المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: التكبير على الجنازة كم هو - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٧

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ص: باب: التكبير على الجنازة كم هو

‌ص: باب: التكبير على الجنازة كم هو

؟

ش: أي هذا باب في بيان التكبيرات على الجنازة كم هي؟.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قالا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال:"كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعًا، فكبر يومًا خمسًا، فسئل عن ذلك، فقال أبو بكرة في حديثه: فقال كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا، وقال: ابن مرزوق في حديثه فقال: كان رسول الله عليه السلام يكبرها أو كبرها".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس، قال: ثنا عبد الأعلى: "أنه صلى خلف زيد بن أرقم على جنازة، فكبر خمسًا، فسأله عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: أنسيت؟ قال: لا، ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي عليه السلام فكبر خمسًا، فلا أتركه أبدًا".

ش: هذه ثلاث طرق:

الأول: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى

إلى آخره.

وأخرجه مسلم (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن مثنى وابن بشار، قالوا: نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة- وقال أبو بكر: عن شعبة- عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:"كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا فسألته فقال: كان رسول الله عليه السلام يكبرها".

(1)"صحيح مسلم"(2/ 659 رقم 957).

ص: 324

الثاني: كذلك صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة.

ونا ابن المثنى، نا محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال:"كان زيد يعني ابن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا فسألته، فقال: كان رسول الله عليه السلام يكبرها".

وأخرجه الترمذي، (2) وابن ماجه (3).

الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الأعلى ابن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة- فيه مقال، ضعفه أحمد وأبو زرعة، وروى له الأربعة.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(4): ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، قال:"صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسًا، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: أنسيت؟ قال: لا، ولكني صليت خلف أبي القاسم خليلي عليه السلام فكبر خمسًا، فلا أتركها أبدًا".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن يحيى بن عبد الله التيمي، قال: "صليت مع عيسى مولى حذيفة بن اليمان على جنازة فكبر عليها خمسًا، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي -يعني حذيفة بن اليمان- صلى على جنازة فكبر

(1)"سنن أبي داود"(3/ 210 رقم 3197).

(2)

"جامع الترمذي"(3/ 343 رقم 1023).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 482 رقم 1505).

(4)

"مسند أحمد"(4/ 370 رقم 19319).

ص: 325

عليها خمسًا ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر رسول الله عليه السلام".

ش: عيسى بن إبراهيم بن سيار الشعيري أبو إسحاق البصري شيخ أبي داود، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان.

وعبد العزيز بن مسلم القسملي أبو زيد المروزي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، ويحيى بن عبد الله بن الجابر ويقال: المُجَبِّر التيمي قال أبو داود: كوفي ضعيف.

وعيسى البزاز مولى حذيفة بن اليمان وثقه ابن حبان.

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): ثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، نا محمد بن علي الوراق، ثنا أبو غسان، نا جعفر الأحمر، عن يحيى التيمي، عن عيسى مولى حذيفة قال:"صليت خلف مولاي وولي نعمتي العبد الصالح حذيفة بن اليمان على جنازة فكبر خمسًا، ثم قال: ما وهمت ولكني كبرت كما كبر خليل أبو القاسم عليه السلام".

قوله: "ما وهمت" أي ما غلطت، من وَهِمْتُ في الحساب -بالكسر- أَوْهمُ وهمًا إذا غلطت فيه وسهوت، وَوَهَمْتُ في الشيء -بالفتح- أَهِمُ وهمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وتَوَهَّمْتُ أي ظننت.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن التكبير على الجنائز خمس، واحتجوا في ذلك بهده الآثار.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الرحمن بن أبي ليلى وعيسى مولى حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة؛ فإنهم قالوا: تكبيرات الجنازة خمس، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، وإليه ذهبت الظاهرية والشيعة، قال

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 73 رقم 9).

ص: 326

في "المبسوط": وهي رواية عن أبي يوسف، وقال الحازمي: وممن رأى التكبير على الجنازة خمسًا ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وعيسى مولى، حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل، وقالت فرقة: يكبر سبعًا، روي ذلك عن زر بن حبيش، وقالت فرقة: يكبر ثلاثا، روي ذلك عن أنس وجابر بن زيد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس.

وقال ابن حزم في "المحلى": "ويكبر الإمام، والمأمومون بتكبير الإِمام على الجنازة خمس تكبيرات لا أكثر؛ فإن كبروا أربعًا فحسنٌ، ولا أقل"، ولم نجد عن أحد من الأئمة يكبر أكثر من سبع ولا أقل من ثلاث فمن زاد على خمس وبلغ ستًّا أو سبعًا فقد عمل عملًا لم يصح عن النبي عليه السلام قط.

قلت: قال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن فضيل، عن يزيد، عن عبد الله بن الحارث قال:"صلى رسول الله عليه السلام على حمزة فكبر عليه تسعًا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها سبعًا، ثم جيء بأخرى فكبر عليها خمسًا، حتى فرغ منهن غير أنهن كن وترًا".

وقال لابن قدامة: "لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا النقص من أربع، والأولى أربع لا يزال عليها، واختلفت الرواية فيما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد، وروى حرب عن أحمد: إذا كبر خمسًا لا يكبر معه ولا يسلم إلا مع الإمام، وممن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع: الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي، واختاره ابن عقيل.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هي أربع لا ينبغي أن يزاد على ذلك ولا ينقص منه.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 497 رقم 11458).

ص: 327

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين والنخعي وسويد بن غفلة والثوري وأبا حنيفة والشافعي ومالكًا وأحمد وأبا مجلز لاحق بن حميد؛ فإنهم قالوا: تكبيرات الجنازة أربعة لا يُزاد عليها ولا يُنقص منها، ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبي هريرة وعقبة بن عامر رضي الله عنهم.

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا هدبة، قال: ثنا همام، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، أنه حدثه عن أبيه:"أنه شهد النبي عليه السلام صلى على ميت فكبر عليه أربعًا".

ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه.

أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن هدبة بن خالد البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن همام بن يحيى روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري روى له الجماعة، عن أبيه أبي قتادة.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن سليم بن حيان، عن سعيد ابن ميناء، عن جابر بن عبد الله:"أن رسول الله عليه السلام كبر على النجاشي أربعًا".

ش: إسنادهُ صحيح، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، وسَلِيم -بفتح السين وكسر اللام- بن حَيَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- ابن بسطام الهذلي البصري، روى له الجماعة إلا النسائي.

وسعيد بن ميناء -بكسر الميم- المكي، روى له الجماعة إلا النسائي.

ص: 328

وأخرجه البخاري (1): ثنا محمد بن سنان، ثنا سليم بن حيان، ثنا سعيد بن ميناء، عن جابر رضي الله عنه:"أن النبي عليه السلام صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعًا".

وأخرجه مسلم أيضًا (2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سَلِيم بن حيان، قال: ثنا سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله:"أن رسول الله عليه السلام صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعًا".

والنجاشي -بفتح النون وكسرها- كلمة للحبش تسمى بها ملوكها، قال ابن قتيبة: هو بالنبطية، ذكره ابن سيده، وفي "الجامع" للقزاز: أما النجاشي بكسر النون فيجوز أن يكون من نجش إذا أوقد كأنه يطريه ويوقد فيه قاله قطرب.

وكذا ذكره في "الواعي" وفي "الجمهرة": أما النجاشي فكلمة حبشية يسمون بها ملوكهم وفي "الفصيح" لأبي عمر غلام ثعلب: النجاشي بالفتح. وفي "العلم المشهور" لأبي الخطاب مشدد الياء: قالوا: والصواب تخفيفها، وفي "المثنى" لابن عديس النَّجاشي والنِّجاشي بالفتح والكسر المستخرج للشيء، والنجاشي بالكسر كلمة للحبش تسمى به ملوكها.

واسمه أصحمة ومعناه عطية -بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين- ويقال مصحمة بالميم موضع الهمزة، ويقال: أصحم، قاله البيهقي ووقع في "مسند ابن أبي شيبة" في هذا الحديث صَحْمة بفتح الصاد وإسكان الحاء. قال أبو الفرج: هكذا قال لنا يزيد بن هارون وإنما هو صحمة بتقديم الميم على الحاء، ويقال: إن الحبشة لا ينطقون بالحاء على صرافها، وإنما يقولون في اسم الملك: أصمخة بتقديم الميم على الخاء المعجمة، وكان اسم أبيه أبجر، وقال السهيلي: اسم أبيه بجرى بغير همزة. وقال ابن سعد: أرسل رسول الله عليه السلام في المحرم من سنة سبع عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فأخذ كتاب النبي عليه السلام فوضعه على عينيه

(1)"صحيح البخاري"(1/ 447 رقم 1269).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 657 رقم 952).

ص: 329

ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعًا، ثم أسلم، وكتب إلى النبي عليه السلام بذلك، وأنه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وتوفي في رجب سنة تسع، منصرفه عليه السلام من تبوك.

ووقع في "صحيح مسلم"(1)"كتب عليه السلام إلى النجاشي وهو غير النجاشي الذي صلى عليه" وكأنه وهم من بعض الرواة، أو يحمل على أنه لما توفي قام مقامه أخر فكتب إليه.

ثم النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، والمتأخرون يلقبونه: الأمْحَرِيّ، ومن ملك مصر كافرًا يمسى فرعون، فإذا أضيف إليها الإسكندرية يسمى المقوقس وكل من تَوَّزر فيها يسمى عزيزًا، ومَنْ ملك الشام مع الجزيرة وبلاد الروم يسمى قيصر، ومن ملك العجم يسمى كسرى، ومن ملك الترك يسمى خاقان، قال الجاحظ: من ملك إفريقية يسمى جرجير، ومن ملك السند يسمى

فورورهمن، ومن ملك الهند يسمى فغفور، ومن ملك الصين يسمى بغيور، ومن ملك اليمن يسمى تبع ومن ترشح منهم للملك يسمى قيلًا، ومن ملك يسمى هياجًا، ومن ملك الخزر يسمى رتبيل، ومن ملك النوبة يسمى كابل، ومن ملك الصقالبة يسمى ماجدًا، ومن ملك اليونان يسمى بطلميوس وتجمع على بطالسة، وقال ابن دحية: على بطالمة ومن ملك اليهود يسمى قطيون، ومن ملك الصائبة يسمى نمروذ، ومن ملك فرغانة يسمى إخشيد ومعناه بالعربية: ملك الملوك، ومن ملك العرب من قبل العجم يسمى النعمان، ومن ملك البربر يسمى جالوت، ومن ملك الأرمن يسمى تقفور، ومن ملك قسطنطينية فيسمى أشكرى ومن ملك أسْروشتة يسمى الأفشين، ومن ملك جرجان يسمى خول، ومن ملك أذربيجان يسمى أصبهذ، ومن ملك طبرستان يمسى سالار، ومن

ملك نيابة ملك الروم يسمى دمستق.

