المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الطبقة الرابعة: 1- سيبويه: هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن - نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

[محمد الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات:

- ‌مقدمة المحقق:

- ‌أهم مراجع الكتاب:

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌تمهيد:

- ‌وضع النحو وتسميته:

- ‌سبب وضع النحو:

- ‌متى وأين كان وضعه:

- ‌وضعه عربي محض:

- ‌واضعه:

- ‌تسمية النحو:

- ‌تسميته بالنحو بعد أبي الأسود:

- ‌سب التسمية بالنحو

- ‌نشأة النحو وتدرجه

- ‌مدخل

- ‌أطوار النحو الأربعة

- ‌مدخل

- ‌الأول: طور الوضع والتكوين

- ‌الثاني: طور النشوء والنمو:

- ‌الثالث: طور النضوج والكمال

- ‌كلمة في مناظرات الطورين "الثاني والثالث

- ‌مدخل

- ‌من مناظرات الطور الثاني:

- ‌من مناظرات الطور الثالث:

- ‌مشاهير البصريين والكوفيين:

- ‌طبقات البصريين السبع:

- ‌الطبقة الأولى:

- ‌الطبقة الثانية:

- ‌الطبقة الثالثة:

- ‌الطبقة الرابعة:

- ‌الطبقة الخامسة:

- ‌الطبقة السادسة:

- ‌الطبقة السابعة:

- ‌طبقات الكوفيين الخمس:

- ‌الطبقة الأولى:

- ‌الطبقة الثانية:

- ‌الطبقة الثالثة:

- ‌الطبقة الرابعة:

- ‌الطبقة الخامسة:

- ‌الاختلاف بين البصريين والكوفيين:

- ‌أسبابه:

- ‌المذهب البصري:

- ‌المذهب الكوفي:

- ‌حكمة تخصص كل من المذهبين باتجاهه:

- ‌نتائج المخالفة بين المذهبين:

- ‌سرد مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين:

- ‌موازنة بين المذهبين:

- ‌أثر تلاقي الفريقين ببغداد في تنويع النزعات إلى ثلاث

- ‌مدخل

- ‌من غلبت عليه النزعة البصرية:

- ‌من غلبت عليه النزعة الكوفية:

- ‌من جمع بين النزعتين:

- ‌نحاة مصر الآخذون عن العراقيين:

- ‌نشوء المذهب البغدادي على أيدي الجامعين بين النزعتين:

- ‌الرابع: طور الترجيح "بغدادي

- ‌تشاطر الدول الإسلامية نهضة هذا العلم

- ‌انتهاء المتقدمين وابتداء المتأخرين

- ‌المطلب الأول: علم النحو وعلماؤه في عهد الدول الإسلامية المتعاصرة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: علم النحو في العراق وما يليه شرقا، وما يقرب منه غربا وعلماؤه

- ‌الفصل الثاني: علم النحو في مصر والشام وعلماؤه

- ‌الفصل الثالث: علم النحو في الأندلس والمغرب وعلماؤه

- ‌المطلب الثاني: علم النحو وعلماؤه بعد سقوط بغداد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: علم النحو في المشرق وعلماؤه

- ‌الفصل الثاني: النحو والنحاة في الأندلس والمغرب

- ‌الفصل الثالث: النحو والنحاة في مصر والشام في العصرين "عصر المماليك وعصر الترك

- ‌مدخل

- ‌النحو والنحاة في عصر المماليك:

- ‌النحو والنحاة في عصر الترك:

- ‌كلمة الختام:

- ‌فهرس الكتاب:

الفصل: ‌ ‌الطبقة الرابعة: 1- سيبويه: هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن

‌الطبقة الرابعة:

1-

سيبويه: هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب، ولقب بسيبويه "رائحة التفاح" لأن أمه كانت ترقصه بذلك في صغره، ولد بالبيضاء "بلد بفارس" من سلالة فارسية، ونشأ بالبصرة ورغب في تعلم الحديث والفقه، إلى أنه لحقه التأنيب ذات يوم بشأن حديث شريف من شيخه حماد البصري، قال ابن هشام:"وذلك أنه جاء إلى حماد بن سلمة لكتابة الحديث، فاستملى منه قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه إنما هذا استثناء، فقال سيبويه: والله لأطلبن علما لا يلحنني معه أحد، ثم مضى ولزم الخليل وغيره"1.

فكما أخذ عن الخليل أخذ عن يونس وعيسى بن عمر وغيرهم، وبرع في النحو حتى بز أترابه فيه، فاحتفى به علماء البصرة التي صار إمامها غير مدافع، وأخرج للناس كتابه الذي أكسبه فخار الأبد، فإنه شاهد صدق على علو كعبه في هذا الفن.

كتاب سيبويه:

جمع سيبويه في كتابه ما تفرق من أقوال من تقدمه من العلماء كأبي الخطاب والخليل ويونس وأبي زيد وعيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم في علمي النحو والصرف، إذ كان النحو في ذلك الحين يطلق عليهما واسمه يعمهما، وأكثرهم نقلا عنه الخليل الذي كان لا يمل لقاءه، وأنابه في رواية الفن عنه، فكان كتاب سيبويه سجلا لآراء الخليل في النحو، ولذا كثيرا ما يقول فيه سألت الخليل "وإذا أضمر، وقال: مثلا -سألته- أو حدثني، أو قال لي، إنما يعني الخليل بن أحمد"، وذلك مستفيض في الكتاب، وسأذكر بعض أمثلة للنقل عن غير الخليل.

