المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب شرائط النكاح] - الكافي في فقه الإمام أحمد - جـ ٣

[ابن قدامة]

فهرس الكتاب

- ‌[كتاب النكاح]

- ‌[باب شرائط النكاح]

- ‌[باب ما يحرم من النكاح]

- ‌[باب الشروط في النكاح]

- ‌[باب الخيار في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[كتاب الصداق]

- ‌[باب ما يستقر به الصداق وما لا يستقر وحكم التراجع]

- ‌[باب الحكم في المفوضة]

- ‌[باب اختلاف الزوجين في الصداق]

- ‌[باب الوليمة]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب القسم بين النساء]

- ‌[باب النشوز]

- ‌[كتاب الخلع]

- ‌[فصل في حكم الخلع]

- ‌[فصل في ألفاظ الخلع]

- ‌[فصل في بيان عوض الخلع]

- ‌[فصل في التوكيل في الخلع]

- ‌[فصل في اختلاف الزوجين في الخلع]

- ‌[كتاب الطلاق]

- ‌[باب صريح الطلاق وكنايته]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب ما يختلف به حكم المدخول بها وغيرها]

- ‌[باب الاستثناء في الطلاق]

- ‌[باب الشروط في الطلاق]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[كتاب الرجعة]

- ‌[فصل في ألفاظ الرجعة]

- ‌[كتاب الإيلاء]

- ‌[فصل في شروط صحة الإيلاء]

- ‌[فصل في حكم تعليق الإيلاء على شرط]

- ‌[كتاب الظهار]

- ‌[فصل في حكم تأقيت الظهار]

- ‌[باب كفارة الظهار]

- ‌[فصل في شروط الرقبة في كفارة الظهار]

- ‌[فصل الصيام في كفارة الظهار]

- ‌[فصل الإطعام في كفارة الظهار]

- ‌[كتاب اللعان]

- ‌[فصل في شروط المتلاعنين]

- ‌[باب صفة اللعان]

- ‌[فصل في شروط صحة اللعان]

- ‌[فصل ما يسن في اللعان]

- ‌[باب ما يوجب اللعان من الأحكام]

- ‌[باب ما يلحق من النسب وما لا يلحق]

- ‌[كتاب العدد]

- ‌[باب اجتماع العدتين]

- ‌[باب مكان المعتدات]

- ‌[باب الإحداد]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌[كتاب الرضاع]

- ‌[كتاب النفقات]

- ‌[باب نفقة المعتدة]

- ‌[باب قدر النفقة]

- ‌[باب قطع النفقة]

- ‌[باب نفقة الأقارب]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب نفقة المماليك]

- ‌[كتاب الجنايات]

- ‌[باب جنايات العمد الموجبة للقصاص]

- ‌[باب القصاص فيما دون النفس]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

الفصل: ‌[باب شرائط النكاح]

لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قُدِّر عمومه، فهذه الأحاديث أصح منه، فتقديمها أولى. وكل من أبيح له النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به لم يجز له ذلك لشهوة وتلذذ؛ لأنه داعية إلى الفتنة.

[باب شرائط النكاح]

وهي خمسة. أحدها: الولي، فإن عقدته المرأة لنفسها، أو لغيرها بإذن وليها، أو بغير إذنه لم يصح، لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا نكاح إلا بولي» قال أحمد ويحيى: هذا حديث صحيح. وقد روي عن أحمد أن للمرأة تزويج معتقها، فيخرج من هذا صحة تزويجها لنفسها بإذن وليها، وتزويج غيرها بالوكالة، لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم:«أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» رواه أبو داود والترمذي. فمفهومه صحته بإذنه، ولأن المنع لحقه فجاز بإذنه، كنكاح العبد. والأول المذهب، لعموم الخبر الأول؛ ولأن المرأة غير مأمونة على البضع، لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها، كالمبذر في المال، بخلاف العبد، فإن المنع لحق المولى خاصة، وإنما ذكر تزويجها بغير إذن وليها؛ لأنه الغالب، إذ لو رضي لكان هو المباشر له دونها.

فصل:

فإن تزوج بغير إذن ولي، فالنكاح فاسد، لا يحل الوطء فيه، وعليه فراقها؛ وإن وطئ فلا حد عليه في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه وطء مختلف في حله، فلم يجب به حد، كوطء التي تزوجها في عدة أختها. وذكر عن ابن حامد:

أنه أوجب به الحد؛ لأنه وطء في نكاح منصوص على بطلانه، أشبه ما لو تزوج ذات زوج. وإن حكم بصحة هذا العقد حاكم ففيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز نقضه؛ لأنه حكم مختلف فيه فأشبه الشفعة للجار.