(1)"صحيح مسلم"(3/ 1397 رقم 1774).

ص: 330

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شريك (ح).

وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم (ح).

وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت:"أن رسول الله عليه السلام صلى على قبر فكبر أربعًا".

ش: هذه ثلاثة طرق رجالها ثقات:

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري المدني ثم الكوفي، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد -بفتح الياء آخر الحروف في أوله- ابن ثابت الأنصاري، ويزيد هذا أكبر من أخيه زيد بن ثابت، يقال: إنه شهد بدرًا، ويقال: إن ابن أخيه خارجة لم يسمع منه.

وأخرجه النسائي (1): أنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا عثمان بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت:"أنهم خرجوا مع رسول الله عليه السلام ذات يوم فرأى قبرًا جديدًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه فلانة مولاة فلان -فعرفها سول الله عليه السلام- ماتت ظهرًا وأنت صائم قائل فلم نحب أن نوقظك بها، فقام رسول الله عليه السلام وَصَفَّ الناس خلفه، فكبر عليها أربعًا ثم قال: لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا -يعني- آذنتموني به، فإن صلاتي له رحمة".

الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن عثمان بن حكيم

إلى آخره.

(1)"المجتبى"(4/ 84 رقم 2022).

ص: 331

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة"(1): ثنا هشيم، عن عثمان بن حكيم، قال: ثنا خارجة بن زيد، عن عمه يزيد بن ثابت:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة فكبر أربعًا".

الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث هشيم، عن عثمان

إلى آخره نحو رواية الطحاوي.

ويستفاد منه حكمان: الأول أن تكبيرات الجنازة أربع، والثاني: أن الصلاة على القبر جائزة.

ثم إن العلماء اختلفوا فيه، فقال ابن قدامة: لا يصلى على القبر بعد شهر، وبهذا قال بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يصلي عليه أبدًا، واختاره ابن عقيل؛ لأن النبي عليه السلام صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين حديث صحيح.

وقال بعضهم: يصلي عليه ما لم يبلى جسده.

وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاثٍ ولا يصلي عليه غيره، قال: وقال إسحاق: يصلي عليه الغائب إلى شهر والحاضر إلى ثلاث، وقال صاحب "المبسوط": وإن دفن قبل الصلاة عليها صلي عليها في القبر ما لم يعلم أنه تفرق. وفي "الأمالي" عن أبي يوسف: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام، وهكذا ذكره ابن رستم عن محمد؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون على رسول الله عليه السلام إلى ثلاثة أيام، والصحيح أن هذا ليس بتقديرٍ لازم؛ لأنه يختلف باختلاف الأوقات في الحر والبرد، وباختلاف الأمكنة وباختلاف حال الميت في السمن والهزال، والمعتبر فيه أكثر للرأي، والذي روي أنه عليه السلام صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين معناه: دعى لهم.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 493 رقم 11416).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 35 رقم 6726).

ص: 332

وقال ابن حزم في "المحلى": والصلاة جائزة على القبر، وإن كان قد صلي على المدفون فيه، وقال أبو حنيفة: إن دفن بلا صلاة صلي على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يصلى عليه بعد ذلك، وإن دفن بعد أن صلي عليه لم يصل أحد على قبره.

وقال مالك: لا يصلى على قبر، وروي ذلك عن إبراهيم النخعي. وقال الأوزاعي والشافعي وأبو سليمان: يصلى على القبر وإن كان قد صلي على المدفون فيه، وروي ذلك عن ابن سيرين. انتهى.

ثم الجواب عن صلاته عليه السلام على القبر بعد ما صلي على المدفون فيه: أنه عليه السلام قصد بذلك إيصال الرحمة إليه، كما صرّح بذلك في رواية النسائي:"فإن صلاتي له رحمة" ولا يوجد هذا المعنى في غيره، فلا يصلى عليه اللهم إلا إذا دفن بغير صلاة، فيصلى عليه على الخلاف المذكور.

ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا سويد أبو حاتم، قال: حدثني قتادة، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله:"أن رسول الله عليه السلام كبر أربعًا".

ش: شيبان هو ابن فروخ الأبُلِّي -بضم الهمزة وبالباء الموحدة- شيخ مسلم وأبي داود- وسويد هو ابن إبراهيم الجحدري أبو حاتم الحناط -بالنون- فيه مقال. ضعفه يحيى والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، حديثه حديث أهل الصدق. وعن يحيى: أرجو أنه لا بأس به.

ص: حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي سلمان المؤذن، قال: توفي أبو سريحة فصلي عليه زيد بن أرقم فكبر عليه أربعًا، فقلنا: ما هذا؟! فقال: هكذا رأيت رسول الله عليه السلام يفعل".

ش: أحمد هو ابن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ومسلم، وعثمان بن أبي زرعة هو عثمان بن المغيرة الكوفي مولى ابن عقيل الثقفي، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. روى له الجماعة سوى مسلم.

ص: 333

وأبو سلمان المؤذن اسمه همام، وذكره الحاكم أبو أحمد في "الكنى" قال: ويقال اسمه يزيد بن عبد الله. ولم يذكر فيه شيئًا وذكر في "التكميل": أبو سلمان المؤذن قيل اسمه همام، روى عن علي وأبي محذورة الجمحي، روى عنه أبو جعفر الفراء، روى له النسائي حديثًا.

ولهم شيخ آخر يقال له: أبو سلمان المؤذن مؤذن الحجاج، اسمه يزيد بن عبد الله، روى عن زيد بن أرقم وعنه الحكم بن عتيبة، وعثمان بن المغيرة ومسعر بن كدام ذكر تمييزًا.

وقال مسلم في كتاب "الكنى": أبو سلمان المؤذن همام عن أبي محذورة، روى عنه أبو جعفر الفراء. أبو سلمان يزيد روى عنه مسعر. انتهى.

قلت: فعلم من ذلك أن أبا سلمان ها هنا هو أبو سلمان مؤذن الحجاج الذي اسمه يزيد بن عبد الله، وليس بأبي سلمان الذي اسمه همام؛ فافهم فإنه موضع اشتباه.

وأبو سريحة -بفتح السين المهملة، وكسر الراء- اسمه حذيفة بن أَسِيد -بفتح الهمزة وكسر السين- بن خالد الغفاري، بايع تحت الشجرة، وشهد الحديبية مع رسول الله عليه السلام وهو أول مشاهده، نزل الكوفة ومات بها، وصلى عليه زيد بن أرقم.

والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا محمد بن الفضل السقطي، نا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي سلمان المؤذن قال:"توفي أبو سريحة الغفاري فصلي عليه زيد بن ارقم فكبر عليه أربعًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله عليه السلام يصلي".

وقد روى أبو سلمان أيضًا، عن زيد بن أرقم: "أنه كبر خمس تكبيرات.

(1)"المعجم الكبير"(5/ 174 رقم 4995).

ص: 334

فقال الطبراني (1): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن صالح، ثنا أبو سلمان:"أنه صلى مع زيد بن أرقم على جنازة فكبر عليها خمس تكبيرات، فقلت: أَوَهِمْتَ أم عمدًا؟ قال: لا، بل عمدًا؛ إن النبي عليه السلام كان يصليها".

وقد مر فيما مضي رواية ابن أبي ليلى، عن زيد بن أرقم نحوه.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرَّقام، قال: ثنا سعيد بن يحيى الحميري، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه:"أن النبي عليه السلام كان يعود فقراء أهل المدينة، وأنه أخبر بامرأة ماتت فدفنوها ليلًا، فلما أصبح آذنوه، فمشي إلى قبرها فصلى عليها وكبر أربعًا".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت النعمان يحدث، عن الزهري، عن أبي أمامة، عن بعض أصحاب رسول الله عليه السلام نحوه.

ش: هذان طريقان:

الأول: إسناده صحيح متصل: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بتشديد الياء أخر الحروف وفي آخره شين معجمة- بن الوليد الرَّقام القطان البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن سعيد بن يحيى الحميري أبي سفيان الحذاء الواسطي، قال أبو داود: ثقة. روى له البخاري.

عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي، وعن يحيى: ثقة في غير الزهري. وعن ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: ثقة، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، ومسلم في مقدمة كتابه.

عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة قيل اسمه سعد وقيل أسعد، والأول أشهر، روى له الجماعة.

عن أبيه سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري شهد بدرًا والمشاهد كلها مع النبي عليه السلام.

(1)"المعجم الكبير"(5/ 174 رقم 4994).

ص: 335

وأخرجه مالك في "موطئه"(1) مرسلًا: عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف، أنه أخبره:"أن مسكينة مرضت فأُخبر رسول الله عليه السلام بمرضها، قال: وكان رسول الله عليه السلام يعود المساكين ويسأل عنهم، فقال رسول الله عليه السلام: إذا ماتت فآذنوني بها، فخُرِجَ بجنازتها ليلًا، فكرهوا أن يوقظوا رسول الله عليه السلام، فلما أصبح رسول الله عليه السلام أخبر بالذي كان من شأنها، فقال: ألم آمركم أن تؤذنوني بها؟ فقالوا: يا رسول الله كرهنا أن نخرجك ليلًا ونوقظك، فخرج رسول الله عليه السلام حتى صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات".

قال ابن عبد البر (2): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روى موسى بن محمد بن إبراهيم القرشي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن رجل من الأنصار:"أن رسول الله عليه السلام صلى على قبر امرأة بعدما دفنت، فكبر عليها أربعًا". وهذا لم يتابع عليه، وموسى بن محمَّد هذا متروك الحديث، وقد روى سفيان بن حسين هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي عليه السلام وهو حديث مسند متصل صحيح من غير حديث مالك، وروي من وجوه كثيرة عن النبي عليه السلام كلها ثابتة.

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن النعمان بن راشد الجزري، فيه مقال فعن يحيى القطان: ضعيف جدًّا. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وعنه ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف جدًّا، كثير الغلط. ومع هذا أخرج له الجماعة البخاري مستشهدًا، فعلى هذا حديثه صحيح.

(1)"موطأ مالك"(1/ 227 رقم 533).

(2)

"التمهيد" لابن عبد البر (6/ 254).

ص: 336

وهو يروي عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة، عن بعض أصحاب رسول الله عليه السلام.

وأخرجه البيهقي (1): من حديث الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي أمامة، أن بعض الصحابة أخبره

إلى آخره نحوه.

وأخرجه النسائي (2) مرسلًا: ثنا قتيبة، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، قال:"مرضت امرأة من أهل العوالي، وكان النبي عليه السلام أحسن شيء عيادة للمريض، فقال: إذا ماتت فآذنوني، فماتت ليلًا، فدفنوها ولم يعلموا النبي عليه السلام، فلما أصبح سأل عنها، فقالوا: كرهنا أن نوقظك يا رسول الله، فأتى قبرها فصلى عليها وكبر أربعًا".

