الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: علم النحو في المشرق وعلماؤه
إن بلاد المشرق لما منيت بهذا الخطب الجلل الذي أباد تراثها العلمي وأودى بحياة علمائها العاملين، دهشت طويلا من الأيام، وعشش عليها بوم الآلام، غير أن بعض علمائها في إبان الشدة والقسوة لأول عهد المغول نجوا بأنفسهم إلى حيث يأمنون في سربهم، فمنهم من وجدوا لهم مراغما 1 في الأرض وسعة، ومنهم من رضوا من الحياة الدنيا بالغذاء العلمي الروحي، ومن هؤلاء الرضي الذي ولى وجهه شطر الحرمين ونعم بجوار الحرم المدني وألف كتابه المشهور الذي سجل له على النحو فضل الأبد، وستقف على شأنه عند التعريف به في ترجمة الرضي.
نعم لما أسلم بعض سلائل التتر في أخريات أيامهم، وقد ناهضتهم الدول العثمانية أولا ثم الدولة الصفوية ثانيا التفت بعض سلاطينهم وأولي الشأن فيهم إلى وجوب استجلاب مودة الشعوب المملوكة استبقاء لملكهم فتوددوا للعلماء وأهابوا بهم في القيام بما يعود على البلاد بالنفع والخير، ولعل من أكبرهم مظهرا في ذلك سلطان هراة "السلطان حسين"، فقد غمر الجامي بما جعله لا يصوب نظره إلى سلطان آخر في إقليم آخر رغم استزارته من كثير من سلاطين ذلك الوقت كما سترى في ترجمته.
كذلك الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وهما دولتان إسلاميتان ناشئتان
1 المراغم: المذهب والمهرب.
يحفزهما الدين إلى إحاطة العلماء بالتكريم، والعلماء حفظة الدين ولغة الدين. على كل حال كان طبعيا وحتما مقضيا على هذه الدول أن تصانع شعوبها وتتقرب إلى خواصها للتنافس بينها. والشعوب العربية تواقة إلى استرجاع مجدها الحائل واللغة عندهم عنوان المجد وسبيل الإبقاء على الدين، فلا ريب أنهم عندما تنقشع سحب الاضطرابات وتسكن الثورات يكون أول هم الخواص فيهم أن ينتشروا ما اندرس فيهم مما كادت تذهب الحوادث بأصوله، حقا لقد شعر العلماء بواجبهم إزاء كارثة بغداد التي اجتاحت ثروتهم العلمية، ولولا بقية مما في صدورهم لذهبت وانطمست معالمها، والنحو معبر العلوم فهو أجدرها بالجد والنشاط كما كان أسبقها في التكوين، إلا أن العلماء لم يستطيعوا استعادة مجده القديم في هذه البلاد ذلك الحين لأمرين:
الأول: أن الشغب كان منتشرا في جميع ربوع البلاد الشرقية فالنفوس قلقة والأفكار متبلبلة، والعلم إنما يترعرع في كنف السكون والاستقرار.