روى عن أبي الخطاب فقال: "حدثنا به أبو الخطاب عن شاعره"2، وعن يونس فقال: وزعم يونس فقال: "إنه سمع رؤبة يقول: ما جاءت

1 راجع المغني الباب الأول مبحث ليس.

2 راجع جـ1 ص40.

ص: 67

حاجتك فرفع"1، وروى عنهما فقال: "وذلك قولك هذا عبد الله منطلق حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب"2، وكثر نقله عن يونس حتى نقل عنه أبوابا برمتها، فقد نقل عن فصلين من التصغير فقال: "وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب وما أذكر لك في الباب الذي يليه قول يونس"3، لأنه كان يطمئن إليه، فكثيرا ما كان يسأله للتثبت عما سمعه من غيره قال: "وزعم عيسى بن عمر أن ناسا من العرب يقولون "إذن أفعل ذاك" في الجواب، فأخبرت يونس بذلك، فقال "لا تبعدنّ ذا"، ولم يكن ليروي إلا ما سمع"4، وروى عن أبي زيد فقال: "حدثني من أثق بعربيته".

فإذا اختلفت أقوال العلماء فإنه يحكيها ويوازن بينها ثم يحكم بالترجيح، ففي باب تحقير بنات الياء والواو إلخ عند الكلام على تصغير أحوى قال:"وأما عيسى فكان يقول "أُحَيٌّ" ويصرف وهذا خطأ. وأما أبو عمرو فكان يقول "أُحَيٍّ". وأما يونس فيقول هذا "أُحَيُّ" كما ترى وهو القياس والصواب" وفي باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف وهي الياءات قال: "وسألت الخليل عن القاضي في النداء فقال: أختار "يا قاضي"5 لأنه ليس بمنون كما أختار هذا القاضي، وأما يونس فقال: يا قاض، وقول يونس أقوى".

وقد ضم إلى أقوال هؤلاء العلماء ما استخرجه بنفسه من القواعد اعتمادا على سماعه من العرب الخلص قال: "سمعنا العرب الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف"، وقال:"وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمدِ الله وثناءٍ عليه"6، وقال:"إن هذا البيت أنشدناه أعرابي من أفصح الناس وزعم أنه شعر أبيه"7.

1 راجع جـ1 ص25.

2 راجع جـ1 ص258.

3 راجع جـ2 ص109.

4 راجع جـ2 ص412.

5 لأنه مبني، والتنوين ينافي البناء عند بعضهم.

6 جـ1 ص161.

7 جـ1 ص52.

ص: 68

كَوَّنَ سيبويه كتابه من أقوال العلماء ومما استنبطه هو بنفسه، فكان جماع الفن، شاملا كل ما يحتاج إليه طالبه مع الترتيب والتبويب، ولكل عصر طبيعته المتسقة معه، فترتيب الكتاب على غير المألوف في كتبنا المتداولة بين أيدينا، والإسراف في عناوين أبوابه جاوز الحد فقد بلغت عشرين وثمانمائة، مع الغموض الذي لا يفصح عن المقصود لأول وهلة ومع التداخل في كثير من الأبواب، فمن ذلك على سبيل المثال باب البدل فقد قال:"هذا باب من الفعل يستعمل في الاسم ثم تبدل مكان ذلك الاسم إلخ، هذا باب من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول إلخ، باب المبدل من المبدل منه، باب بدل المعرفة من النكرة إلخ، باب من البدل أيضا"1، وبعض عباراته الاصطلاحية حلت بدلها عبارات أخرى عندنا، ونظرة أولية إلى مستهله في ترتيب أبوابه وعناوينها واصطلاحاتها كافية في ذلك، قال:"هذا باب علم ما الكلم من العربية، باب مجاري أواخر الكلم من العربية، باب المسند والمسند إليه، باب للفظ للمعاني، باب ما يكون في اللفظ من الأغراض باب الاستقامة من الكلام والإحالة، باب ما يحتمل الشعر، باب الفاعل إلخ".

فلم يك سيبويه في كتابه جمَّاعا لآراء السابقين فحسب، بل له شخصية قوية ظهرت في ابتداع بعض القواعد، وفي ترتيب الكتاب حاويا عناصر الفن كلها، وتبويبه واضعا كل شيء وما يتصل به معه، وحسن التعليل للقواعد، وجودة الترجيح عند الاختلاف، واستخراج الفروع من القياس الذي امتلأ به الكتاب، فكثيرا ما يقول: والقياس كذا، أو: والقياس يأباه، ويقول:"سألت الخليل عن قول العرب: "ما أمَيلِحَهُ" فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس لأن الفعل لا يحقر، وإنما تحقر الأسماء إلخ"2.

1 في جـ1 على الترتيب 75، 79، 218، 224، 393.

2 جـ2 ص135.