ويستفاد منه أحكام:

استحباب عيادة المريض ولا سيما الفقراء المساكين.

قال أبو عمر: فيه إباحة عيادة النساء وإن لم تكن ذوات محارم، ويحمل الحديث هذا عندي أن تكون المرأة متجالة وإن كانت غير متجالة فلا، إلا أن يسأل عنها ولا ينظر إليها.

وفيه: جواز الأذان بالجنازة وإباحة دفن الميت بالليل وأن التكبيرات عليه أربع، وأن سنة الصلاة على القبر كسنة الصلاة على الجنازة سواء، في الصف عليها والدعاء والتكبير، وجواز الصلاة على القبر وبيان ما كان عليه النبي عليه السلام من تواضعه وخلقه الحسن ورعاية خواطر الفقراء والمساكين على جانب عظيم.

وفيه تعليم لأمته أيضًا بذلك وإرشادهم إلى التخلق بالأخلاق الحميدة وأخلاق الصالحين.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 35 رقم 6727).

(2)

"المجتبى"(4/ 72 رقم 1981).

ص: 337

ص: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا شريك، عن إبراهيم الهجري قال:"صلى بنا ابن أبي أوفى على ابنة له فكبر عليها أربعًا، ثم وقف فانتظرنا بعد الرابعة تسليمه حتى ظننا أنه سيكبر الخامسة، ثم سلم، ثم قال: أُراكم ظننتم أني سأكبر الخامسة، ولم كن لأفعل ذلك، وهكذا رأيت رسول الله عليه السلام يفعل".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن الهجري

فذكر بإسناده مثله.

ش: هذان طريقان:

الأول: عن إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الكوفي نزيل مصر المعروف بترنجة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن إبراهيم بن مسلم الهجري ضعفه ابن معين والنسائي وروي له ابن ماجه، عن عبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد الأسلمي له ولأبيه صحبة.

والحديث أخرجه ابن ماجه (1): ثنا عبد الرحمن المحاربي، نا الهجري قال:"صليت مع عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي صاحب رسول الله عليه السلام على جنازة ابنة له، فكبر عليها أربعًا فمكث بعد الرابعة شيئًا، قال: فسمعت القوم يسبحون به من نواحي الصفوف فسلم ثم قال: أكنتم ترون أني مكبر خمسًا؟ قالوا: تخوفنا ذلك. قال: لم أكن لأفعل، ولكن رسول الله عليه السلام كان يكبر أربعًا ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء الله أن يقول ثم يسلم".

قلت: ظهر من هذا أنه يستحب أن يدعو أيضًا بعد التكبيرة الرابعة ثم يسلم، ومع هذا قال: أصحابنا لا يدعو بشيء بعد التكبيرة الرابعة بل يسلم.

وقال ابن قدامة: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يدعو بعد الرابعة شيئًا، ونقله عن أحمد جماعة من أصحابه وقال: لا أعلم فيه شيئًا؛ لأنه لو كان فيه دعاء

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 482 رقم 1503).

ص: 338

مشروع لنقل، وروي عن أحمد أنه يدعو ثم يسلم؛ لأنه قيام في صلاة فكان فيه ذكر مشروع كالذي قبل التكبيرة الرابعة.

قال ابن أبي موسى وابن الخطاب: يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وقيل: يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وهذا الخلاف في استحبابه، ولا خلاف أنه غير واجب، وأن الوقوف بعد التكبير الرابع مشروع.

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان، عن إبراهيم بن مسلم الهجري

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو معاوية، عن الهجري قال:"صليت مع عبد الله بن أبي أوفى على جنازة فكبر عليها أربعًا، ثم قام هنيهة حتى ظننت أنه يكبر خمسًا، ثم سلم فقال: أكنتم ترون أني أكبر خمسًا؟ إنما قمت كما رأيت رسول الله عليه السلام".

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ثم خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن فيهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام مثله.

حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن بعض أصحاب النبي عليه السلام مثله.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 495 رقم 11440).

ص: 339

ش: هذه ثلاثة أسانيد رجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا مشايخ الطحاوي.

وأبو بشر الرقي عبد الملك بن مروان، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، وشجاع هو ابن الوليد بن قيس السكوني، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني.

وحديث أبي هريرة أخرجه الجماعة:

فالبخاري (1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك

إلى آخره نحوه.

ومسلم (2): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.

وأبو داود (3): عن القعنبي، عن مالك.

والنسائي (4): عن قتيبة، عن مالك.

والترمذي (5): عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة:"أن النبي عليه السلام صلى على النجاشي فكبر أربعًا".

وابن ماجه (6): عن أبي بكر بن أبي شيبة، نا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام قال:"إن النجاشي قد مات، فخرج رسول الله عليه السلام وأصحابه إلى البقيع، فصفنا خلفه، وتقدم رسول الله عليه السلام فكبر أربع تكبيرات".

(1)"صحيح البخاري"(1/ 447 رقم 1268).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 656 رقم 951).

(3)

"سنن أبي داود"(3/ 212 رقم 3204).

(4)

"المجتبى"(4/ 72 رقم 1980).

(5)

"جامع الترمذي"(3/ 342 رقم 1022).

(6)

"سنن ابن ماجه"(1/ 490 رقم 1534).

ص: 340

قوله: "نعى للناس" فعل ماضٍ من النعي وهو خبر الموت، والناعي الذي يأتي بخبر الموت، والنَّعِيِّ -بفتح النون وكسر العين المهملة وتشديد الياء، وقيل بسكون العين وتخفيف الياء لغتان والتشديد أشهر كذا ذكره النووي.

وفي "المحكم": النعي الدعاء بموت الميت والإشعار به، نَعَاه يَنْعَاه نعيًا ونُعْيَانًا، والنَّعِيُّ المُنْعِي والنَّاعِي، وقال الجوهري: النعْي خبر الموت، وكذلك النَّعِيّ على فعيل، وفي "الواعي": النَّعِيُّ على فعيل هو نداء الناعي، والنَّعِيُّ أيضًا هو الرجل الذي يُنْعى، والنَّعِيُّ الرجل الميت، والنعْي الفعل، ويجوز أن يجمع النعي نعايًا مثل صفي وصفايًا؛ ذكره الهروي وغيره.

وتفسير النجاشي قد مرّ.

قوله: "في اليوم الذي مات فيه" قد ذكرنا أنه مات في سنة تسع، منصرفه من تبوك قاله ابن سعد، وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة.

قوله: "إلى المُصَلى" بضم الميم، وهو الموضع الذي كان عليه السلام يصلي فيه العيد.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: أن التكبير على الجنازة أربع تكبيرات.

الثاني: فيه استحباب اصطفاف الناس وراء الإمام في صلاة الجنازة.

الثالث: أن صلاة الجنازة ينبغي أن تقام في مصلى البلد ولا تصلي في المسجد.

وقال أبو عمر: فيه أن السنة أن تخرج الجنائز إلى المصلى ليصلى عليها هناك، وفي ذلك دليل على أن صلاته على سهيل بن بيضاء في المسجد إباحة وليس بواجب.

قلت: بل فيه دليل على أن صلاته في المسجد كانت لضرورة أو انتسخت كما ذكرنا.

الرابع: فيه إباحة النعي.

ص: 341

قال أبو عمر: فيه إباحة الإشعار بالجنازة والإعلام بها والاجتماع لها، وهذا أقوى من حديث حذيفة:"أنه كان إذا مات له ميت قال: لا تؤذنوا به أحدًا؛ فإني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله عليه السلام نهى عن النعي". وإلى هذا ذهب جماعة من السلف.

فإن قيل: حديث حذيفة حسّنه الترمذي (1).

وجاء عن ابن مسعود أيضًا قال: قال رسول الله عليه السلام: "إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية، قال عبد الله: والنعي أذان بالميت".

قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (2).

قال البيهقي (3): ويروى النهي أيضًا عن ابن عمر وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعلقمة وإبراهيم النخعي والربيع بن خثيم.

وفي "المصنف"(4): وأبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسن وسويد بن غفلة ومطرف بن عبد الله ونصر بن عمران أبي حمزة.

قلت: التوفيق بين الحديثين: أن حديث النجاشي لم يكن نعيًّا، إنما كان مجرد إخبار بموته، فسمي نعيًّا لتشبهه به في كونه إعلامًا، وكذا يقال في جعفر بن أبي طالب وأصحابه.

قال ابن بطال: إنما نعى عليه السلام النجاشي وصلى عليه؛ لأنه كان عند بعض الناس على غير الإسلام، فأراد إعلامهم بصحة إسلامه.

(1)"جامع الترمذي"(3/ 313 رقم 986) بلفظ "إذا مات فلا تؤذنوا"، ورواه ابن ماجه في "سننه"(1/ 474 رقم 1476)، وأحمد في "مسنده"(5/ 406 رقم 23502) كلاهما بلفظ المصنف رحمه الله.

(2)

"جامع الترمذي"(3/ 312 رقم 984 - 985).

(3)

"السنن الكبرى"(4/ 74 رقم 6971).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 475 رقم 11205: 11216).

ص: 342

وفيه نظر؛ لنعيه عليه السلام جعفرًا وأصحابه.

وحمل بعضهم النعي على نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وشبهها، وأيضًا فحذيفة لم يجزم بكون الإعلام نعيًا، إنما قال: أخاف أن يكون نعيًا.

وفي "المهذب" لأبي إسحاق: يكره نعي الميت والنداء عليه للصلاة وغيرها، وذكر الصيدلاني وجهًا أنه لا يكره، وقيل: لا يستحب، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب لا لغيره، وبه قال ابن عمر.

وقال ابن الصباغ: يكره النداء ولا بأس بتعريف أصدقائه، وهو قول أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: لا بأس به.

وقال ابن قدامة: ويكره النعي وهو أن يبعث مناديًا ينادي في الناس: إن فلانًا مات ليشهدوا جنازته، واستدل بحديث حذيفة، ثم قال: واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم منهم عبد الله بن مسعود وأصحابه وعلقمة والربيع بن خثيم وعمرو بن شرحبيل.

وقال كثير من أهل العلم: لا بأس أن يُعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غير نداء. والله أعلم.

الخامس: فيه الصلاة على الغائب، استدل بذلك الشافعي وأحمد في رواية على جواز الصلاة على الغائب، قال النووي: فإن كان الميت في بلد فالمذهب أنه لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده وقيل يجوز وفي الرافعي: ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع أو ثلاثمائة تقريبًا، وفي "المغني": وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيستقبل القبلة ويصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وسواء كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن، وبهذا قال الشافعي.

وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما. انتهى.

ص: 343

وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله عليه السلام وصدقه على نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين ظهراني أي أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحق الصلاة عليه؛ فلزم رسول الله عليه السلام أن يفعل ذلك إذا هو نبيه ووليه وأحق الناس به؛ فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه من الصلاة عليه فإنه لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كانت السنة أن يصلى عليه، ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة، وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي عليه السلام كان مخصوصًا بهذا الفعل؛ إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي؛ لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى تبصر مكانه، هذا تأويل فاسد لأن رسول الله عليه السلام إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة كان علينا متابعته والاتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك: أنه عليه السلام خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم، فصلوا معه فعلم أن هذا التأويل فاسد.

قلت: هذا التشنيع كله على الحنفية والمالكية، ولكن من غير توجيه، فنقول ما يبين لك فساد كلامه، وهو أن النبي عليه السلام رفع له سرير النجاشي فرآه فتكون الصلاة عليه كميت يراه الإمام ولا يراه المأموم.

وقد قال قال أبو عمر بن عبد البر: (1): وأكثر أهل العلم يقولون: هذا خصوص للنبي عليه السلام بأن أحضر روح النجاشي بين يديه حيث شاهده وصلى عليه، أو رفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته.

وقد روي: "أن جبريل عليه السلام أتاه بروح جعفر أو جنازته، وقال: قم فصل عليه". فهذا وما كان مثله يدل على الخصوصية.

(1)"التمهيد"(6/ 328).

ص: 344

وروى ابن حبان في "صحيحه"(1): في النوع الحادي والأربعين من القسم الخامس من حديث عمران بن الحصين أن النبي عليه السلام قال: "إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلوا عليه، فقام رسول الله عليه السلام وصلوا خلفه فكبر أربعًا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه".

وقال المهلب: ومما يدل على الخصوصية: أنه لم يصل على أحد من المسلمين ومتقدمي المهاجرين والأنصار الذين ماتوا في أقطار البلدان، وعلى هذا جرى عمل المسلمين؛ لأن الصلاة عليها من فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت في البلد الذي يموت بها، ولم يكن بحضرة النجاشي مسلم، يصلى عليه.

قلت: قد مات خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم في حياة النبي عليه السلام وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصلي عليهم إلا ثلاثة أنفس:

أحدهم: معاوية بن معاوية المزني، ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره.

روى حديثه الطبراني "معجمه الوسط"، (2) وكتاب "مسند الشاميين" (3): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا نوح بن عمر بن حُوَي السكسكي، ثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة قال:"كنا مع رسول الله عليه السلام بتبوك، فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه على الأرض، ورفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع وقال النبي عليه السلام لجبريل عليه السلام بم أدرك هذا، قال: لحبه سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقراءته إياها، جائيا وذاهبًا، وقائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال".

(1)"صحيح ابن حبان"(7/ 369 رقم 3102).

(2)

"المعجم الأوسط"(4/ 163 رقم 3874).

(3)

"مسند الشاميين"(2/ 12 رقم 831).

ص: 345

ورواه ابن سعد في "الطبقات" في ترجمة معاوية بن معاوية المزني- قال: ويقال: الليثي -من حديث أنس فقال: أنا يزيد بن هارون، ثنا العلاء أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك قال: "كنا مع رسول الله عليه السلام

" فذكر نحوه.

أخبرنا (1) عثمان بن الهيثم البصري، ثنا محبوب بن هلال المزني، عن ابن أبي ميمونة، عن أنس، وذكر نحوه.

وبسند ابن سعد الأول رواه البيهقي (2) وضعفه.

قال النووي في "الخلاصة": والعلاء بن زيد ويقال: ابن يزيد اتفقوا على ضعفه، قال البخاري وابن عدي وأبو حاتم: هو منكر الحديث. قال البيهقي: وروي من طرق أخرى ضعيفة.

والثاني والثالث: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنها ورد أنه كشف له عنهما.

أخرجه الواقدي في كتاب "المغازي"(3) فقال: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة.

وحدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر قالا: "لما التقى الناس بمؤتة جلس النبي عليه السلام على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال عليه السلام: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد فصلى عليه ودعى له، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله عليه السلام ودعى له، وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث يشاء.

وهو مرسل من الطريقين المذكورين.

(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 51 رقم 6824).

(2)

"السنن الكبرى"(4/ 50 رقم 6823).

(3)

"مغازي الواقدي"(1/ 762).

ص: 346

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي غالب، عن أنس رضي الله عنه:"أن النبي عليه السلام كان يكبر أربع تكبيرات على الميت".

ش: الحماني هو يحيى بن عبد الحميد أبو زكرياء الكوفي ثقة، وثقه أحمد وغيره إلا أنه شيعي، وعن النسائي: ضعيف. ونسبته إلى حمان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم- قبيلة من تميم.

وأبو غالب البصري ويقال الأصبهاني قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور وقيل: نافع، فالترمذي تارة صحح حديثه، وتارة حسنه.

ص: وقالوا: في حديث زيد بن أرقم الذي بدأنا بذكره في هذا الباب أنه كان يكبر على الجنائز أربعًا قبل المرة التي فيها كبر خمسًا، فلا يجوز أن يكون كان يفعل ذلك، وقد كان رأي النبي عليه السلام يفعل خلافه إلا لمعنى قد رأى النبي عليه السلام يفعله، وهو ما رواه عنه أبو سلمان المؤذن في صلاته على أبي سريحة رضي الله عنه، وفي تكبيره عليه أربعًا. ويحتمل تكبيره على تلك الجنائز خمسًا أن يكون ذلك لأن حكم ذلك الميت أن يكبر عليه خمسًا، لأنه من أهل بدر؛ فإنهم قد كانوا يفضلون في التكبير في الصلاة عليهم على ما يكبر على غيرهم.

ش: أي قال الآخرون، وهم أهل المقالة الثانية، وأراد به الجواب عن حديث زيد بن أرقم المذكور في أوّل الباب الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن زيد بن أرقم رضي الله عنه كان يكبر أربعًا ثم كبر خمسًا مرة، على ما رواه ابن أبي ليلى عنه، فلا يجوز أن يصدر منه هذا الفعل والحال أنه قد كان رأى النبي عليه السلام يفعل بخلافه إلا لأجل معنى وقف عليه من جهة النبي عليه السلام، وهو ما رواه عنه أبو سلمان المؤذن في صلاته على أبي سريحة بأربع تكبيرات، ثم يحتمل تكبيره خمسًا في تلك المرة التي رواها عنه ابن أبي ليلى أن يكون لأجل حكم ذلك الميت أن يكبر عليه خمسًا؛ لأنه كان من أهل بدر، وقد كان أهل بدر يفضلون في التكبير في الصلاة عليهم على ما

ص: 347

يكبر على غيرهم، على ما يجيء:"أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله عليه السلام خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا".

وروى الحازمي في كتابه "الناسخ والمنسوخ" عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي المروزي، نا نافع أبو هرمز، نا أنس بن مالك:"أن رسول الله عليه السلام كبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، وكان آخر صلاته أربعًا، حتى خرج من الدنيا". قال: وإسناده واهٍ، وقد روي آخر صلاته كبر أربعًا من عدة روايات كلها ضعيفة، ولذلك جعل بعض العلماء الأمر على التوسع، وأن لا وقت ولا عدد، وجمعوا بين الأحاديث وقالوا: كان النبي عليه السلام يفضل أهل بدر على غيرهم وكذا بني هاشم فكان يكبر عليهم خمسًا وعلى من دونهم أربعًا، وأن الذي أخر صلاة النبي عليه السلام لم يكن الميت من بني هاشم ولا من أهل بدر.

ص: وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر رضي الله عنه: "كل ذلك قد كان خمس وأربع، فأمر عمر الناس بأربع يعني في الصلاة على الجنازة".

حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد يعني ابن أبي أنيسة، عن حماد، عن إبراهيم قال: "قبض رسول الله عليه السلام والناس مختلفون في التكبير على الجنازة، لا تشاء أن تسمع رجلًا [يقول] (1): سمعت رسول الله عليه السلام يكبر سبعًا، وآخر يقول: سمعت رسول الله عليه السلام يكبر خمسًا، وآخر يقول: سمعت رسول الله عليه السلام يكبر أربعًا ألا سمعته، فاختلفوا في ذلك، فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر رضي الله عنه، فلما ولي عمر رضي الله عنه ورأى اختلاف الناس في ذلك شق ذلك عليه جدًّا، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله عليه السلام فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله عليه السلام متى تختلفون على الناس يختلفون من

(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

ص: 348

بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا أمرًا تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نِعْمَ ما رأيتَ يا أمير المؤمنين فأشر علينا، فقال عمر رضي الله عنه: بل أشيروا عليَّ، فإنما أنا بشر مثلكم، فتراجعوا الأمر بينهم، فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى والفطر أربع تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك".

فهذا عمر رضي الله عنه قد رد الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله عليه السلام بذلك عليه، وهم حضروا من فعل رسول الله عليه السلام ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم، فكانوا ما فعلوا من ذلك عندهم هو أولى مما قد كانوا علموا، فذلك نسخ لما قد كانوا علموا؛ لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا كما كانوا مأمونين على ما قد رووا، وهكذا كما أجمعوا عليه بعد النبي عليه السلام في التوقيت على حد الخمر، وترك بيع أمهات الأولاد فكان إجماعهم على ما قد أجمعوا عليه من ذلك حجة، وإن كانوا قد فعلوا في عهد النبي عليه السلام خلافه، فكذلك ما أجمعوا عليه من محدد التكبير بعد النبي عليه السلام في الصلاة على الجنازة؛ فهو حجة وإن كانوا قد علموا من النبي عليه السلام خلافه، وما فعلوا من ذلك واجتمعوا عليه بعد النبي عليه السلام فهو ناسخ لما قد كان فعله النبي عليه السلام.

ش: أشار بهذا الذي أخرجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن التكبيرات على الجنازة لم تكن موقته على عهد النبي عليه السلام، ثم أشار بالذي أخرجه عن إبراهيم النخعي: أن الإجماع قد أنعقد على الأربع في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أما الأول فأخرجه من طريقين صحيحين:

أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الكوفي الفقيه الأعمى، عن سعيد بن المسيب، والآخر عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة

إلى آخره.

ص: 349

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن ابن فضيل، عن العلاء، عن عمرو ابن مرة، قال: قال عمر رضي الله عنه: "كل قد فعل فتعالوا نجتمع على أمر يأخذ به من بعدنا، فكبروا على الجنازة أربعًا".

فإن قلت: هل سمع سعيد بن المسيب عمر بن الخطاب.