الثاني: أن هذه الدول لم تحن على اللغة من أعماق قلوبها لأنها ليست عربية تغار على لغة أصلها، فالتتر إن حدبوا عليها في آخر عهدهم فلاسترضاء شعوبهم، والترك بالطبيعة لا يؤثرونها على لغتهم وستعرف في الفصل الثالث أنهم فرضوها على القطرين بعد فتحهما، والدولة الصفوية كانت تؤثر الفارسية عليها، لكن علماء المشرق مع هذا كله لم يألوا في النهوض بواجبهم في النحو لأنهم نشئوا في المشرق مهد اللغة العربية وعلومها، والبيئة غلابة في توجيه المرء مدة حياته، والنحو أساس اللغة العربية، بيد أنه لا يخفى أن علماء المشرق في العهد المغولي فما بعده يختلف حالهم عن علمائهم قبله، وبعبارة ثانية يختلف حال النحاة بعد سقوط بغداد عن حالهم قبله، فإن السابقين على سقوط بغداد لم يدركهم المذهب الأندلسي، الذي أدرك من كان من المشارقة بعد سقوط بغداد في بلادهم ولذلك عرضت مؤلفات علماء العهد المغولى وما بعده إلى المذهب الأندلسي فالمذاهب التي يفاضلون بينها أربعة:"البصري والكوفي والبغدادي والأندلسي"، بينما أولئك كانوا يوازنون
بين الثلاثة الأولى. هذا؛ والحقيقة الناصعة أن مؤلفات النحويين في هذا العهد وإن أتقن ضبطها وأحكم ترتيبها إلا أن تأثير البيئة العجمية في المؤلفين على اتساع آفاقهم في مداركهم وقوة بداهتهم جعلت كتبهم على شرق موضوعها وجلال مباحثها صعبة التناول ضعيفة الأثر في تقدم اللسان العربي لما حشيت به من الفلسفة القديمة في تبيان قواعدها والأسلوب المنطقي في توجيهها، وما للسان العربي بذلك من صلة على ما لا يخفى، ومن البدهي أن الحديث عن المشارقة بعد سقوط بغداد يقتضي "بعد ترك العراق العربي الذي انتهى أمره وانقضى الحكم فيه" التطواف والسيحان في "خراسان والهند والسند وإيران والبلاد العثمانية" في هذه الحقبة الممتدة، وفي تلك الأقاليم أعلام مشاهير سارت بذكرهم الركبان، ولهم آثارهم التي تعنو لها الجباه، فالتلبية لهذا الاقتضاء ينوء بحملها الكاهل، فكل إقليم يتطلب سفرا وحده في تراجم علمائه، والحاجة عندنا يجزئ فيها الاقتصار على قليل منهم، على أننا لا نعرض إلا لمن غلب عليه النحو واتسم به ممن لهم آثار بين أيدينا وتردد الكتب أسماءهم فلا نذكر أمثال السعد والسيد والعضد، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، فدونك أشهر المشارقة مرتبين على حسب وفياتهم.
أشهر نحاة المشرق:
1-
ابن إياز: هو أبو محمد الحسين جمال الدين بن بدر، نشأ ببغداد وتلقى عن سعد بن أحمد البياني وقرأ على التاج الأرموي، وكان حسيبا دمث1 الأخلاق، ومن مصنفاته النحوية: المحصول في شرح الفصول "شرح فصول ابن معط" وشرح الضروري لابن مالك، والإسعاف في مسائل الخلاف، ومضت كلمة عن هذا الكتاب عند الحديث عن نتائج المخالفة بين المذهبين "البصري والكوفي"، توفي ببغداد سنة 681هـ.
2-
الرضي: هو محمد بن الحسن نجم الملة والدين الأستراباذي،
1 سهل.
هجر بلاد المشرق وأقام بالمدينة المنورة وألف شرحه على الكافية لابن الحاجب في النحو، وله شرح ألفه بعد على الشافية لابن الحاجب أيضا في الصرف وأعجب العجب أن هذا الإمام التعلامة1 يفوت على أصحاب المعجمات الإفاضة في ترجمته، فلم ندر متى وأين ولد ونشأ؟ وأين كانت مراحل حياته؟ وكم مؤلفاته وفيم كانت؟ ومتى وأين كانت وفاته على التحقيق؟ ومن تلقى عنهم؟ ومن تخرج على يديه؟ ومما يزيد الأسف عدم معرفتهم اسمه، فإن السيوطي وهو من متأخري أصحاب المعجمات المعنيين بالتراجم اضطر إلى ذكره في بغية الوعاة "حرف الراء" اكتفاء بشهرة لفظ "الرضي" وقال في ترجمته ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته" ثم قرظ شرحه للكافية بما فيه الكفاية وأشار إلى شرحه للشافية، نعم إن البقاعي المعاصر للسيوطي في "مناسبات القرآن" قد ذكر اسمه لمناسبة الكلام على تاريخ شرح الكافية.
أما بعد فإن المحقق البغدادي في مقدمة خزانة الأدب قد جمع نتفا متفرقة من المصدرين السابقين ومن غيرهما فيها إلمام إجمالي بترجمة الرضي والتنويه بشرحه للكافية وإن لم تف بالمقصود، وبحسبنا في تقدير الرضي علميا وأنه حجة عصره غير منازع ما خلفه من "شرحي الكافية والشافية" وهم الكتابان اللذان لم يتركا شيئا من الفنين إلا أوفياه حقه وكشفا النقاب عن سره "فليس وراء عبادان قرية"، ومن الواجب أن نذكر نبذة خاصة عن شرح الكافية فإنما نحن بصدد النحو.