والثاني: ينقض؛ لأنه خالف النص.

ص: 9

فصل:

فإن كانت أمة فوليها سيدها؛ لأنه عقد على نفعها، فكان إلى سيدها كإجارتها، فإن كان لها سيدان لم يجز تزويجها إلا بإذنهما. وإن كانت سيدتها امرأة فوليها ولي سيدتها يزوجها بإذن سيدتها لأنه تصرف فيها فلم يجز بغير إذنه، كبيعها. وعنه رواية أخرى:

أن مولاتها تأذن لرجل فيزوجها؛ لأن سبب الولاية الملك، وقد تحقق في المرأة، وامتنعت المباشرة لنقص الأنوثة فكان لها التوكيل، كالولي الغائب، ونقل عنه: أنه قيل له: هل تزوج المرأة أمتها؟ قال: قد قيل ذلك، هي مالها. وهذا يحتمل رواية ثالثة. فإن كانت سيدتها غير رشيدة، أو كانت لغلام أو لمجنون فوليها من يلي مالهم؛ لأنه تصرف في بعضها، أشبه إجارتها.

فصل:

وإن كانت حرة فأولى الناس بها أبوها؛ لأنه أشفق عصباتها، ويلي مالها عند عدم رشدها. ثم الجد أبو الأب وإن علا؛ لأنه أب. وعنه: الابن يقدم على الجد؛ لأنه أقوى تعصيباً منه، وعنه: أن الأخ يقدم على الجد؛ لأنه يدلي ببنوة الأب، والبنوة أقوى. وعنه: أن الجد والأخ سواء، لاستوائهما في الإرث بالتعصيب. والمذهب الأول؛ لأن للجد إيلاداً وتعصيباً، فقدم عليهما كالأب، ولأنه لا يقاد بها، ولا يقطع بسرقة مالها بخلافهما. ثم ابنها، ثم ابنه وإن نزل؛ لأنه عدل من عصباتها فيلي نكاحها، كابنها. وقدم على سائر العصبات؛ لأنه أقربهم نسباً، وأقواهم تعصيباً فقدم كالأب. ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العم، ثم ابنه، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث؛ لأن الولاية لدفع العار عن النسب، والنسب في العصبات. وقدم الأقرب فالأقرب؛ لأنه أقوى فقدم كتقديمه في الإرث، ولأنه أشفق فقدم كالأب. فإذا انقرض العصبة من النسب، فوليها المولى المعتق، ثم عصابته الأقرب فالأقرب، ثم مولى المولى، ثم عصباته؛ لأن الولاء كالنسب في التعصيب، فكان مثله في التزويج ويقدم ابن المولى على ابنه؛ لأنه أقوى تعصيباً، وإنما قدم الأب المناسب لزيادة شفقته، وتحكم الأصل على فرعه. وهذا معدوم في أبي المولى، فرجع فيه إلى الأصل. وإذا كان المعتق امرأة، فولي مولاتها أقرب عصباتها؛ لأنه لما لم يمكنها مباشرة نكاحها كانت كالمعدومة. وعنه: أنها تولي رجلاً في تزويجها، لما ذكرنا في أمتها. ثم السلطان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» .

ص: 10

فصل:

فإن استوى اثنان في الدرجة، وأحدهما من أبوين، والآخر من أب، كالأخوين، والعمين ففيه روايتان:

إحداهما: يقدم ذو الأبوين. اختاره أبو بكر؛ لأنه حق يستفاد بالتعصيب فأشبه الميراث بالولاء.

والثانية: هما سواء. اختارها الخرقي؛ لأن الولاية بقرابة الأب وهما سواء فيها، فإن كانا ابني عم، أحدهما أخ لأم، فذكر القاضي: أنهما كذلك. والصحيح أن الإخوة لا تؤثر في التقديم، لاستوائهما في التعصيب والإرث به، بخلاف التي قبلها من كل وجه، فإن استويا من كل وجه، فالولاية ثابتة لكل واحد منهما، أيهما زوج صح تزويجه؛ لأن السبب متحقق في كل واحدة، لكن يستحب تقديم أسنهما وأعلمهما وأتقاهما؛ لأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ. فإن استويا وتشاحا، أقرع بينهما؛ لأنهما تساويا في الحق، وتعذر الجمع، فيقرع بينهما، كالمرأتين في السفر. فإن قرع أحدهما فزوج الآخر صح؛ لأن القرعة لم تبطل ولايته، فلم يبطل نكاحه. وذكر أبو الخطاب فيه وجهاً آخر: أنه لا يصح.

