1052).
(4)
"المجتبى"(4/ 88 رقم 2029).
(5)
"سنن ابن ماجه"(1/ 498 رقم 1562).
(6)
"سنن ابن ماجه"(1/ 498 رقم 1563).
(7)
"سنن ابن ماجه"(1/ 498 رقم 1564).
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري، عن حفص بن غياث، عن عبد الملك بن جريج
…
إلى آخره.
وأخرجه مسلم بهذا الطريق، وقد ذكرناه.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة
…
إلى آخره.
هذا بعينه مر في أول باب "الدفن بالليل" إلا أن المتن مختلف، ومسلم هو ابن إبراهيم القصاب شيخ البخاري.
وفيه من الأحكام: كراهة تجصيص القبور؛ لأن القبر للبلى لا للبقاء، والتجصيص من الجص -بفتح الجيم وكسرها وتشديد الصاد المهملة- وهو الكلس، ويقال له: الجير، وبالفارسية: كج، وكذلك القص بالقاف.
وكراهة الكتابة، وعن الحسن أنه يكره أن يجعل اللوح على القبر.
وكراهة البناء، وسئل أحمد عن تطيين القبور، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، ورخص في ذلك الحسن والشافعي، قاله ابن قدامة، وعن مكحول أنه يكره.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن سهيل بن أبي صالح. (ح)
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام قال:"لأن يجلس أحدكم على جمرة حتى تحرق ثيابه وتخلص إلى جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي السراج، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (1): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عليه السلام: "لأن يجلس
…
" إلى آخره، غير أن في لفظه: "فتحرق" بدل: "حتى تحرق".
أبو داود (2): عن مسدد، عن خالد، عن سهيل نحوه.
الثانى: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سهيل
…
إلى آخره.
وأخرجه النسائي (3): أنا محمَّد بن عبد الله بن المبارك، عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (4): نا سويد بن سعيد، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "لأن يجلس أحدكم على جمرة تحرقه؛ خير له من أن يجلس على قبر".
قوله: "لأن يجلس" في محل الرفع على الابتداء، و"أن" مصدرية، والتقدير: لجلوس أحدكم، وخبره قوله:"خير".
قوله: "وتخلص" أي وتصل، يقال: خلص فلان إلى فلان إذا وصل إليه، وخلص أيضًا إذا سلم ونجى، وهو من باب نَصَرَ يَنْصُر.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقلدوها، وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومكحولًا وأحمد وإسحاق وأبا سليمان؛ فإنهم كرهوا الجلوس على القبور، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 667 رقم 971).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 236 رقم 3228).
(3)
"المجتبى"(4/ 95 رقم 2044).
(4)
"سنن ابن ماجه"(1/ 499 رقم 1566).
ويروى ذلك عن عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر رضي الله عنهم، وإليه ذهبت الظاهرية، وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يحل لأحد أن يجلس على قبر، وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول، وذلك جائر في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، جلس فلان للبول.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالكًا وعبد الله بن وهب وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا يكره الجلوس على القبر إلا إذا جلس لقضاء الحاجة، وقالوا: ما روي عن النهي فمحمول على ما ذكرنا، ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا عمرو بن علي، عن عثمان بن حكيم، عن أبي إمامة، أن زيد بن ثابت قال:"هلم يا ابن أخي أخبرك، إنما نهى النبي عليه السلام عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول".
فبين زيد رضي الله عنه في هذا الجلوس المنهى عنه في الآثار الأُوَل ما هو.
ش: أي احتج الآخرون فيما قالوا: أن المراد من الجلوس المنهي عنه هو الجلوس للغائط أو البول بحديث زيد بن ثابت؛ فإنه بَيَّن في حديثه أن الجلوس المنهي عنه في الأحاديث التي سلفت هو الجلوس للغائط أو البول، وقال مالك في "موطئه": إنما نهى عن القعود على القبور -فيما نرى- للمذهب.
ورجال حديثه ثقات.
وعمرو بن علي بن بحر بن كنيز أبو حفص البصري الفلاس الحافظ شيخ الجماعة، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف واسمه أسعد، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة.
قوله: "هلم" أي تعال، وقد مر الكلام فيه مستقصى عن قريب.