شرح الرضي على الكافية:
هذا الشرح قد جمع بين دفتيه قواعد النحو وأسرارها بابتكار يدل على تعمق في النحو واستكشاف لمخبآته وإحاطة بأوابده، ويعجبني منه ولوعه بضم الأنواع في محاولاته التي يعني فيها بلم أطراف الكلام الذي يراد التقعيد
1 العالم جدا.
له، حتى لا يدع بابا إلا قضى وطر العلم فيه، هذا من ناحية التأليف، أما من ناحية الفن فإنه ليس في شرحه جماعا وإنما هو الفيصل تستحكم الفكرة عنده فيبرزها مدعومة بالدليل النقلي والنظري غير متحيز إلى مذهب خاص من المذاهب الأربعة السابقة وإن كان في الجملة بصري الاتجاه، فقد يرتضي مذهب الكوفيين أحيانا إذا صح لديه حكمته، وإليك أمثلة مما رأى قربه إلى الصواب فيها على ترتيب الشرح.
من الأمثلة التي رأى قرب المذهب الكوفي فيها للصواب:
1-
يرى الكوفيون شرطية "أن" المدغمة في "ما" في النحو: أما أنت منطلقا انطلقت قال: "ولا أرى قولهم بعيدا من الصواب لمساعدة اللفظ والمعنى إياه إلخ"1.
2-
يرون الضمير في "أنت" وأخواته "التاء" وفي "إياك" وأخواته "الكاف" قال: "وما أرى هذا القول بعيدا من الصواب في الموضعين"2.
3 يرون المصدر المنسبك من أن والفعل في نحو: يعجبني زيد أن يقوم بدل اشتمال من الاسم الظاهر، قال "والذي أرى أن هذا وجه قريب"3.
على أنه قد يبدو له ابتكار جديد يخرج به على كل النحاة، عماده في ذلك استقلال الرأي ورجاحة الحجة، وإني أسوق إليك بعض أمثلة من هذا النوع على ترتيب الشرح أيضا.
1 حذف كان.
2 المضمر.
3 أفعال المقاربة.
من الأمثلة التي خالف فيها النحاة:
1-
مخالفته في اشتراط أصالة الصفة في منع الصرف فقال: "وأنا إلى الآن لم يقم لي دليل قاطع على أن الوصف العارض غير معتد به في منع الصرف إلخ"1.
2-
مخالفته في عدهم عطف البيان نوعا مستقلا في التوابع، ورأى إدماجه في بدل الكل فيقول:"وأنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان بل لا أرى عطف البيان إلا البدل إلخ"2.
3-
مخالفته في اعتبارهم فعال معدولة عن فعل الأمر، فقال:"والذي أرى أن كون أسماء الأفعال معدولة عن ألفاظ الفعل شيء لا دليل عليه والأصل في كل معدول عن شيء ألا يخرج من نوع المعدول عنه أخذا من استقراء كلامهم، فكيف خرج الفعل بالعدل من الفعلية إلى الإسمية"3.
4-
مخالفته في تعميمهم المنع في الثلاثة الآتية: تقدم معمول المصدر عليه والفصل بينه وبين معموله بأجنبي وحذفه مع بقاء معموله، ورأى جوازها مع الظرف والجار والمجرور، فقال:"وأنا لا أرى منعا من تقدم معموله عليه إذا كان ظرفا أو شبهه، ويجوز الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، وكذا يجوز إعماله مضمرا مع قيام الدليل"4.
5-
مخالفته في جعلهم الصفة المشبهة موضوعة للدوام، ورأى أنها موضوعة لمجرد الثبوت، فقال:"والذي أرى أن الصفة المشبهة كما أنها ليست موضوعة للحدوث في زمان ليست أيضا موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة لأن الحدوث والاستمرار قيدان في الصفة ولا دليل فيها عليهما إلخ"5.
1 غير المنصرف.
2 البدل.
3 أسماء الأفعال.
4 المصدر.
5 الصفة المشبهة.
