الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كتاب النكاح]
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب النكاح النكاح مشروع، أمر الله به ورسوله، فقال تعالى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] . وقال سبحانه: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء»
وقال عليه السلام: «إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» . وقال سعد بن أبي وقاص: «لقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أحله له لاختصينا» . متفق عليهما، والتبتل: ترك النكاح.
وقد روي عن أحمد: أن النكاح واجب. اختاره أبو بكر لظاهر هذه النصوص فظاهر المذهب أنه لا يجب إلا على من يخاف بتركه مواقعة المحظور، فيلزمه النكاح؛ لأنه يجب عليه اجتناب المحظور، وطريقه النكاح. ولا يجب على غيره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] ولو وجب لم يعلقه على الاستطابة. والاشتغال به أفضل من التخلي للعبادة، لظاهر الأخبار. فإن أقل أحوالها الندب إلى النكاح، والكراهة لتركه. إلا أن يكون ممن لا شهوة له، كالعنين والشيخ الكبير، ففيه وجهان:
أحدهما: النكاح له أفضل؛ لدخوله في عموم الأخبار.
والثاني: تركه أفضل؛ لأنه لا يحصل منه مصلحة النكاح، ويمنع زوجته من التحصن بغيره، ويُلزم نفسه واجبات وحقوق لعله يعجز عنها.
فصل:
ولا يصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع، ولا يصح نكاح
العبد بغير إذن مولاه، لما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر» رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن؛ ولأنه ينقص قيمته، ويوجب المهر والنفقة، وفيه ضرر على سيده، فلم يجز بغير إذنه كبيعه. وعنه: أنه يصح ويقف على إجازة مولاه، بناء على تصرفات الفضولي، ويجوز نكاحه بإذن مولاه؛ لدلالة الحديث، ولأن المنع لحقه فزال بإذنه.
فصل:
ومن أراد نكاح امرأة فله النظر إليها، لما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» رواه أبو داود.
وينظر إلى الوجه؛ لأنه مجمع المحاسن، وموضع النظر، وليس بعورة وفي النظر إلى ما يظهر عادة من الكفين والقدمين، ونحوهما روايتان:
إحداهما: يباح؛ لأنه يظهر عادة، أشبه الوجه.
والثانية: لا يباح لأنه عورة، أشبه ما لا يظهر، ولا يجوز النظر إلى ما لا يظهر عادة؛ لأنه عورة، ولا حاجة إلى نظره، ويجوز النظر إليها بإذنها، وبغير إذنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق النظر، فلا يجوز تقييده. وفي حديث جابر قال: فخطبت امرأة، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها.
وليس له الخلوة بها؛ لأن الخبر إنما ورد بالنظر، فبقيت الخلوة على أصل التحريم. ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى ما عدا عورتها، للحاجة إلى معرفتها، ويجوز للرجل النظر إلى وجه من يعاملها لحاجته إلى معرفتها؛ للمطالبة بحقوق العقد. ويجوز ذلك عند الشهادة للحاجة إلى معرفتها للتحمل والأداء. ويجوز للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى مداواته، من بدنها حتى الفرج؛ لأنه موضع ضرورة، فأشبه الحاجة إلى الختان.
فصل:
وله أن ينظر من ذوات محارمه، إلى ما يظهر غالباً، كالرأس، والرقبة، والكفين والقدمين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] وقال تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ} [الأحزاب: 55] . وذات المحرم: من تحرم عليه على التأبيد، بنسب أو سبب مباح، كأم الزوجة وابنتها، فأما أم المزني بها والموطوءة بشبهة، وبنتها فلا يباح النظر إليها؛ لأنها حرمت بسبب غير مباح، فلا تلحق بذوات الأنساب. وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها؛ لأنها لا تحرم عليه على التأبيد، لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالباً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] وروت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي فلتحتجب منه» رواه الترمذي. وقال: حديث صحيح. وفيه دلالة على أنها لا تحتجب منه قبل ذلك؛ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لحاجتها لخدمته، فأشبه ذا المحرم.
فصل:
ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31] .
وفي المميز روايتان:
إحداهما: هو كالبالغ لهذه الآية. والثانية: هو كذي المحرم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: 58] إلى قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النور: 58] ثم قال: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] ففرق بينه وبين البالغ. وحكم الطفلة التي لا تصلح للنكاح مع الرجال حكم الطفل من النساء، والتي صلحت للنكاح، كالمميز من الأطفال، لما روى أبو بكر بإسناده: «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في ثياب رقاق، فأعرض
عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه» .
فصل:
والعجوز التي لا تُشتهى مثلها يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور: 60] . قال ابن عباس استثناهن الله تعالى من قوله: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31] ؛ ولأن ما حرم من النظر لأجله معدوم في حقها، فأشبهت ذوات المحارم. وفي معناها: الشوهاء التي لا تُشتهى. ومن ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو مرض، أو تخنيث فحكمه حكم ذي المحرم في النظر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور: 31] أي الذي لا إرب له في النساء، كذلك فسره مجاهد، وقتادة ونحوه عن ابن عباس رضي الله عنه. قالت عائشة رضي الله عنها:«دخل على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة قال: "إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا؟ ! لا يدخلن عليكم هذا» رواه أبو داود؛ فأجاز دخوله عليهن حين عده من غير أولي الإربة، فلما علم ذلك منه حجبه.
فصل:
ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه، وكذلك السيد مع أمته المباحة له؛ لأنه أبيح له الاستمتاع به، فأبيح له النظر إليه، كالوجه. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:«قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منا وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» .
ويكره النظر إلى الفرج؛ فإن زَوَّجَ أمتَه حرم النظر منها إلى ما بين السرة والركبة،
لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة» رواه أبو داود.
فصل:
فأما الرجل مع الرجل فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة؛ لأن تخصيص العورة بالنهي دليل على إباحة النظر إلى غيرها.
ويكره النظر إلى الغلام الجميل؛ لأنه لا يأمن الفتنة بالنظر إليه، والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل، والمسلمة مع الكافرة كالمسلمتين، كما أن المسلم مع الكافر كالمسلمين. وعنه: إن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية، ولا تدخل معها الحمام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور: 31] فتخصيصهن بالذكر يدل على اختصاصهن بذلك.
فصل:
وفي نظر المرأة إلى الرجل روايتان:
إحداهما: يحرم عليها من ذلك ما يحرم عليه، لما روت أم سلمة قالت:«كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة، فاستأذن ابن أم مكتوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتجبن منه فقلت: يا رسول لله، ضرير لا يبصر. فقال: أفعمياوان أنتما، ألا تبصرانه» أخرجه أبو داود وقال النسائي: حديث صحيح.
والثانية: يجوز لها النظر منه إلى ما ليس بعورة، لما روت فاطمة بنت قيس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك فلا يراك» وقالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» . متفق عليهما، وهذا أصح. وحديث أم سلمة يحتمل أنه خاص