قلت: نعم، وقد قال أبو طالب لأحمد بن حنبل: سعيد، عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل؟

وأما الثاني: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي الرقي نزيل مصر وثقه أبو حاتم، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الرقي، روى له الجماعة، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري أبي أسامة الرهاوي روى له الجماعة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة ثقة كبير، عن إبراهيم النخعي.

وأخرجه محمد بن الحسن في "آثاره" أنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم:"أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمسًا وستًّا وأربعًا حتى قبض النبي عليه السلام، ثم كبروا بعد ذلك في ولاية أبي بكر رضي الله عنه حتى قبض أبو بكر، ثم صلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففعلوا ذلك في ولايته، فلما رأى عمر بن الخطاب، قال: إنكم معشر أصحاب محمد متى تختلفون يختلف من بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية، فأجمعوا على شيء يجتمع به عليه من بعدكم، فأجمع رأي أصحاب محمد أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها رسول الله عليه السلام حتى قبض، فيأخذون به، فيرفضون ما سوى ذلك، فنظروا فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسول الله عليه السلام أربعًا". قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة.

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفة"(2): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عامر

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 495 رقم 11443).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 495 رقم 11445).

ص: 350

عن أبي وائل قال: "جمع عمر رضي الله عنه الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقال بعضهم: كبر رسول الله عليه السلام خمسًا، وقال بعضهم: كبر سبعًا، وقال بعضهم: كبر أربعًا، قال: فجمعهم على أربع تكبيرات كأطول الصلاة".

قوله: "إلا سمعته" متعلق بقوله: "لا تشاء أن تسمع".

قوله: "فاختلفوا في ذلك" أي في عدد التكبير على الجنازة، فكانوا على هذا الحكم حتى قبض أبو بكر رضي الله عنه.

قوله: "شق ذلك" جواب لقوله: "فلما ولي عمر رضي الله عنه".

قوله: "إنكم معاشر أصحاب رسول الله عليه السلام" المعاشر جمع معشر، قال الجوهري: المعاشر جماعات الناس، والواحد معشر، من العشير: القبيلة، والمُعاشر: والزوج وأصل ذلك كله من العشرة وهي الصحبة.

وقوله: "مَعَاشِر" منصوب بحرف نداء محذوف، وخبر "إن".

قوله: "متى تختلفون" والتقدير: إنكم يا معاشر أصحاب رسول الله عليه السلام، والجملة الندائية معترضة بين اسم إن وخبرها.

قوله: "نِعْمَ ما رأيت" أي نِعْمَ الرأي الذي رأيت.

قوله: "مثل التكبير في الأضحى والفطر" أي مثل عدد التكبير في عيد الأضحى وعيد الفطر أربع تكبيرات، وهذا التشبيه إنما يتمشى على قول أصحابنا؛ لأن عندهم التكبيرات الزائدة في كل واحد من العيدين أربع تكبيرات في الركعة الأولى بعد القراءة، وبتكبيرة الإحرام تكون خمس تكبيرات، وأما في الركعة الثانية فالزوائد ثلاث تكبيرات بعد القراءة وبتكبيرة الركوع تكون أربع تكبيرات، وروى أبو عائشة جليس لأبي هريرة:"أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة كيف كان رسول الله عليه السلام يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيرة على الجنازة، فقال حذيفة: صدق".

ص: 351

وقال أحمد بن حنبل: يكبر في الركعة الأولى سبعًا مع تكبيرة الإحرام ولا يعتدّ بتكبيرة الركوع؛ لأن بينهما قراءة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات ولا يعتد بتكبيرة النهوض، ثم يقرأ في الثانية، ثم يكبر ويركع.

وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، والمزني.

وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وابن عمر ويحيى الأنصاري قالوا: يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، وبه قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق؛ إلا أنهم قالوا: يكبر سبعًا في الأولى سوى تكبيرة الافتتاح.

وروي عن ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي: يكبر سبعًا سبًعا.

وفي "الأحكام" لابن بزيزة: اختلف العلماء في تكبير العيد على نحو اثني عشر قولًا.

قوله: "فأجمع أمرهم على ذلك" على صيغة المجهول أي على أن التكبير في الجنازة أربع.

قوله: "بمَشُورة" بفتح الميم وضم الشين وجاء بسكون الشين أيضًا، وكلاهما بمعنى الشورى، من شاورته في الأمر واستشرته، وأصله من الشَّوْر وهو عرض الشيء وإظهاره، ومنه يقال للجمال والحسن: الشُّوَرة والشارة، وفي الحديث: "أن رجلًا أتاه وعليه شارة حسنة، أي هيئة وألفها مقلوبة من الواو، والشَّوَار بالفتح متاع البيت.

قوله: "وهم قد حضروا" أي والحال أن الصحابة قد حضروا من فعل رسول الله عليه السلام ما رواه حذيفة بن اليمان من تكبيره عليه السلام على الجنازة خمسًا، وما رواه زيد بن أرقم كذلك، وقد مر حديثهما في أول الباب.

ص: 352

قوله: "فذلك نسخ لما قد كانوا علموا" فإن قيل: كيف يثبت النسخ بالإجماع؟ لأن الإجماع لا يكون إلا بعد النبي عليه السلام وآوان النسخ حياة النبي عليه السلام للاتفاق على أن لا نسخ بعده.

قلت: قد جَوَّزَ ذلك بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع موجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور، فجوازه بالإجماع أولى على أن ذلك الإجماع بينهم إنما كان على ما استقر عليه آخر أمر النبي عليه السلام الذي قد رفع كل ما كان قبله مما يخالفه، فصار الإجماع مظهرًا لما قد كان في حياة النبي عليه السلام فافهم.

حتى قال بعضهم: إن حديث النجاشي هو الناسخ؛ لأنه مخرج في "الصحيح" من رواية أبي هريرة، قالوا: وأبو هريرة متأخر الإسلام، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة.

فإن قيل: إن كان في حديث أبي هريرة ما يدل على التأخير فليس في تلك الأحاديث المنسوخة ما يدل على التقديم، فليس أحدهما أولى بالتأخير من الآخر.

قلت: قد ورد التصريح بالتأخير من رواية ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى وجابر رضي الله عنهم.

قوله: "وهذا كما أجمعوا عليهم" أي هذا الإجماع على أن تكبيرات الجنازة أربع بعد النبي عليه السلام كالذي أجمعوا عليه بعده عليه السلام في التوقيت على حد الخمر، وذلك لأنه لم يكن في زمن النبي عليه السلام حد موقت في الخمر، ولا في زمن أبي بكر رضي الله عنه، ولا في صدر من خلافة عمر بن الخطاب عليه السلام، وإنما كانوا يقومون إلى الشارب بأيديهم ونعالهم، فلما رأى عمر رضي الله عنه أنهم لا يمتنعون عن ذلك جلد أربعين إلى أن عَتَوا وبَغَوا فجلدهم ثمانين، فاستقر الأمر عليه.

ص: 353

والدليل على ذلك: ما رواه البخاري (1): عن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله عليه السلام وإمرة أبي بكر رضي الله عنه وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنه فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى إذا كان آخر إمرة عمر بن الخطاب فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين".

وروي البخاري، (2) ومسلم (3) بإسنادهما: عن أنس رضي الله عنه: "أن النبي عليه السلام ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال: عبد الرحمن أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر رضي الله عنه".

وأخرج أبو داود (4): عن عبد الرحمن بن أزهر: "أن رسول الله عليه السلام أتي بشارب خمر وهو بحنين فحثى في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم؛ ارفعوا، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر رضي الله عنه صدرًا من إمارته أربعين، ثم جلد ثمانين في آخر خلافته، وجلد عثمان الحدَّين كليهما ثمانين وأربعين، ثم أثبت معاوية الحد ثمانين".

قوله: "وترك بيع أمهات الأولاد" يعني كما أجمعوا على ذلك بعد النبي عليه السلام مع أنهم كانوا يبيعونها في زمن النبي عليه السلام، والدليل عليه قول جابر رضي الله عنه:"كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله عليه السلام".

وقد روي عن أبي سعيد الخدري مثل ذلك أيضًا، ولكن أجمعت الصحابة بعد النبي عليه السلام على المنع من بيعهن، وسند الإجماع في ذلك: ما روي: "أن رسول الله عليه السلام قال في مارية حين ولدت إبراهيم: أعتقها ولدها.

(1)"صحيح البخاري"(6/ 2488 رقم 6397).

(2)

"صحيح البخاري "(6/ 2487 رقم 6391)، (6/ 2488 رقم 6394).

(3)

"صحيح مسلم"(3/ 1331 رقم 1706).

(4)

"سنن أبي داود"(4/ 166 رقم 4488).

ص: 354

فإن قيل: كيف يكون هذا إجماعًا وعلي رضي الله عنه كان يبيع أمهات الأولاد، ولهذا تعلقت به طائفة منهم: داود إتباعًا لعلي رضي الله عنه وحكي ذلك أيضًا عن الشافعي، فإنه قال في بعض كتبه بإجازة بيعهن.

قلت: قد اختلف في ذلك عن علي رضي الله عنه اختلافًا كثيرًا وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الحلواني قال: ثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: سمعت عبيدة يقول: "كان علي رضي الله عنه يبيع أمهات الأولاد في الدين". وقد صح عن عمر في جماعة من الصحابة المنع من بيعهن، والشافعي أيضًا قطع في مواضع كثيرة من كتبه بأنه لا يجوز بيعهن، وعلى ذلك عامة أصحابه، والقول بذلك شاذ لا يلتفت إليه.

ص: فإن قال قائل: وكيف يكون ذلك ناسخًا وقد كبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ذلك أكثر من أربع؟ وذكروا في ذلك ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا عامر، عن عبد الله بن معقل:"أن عليًّا رضي الله عنه صلى على سهل بن حنيف رضي الله عنه فكبر عليه ستًّا".

حدثنا يزيد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا موسى بن عبد الله: "أن عليًّا رضي الله عنه صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا". قيل له: إنما فعل ذلك؛ لأن أهل بدر كانوا كذلك حكمهم في الصلاة عليهم، يزاد فيها التكبير على ما يكبر على غيرهم من سائر الناس، والدليل على ذلك: أن إبراهيم بن محمد الصيرفي. حدثنا قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن معقل قال:"صليت مع علي رضي الله عنه على جنازة فكبر عليها خمسًا، ثم التفت فقال: إنه من أهل بدر، ثم صليت مع علي رضي الله عنه على جنائز كل ذلك كان يكبر عليها أربعًا".

حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن ابن معقل قال:"صلى علي رضي الله عنه على سهل بن حنيف، فكبر عليه ستًّا، ثم التفت إلينا فقال: إنه من أهل بدر".

ص: 355

حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا حفص بن غياث، عن عبد الملك ابن سلع الهمداني، عن عبد خير قال: "كان علي رضي الله عنه يكبى على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب النبي عليه السلام خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا.