فصل:

فإن زوجها الوليان لرجلين دفعة واحدة، فهما باطلان؛ لأن الجمع يتعذر فبطلا، كالعقد على أختين، ولا حاجة إلى فسخهما لبطلانهما. وإن سبق أحدهما فالصحيح السابق، لما روى سمرة وعقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما» رواه أبو داود؛ ولأن الأول: خلا عن مبطل والثاني: تزوج زوجة غيره، فكان باطلاً، كما لو علم. فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج، فعليه مهرها؛ لأنه وطء بشبهة، وترد إلى الأول؛ لأنها زوجته، ولا يحل له وطؤها حتى تقضي عدتها من وطء الثاني، فإن جهل الأول منهما ففيه روايتان:

إحداهما: يفسخ النكاحان؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون نكاحه هو الصحيح، ولا سبيل إلى الجمع، ولا إلى معرفة الزوج فيفسخ لإزالة الزوجية، ثم لها أن تتزوج من شاءت منهما، أو من غيرهما.

والثانية: يقرع بينهما. فمن خرجت له القرعة أمر صاحبه بالطلاق ثم يجدد القارع

ص: 11

نكاحه، فإن كانت زوجته لم يضره ذلك، وإن لم تكن صارت زوجته بالتجديد، وكلا الطريقين لا بأس به. وسواء علم السابق ثم نسي، أو جهل الحال؛ لأن المعنى في الجميع واحد. وإن أقرت المرأة لأحدهما بالسبق لم يقبل إقرارها؛ لأن الخصم غيرها، فلم يقبل قولها عليه، كما لو أقرت ذات زوج لآخر أنه زوجها. وإن ادعى عليها العلم بالسابق، لم يلزمها يمين؛ لأنه من لا يقبل إقراره لا يستحلف في إنكاره.

فصل:

ويشترط للولي ثمانية شروط.

أحدها: العقل، فلا يصح تزويج طفل، ولا مجنون.

والثاني: الحرية. فلا ولاية لعبد.

الثالث: الذكورية، فلا ولاية لامرأة؛ لأن هؤلاء لا يملكون تزويج أنفسهم، فلا يملكون تزويج غيرهم بطريق الأولى.

الرابع: البلوغ: فلا يلي الصبي بحال. وعنه: أن الصبي المميز إذا بلغ عشراً صح تزويجه؛ لأنه يصح بيعه. والأول أولى؛ لأنه مولى عليه فلا يلي، كالمرأة.

الخامس: اتفاق الدين. فلا يلي كافر مسلمة بحال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] إلا أم الولد الذمي المسلمة ففيها وجهان:

أحدهما: يملك تزويجها؛ لأنه لا يملكها، فأشبه المسلم إذا كان سيده كافر.

والثاني: لا يليه للآية، ويليه الحاكم ولا يلي مسلم كافرة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] إلا السلطان فإنه يلي نكاح الذمية التي لا ولي لها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«السلطان ولي من لا ولي له» ؛ ولأن ولايته عامة عليهم. وسيد الأمة الكافرة يزوجها وإن كان مسلماً؛ لأنه عقد عليها، فوليه كبيعها، وولي سيد الكافرة أو سيدتها يزوجها؛ لأنه يقوم مقامهما. ويلي الكفار أهل دينهم، للآية التي تلوناها. وهل تعتبر عدالتهم في دينهم؟ على وجهين بناء على الروايتين في المسلمين.

السادس: العدالة. فلا يلي الفاسق نكاح قريبته وإن كان أباً في إحدى الروايتين؛ لأنها ولاية نظرية، فنافاها الفسق، كولاية المال. والثانية: يلي لأنه قريب ناظر، فكان

ص: 12

ولياً كالعدل، ولأن حقيقة العدالة لا تعتبر، بل يكفي كونه مستور الحال. ولو اشترطت العدالة اعتبرت حقيقتها كما في الشهادة.

السابع: التعصيب، أو ما يقوم مقامه، فلا تثبت الولاية لغيرهم، كالأخ من الأم والخال، وسائر من عدا العصبات؛ لأن الولاية تثبت لحفظ النسب، فيعتبر فيها المناسب، ولا تثبت الولاية للرجل على المرأة التي تسلم على يديه. وعنه: أنها تثبت. ووجه الروايتين ما ذكرنا في كتاب الولاء.