ص: 69

وفي الحرص على الاعتزاز بالشواهد الوثيقة لدعم الأحكام التي قررها.

شواهده:

عني سيبويه في كتابه بالشواهد لتثبيت الأحكام والإذعان بها من القرآن الكريم ونثر العرب والشعر، ولم يجنح إلى الاستدلال بالحديث الشريف شأن أسلافه ومعاصريه وذلك لانعدام الثقة في نقل الحديث بلفظه الوارد عنه صلى الله عليه وسلم لتصريح العلماء بجواز الرواية بالمعني، إذ لو وثقوا بلفظه لجرى مجرى القرآن الكريم في القواعد الكلية، ثم صارت سنة جارية بعده في المتقدمين والمتأخرين لم يبتدع خلافها غير ابن خروف وابن مالك ثم الرضي الذي أضاف إلى الحديث في الاستشهاد به كلام أهل البيت رضي الله عنهم، وقد أنكر ابن الضائع وأبو حيان على ابن مالك في حديث طويل، وللشاطبي تفصيل قيم في شأن الحديث الشريف نذكره في ترجمته بمشيئة الله تعالى.

فالقرآن الكريم قد بلغ ما ذكره في الكتاب من أي ما يُرْبِي على ثلثمائة آية، قال المازني اعتذارا عن تعليم الذمي الكتاب في نظير أجر كبير: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا آية من كتاب الله عز وجل ولست أرى أن ناحية الاستعمال العربي وهي بين يدي القارئ فلا حاجة إلى ذكر مثال منها، وفي غير الكثير منها قد تذكر بعض آيات استئناسا لناحية المعنى في الأحكام، قال سيبويه:"وقد يكون "علمت" بمنزلة "عرفت" لا تريد إلا علم الأول، فمن ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} 1، وقال سبحانه: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} 2، فهي ههنا بمنزلة عرفت"3، وقد تذكر بعض آيات أخرى عندما يكون ظاهرها مخالفا للحكم الذي ذكره لتخريجها على ما يوافقه، قال سبيويه: "وأما قوله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ

1 سورة البقرة، الآية:65.

2 سورة الأنفال، الآية:60.

3 راجع جـ1 ص18.

ص: 70

جَلْدَةٍ} 1، وقوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 2، فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثل قوله تعالى:{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} 3، ثم قال بعد: فيها كذا وكذا، فإنما وضع المثل للحديث الذي بعده وذكر بعد أخبار وأحاديث فكأنه على قوله ومن القصص مثل الجنة أو مما يقص عليكم مثل الجنة4، فهو محمول على هذا الإضمار ونحوه والله أعلم وكذلك الزانية والزاني كأنه لما قال:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} ، قال في الفرائض الزانية والزاني، أو الزانية والزاني في الفرائض، ثم قال:{فَاجْلِدُوا} فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع إلخ"5، وهكذا.

والشواهد النثرية المعين الذي لا ينضب في الاستشهاد لكثرتها والظفر بها عند تلمس الدليل فهي منطق العربي في غداواته وروحاته يرسلها متى شاء وحيث كان وفيما يبتغي ويريد، ويدخل فيها الأمثال السائرة يسمعها سيبويه من العلماء الذين يتلقى عنهم، أو يأخذها مشافهة من العربي وهاك شيئا منها: قال سيبويه: "ومثل قولهم "ومن كان أخاك" قول العرب: "ما جاءت حاجتك"6، وقال أيضا: "وسمعنا من يوثق به من العرب يقول: اجتمعت أهل اليمامة إلخ"7، ومن الأمثال ما قال: "كما جعلوا عسى بمنزلة كان في قولهم: عسى الغوير أبؤسا"8، وهكذا.

والشواهد الشعرية كثيرة كذلك، فقد قالوا: إن فيه ألفا وخمسين بيتا غير أنه لم يعن رحمه الله بنسبة الشعر المذكور إلى قائليه في كثير من الشواهد، سواء ما استشهد به العلماء الحاكي عنهم وما استشهد به هو، لأن بعض الشعر قد روي لشاعرين أو أكثر، وبعضه قديم العهد لا يعرف قائله،

1 سورة النور، الآية:2.

2 سورة المائدة، الآية:38.

3 سورة محمد، الآية:15.

4 أي على حذف الخبر.

5 جـ1 ص71.

6 جـ1 ص24.

7 جـ1 ص26 أنث الفعل حيث أضيف الفاعل إلى مؤنث مع صحة الاستغناء.

8 جـ1 ص24.

ص: 71

فاعتمد على شيوخه فيما استشهدوا به، ونسب الإنشاد إليه، وعلى نفسه فيما سمعه بأذنه.