فهكذا كان حكم الصلاة على أهل بدر.

وقد حدثني القاسم بن جعفر قال: ثنا زيد بن أخزم الطائي، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا سليمان بن بشير قال: "صليت خلف الأسود بن يزيد وهمام بن الحارث وإبراهيم النخعي، فكانوا يكبرون على الجنائز أربعًا. قال همام بن الحارث: وجمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على أربع إلا على أهل بدر، فإنهم كانوا يكبرون عليهم خمسًا وسبعًا وتسعًا".

فدل ما ذكرنا أن ما كانوا اجتمعوا عليه من عدد التكبير الأربع في عهد عمر رضي الله عنه إنما كان على غير أهل بدر، وتركوا حكم أهل بدر على ما فوق الأربع فما روي عن زيد بن أرقم مما ذكرنا، إنما هو لأنه كان ذهب إلى هذا المذهب فيما يرى. والله أعلم.

ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف يكون إجماع الصحابة ناسخًا لما زاد على التكبيرات الأربع على الجنازة بمشورة عمر بن الخطاب، والحال أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كبر بعد ذلك بأكثر من أربع، وذلك حين صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستًّا، وعلى أبي قتادة فكبر عليه سبعًا؟

وأخرج الأول بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضًا، عن يحيى بن سعيد القطان الأحول، روى له الجماعة، عن إسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي روى له الجماعة، واسم أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير.

عن عامر بن شراحيل الشعبي روى له الجماعة، عن عبد الله بن مَعْقِل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- بن مُقَرِّن -بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون- المزني الكوفي، روى له الجماعة، أبو داود في "المراسيل".

ص: 356

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن شعبة، عن ابن الأصبهاني، عن عبد الله بن مَعْقِل، عن علي رضي الله عنه:"أنه كبر على بن حنيف ستّا".

ثنا (2) وكيع، قال: أنا إسماعيل، عن الشعبي، عن ابن معقل:"أن عليًّا كبر على سهل بن حنيف ستًّا".

وأخرج الثاني: أيضًا بإسناد صحيح عن هؤلاء المذكورين، غير أن في موضع عامر: موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي الكوفي، وثقه يحيى والعجلي وابن حبان والدارقطني، وروى له الجماعة غير البخاري والنسائي، لكن الترمذي في "الشمائل".

وأخرجه ابن أبي شيبة (3): ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن موسى بن عبد الله بن يزيد قال:"صلى علي رضي الله عنه على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا".

قلت: اسم أبي قتادة الحارث بن ربعي، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وقيل غير ذلك.

فإن قيل: أخرج البيهقي (4) هذا: من حديث عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن موسى بن عبد الله بن يزيد:"أن عليًّا رضي الله عنه صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا، وكان بدريًّا". ثم قال البيهقي: هكذا روي وهو غلط؛ لأن أبا قتادة بقي بعد عليّ رضي الله عنه مدة طويلة.

قلت: رجال ما أخرجه الطحاوي من طريقين ورجال ما أخرجه هو أيضًا ثقات، وهذا أخرجه ابن أبي شيبة (3): بإسناد صحيح، فكيف يكون غلطًا، وإنما

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 497 رقم 11465).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 497 رقم 11466).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 497 رقم 11459).

(4)

"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 36 رقم 6734).

ص: 357

غَرَّ البيهقي قول من قال: إن أبا قتادة توفي سنة أربع وخمسين، وهذا قول غير صحيح، وقد بينا الكلام فيه في باب الجلوس في التشهد مستقصى.

وتقرير الجواب أن يقال: إن أهل بدر رضي الله عنهم كانوا يفضلون على غيرهم حتى في التكبير في الصلاة على موتاهم؛ فلأجل ذلك فعل علي ما فعل من تكبيره ستًّا على سهل بن حنيف، وتكبيره سبعًا على أبي قتادة.

وسهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، والدليل على ذلك ما رواه عبد الله بن معقل وعبد خير عن علي رضي الله عنه.

وأخرج ما رواه عبد الله بن معقل من طريقين:

الأول: عن إبراهيم بن محمد الصيرفي، عن عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة روى له الجماعة، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ليس بالقوي. وعنه: ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: وهو من شيعة أهل الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه. روى له مسلم مقرونًا بغيره، وروى له الأربعة.

عن عبد الله بن معقل وقد ذكر الآن.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن معقل قال:"كبر علي رضي الله عنه في سلطانه أربعًا أربعًا ها هنا؛ إلا على سهل بن حنيف فإنه كبر عليه ستًّا، ثم التفت إليهم فقال: إنه بدري".

والثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن جابر بن يزيد الجعفي فيه مقال، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن معقل.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 495 رقم 11435).

ص: 358

وأخرج ما رواه عبد خير بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها روى له الجماعة، عن عبد الملك بن سلع الهمْداني الكوفي، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي في "مسند علي".

عن عبد خير بن يزيد الهمْداني الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وروى له الأربعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا حفص عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير قال:"كان علي رضي الله عنه يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله عليه السلام خمسًا، وعلى الناس أربعًا".

قوله: "وقد حدثني القاسم بن جعفر

" إلى آخره، أشار به إلى أن إجماع عمر بن الخطاب مع الصحابة على أن التكبيرات على الجنائز أربع، خارج عن حكم أهل بدر، فإن حكمهم مستثنى من ذلك الإجماع، باق على ما كانوا يكبرون عليهم خمسًا وسبعًا وتسعًا، والقاسم بن جعفر بن شذونة أبو محمد البصري نزيل مصر، روى عن زيد بن [أخرم بالخاء المعجمة والراء المهملة](2) الطائي النبهاني أبي طالب البصري الحافظ شيخ الجماعة سوى مسلم، عن يعلى بن عبيد بن أبي أمية الإيادي الكوفي، روى له الجماعة، عن سليمان بن بشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- ويقال سليمان بن يُسَيْر بضم الياء آخر الحروف في أوله، وفتح السين المهملة- ويقال: ابن أسير -بضم الهمزة موضع الياء- ويقال: ابن سقير، ويقال: ابن قسيم، ويقال: ابن قسم أبو الصباح النخعي الكوفي، قال يحيى: ضعيف ليس بشيء. وقال أحمد: لا يساوي شيئًا. وقال الفلاس: منكر الحديث. وقال البخاري:

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 496 رقم 11454).

(2)

كذا في "الأصل، ك"، وهو وهم، فقد ضبطه ابن ماكولا في "الإكمال"(1/ 37)، وابن نصر الدين في "توضيح المشتبه"(1/ 170)، والحافظ ابن حجر في "التقريب" بالزاي المعجمة.

ص: 359

ليس بالقوي عندهم. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: متروك. روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في فضل القرض.

ص: وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: أنا حماد بن سلمة، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس قال:"قدم ناس من أهل الشام فمات لهم ميت، فكبروا عليه خمسًا، فأردت أن ألَاحيهم، فأخبرت ابن مسعود رضي الله عنه فقال: ليس فيه شيء معلوم".

فهذا عندنا يحتمل ما ذكرنا في اختلاف حكم الصلاة على البدريين وعلى غيرهم، فكان عبد الله أراد بقوله "ليس فيه شيء فمعلوم" أي ليس فيه شيء يكبر في الصلاة على الناس جميعًا لا يجاوز إلى غيره، وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ.

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الشيباني، قال: ثنا عامر، عن علقمة، أنه ذكر ذلك لعبد الله فقال عبد الله:"إذا تقدم الإمام فكبروا بما كبر؛ فإنه لا وقت ولا عدد".

وهذا عندنا معناه ما ذكرنا أيضًا؛ لأن الإمام قد كان يصلي حينئذ على بدريين وعلى غيرهم، فإن صلى على البدريين فكبر عليهم كما يكبر على البدريين -وذلك ما فوق الأربع- فكبروا ما كبر، وإن صلى على غير البدريين فكبر أربعًا -كما يكبر عليهم- فكبروا كما كبر لا وقت ولا عدد في التكبير في الصلاة على جميع الناس من البدريين وغيرهم لا يجاوز ذلك إلى ما هو أكثر منه. وقد روي هذا الحديث أيضًا، عن عبد الله بغير هذا اللفظ.

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله قال:"التكبير على الجنازة لا وقت ولا عدد إن شئت أربعًا وإن شئت خمسًا، وإن شئت ستًّا". فهذا معناه غير معنى ما حكى عامر عن علقمة، وما حكى عامر عن علقمة من هذا فهو أثبت؛ لأن عامرًا قد لقي

ص: 360

علقمة وأخذ عنه، وأبو إسحاق فلم يلقه ولم يأخذ عنه، ولأن عبد الله قد روي عنه في التكبير أنه أربع، من غير هذا الوجه.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، قال: سمعت عبد الله رضي الله عنه يقول: "التكبير على الجنائز أربع كالتكبير في العيدين".

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم (ح).

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قالا: ثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، عن عبد الله قال:"التكبير في العيدين أربع كالصلاة على الميت".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن علي بن الأقمر

فذكر بإسناده مثله.

فهذا عبد الله لما سئل عن التكبير على الجنازة؛ أخبر أنه أربع، وأمرهم في حديث علقمة أن يكبروا ما كبر أئمتهم؛ فلو انقطع الكلام على ذلك لكان وجه حديثه عندنا على أن أصل التكبير عنده أربع، وعلى أن من صلى خلف من يكبر أكثر من أربع كبر كما كبر إمامه؛ لأنه قد فعل ما قد قاله بعض العلماء، وقد كان أبو يوسف يذهب [إلى هذا](1) القول ولكن الكلام لم ينقطع على ذلك، وقال:"لا وقت ولا عدد" فدل ذلك على أن معناه في ذلك: لا وقت عندي للتكبير في الصلاة على الجنائز ولا عدد، على المعنى الذي ذكرناه في أهل بدر وغيرهم، أي لا وقت ولا عدد في التكبير في الصلاة على الناس جميعًا، ولكن جملته: لا وقت لها ولا عدد إن كان أهل بدر هكذا حكم الصلاة عليهم والصلاة على غيرهم، على ما روى عنه أبو عطية؛ حتى لايتضاد شيء من ذلك.

ش: لما كان ما روي عن ابن مسعود.

(1) تكررت في "الأصل".

ص: 361

وهو الذي أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج ابن منهال الأنماطي البصري شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند دينار البصري، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عامر الشعبي، عن علقمة بن قيس بن عبد الله أبي شبل النخعي الكوفي روى له الجماعة- ينافي ما ذكره من انتساخ حكم التكبير الزائد على الأربع بحسب الظاهر، أورده أولًا ثم أورد عنه أيضًا ما روى على الاختلاف في المعنى واللفظ؛ ليوجه ذلك ويصحح معانيه ويُنَزِّلها على ما ذكره أولًا، ويدفع بذلك أيضًا ما يظهر بين رواياته من التنافي والتضاد.