ص: وقد روي عن أبي هريرة نحو من ذلك:
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني محمَّد بن أبي حميد، أن محمَّد بن كعب القرظي أخبرهم، قال: إنما قال أبو هريرة: قال رسول الله عليه السلام: "من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة نار".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا سليمان بن داود، قال: ثنا محمَّد بن أبي حميد، عن محمَّد بن كعب، عن أبي هريرة، أن النبي عليه السلام قال:"من قعد على وقبر فتغوظ عليه أو بال، فكأنما قعد على جمرة".
ش: أي قد روي عن أبي هريرة مثل ما روي عن زيد بن ثابت في حمل معنى النهي عن الجلوس على القبور للغائط أو البول.
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد ابن أبي حميد إبراهيم الزرقي الأنصاري المدني فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له الترمذي وابن ماجه.
وهو يروي عن محمَّد بن كعب القرظي المدني روى له الجماعة، عن أبي هريرة.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": ثنا محمَّد بن أبي حميد
…
إلى آخره نحوه، وقال في آخره: قال ابن وهب: قال لي مالك: إنما نهى عن القعود فيما نرى للمذهب.
وقال ابن قدامة: ذكر لأحمد تأويل مالك هذا فقال: ليس هذا بشيء، ولم يعجبه رأي مالك.
قلت: مالك لم يتفرد بهذا التأويل، وقد نقل هذا عن مثل زيد بن ثابت وكفى به حجة، ولعل أحمد لم يبلغ إليه ما قاله زيد بن ثابت رضي الله عنه.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء ابن مقدم المقدمي شيخ البخاري ومسلم، عن سليمان بن داود الطيالسي، عن محمَّد بن أبي حميد بن إبراهيم الأنصاري
…
إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده"(1).
ص: فثبت بذلك أن الجلوس المنهى عنه في الآثار الأُوَل هو هذا الجلوس، فأما الجلوس لغير ذلك فلم يدخل في ذلك النهي، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي فثبت بما ذكر من التأويل المذكور أن الجلوس المنهي عنه في الأحاديث الأُوَل التي احتجت بها أهل المقالة الأولى هو هذا الجلوس، يعني الجلوس للغائط أو البول، فأما الجلوس لغير ذلك من الوجوه فليس بداخل تحت النهي المذكور، وهو اختيار الطحاوي، ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه.
قلت: فعل هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطأ القبور حرام، وكذا النوم عليها ليس كما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة.
فإن قلت: قال صاحب "البدائع" وغيره: كره أبو حنيفة أن يوطأ قبر أو يجلس عليه أو ينام عليه أو تقضى عليه حاجة من بول أو غائط لما روي عن النبي عليه السلام أنه نهى عن الجلوس على القبر.
قلت: هذا أيضًا مخالف لما ذكره الطحاوي؛ لأنه أخذ في الدليل بظاهر الحديث وسلك مسلك أهل المقالة الأولى، ولم يذهب إلى ما قاله أهل المقالة الثانية، والقول ما قاله الطحاوي.
إذا قالت حذام فصدقوها
…
فإن القول ما قالت حذام
(1)"مسند الطيالسي"(1/ 331 رقم 2544).
ص: وقد روي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنه عنهم.
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن يحيى بن أبي محمَّد حدثه، أن مولى لآل علي رضي الله عنه حدثه:"أن علي بن أبي طالب كان يجلس على القبور، وقال المولى: كنت أبسط له في المقبرة فيتوسد قبرًا ثم يضطجع".
حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر، عن عمرو، عن بكير، أن نافعًا حدثه:"أن عبد الله بن عمر كان يجلس على القبور".
ش: أي وقد روي ما ذكرنا من إباحة الجلوس على القبور على الوجه المذكور، عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
ورجال الأثرين كلهم ثقات غير أن مولى لآل علي مجهول.
وعبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، وبكر بن مضر بن محمَّد أبو عبد الملك المصري مولى شرحبيل بن حسنة روي له الجماعة سوى ابن ماجه.
وبكير بن عبد الله بن الأشج روى له الجماعة.
يحيى بن أبي محمَّد هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن بلتعة روى له الجماعة غير البخاري.
وأثر ابن عمر أخرجه البخاري (1) معلقًا، وقال: قال نافع: "كان ابن عمر يجلس على القبور". والله أعلم.
(1)"صحيح البخاري"(1/ 457).