ولم يتخذ أحد من العلماء إغفاله للنسبة سبيلا للطعن عليه، على حين أنه أخرج للناس كتابه والعلماء كثير، والعناية بهذا العلم وتهذيبه وكيدة، ولعل ذلك لأن العلماء في ذلك الحين كانوا على علم بها لقرب العهد، فإن العلماء بعدئذ تطلعوا إلى معرفة الشعراء وبحثوا عنهم، قال الجرمي:"نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتا، فأما ألف بيت فعرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما خمسون فلم أعرف أسماء قائليها" ويروي مثل هذا الخبر عن المازني وهما متعاصران، فالنسبة المذكورة الآن في الكتاب حادثة بعد سيبويه إما من الجرمي أو المازني، وسميت الأبيات الخمسون بين العلماء بأبيات سيبويه الخمسين المجهولة القائل، ونسبة الشعر للشاعر الصادرة من الجرمي أو المازني لم تشمل الألف كلها في الكتاب المطبوع بين أيدينا، ولا أدري سببا في ذكر القائل في بعض دون بعض، فقد كان في تعيين النسبة للألف كلها إعلان كاف عن الخمسين المجهولة، فليس وراء المعلوم إلا المجهول، والمهم إنما هو الوصول لمعرفة هذه الأبيات المجهولة الخمسين، وقد استعنت خزانة الأدب للبغدادي في الوصول إليها، فعملت منها بالنص اثنين وثلاثين، وسأذكرها لك مع الإشارة في الهامش إلى موطن كل منها في سيبويه وفي خزانة الأدب، غير أن بيتا منها قد اهتدى البحاثة الشنقيطي إلى اسم قائله في كتابه "الحماسة السنية" وهو قوله:

..................................

أفبعد كندة تمدحن قبيلا1

فإن قائله امرؤ القيس، وهذا عجز البيت، والبيت كله:

قالت فطيمة حل شعرك مدحه

أفبعد كندة تمدحن قبيلا

ومعنى البيت: "حل" تخفيف "حلئ" من حلأه إذا طرده عن الماء،

1 راجع الكتاب جـ2 ص151 وخزانة الأدب شاهد 943.

ص: 72

ومدحه بدل اشتمال، فمرادها أن لا يمدح أحدا بعد كندة، دل على ذلك المصراع الثاني والبيت مطلع قصيدة نادرة الوجود أوردها كلها الشنقيطي مع ذكر السبب، وذلك في القسم الثاني، آخر الكلام على البرزنجي.

وعلى هذا فالأبيات المجهولة في كتاب سيبويه تسعة وأربعون، والأبيات المجهولة التي أذكرها أحد وثلاثون، وهاكها بالترتيب على نسق الكتاب:

أبياته المجهولة القائل

أ- ما في الجزء الأول:

هل تعرف الدار على تبراكا

دار لسعدي إذه من هواكا1

أستغفر الله ذنبا لست محصيه

رب العباد إليه الوجه والعمل2

وقائلة خولان فانكح فتاتهم

وأكرومه الحيين خلو كما هيا3

إن عليَّ الله أن تبايعا

تؤخذ كرها أو تجئ طائعا4

وكأنه لهق السراة كأنه

ما حاجبيه معين بسواد5

هل أنت باعث دينار لحاجتنا

أو عبد رب أخا عون بن مخراق6

ضعيف النكاية أعداءه

يخال الفرار يراخي الأجل7

كلوا في بعض بطنكم تعفوا

فإن زمانكم زمن خميص8

..................................

من لد شولا فإلى إتلائها9

1 راجع ص9 والخزانة شاهد 83.

2 راجع ص17 والخزانة شاهد 157.

3 راجع ص70 والخزانة شاهد 77.

4 راجع ص78 والخزانة شاهد 372.

5 راجع ص80 والخزانة شاهد 370 وهو منسوب في كتاب سيبويه للأعشى.

6 راجع ص87 والخزانة شاهد 610.

7 راجع ص99 والخزانة شاهد 597.

8 راجع ص108 والخزانة شاهد 575.

9 راجع ص134 والخزانة شاهد 252.

ص: 73

دعوت لما نابني مسورا

فلبي فلبي يدي مسور1

فلا تلحني فيها فإن بحبها

أخاك مصاب القلب جم بلابله2

ووجه مشرق النحر

كأن ثدياه حقان3

...................................

يا ليت أيام الصبا رواجعا4

على أنني بعد ما قد مضى

ثلاثون للهجر حولا كميلا

يذكر نيك حنين العجول

ونوح الحمامة تدعو هديلا5

من اجلك يا التي تيمت قلبي

وأنت بخيلة بالود عني6

يا لقوم من للعلى والمساعي

يا لقوم من للندى والسماح

يا لعطافنا ويا لرياح

وأبي الحشرج الفتى النفاح7

فلا أب مثل مروان وابنه

إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا8

...................................

لا هيثم الليلة للمطي9

بكت جزعا واسترجعت ثم آنذت

ركائبها أن لا إلينا رجوعها10

...................................

حنت قلوصي حين لا حين محن11

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا

فاذهب فما بك والأيام من عجب12

دعي ماذا علمت سأتقيه

ولكن بالمغيب نبئيني13

1 راجع ص176 والخزانة شاهد 93.

2 راجع ص28 والخزانة شاهد 648.

3 راجع ص281 والخزانة شاهد 871.

4 راجع ص284 والخزانة شاهد 841.

5 راجع ص292 والخزانة شاهد 216.

6 راجع ص310 والخزانة شاهد 128.

7 راجع ص319 والخزانة شاهد 108.

8 راجع ص349 والخزانة شاهد 263.

9 راجع ص354 والخزانة شاهد 261.