بيان ذلك: أن قوله ليس فيه شيء معلوم يفهم منه بحسب الظاهر أي لا ينحصر التكبير في الجنازة على الأربع، ولكن يحتمل أن يكون معناه مثل ما ذكرنا في اختلاف حكم الصلاة على من كان من أهل بدر وعلى من كان من غيرهم، والمعنى ليس فيه شيء أنه يكبر في الصلاة على الناس جميعًا لا يُجَاوز إلى غيره، يعني إن كان من البدريين لا يجاوز التكبير عليهم عن ما روي من الست والسبع والتسع، وإن كان من غيرهم لا يجاوز عن الأربع.

وقد روي هذا الحديث -يعني حديث ابن مسعود هذا- بغير اللفظ المذكور.

وهو ما أخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أحمد بن داود المكي، عن موسى ابن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، روى له الجماعة، عن سليمان بن أبي سليمان الشيباني، روى له الجماعة، عن عامر الشعبي، عن علقمة بن قيس، أنه ذكر ذلك.

وأشار به إلى قوله: "قدم ناسٌ من أهل الشام فمات لهم ميت، فكبروا عليه خمسًا، فقال عبد الله بن مسعود: إذا تقدم الإمام فكبروا بما كبر؛ فإنه لا وقت ولا عدد".

ص: 362

وأخرجه ابن أبي شيبة (1): ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس:"أنه قدم من الشام فقال لعبد الله: إني رأيت معاذ بن جبل وأصحابه بالشام يكبرون على الجنائز خمسًا، فوقتوا لنا وقتا نتابعكم عليه، قال: فاطرق عبد الله ساعة ثم قال: كبروا ما كبر إمامكم، لا وقت ولا عدد". وهذا الحديث أيضًا معناه ما ذكر الآن، يعني: إن كان الإمام يصلي على البدريين فكبروا مثل ما كبر ستًّا أو سبعًا أو تسعًا لا يجاوز إلى غير ذلك، وإن كان يصلي على غيرهم فكبروا أربعًا، لا يجاوز ذلك إلى ما هو أكثر منه.

وقد روي هذا الحديث المذكور عن عبد الله بغير اللفظ المذكور.

وهو ما أخرجه بإسناد منقطع على ما نبينه: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن علقمة، عن عبد الله قال: "التكبير على الجنازة لا وقت ولا عدد

" إلى آخره.

وهذا يخالف ما رواه عامر الشعبي عن علقمة، ولكن هذا منقطع؛ لأن أبا إسحاق لم يلق علقمة ولا أخذ منه، والذي رواه الشعبي عنه صحيح متصل؛ لأن الشعبي لقي علقمة وأخذ عنه؛ فإذا كان كذلك لا يعارض هذا ما رواه الشعبي عن علقمة عن عبد الله.

ثم أشار إلى بيان صحة التأويل الذي ذكره وإلى ضعف ما رواه أبو إسحاق عن علقمة بقوله: "ولأن عبد الله قد روي عنه في التكبير أنه أربع".

وأخرجه من أربع طرق صحاح:

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن علي بن الأقمر بن عمرو بن الحارث الوادعي أبي الوازع الكوفي روى له الجماعة، عن

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 496 رقم 11450).

ص: 363

أبي عطية الوادعي الكوفي اسمه مالك بن أبي حمرة، وقيل: مالك بن عامر، وقيل: عمرو بن جندب، وقيل: غير ذلك، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن مسعر وسفيان وشعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية قال: قال عبد الله: "التكبير على الجنائز أربع تكبيرات بتكبيرة الخروج".

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، عن عبد الله.

الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان، عن علي بن الأقمر

إلى آخره.

الرابع: عن أبي بكرة أيضًا، عن روح بن عبادة شيخ البخاري، عن شعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية، عن عبد الله.

قوله: "فهذا عبد الله لما سئل

" إلى آخره، بيانه: أن عبد الله بن مسعود لما سئل عن تكبيرات الجنازة قال: أربع، فدل على أن مذهبه في هذا هو مذهب ما ذهب إليه من يقول بانتساخ ما زاد على الأربع، غير الزيادة التي في حكم البدريين، والباقي ظاهر.

قوله: "لأنه قد فعل ما قد قاله بعض العلماء" أي لأن من صلى خلف من يكبر أكثر من أربع فعل في متابعته إمامه في تلك الزيادة ما قد قاله بعض العلماء، وهم بكر بن عبد الله وأحمد بن حنبل في رواية وطائفة من الظاهرية.

وقد كان أبو يوسف أيضًا يذهب إلى هذا القول.

وقال ابن قدامة: ظاهر كلام الخرقي: أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم، وإذا زاد على خمس فعن أحمد يتابع إمامه إلى سبع، ثم لا يزاد على سبع، ولا يسلم إلا مع الإمام، وهذا قول بكر بن عبد الله المزني.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 494 رقم 11426).

ص: 364

قوله: "أن أُلاحيهم" من الملاحاة -بالحاء المهملة- وهي المنازعة، ومنه حديث ليلة القدر:"تلاحى رجلان فرفعت"(1) أي تنازع. والله أعلم.

ص: ثم قد روي عن أكثر أصحاب رسول الله عليه السلام في صلاتهم على جنائزهم أنهم كبروا فيها أربعًا، فمما روى عنهم في ذلك:

ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع أصحاب رسول الله عليه السلام فسألهم عن التكبير على الجنازة، فأخبر كل واحد منهم بما رأى وبما سمع، فجمعهم عمر رضي الله عنه على أربع تكبيرات كأطول الصلوات: صلاة الظهر".

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى القطان، قال: ثنا إسماعيل، عن عامر قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبزى قال: "صلينا مع عمر بن الخطاب على زينب بالمدينة، فكبر عليها أربعًا".

حدثنا يزيد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا عمير بن سعيد، قال:"صليت مع علي رضي الله عنه على يزيد بن المكفف فكبر عليه أربعًا".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن عمير مثله.

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عمير بن سعيد

فذكر مثله.

حدثنا علي، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمير بن سعيد، عن علي رضي الله عنه مثله.

حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي حصين، عن موسى بن طلحة قال:"شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه صلى على جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة، ثم كبر عليهم أربعًا".

(1) تقدم.

ص: 365

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن زيد بن طلحة قال:"صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فكبر عليها أربعًا".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله عليه السلام، أن رجلًا من أصحاب النبي عليه السلام أخبره: "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سرًّا في نفسه، ثم يختم الصلاة في التكبرات الثلاث، قال الزهري: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث، عن حبيب بن مسلمة في الصلاة على الجنازة مثل الذي حدثك أبو أمامة.

حدثنا ابن أبي داود، وقال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق:"أن الحسن بن علي رضي الله عنهما كبر على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أربعًا، وهذا خلاف ما كان عمر وعلي رضي الله عنهما يريانه في أهل بدر أن يكبر في الصلاة عليهم ما جاوز الأربع".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد قال:"صليت خلف زيد بن ثابت على جنازة، فكبر عليها أربعًا، وصليت خلف أبي هريرة على جنازة فكبر عليها أربعًا".

حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني شرحبيل بن سعد قال: "صلى بنا عبد الله بن عباس على جنازة فكبر أربع تكبيرات".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن مهاجر أبي الحسن قال:"صليت خلف البراء بن عازب على جنازة فقال: اجتمعتم؟ فقلنا: نعم، فكبر أربعًا".

ص: 366

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال:"صليت خلف أبي هريرة رضي الله عنه على جنائز من رجال ونساء، فسوى بينهم وكبر أربعًا".

ش: أخرج عن تسعة أنفس من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يكبرون على الجنازة أربع تكبيرات، وهم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وحبيب بن مسلمة والحسن بن علي وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأبو هريرة رضي الله عنهم تأكيدًا لما ذكره من انتساخ حكم الزائد على الأربع.

أما أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخرجه من طريقين صحيحين:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق بن جمرة -بالجيم والراء- الكوفي وثقه ابن حبان، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال:"كانوا يكبرون على عهد رسول الله عليه السلام سبعًا وخمسًا وستًّا وأربعًا، فجمع عمر رضي الله عنه أصحاب رسول الله عليه السلام فأخبر كل رجل بما رأى، فجمعهم عمر رضي الله عنه على أربع تكبيرات كأطول الصلاة".

الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى المختلف في صحبته

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة"(2): ثنا حفص بن غياث ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى قال: "ماتت زينب

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 37 رقم 6738).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 15 رقم 11651).

ص: 367

بنت جحش فكبر عليها عمر أربعًا، ثم سأل أزواج النبي عليه السلام من يدخل قبرها؟ فقلن من كان يدخل عليها في حياتها".

قلت: ماتت زينب بنت جحش بن رباب الأسدية أم المؤمنين سنة عشرين من الهجرة، وكانت أول نساء النبي عليه السلام لحوقًا به رضي الله عنها.

وأما أثر علي بن أبي طالب فأخرجه من أربع طرق صحاح:

الأول: عن يزيد بن سنان، عن يحيى القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير بن سعيد النخعي الأصبهاني أبي يحيى الكوفي روى له الجماعة -سوى الترمذي- حديثًا واحدا.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة"(1): ثنا حفص، ثنا حجاج، عن عمير بن سعيد قال:"صليت خلف علي رضي الله عنه على يزيد بن المكفف يكبر عليه أربعًا".

الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عمير بن سعيد. وأخرجه البيهقي في "سننه" (2): من حديث مسعر، عن عمير بن سعيد النخعي قال:"صليت خلف علي رضي الله عنه على ابن المكلف فكبر عليه أربعًا ثم أتى قبره فقال: اللهم عبدك وولد عبدك نزل بك وأنت خير مُنْزَل به، اللهم وَسِّع له مداخله، واغفر له ذنبه، فإنا لا نعلم إلا خيرًا وأنت أعلم به".

الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير بن سعيد.

الرابع: عن علي بن شيبة أيضًا، عن قبيصة بن عقبة السُّوائي الكوفي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن عمير بن سعيد.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 494 رقم 11423).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 37 رقم 6741).

ص: 368

وأما أثر عثمان بن عفان رضي الله عنه فأخرجه بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب، عن الخَصيب -بفتح الخاء المعجمة- ابن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان. عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري روى له الجماعة، عن أبي حَصِين -يفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي روكل له الجماعة. عن موسى بن طلحة بن عبيد الله أبي محمَّد التيمي المدني روه له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة (1) مختصرًا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن شعبة، عن أبي حَصِين، عن موسى بن طلحة، عن عثمان رضي الله عنه:"أنه صلى على رجل وامرأة، فجعل الرجل مما يليه".