6-
مخالفته في "إذن" فليست بحرف ناصب للمضارع كما يقول البصريون وبعض الكوفيين ولا "اسم" أصله "إذا" والنصب بعده بأن مضمرة بعدها بأن مضمرة، ولهذا قال:"الذي يلوح لي في إذن ويغلب في ظني أن أصله إذ إلخ"1.
7-
مخالفته في جعلهم فاء السببية وواو المعية عاطفتين المصدر المسبوك من الناصب المحذوف والمضارع على المصدر المتصيد من الكلام قبلهما، ورأى أن الفاء لمحض السببية والواو للحال أو بمعنى مع فقط2.
وفي الكتاب أمثلة كثيرة من هذا الطراز لمن شاء أن يستزيد، ومن البدهي أن من بلغ هذا الحد فقد وصل إلى العنقود.
نعم قد يتحاشى الخروج على الإجماع مع لمحه أسباب النزوع عنه، فقد انقدح عنده استحسان ادعاء البناء للمضارع المجزوم لولا إجماعهم، فقال:"ولولا كراهة الخروج عن إجماع النحاة لحسن ادعاء كون المضارع المسمى مجزوما مبنيا على السكون إلخ"3.
بقي أن تعرف مسلكه في الكتاب من حيث الاستشهاد، وهذا أمر جدير بالنظر لأن الشاهد في علم النحو هو النحو، ومن المعروف أن الشاهد إما نثر أو نظم وليس كل نثر أو نظم مما يصح في علم النحو الاعتماد عليه كما بسطه تفصيلا البغدادي في مقدمة خزانة الأدب بما فيه المقنع.
شواهده:
إن قارئ الكتاب من أوله إلى آخره يقف على شواهد نثرية مستفيضة من القرآن الكريم وكلام العرب المعترف بالاحتجاج بهم والحديث الشريف
1 نواصب المضارع.
2 المبحث السابق.
3 الفعل وعلاماته.
وقول الإمام علي كرم الله وجهه، وشواهد شعرية.
الشواهد النثرية:
أما القرآن وكلام العرب فكثر ما استشهد بهما وهو في ذلك موافق للنحاة القدامى والمتأخرين قبله فليس ثمة داع إلى ذكر نصوصهما في الكتاب.
وأما الحديث: فقد استدل به كثيرا أيضا حتى على غير القواعد، وقلما تقرأ بابا في الكتاب إلا رأيت الحديث فيه. تقرأ من أول الكتاب أنواع الإعراب فيستشهد على معنى المعرب بقوله صلى الله عليه وسلم "الثيب يعرب عنها لسانها"، ثم تقرأ باب غير المنصرف فسيشهد على الصرف للتناسب بالنظير بقوله:"خير المال سكة مأبورة وفرس مأمورة"1.
وعلى صيغة الجمع المنتهي بقوله: "إنكن صواحبات يوسف" وعلى وزن الفعل بقوله "إن الله نهاكم عن قيل وقال"، ثم تقرأ باب الفاعل فيستشهد على الحصر بقوله "إنما الأعمال بالنيات وإنما الولاء للمعتق" و:"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، ثم تقرأ باب الاختصاص فيستدل على قيام الاسم المضاف الدال على المراد من الضمير مقام أي بقوله:"إنا معاشر الأنبياء فينا بَكَاء"، أي قلة كلام، وهلم جرا، والرضي في الاستدلال بالحديث متابع لابن مالك قبله.
وأما قول علي كرم الله وجهه فإن الكتاب ممتلئ به مع النسبة في بعض الأحيان إلى نهج البلاغة، ويكفيك لتقدير ثقة الرضي بكلام الإمام ما ذكره عند التمهيد على الاستدلال لورود إذ بعد بينا في "في باب الظروف" إذ
1 السكة: السطر من النخل، والمأبورة: الملقحة، والمأمورة: كثيرة النسل من آمر المزيد بحرف فكان حقها مؤمرة لولا الإتباع، وهذا ما قاله القالي أيضا في الأمالي جـ1 ص103، ولكن البكري في التنبيه على أوهام القالي فند مراعيا أن الفعل الثلاثي مؤد هذا المعنى راجع التنبيه ص42 "وكتب اللغة تؤيد البكري".
يقول: "ألا ترى قول أمير المؤمنين رضي الله عنه وهو هو من الفصاحة بحيث هو: بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته"1.