الثامن: عدم من هو أولى منه. فلا تثبت الولاية للأبعد مع حضور الأقرب الذي اجتمعت الشروط فيه، لما ذكرنا في تقديم ولاية الأب. فإن مات الأقرب، أو جن، أو فسق انتقلت إلى من بعده؛ لأن ولايته بطلت، فانتقلت إلى الأبعد، كما لو مات. فإن عقل المجنون، وعدل الفاسق عادت ولايته، لزوال مزيلها مع وجود مقتضيها، فإن زوجها الأبعد من غير علم بعود ولاية الأقرب لم تصح ولاية زوجها بعد زوال ولايته، ويحتمل أن تصح، بناء على الوكيل إذا تصرف بعد العزل قبل علمه به. وإن دعت المرأة وليها إلى تزويجها من كفء فعضلها، فللأبعد تزويجها. نص عليه. وعنه: لا يزوجها إلا السلطان وهو اختيار أبي بكر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له» ؛ ولأن التزويج حق عليه امتنع منه، فقام الحاكم مقامه في إيفائه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه، واختار الخرقي الرواية الأولى؛ لأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب فوليها الأبعد، كما لو فسق. والحديث دليل على أن السلطان لا يزوج هاهنا، لقوله:«فالسلطان ولي من لا ولي له» وإن غاب الأقرب غيبة منقطعة ولم يوكل في تزويجها، فللأبعد تزويجها، لما ذكرنا. والغيبة المنقطعة: ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في منصوص أحمد، واختيار أبي بكر. وذكر الخرقي: أنها ما لا يصل الكتاب فيها إليه، أو يصل فلا يجيب عنه؛ لأن غير هذا يمكن مراجعته. وقال القاضي: حدها: ما لا تقطعها القافلة في السنة إلا مرة؛ لأن الكفء ينتظر عاماً ولا ينتظر أكثر منه. وقال أبو الخطاب: يحتمل أن يحدها بما تقصر فيه الصلاة؛ لأن أحمد قال: إذا كان الأب بعيد السفر، يزوج الأخ. والسفر البعيد في الشرع: ما علق عليه رخص السفر، والأولى المنصوص. والرد في هذا إلى العرف، وما جرت العادة بالانتظار فيه، والمراجعة لصاحبه، لعدم التحديد فيه من الشارع. فأما القريب فيجب انتظاره ومراجعته؛ لأنه في حكم الحاضر، إلا أن تتعذر مراجعته، لأسر أو حبس لا يوصل إليه ونحوهما، فيكون كالبعيد، لكونه في معناه. ولا يشترط في الولاية البصر؛ لأن شعيباً عليه السلام زوج

ص: 13

ابنته وهو أعمى لموسى عليه السلام، ولأن الأعمى من أهل الرواية والشهادة، فكان من أهل الولاية كالبصير. فأما الأخرس، فإن منع فهم الإشارة أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم يزل الولاية؛ لأن الأخرس يصح تزوجه، فصح تزويجه كالناطق.

فصل:

وإذا زوج الأبعد مع حضور الأقرب وسلامته من الموانع، أو زوج أجنبي، أو زوجت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها، أو تزوج العبد بغير إذن سيده، فالنكاح باطل في أصح الروايتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر» وفي لفظ: «فنكاحه باطل» ولأنه نكاح لم تثبت أحكامه من الطلاق، والخلع، والتوارث فلم ينعقد كنكاح المعتدة. والثانية: هو موقوف على إجازة من له الإذن. فإن أجازه جاز، وإلا بطل لما ذكرناه في تصرف الفضولي في البيع، ولما روى ابن ماجه:«أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم» . رواه أبو داود. وقال: هذا حديث مرسل، رواه الناس عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا ابن عباس. فإن قلنا بهذه الرواية فإن الشهادة تعتبر حالة العقد؛ لأنها شرط له فتعتبر معه كالقبول. ويكفي في إذن المرأة النطق، أو ما يدل على الرضى تقوم مقام النطق به، بدليل «قول النبي صلى الله عليه وسلم لبريرة: إن وطئك زوجك فلا خيار لك» فأما إن زوجت المرأة نفسها، أو زوجها طفل، أو مجنون، أو فاسق، فهو باطل لا يقف على الإجازة؛ لأنه تصرف صادر من غير أهله. وذكر أصحابنا: تزويجها لنفسها من جملة الصور المختلفة في وقوفها. والأولى أنها ليست منها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل» ولأنه تصرف لو قارنه الإذن لم يصح، فلم يصح بالإذن اللاحق، كتصرف المجنون.