10 راجع ص355 والخزانة شاهد 255.

11 راجع ص358 والخزانة شاهد 258.

12 راجع ص392 والخزانة شاهد 353.

13 راجع ص405 والخزانة شاهد 444.

ص: 74

غير أنا لم تأتنا بيقين

فنرجى ونكثر التأميلا1

هذا سراقة للقرآن يدرسه

والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب2

إن الكريم وأبيك يعتمل

إن لم يجد يوما على من يتكل3

وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا

إذ أنه عبد القفا واللهازم4

ولست أبالي بعد يوم مطرف

حتوف المنايا أكثرت أو أقلت5

ب- ما في الجزء الثاني:

لقد رأيت عجبا مذ أمسا

عجائزا مثل السعالي خمسا6

وهيج الحي من دار فظل لهم

يوم كثير تناديه وحيهله7

.........................................

وهي تنوش الحوض نوشا من علا8

فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث

مساعينا حتى ترى كيف نفعلا9

هذا ما يختص بالأبيات المجهولة القائل في الكتاب 10، أما الألف الباقية فقد ارتضاها جمهور العلماء سواء منها ما نسب إلى قائله وما لم ينسب إليه وقليل منهم اعترض على بعض الأبيات المنسوبة لقائلها بما يؤدي إلى عدم صحة الاستشهاد بها على ما ساقها دليلا عليه سيبويه لتحريف أو تصحيف خفي عليه في الرواية للشاهد، وقليل منهم تعقب بعض الأبيات غير

1 راجع ص419 والخزانة شاهد 665.

2 راجع ص437 والخزانة شاهد 82.

3 راجع ص443 والخزانة شاهد 827.

4 راجع ص472 والخزانة شاهد 846.

5 راجع ص490 والخزانة شاهد 910.

6 راجع ص44 والخزانة شاهد 522.

7 راجع ص52 والخزانة شاهد 462.

8 راجع ص123 والخزانة شاهد 773.

9 راجع ص151 والخزانة شاهد 944.

10 قد تجد في كثير من كتب الشواهد أن بعض هذه الأبيات منسوب إلى معين والصواب أنها مجهولة القائل.

ص: 75

المنسوبة لقائلها واعتبرها مفتعلة مصنوعة، وهذا كله عدا الأبيات المزيدة على شواهد سيبويه فلم تذكر في أصل الكتاب معها، وقد شرحها الأعلم أيضا ناسبا كل شاهد زائد في الباب المذكور فيه لمن أنشده من العلماء الذين زادوه على شواهد الكتاب في خلال نظرهم فيه وإن فاته كمعظم الشراح "رجز" خلط بكلام الكتاب، ذلك هو قول سيبويه في باب "ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل، إلخ".

لقد علمت أي حين عقبتي

............................1

وهو من شواهد الرضي "في أفعال القلوب" ونبه على كل ذلك البغدادي في الخزانة2.

فهذه أصناف ثلاثة، وهاك بيانها:

بعض الأبيات التي خطئوا روايتها:

كثر ما طعن بعض العلماء على بعض الأبيات المنسوبة للقائل طعنا يقضي بعدم الاستدلال بها، وفي مقدمة هؤلاء ابن قتيبة، والمبرد، والعسكري، وإني لذاكر من ذلك أبياتا ثلاثة على سبيل التمثيل خوف الإطالة فمن ذلك:

1-

قول عقيبة بن هبيرة الأسيدي:

معاوي إننا بشر فأسجح

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

أديروها بني حرب عليكم

ولا ترموا بها الغرض البعيدا3

استشهد سيبويه بالبيت الأول على جواز العطف على الموضع4، فإن

1 راجع سيبويه جـ1 ص122.

2 راجع خزانة الأدب شاهد 717.

3 راجع جـ1 ص34، 352، 375، 448.

4 ويسمى العطف على التوهم.

ص: 76

قوله "الحديدا" معطوف على محل المجرور قبله في قوله "بالجبال" لأن الباء زائدة.

لقد خطأ ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء في هذه الرواية مدعيا أن الصواب الجر كبقية القصيدة، والبيت الثاني من بيتي سيبويه لا صلة له بالأول منهما، وتابعه المبرد في ذلك، وكذا العسكري في "التصحيف والتحريف".

لكن العلماء المنتصرين لسيبويه، وفي مقدمتهم ابن الأنباري في كتابه "الإنصاف"، قالوا: إن البيت روي مع أبيات منصوبة ومع أبيات مجرورة، واستشهاد سيبويه منوط بالرواية الأولى فصح الاعتماد عليه، ولهذا استشهد به الرضي على الكافية، راجع الخزانة في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة.

2-

ومن ذلك قول نهشل بن حري:

لِيُبْكَ يزيد ضارع لخصومة

ومختبط مما تطيح الطوائح1

استشهد به سيبويه في باب "ما يحذف منه الفعل إلخ" على أن رافع "ضارع" محذوف للعلم به من سابقه.

وقد تعقب الأصمعي رواية البيت كذلك قائلا إن الصواب نصب يزيد بالفعل قبله، والفعل مبني للمعلوم لا للمجهول، فضارع فاعل له لا للمحذوف، وقد نقل عن الأصمعي هذا التصحيح ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء، وتبعهما العسكري في "التصحيف والتحريف".