فلا عجب أن يلجأ إليه في عدة أبواب. يقول في حذف الخبر وجوبا "وفي نهج البلاغة: وأنتم والساعة في قرن واحد، وقريب منه قول أمير المؤمنين علي -رضى الله عنه-: فهم والجنة كمن رآها"، وفي باب المفعول المطلق لمناسبة جواز ذكر العامل وحذفه يقول:"وفي نهج البلاغة في الخطبة البكالية: نحمده على عظيم إحسانه ونير برهانه ونوامي فضله وامتنانه حمدا يكون لحقه أداء"، وفي باب المفعول له استدلال على عدم لزوم التشارك بين الفعل والمفعول في الفاعل يقول:"والدليل على جواز عدم التشارك قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في نهج البلاغة: فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية، والمستحق للسخطة إبليس والمعطي للنظرة هو الله تعالى" والكلام في الشيطان، وهكذا استرسل الرضي في الكتاب والرضي في الاستدلال بكلام الإمام غير مسبوق، ولم أقف على شيء في ترجمة الرضي أتلمس منه هذه الوجهة الجديدة أترجع إلى أنسب أم إلى التشييع؟ وأيا ما كان فإن الإمام لا نكران في صحة الاستشهاد به.
الشواهد الشعرية:
وأما الشعر فقد دعم الرضي القواعد بالشواهد الشعرية أيضا فذكر في كتابه سبعا وخمسين وتسعمائة، والمستقرئ لها يتبين أن أكثرها للجاهلين والمخضرمين والإسلاميين ممن يستشهد بكلامهم سواء منها ما عرف قائلها وما لم يعرف، فإن مصدر المجهول القائل إما سيبويه في أبياته الخمسين المعدودة ولا ريب في خلو الكتاب من المحدثين، وإما من بعده من الرضي
1 هذه الجملة المذكورة من الخطبة الشقشقية المعروفة، يتعجب من أبي بكر في استقالته من الخلافة أول الأمر مع حرصه آخر حياته على عقدها لعمر، وقد ذكر بعضها في نهج البلاغة.
ممن جزم العلماء بحظرهم 1 الاستشهاد بهم، وقليلا منها للشعراء المحدثين الذين لا يعتمد للنحاة بهم في قواعدهم.
هذا؛ وقد ساق الرضي قليلا من الشعر لمناسبات معنوية لا علاقة لها بالقواعد، وإن أرتنا سعة اطلاعه في الأدب بما لم يتح لنحوي غيره.
فمن هذا في باب المبتدأ والخبر لتوجيه تقديم المبتدأ على الخبر في نحو "سلام عليكم" قوله إن تقديم الخبر ربما يتسرب منه الدعاء عليه قبل المبتدأ، ونظير ذلك أن أبا تمام لما أنشد في مطلع قصيدة مدح أبي دلف العجلي:
على مثلها من أربع وملاعب
…
تُذال مصونات الدموع السواكب
قال بعض الحاضرين قبل نطقه بالشطر الثاني: "لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" فانخذل أبو تمام عن إتمام الإنشاد.
ومنه في باب التنازع عند ذكر رأي الكسائي الموجب حذف الفاعل من الأول عند إعمال الثاني خوف الإضمار قبل الذكر، مع أن الحذف أشنع من الإضمار قبل الذكر، قوله: فحال الكسائي "سعيد بن حسان" إذ يقول:
فكنت كالساعي إلى مثعب2
…
موائلا3 من سبل4 الراعد
ومنه في باب المفعول به لمناسبات حذف الفعل جوازا ووجوبا في قولهم: "انته أمرا قاصدا" قوله: القصد خلاف القصور والإفراط كقول الشاعر:
ولا تك فيها مفرِطا أو مفرِّطا
…
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
ومنه في باب أسماء الأصوات عند الكلام عليه "ويلُمِّهِ" وأن الدعاء
1 الحظر: الحجر وهو ضد الإباحة.
2 مسيل الوادي.
3 لاجئا.
4 السبل بفتحتين المطر وهذا المعنى شبيه بقولهم كالمستجير من الرمضاء بالنار.