ويستفاد منه:

أن الجنائز إذا اجتمعت من الرجال والنساء، فالسنة أن يجعل الإمام الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة.

وفي "الموطأ"(2): عن مالك: "أنه بلغه أن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهم كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة الرجال والنساء، فيجعلون الرجل مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة".

وإلى هذا ذهب الشعبي والنخعي والزهري وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وفي "العيون" اجتمع جنائز جعل الرجل مما يلي الإمام ثم الصبي ثم الخنثى، ثم النساء بالإجماع.

وفي "المصنف": عن سالم والقاسم: "النساء مما يلي الإمام، والرجال مما يلي القبلة" وكذا عن ليث وعطاء بن أبي رباح.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 8 رقم 11572).

(2)

"موطأ مالك"(1/ 230 رقم 542).

ص: 369

وفي "المغني"(1) فإن اجتمع جنائز رجال ونساء، فعن أحمد فيه روايتان:

إحداهما: يسوي بين رءوسهم، وهذا اختيار القاضي، وقول إبراهيم وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة.

والرواية الثانية: أنه يصف الرجال صفًا والنساء صفًا ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال. وهذا اختيار أبي الخطاب.

وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما فأخرجه من طريقين حسنين:

الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن زيد بن طلحة التيمي والد يعقوب بن زيد، وثقه ابن حبان.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، عن سفيان، عن زيد بن طلحة قال:"شهدت ابن عباس كبر على جنازة أربعًا".

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن موسى بن يعقوب بن عبد الله المدني، وعن يحيى: ثقة. وعن ابن المديني: ضعيف الحديث. وعن أبي داود: صالح. روى له الأربعة.

عن شرحبيل بن سعد أبي سعد المدني مولى الأنصاري، وثقه ابن حبان، وضعفه يحيى، وروى له أبو داود وابن ماجه.

وأما أثر حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري، مختلف في صحبته، قال الواقدي: مات النبي عليه السلام ولحبيب بن مسلمة اثنى عشر سنة. وقال البخاري: له صحبة.

(1)"المغني"(2/ 390).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 494 رقم 11429).

ص: 370

فأخرجه بإسناد صحيح:

عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة أسعد أو سعد بن سهل بن حنيف روى له الجماعة، عن رجل من الأصحاب وفيه قال الزهري وهو محمَّد بن مسلم: محمد بن سويد بن كلثوم القرشي الفهري ابن أخي الضحاك بن قيس، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي.

وهو يروي عن الضحاك بن قيس الفهري، ذكره عبد الغني في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات.

وهذا الأثر أخرجه الشافعي في "مسنده"(1): أنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أبو أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من الصحابة:"أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي عليه السلام، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًّا في نفسه".

وبه عن الزهري: حدثني محمد الفهري، عن الضحاك بن قيس، مثل قول أبي أمامة.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من طريق الشافعي، وأخرجه الحكم (3): من حديث يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو أمامة، أخبرني رجال من أصحاب رسول الله عليه السلام في الصلاة على الجنازة: "أن يكبر الإمام ثم يصلي على النبي عليه السلام

(1)"مسند الشافعي"(1/ 359).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 39 رقم 6750).

(3)

"مستدرك الحاكم"(1/ 512 رقم 1331).

ص: 371

ويخلص الدعاء في التكبيرت الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيًّا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من ورائه مثل ما فعل إمامه.

قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة، وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه، فقال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث، عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثك أبو أمامة".

قال الحكم: هذا صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.

وأخرج النسائي في "سننه"(1): أنا قتيبة، قال: نا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة أنه قال:"السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة".

أنا قتبية (2) قال: نا الليث، عن ابن شهاب، عن محمد بن سويد الفهري الدمشقي، عن الضحاك بن قيس، بنحو ذلك.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: أن تكبيرات الجنازة أربع.

الثاني: فيه قراءة فاتحة الكتاب، وللعلماء فيه أقوال:

فقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قراءة في صلاة الجنازة أصلًا، ولكن لو قرأ على وجه الثناء لا بأس بها.

وقال الشافعي وأحمد: قراءة الفاتحة سنة.

وقال ابن قدامة في "المغني": يكبر الأولى ثم يستعيذ ويقرأ الحمد يبتدئ بها ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يسن الاستفتاح. وقال ابن المنذر: كان الثوري يستحب أن يستفتح في صلاة الجنازة، وروي عن أحمد مثله.

(1)"المجتبى"(4/ 75 رقم 1989).

(2)

"المجتبى"(4/ 75 رقم 1990).

ص: 372

ثم قال: قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة وبه قال الشافعي وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال الثوري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة: لا يقرأ فيها بشيء من القرآن. انتهى.

وعن ابن عون: "كان الحسن البصري يقرأ بالفاتحة في كل تكبيرة على الجنازة" قال ابن بطال: وهو قول شهر بن حوشب، وقال الضحاك: اقرأ في التكبيرتين الأولين بفاتحة الكتاب، وكان مكحول يفعل ذلك.

وفي "المحلى": صلى المسور بن مخرمة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة ورفع بها صوته، فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء ولكني أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة.

وفي بعض شروح البخاري: وممن كان لا يقرأ فيها ابن عمر وابن سيرين وأبو العالية وفضالة بن عبيد وأبو بردة بن أبي موسى وعطاء والشعبي وطاوس وبكر الزني وميمون بن مهران وسالم، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وسعيد بن جبير والحكم، ويروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم.

وفي "شرح المهذب": قراءة الفاتحة فرض في صلاة الجنازة بلا خلاف عندنا، قال: والأفضل أن يقرأها بعد التكبيرة الأولى؛ فإن قرأها بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز، ويستحب التأمين عقيب الفاتحة، وفي قراءة السورة وجهان؛ الأصح لا يستحب، وفي دعاء الاستفتاح وجهان؛ الأصح لا يأتي به، وأما التعوذ فذكر عن بعض الأصحاب يستحب أن لا يأتي به، وعند بعضهم يستحب.

قال: وفي التكبيرة الثانية يصلي على النبي عليه السلام الصلاة المعروفة في التشهد، قال: وجمهور أصحابنا على فرضيتها، ونقل عن المروزي أنها سنة والصواب الأول.

قال: واتفقت نصوص الشافعي على أن الدعاء في الثالثة فرض وركن من أركانها، وهل يشترط تخصيص الميت بالدعاء، فيه وجهان:

ص: 373

أحدهما: لا يشترط بل يكفي الدعاء للمؤمنين، والميت يدخل فيه ضمنًا.

والثاني: وهو الصحيح: يشترط تخصيصه بالدعاء.

الثالث: فيه إسرار القراءة، قال ابن قدامة: ويسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة ولا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا، وري عن ابن عباس أنه جهر بفاتحة الكتاب، قال أحمد: إنما جهر ليعلمهم. والله أعلم.

وأما أثر الحسن بن علي رضي الله عنهما فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس ينسب إلى جده، وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.

يروي عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا حفص بن عطية، عن خليفة بن روق، عن مولى للحسن بن علي:"أن الحسن بن علي صل على علي رضي الله عنه فكبر عليه أربعًا".

قوله: "وهذا خلاف ما كان عمر وعلي يريانه" أراد أن مذهبهما أن البدريين يُكبر عليهم في صلاتهم بما يجاوز الأربع، وعلي بدري بلا خلاف، ولما صلى عليه ابنه الحسن لم يزد على أربع.

وأما أثر زيد بن ثابت رضي الله عنه فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن ثابت بن عبيد الأنصاري الكوفي، مولى زيد بن ثابت، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد:"أن زيد بن ثابت كبر أربعًا، وأن أبا هريرة كبر أربعًا".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 495 رقم 11432).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 494 رقم 11430).

ص: 374

وأما أثر البراء بن عازب رضي الله عنه فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن يونس، عن إسرائيل بن يونس، عن مهاجر أبي الحسن التيمي الكوفي الصائغ روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

وأخرجه ابن في شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن مسعر، عن مهاجر أبي الحسن قال:"صليت خلف البراء على جنازة فكبر أربعًا".

وأما أثر أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أحمد بن يونس، عن إسرائيل بن يونس، عن عثمان بن عبد الله بن موهب التيمي أبي عمرو المدني الأعرج، روى له الجماعة سوى أبي داود.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن ابن نمير، عن الحجاج، عن عثمان بن عبد الله، نحوه.

ص: فهؤلاء أصحاب رسول الله عليه السلام المذكورين في هذه الآثار كانوا يكبرون في صلاتهم على جنائزهم أربع تكبيرات، ثم لا ينكر ذلك عليهم غيرهم؟ فدل ذلك أن ذلك هو حكم التكبير في الصلاة على الجنائز، وأن ما زاد على التكبيرات الأربع فإنما كان لمعنى خاص خُصَّ به بعض الموتى ممن ذكرنا من أهل بدر على سائر الناس؛ فثبت بما ذكرنا أن التكبير على الجنازة أربع على الناس جميعًا من بعد أهل بدر إلى يوم القيامة، وكان مذهب أي حنيفة وسفيان وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله في التكبير على الجنازة أيضًا بما ذكرنا، وقد روى ذلك أيضًا عن محمَّد بن الحنفية.

حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو حمزة عمران بن أبي عطاء، قال:"شهدت وفاة ابن عباس بالطائف، فوليه محمد بن الحنفية، فصلى عليه فكبر أربعًا".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 494 رقم 11427).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 494 رقم 11427).

ص: 375

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عمران بن أبي عطاء قال:"صليت خلف ابن الحنفية على ابن عباس فكبر عليه أربعًا". والله أعلم.

ش: أشار بهؤلاء إلى من روى عنهم من الصحابة فهم تسعة أنفس كما ذكرنا، وأشار بهذا الكلام إلى أن الإجماع من الصحابة قد انعقد على أربع تكبيرات بعد البدريين إلى يوم القيامة.

قوله: "وقد روي ذلك أيضًا" أي كون التكبيرات أربعًا "عن محمَّد بن الحنفية" وهو محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة وكانت من سبي اليمامة، سباهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، روى له الجماعة.

وأخرج آثره من طريقين صحيحين:

الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن هشيم بن بشير، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- عمران بن أبي عطاء القصاب الواسطي، وثقه يحيى، ولينه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له مسلم.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة"(1): ثنا هشيم، عن عمران بن أبي عطاء قال:"شهدت وفاة ابن عباس، فوليه ابن الحنفية، فكبر عليه أربعًا".

قلت: كانت وفاة ابن عباس في سنة ثمان وستين من الهجرة بالطائف، وكان عمره يوم مات إحدى وسبعين سنة.

الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عمران بن أبي عطاء.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 18 رقم 11689).

ص: 376