لكن العلماء الآخرون أجازوا رواية سيبويه فاقتفاه في الاستدلال بها في

1 راجع جـ1 ص145 وص183، والبيت من مرثية في يزيد، راجع خزانة الأدب الشاهد الخامس والأربعين.

"وقد نسب هذا البيت في كتاب سيبويه إلى الحارث بن نهيك ونسبه الأعلم في شرح شواهد الكتاب إلى لبيد ونسبه الزمخشري إلى مزرد بن ضرار ونسب السيرافي إلى الحارث بن ضرار النهشلي وأكثر العلماء على أنه لنهشل بن حري، والبيت في ديوان لبيد"50 طبع ليدن"".

ص: 77

"باب الفاعل" الزمخشري في المفصل، وابن الحاجب في الكافية، وابن هشام في التوضيح والأشموني في شرح الألفية.

3-

ومن ذلك قول الأخطل:

كروا إلى حرتيكم تعمرونهما

كما تكر إلى أوطانها البقر1

استشهد سيبويه بهذا البيت في باب "من الجزاء ما لا ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابا لأمر إلخ على جواز رفع المضارع وهو تعمرونهما بعد الطلب وهو "كروا" لعدم قصد الجزائية، وتبعه في الاستشهاد به الزمخشري في المفصل، والأشموني في شرحه على الألفية.

لم ينبه أحد من العلماء قط على ما في البيت من خطأ ابتني عليه زعم الاستدلال بالبيت إذ مدار الاستشهاد به على أن "كروا" فعل أمر بدليل الخطاب في حرتيكم.

والحقيقة أن الفعل ماض وأن صواب الشطر الأول:

كروا إلى حرتيهم يعمرونهما

على الحكاية للغائبين، فالبيت من قصيدة في متناول أيدي الجميع، ويبدو لي أن هذا التحريف غير معمود إليه، وإنما سري لسيبويه من الراوي المحرف، وأكاد أعتقد أن هذا البيت في تحريفه لا مثيل له في الكتاب، والعجب العاجب عدم الانتباه لما فيه من الأعلام السابقين.

بعض الأبيات التي قيل: إنها مصنوعة:

1-

حذر أمورا لا تضير وآمن

ما ليس منجيه من الأقدار2

استشهد به سيبويه على عمل "فعل" من أبنية المبالغة، وتبعه من بعده

1 راجع جـ1 ص451.

2 راجع جـ1 ص58 وراجع خزانة الأدب شاهد 605 ففيه كل ما قيل في البيت، ومعنى البيت مختلف فيه، قال ابن السيد والأشبه عندي أن يكون أراد أن الإنسان جاهل بعواقب الأمور يدبر ليخونه التدبير.

ص: 78

كابن يعيش في شرح المفصل، والرضي في شرح الكافية وغيرهما.

لكن قال النقدة يروى عن اللاحقي أنه قال: "إن سيبويه سألني عن شاهد في تعدي "فعل" فعملت له هذا البيت".

وقد تصدى للرد عن سيبوبه في الطعن الوارد على هذا البيت الكثير من العلماء قال الأعلم في شرحه لهذا الشاهد: "وإن كان هذا صحيحا فلا يضر ذلك سيبويه لأن القياس يعضده"، وقال هارون بن موسى:"وإنما أراد اللاحقي بقوله: فوضعت له هذا البيت، فرويته له"، وقال ابن يعيش في شرح المفصل:"فإن سيبويه رواه عن بعض العرب وهو ثقة لا سبيل إلى رد ما رواه"، وبعدئذ فلا مجال للطعن على سيبويه.

2-

هم الفاعلون الخير والآمرونه

إذا ما خشوا يوما من الأمر معظما

3-

ولم يرتفق والناس محتضرونه

جميعا وأيدي المعتفين رواهقه

قال المبرد: "وقد روى سيبويه بيتين محمولين على الضرورة وكلاهما مصنوع، وليس أحد من المفتشين يجيز مثل هذه الضرورة لما ذكرت من انفصال الكناية، والبيتان اللذان رواهما سيبويه، وهم الفاعلون الخير، إلخ"1.

المراد من الكناية الضمير، وأول من استعملها في ذلك سيبويه، وتوجيه طعن المبرد على سيبويه أن الضمير لا يتصل بالوصف المثنى أو المجموع إلا إذا تجرد من النون اللاحقة في آخره حتى يحل محلها الضمير المتصل المضاف إليه، وذلك للتناوب بين النون والضمير، فإذا اقترنت بالوصف النون وجب انفصال الضمير عنه حينئذ، والنتيجة أن الجمع بينهما ممنوع، فكيف

1 راجع الكامل مع الرغبة جـ4 ص42 وما بعدها، والبيتان في سيبويه جـ1 ص96 ومعنى البيت الأول أنهم يفعلون الخير ويأمرون به وقت خشيتهم الأمر العظيم من حوادث الدهر فلا يمنعهم خوف الضرر عن الأمر بالمعروف، والثاني أنه لم يرتفق أي يتكئ على المرفق، وأيدي المعتفين طلاب المعروف، رواهقه: غاشية له قريبة منه، وذلك كناية عن اهتمام ممدوحه بقضاء حوائج الناس.