على حد: قاتله الله عند التعجب قوله: فإن الشيء إذا بلغ الكمال يدعى عليه صونا له عن عين الكمال، كما قال جميل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى
…
وفي الغر من أنيابها بالقوادح1
وهكذا؛ وليس في مثل هذا النوع من مؤاخذة على الرضي، إنما المؤاخذة عليه في استشهاده بشعر المحدثين، والنحاة لا ينظرون إليه في اتخاذه أساسا للقوانين النحوية، وقد ذكر منه مقدارا كبيرا سأذكر لك بعضا منه على سبيل الشرح مكتفيا به عن الباقي لسهولة الوقوف عليه.
من شواهد الشعراء المحدثين:
قد استشهد رحمه الله في باب الفاعل بقول أشجع السلمي2:
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم
…
على أحد إلا عليك النوائح
وفي المبتدأ والخبر بقول أبي نواس:
غير مأسوف على زمن
…
ينقضي بالهم والحزن
وبقول أبي تمام الطائي:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
…
وأري الجني اشتارته أيد عواسل
وفي باب الحال بقول بشار:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها
…
خرجت مع البازي عليّ سواد
وبقول أبي الطيب المتنبي:
قبلتها ودموعي مزج أدمعها
…
وقبلتني على خوف فما لفم
بدت قمرا ومالت خوط بان
…
وفاحت عنبرا ورنت غزالا
وفي باب اسم الفعل بقول ربيعة الرقي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
…
يزيد سليم والأغر بن حاتم
1 جمع قادح: وهو أكال يقع في الأسنان، كما يقع في الشجر.
2 كان معاصرا للرشيد، والبيت من قصيدة في ديوان الحماسة جـ2 ص329.
ولا ريب أن استشهاده بالمحدثين إحدى الهنات الملاحظة عليه.
انتقاد هين:
الواقع أن الكتاب برهان حق على عبقرية صاحبه وإذا ما تشبثنا بالملاحظات الطفيفة فإنا لا نعدم العثور على شيء منها، ولا بأس لسرد بعض منها الآن فدونكها "الأولى" استشهاده بالمحدثين "الثانية" أنه ربما لاح له تعقب ابن الحاجب في الكافية فلا يبالي التشهير "ورب لائم مليم" فانظر إلى عبارته في رده عليه تجويزه دخول "مِنْ" على تمييز كم الاستفهامية إذ يقول "فلم أعثر عليه مجرورا بمن لا في نظم ولا نثر ولا دل على جوازه كتاب من كتب النحو ولا أدري ما صحته؟ "، ولهذا كان حسنا من السعد في المطول رده على الرضي بشاهد فيه التلميح البديع وهو قوله تعالى:{سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} 1 "الثالثة" أنه اعتبر قياسية تاء الوحدة في الفرق بين الآحاد والأجناس في المخلوقات والمصادر كتمر وضرب فقال في باب المذكر والمؤنث "وهو قياسي في كل واحد من الجنسين المذكورين أعني المخلوقة والمصادر" ثم هو بعد هذا ناقض نفسه إذ يقول في شرحه على الشافية أواخر باب جمع التكسير "وليس أسماء الأجناس التي واحدها بالتاء قياسيا إلا في المصادر نحو ضربة وضرب إلخ".
على أن تلك الهنات تتلاشي تجاه المحاسن التي انطوى عليها ذلك الشرح، وقد تم تأليفه كما قال الرضي في ختامه في شوال سنة ست وثمانين وستمائة، وللسيد الشريف على الجرجاني تعليقات على الشرح جمعت بين الوجازة والإفادة، وقد نال هذا الشرح الإعجاب منذ شع نوره في المشرق، ولم ينبثق نوره في مصر إلا أخيرا.
1 سورة البقرة، الآية:211.
ظهوره بمصر:
من العجب العاجب أن يطول الأمد على اختفاء هذا الشرح النفيس بعد تأليفه عن نحاة مصر، فلا يدخل مصر إلا بعد ابن هشام المتوفى سنة 761هـ. قال البقاعي إبراهيم بن عمر المتوفى سنة 885هـ، في كتابه مناسبات القرآن "ولم ينقل الشرح من العجم إلى الديار المصرية إلا بعد أبي حيان وابن هشام"1.