ص: 79

استباح سيبويه ذكر بتين اجتمع فيهما النون والضمير المتصل للضرورة مع أنهما مصنوعان؟

والذي يقتضي العجب أن المبرد يتجنى على سيبويه في هذا الانتقاد مع أن سيبويه نفسه قد صرح في البيت الأول أنه مصنوع وكذا في الثاني1، ونقل ذلك عنه ابن يعيش في شرح المفصل مبحث الإضافة اللفظية لأن صاحب المفصل ذكر الشطر الأول من البيت الأول للرد عليه، وكذا الرضي على الكافية، وقد استعرض اعتراض المبرد على البيتين وما قيل في دفع الاعتراض عليهما البغدادي في الخزانة في الشاهدين: السادس والتسعين والسابع والتسعين بعد المائتين.

4-

إذا ما الخبز تأدمه بلحم

فذاك أمانة الله الثريد2

استشهد بالبيت مرتين الأولى على رفع ما بعد إذا، والثانية على نصب أمانة بفعل مقدر، وتابعه في الاستشهاد به على الثانية الزمخشري في المفصل عند الكلام على حروف القسم، وابن يعيش في شرح المفصل في أوائل الكلام على القسم.

لكن قال النقدة: إن البيت مصنوع، والله أعلم بالحقيقة.

الأبيات المزيدة على الشواهد:

يرى المتأمل في شرح شواهد سيبويه للأعلم أبياتا مضافة إلى أبيات سيبويه، وقد تناولها الأعلم بالبيان لمعناها وموطن الشاهد فيها على غرار شرحه لأبيات الكتاب، غير أنه قبل ذكرها يعزوها لمنشدها في الباب المتحدث فيه ويعرض للغرض منها في الاستشهاد، ما خلا بيتين فيؤخذ منه نسبتهما لسيبويه لإطلاقه الإنشاد له على وفق طريقته في شواهده.

والأبيات المزيدة بلغت أحد عشر أكثرها من إنشاد الأخفش، فالمازني، ثم

1 عبارة سيبويه وقد جاء في الشعر فزعموا أنه مصنوع هم القائلون.

2 جـ1 ص434، جـ2 ص144.

ص: 80

الجرمي، والمبرد: ولهذا يحسن بعد ذكر البيتين المظنون نسبتهما لسيبويه سرد ما أنشده الأخفش في الكتاب مستقلا، وكذا المازني، وبعدهما أراعي ترتيب الكتاب في المبرد والجرمي.

البيتان المنسوبان له وهما في الجزء الثاني:

أتيت مهاجرين فعلموني

ثلاثة أحرف متتابعات

وخطوا لي أبا جاد وقالوا

تعلم صعفصا وقريسيات1

الأخفش في الجزء الأول:

فبيناه يشري رحله قال قائل

لمن جمل رخو الملاط نجيب2

وما مثله في الناس إلا مملكا

أبو أمه حي أبوه يقاربه3

ألم يأتيك والأنباء تنمي

بما لاقت لبون بني زياد4

فزججتها بمزجة

زج القلوص أبي مزاده5

المازني في الجزء الأول:

أتهجر ليلى بالفراق حبيبها

وما كان نفسا بالفراق تطيب6

وفي الجزء الثاني:

إن الفرزدق صخرة عادية

طالت فليس تنالها الأوعالا7

فما سبق القيسي من ضعف حيلة

ولكن طفت علماء غرلة خالد8

المبرد في الجزء الأول:

ثأرنا بها قتلى وما في دمائها

وفاء وهن الشافيات الحوائم9

1 ص36.

2 ص14 "البيت للسلولي".

3 ص14 "والبيت للفرزدق".

4 ص15 "والبيت لقيس بن زهير".

5 ص88.

6 ص108 "والبيت للمخبل السعدي".

7 ص356.

8 ص424 "للفرزدق".

9 ص94 "للفرزدق".

ص: 81

الجرمي في الجزء الثاني:

أرمي عليها وهي فرع أجمع

وهي ثلاث أذرع وأصبع1

وبعد فمما لا ريب فيه بين العلماء قاطبة أن سيبويه لم يحتج في كتابه إلا بأشعار من يستشهد بشعرهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين فلم يتجاوزهم إلى المحدثين، ولقد كان ذلك في تعليمه ودراسته وحجاجه، نعم روي أنه عاب على بشار صدر المحدثين كلمات له في أبيات، وبلغ عيبه لها بشارا، فقال يهجوه:

أسبويه يابن الفارسية ما الذي

تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ

أظلت تغني سادرا في مساءتي

وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ2

فتوقى شره بعدئذ، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له من شعر بشار شاهدا احتج به استنكافا لشره3.

ومن الحق البين أن الكتاب يحتاج إلى دراسة طويلة عميقة في البحث يضيق المقام عن استيفائها، وما أجدرها بسفر خاص!