وإني لأعلم غير ظان أنه مع نقله إلى مصر بعد ابن هشام لم تتداوله الأيدي العامة وإن قليلا من العلماء اطلع عليه فلم يتيسر لكثيرهم السماع به، بله الوقوف عليه، فالأشموني المتوفى سنة 929هـ لم يذكر الرضي مرة واحدة في شرحه، والأشموني أولع المؤلفين بجمع المعلومات والقائلين لها في شرحه، وستعرف هذا عند التعريف بجميع المعلومات والقائلين لها في شرحه، وستعرف هذا عند التعريف بشرح الأشموني، فمما لا شك فيه أن شرح الرضي حرمت منه مصر طويلا، إذ الكتب النحوية التي تعتمد عليها مصر إنما هي مؤلفات ابن الناظم وابن هشام وابن عقيل والأشموني، وهي خالية من كل جزئية علمية لها اتصال بذكر الرضي، ولم يجد البحث الطويل الذي بذلته لمعرفة الوقت الذي تناولته الأيدي في مصر ولو على سبيل التقريب، ومن اليقين أن الأيام لو تقدمت بظهور شرح الرضي لارتشف منه هؤلاء المؤلفون المتدارسة، كتبهم بأيدينا وعليها اعتمادنا من مناهله السائغة العذبة، والذين اعتادوا في الأحكام محاولة ضم كل شيء إلى لِفْقِهِ، وازدادوا في تنقيح عللها وما وسعتهم الفكرة توفي الرضي سنة 688هـ.
3 الكافيجي: هو أبو عبد الله محمد بن سليمان، ولد في بلدة "ككجة كي" من آسيا الصغرى ثم ارتحل إلى فارس فسمع من الفنري وغيره، واشتهر بالكافيجى لملازمته "كافية" ابن الحاجب، ثم هبط مصر وفيها نبه قدره ودان له العلماء في متنوع الفنون، فازدحم الطلاب على دروسه طبقة
1 نقلها البغدادي في مقدمة الخزانة "الأمر الثالث".
بعد أخرى، وصنف كثيرا، من أنفس مصنفاته في النحو شرح "القواعد الكبرى" لابن هشام توفي بالقاهرة سنة 879هـ1.
4-
الجامي: هو أبو ضياء الدين عبد الرحمن نور الدين بن أحمد نظام الدين، ولد في قرية خرجرد من قرى جام "ولاية بخراسان" وانتقل مع والده صغيرا إلى هراة، فشب معروفا بالجامي، وتلقى بالمدرسة النظامية في هراة عن السمرقندي وشهاب الدين الحاجري وغيرهم، ثم طمحت نفسه إلى الازدياد في العلم، فتوجه إلى سمرقند، وسمع من قاضي زاده الرومي الذي أطراه كثيرا، وتنبأ عن أمل فيه كبير، وهنا طارت شهرته في المشرق، فقفل إلى هراة، ودنا من قلب سلطانها أبي الغازي السلطان حسين مرزا آخر سلاطين بني تيمور المتوفى سنة 911هـ، وطوفت سمعة الجامي حتى رغبت السلاطين في لقياه، ولهذا لما سافر إلى الحج أرسل له السلطان محمد الفاتح العثماني يستزيره بعد عودته من الحج غير أنه اعتذر رغبة في سرعة العودة إلى هراة كما كاتبه ابنه السلطان بايزيد الثاني، فقد آثر الإقامة الممتعة في هراة في ظلال السلطان حسين، ولقد خلف الجامي مؤلفات شتى في متنوع الفنون ومن آثاره النحوية شرحه على كافية ابن الحاجب وسماه "الفوائد الضيائية""نسبة لولده ضياء الدين"، والشرح صغير الحجم كبير المادة، ومن أبسط المسائل فيه مسألة الكحل وباب "لو" ونقل فيه كثيرا عن شرح الرضي للكافية مع عزو النقل إليه، وللإقبال على شرح الجامي عني العلماء به، فعليه حاشية لمحرم مات قبل إكمالها إذ وصل فيها إلى بدل الكل من الكل فأكملها الأنصاري، وحاشية للبسنوي، وحاشية لعصام الدين، وحاشية لمحمد عصمة الله، توفي الجامي بهراة سنة 898هـ2.
1 ترجمته في الضوء اللامع والبغية وحسن المحاضرة والشذرات والبدر الطالع.
2 ترجمته في الشقائق "الطبقة السابعة. السلطان محمد"، والشذرات، والبدر الطالع.