تقدير الكتاب:

لقد دهش الناس عند ظهور الكتاب فجأة على صورته الرائعة الغريبة من سيبويه الشاب، فتسرب إلى نفوسهم الظن في أمانته العلمية، قال يونس:"أظن هذا الغلام كذب على الخليل" فقيل له وقد روى عنك أيضا، فاستحضر الكتاب ورأى ما نقله عنه صحيحا، فقال إنه صدق في جميع ما قال.

عظم شأن الكتاب في البصرة حتى صار علما بالغلبة، فكان إذا قيل في

1 ص308.

2 راجع الأغاني أخبار بشار جـ3 ص210 طبع الدار.

3 إن صحت هذه الرواية فاستشهاد سيبويه كان في أثناء الدرس فقط إذ لم يثبت في كتابه شواهد لبشار.

ص: 82

البصرة فلان يقرأ الكتاب فلا يفهم السامع سوى كتاب سيبوبه، بل سموه إكبارا له "قرآن النحو"، وهكذا كان الكتاب أعجوبة الدهر الخالدة فإنه منذ ألف استفرغ عناية العلماء به في الطواف حوله، فمن شارح له ومن شارح لشواهده ومن منتقد له واتخذوا حينا وضع كتاب جديد بعده، ولهذا كان يقول المازني:"ومن أراد أن يصنف كتابا واسعا في النحو بعد سيبويه فليستحي".

لم يقف العلماء فيه على عثرات شأن المؤلفات الضافية "لا في أسلوبه ولا في القواعد المسطورة" فيه، مع أن الكتاب باكورة في النحو، ومع كثرة الناظرين فيه، وحسبه في أسلوبه أن يتلقف ابن الطراوة غلطة واحدة فيه، ثم لم تسلم له مع هذا إلا تلك: هي أن سيبويه في الجزء الأول باب "ما تجري عليه صفة ما كان من سببه وصفة ما التبس به، إلخ" أجاب بكلمة نعم عن استفهام تقريري داخل على النفي مرتين إذ يقول: "قيل له: ألست تعلم أن الصفة. فإنه لا يجد بدا من أن يقول نعم. أفلست تجعل هذا العمل. فإنه قائل: نعم"1. والمعروف في "نعم" أنها جواب لما بعد الاستفهام، وهو خلاف المراد على ما هو واضح.

ودفع هذا التعقب ابن هشام في المغني مبحث "نعم" فقال: "وزعم ابن الطراوة أن ذلك لحن. ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب النفي بما يجاب به الإيجاب رعيا لمعناه. وعلى ذلك قول الأنصار رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: "ألستم ترون لهم ذلك قالوا: نعم" وعلى ذلك جرى كلام سيبويه، والمخطئ مخطئ".

ويكفيه في قواعده أن الزجاج لم يعثر إلا على غلطتين فيها: إحداهما اعتباره بناء "أي" الموصولة على الضم مع الإضافة وحذف صدر الصلة، قال ابن هشام في المغني مبحث "أي": "قال الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه

1 جـ1 ص227.

ص: 83

غلط إلا في موضعين هذا أحدهما فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت؟ ".

ومنذ ألف الكتاب ما فارقه النحو وما تخلف هو عنه بل كانا يقيمان معا ويرحلان معا، فطوف معه وانتقل من البصرة إلى الكوفة، ثم بغداد ثم الأندلس والشام ومصر، وسنذكر نبذة عنه إن شاء الله في الطور الرابع عند الكلام على علماء الأندلس، تتبين منها إقبال الأندلس عليه وتقديرها له، وبعبارة أخرى احتفاء المغاربة به بعد المشارقة، وفي خزانة الأدب للبغدادي الشاهد السابع والخمسين نبذة عن الكتاب.

ولقد قدر لهذا العبقري أن تكون منيته في أمنيته، حببت إليه التوجه إلى بغداد لمنازلة الكسائي الذي كان ينفس عليه ما نال من جاه كبير ومال وفير، ثقة منه بالظفر عليه، فتلاقى القرينان وجرت بينهما تلك المناظرة المشئومة التي سلف الكلام عليها، فخاب الأمل، وفارق سيبويه بغداد مقهورا، وعز على نفسه أن يعود إلى البصرة بعد هذا الخزي والخذلان، فاستقدم تليمذه أبا الحسن الأخفش في طريقه إلى بلده في فارس، وبث إليه حزنه، وما كاد يرد بلده حتى اشتدت علته، فمات في ريعان شبابه قبل جل شيوخه رحمه الله سنة 188هـ.

2-

اليزيدي: هو أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي مولى بني عدي، نشأ بالبصرة وتلقى عن "أبي عمرو بن العلاء وابن أبي إسحاق1 والخليل ويونس" وغيرهم، ثم اشتهر فضله فيها وعرف باللغة والنحو وأخبار الناس، وعرضت فتنة بالبصرة اقتضت اختفاءه عنها، ثم ظهر بعد في بغداد عند يزيد بن منصور الحميري خال المهدي فأدب أولاده ونسب إليه ولقب باليزيدي من هذا الحين، وسرى هذا اللقب في أولاده

1 في المزهر أن اليزيدي توفي سنة 202 "كما هنا" وله أربع وسبعون سنة فكيف يتلقى عن ابن أبي إسحاق المتوفى سنة 117، أو 129، كما سبق.

ص: 84