فصل:

ولكل واحد من الأولياء أن يوكل في تزويج موليته، فيقوم وكيله مقامه حاضراً كان الموكل أو غائباً، ولا يعتبر إذن المرأة في التوكيل. وخرج القاضي ذلك على الروايتين

ص: 14

في توكيل الوكيل من غير إذن الموكل، وليس كذلك، فإن الولي ليس بوكيل للمرأة، ولا تثبت ولايته من جهتها، فلم يقف جواز توكيله على إذنها، كالسلطان، ولأنه ولي في النكاح فملك الإذن فيه من غير إذنها، كالسلطان. ويجوز التوكيل في التزويج مطلقاً من غير تعيين الزوج؛ لأنه إذن في التزويج فجاز مطلقاً، كإذن المرأة. ويجوز التوكيل في تزويج معين، واختلفت الرواية هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟ على روايتين. ذكرناهما في الوصايا. ولا يصير وصياً في النكاح بالوصية إليه في المال؛ لأنها إحدى الوصيتين فلم تملك بالأخرى، كالأخرى.

فصل:

وإذا لم يكن للمرأة ولي، ولا للبلد قاض ولا سلطان. فعن أحمد: ما يدل على أنه يجوز لها أن تأذن لرجل عدل يحتاط لها في الكفء والمهر، ويزوجها فإنه قال في دهقان قرية: يزوج المرأة إذا لم يكن في الرستاق قاض إذا احتاط لها في الكفء والمهر. ووجه ذلك أن اشتراط الولي هاهنا يمنع النكاح بالكلية، فوجب أن لا يشترط. وعنه: لا يصح إلا بولي لعموم الخبر.

فصل:

وإذا أراد ولي المرأة تزوجها، كابن عمها، أو مولاها جعل أمرها إلى من يزوجها منه بإذنها، لما روي أن المغيرة بن شعبة أمر رجلاً أن يزوجه امرأة المغيرة أولى بها منه، ولأنه وليها فجاز أن يتزوجها من وكيله، كالإمام. فإن زوج نفسه بإذنها ففيه روايتان

إحداهما: لا يجوز لحديث المغيرة، ولأنه عقد ملكه بالإذن، فلم يجز أن يتولى طرفيه، كالوكيل في البيع. والثانية: يجوز، لما روي عن عبد الرحمن بن عوف: أنه قال لأم حكيم بنت قارظ أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك، ولأنه صدر الإيجاب من الولي، والقبول من الأهل فصح، كما لو زوج الرجل عبده الصغير لأمته. وإن قال السيد: قد أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها. أو قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها، ففيه روايتان:

إحداهما: يصح العتق والنكاح، ويصير عتقها صداقها، لما روى أنس:«أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها» متفق عليه. وفي رواية «أصدقها نفسها» .

ص: 15

والثانية: لا يصح حتى يبتدئ العقد عليها بإذنها؛ لأنه لم يوجد إيجاب ولا قبول، فلم يصح العقد، كما لو كانت حرة. فعلى هذا ينفذ العتق وعليها قيمة نفسها؛ لأنه إنما أعتقها بعوض لم يسلم له، ولم يمكن إبطال العتق، فرجعنا إلى القيمة. ولا يجوز لأحد أن يتولى طرفي العقد غير من ذكرنا، إلا السيد يزوج عبده من أمته. فإن كان وكيلاً للزوج والولي أو وكيلاً للزوج، ولياً للمرأة، أو وكيلاً للولي، ولياً للزوج ففيه وجهان: بناء على ما ذكرنا في الوكيل في البيع.

فصل:

الشرط الثاني من شرائط النكاح: أن يحضره شاهدان، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» رواه الخلال. وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان» . رواه الدارقطني، وعن أحمد: أن الشهادة ليست شرطاً فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها بغير شهود، ولأنه عقد معاوضة، فلم تشترط الشهادة فيه، كالبيع.

فصل:

ويشترط في الشهود سبع صفات:

أحدها: العقل؛ لأن المجنون والطفل ليسا من أهل الشهادة.

والثاني: السمع؛ لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به.

والثالث: النطق؛ لأن الخرس لا يتمكن من أداء الشهادة.

الرابع: البلوغ؛ لأن الصبي لا شهادة له. وعنه: أنه ينعقد بحضور مراهقين، بناء على أنهما من أهل الشهادة، والأول أصح.

الخامس: الإسلام. ويتخرج أن ينعقد نكاح المسلم للذمية بشهادة ذميين، بناء على قبول شهادة بعضهم على بعض. والأول المذهب، لقوله عليه السلام:«لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .

ص: 16

السادس: العدالة للخبر، وعنه: ينعقد بحضور فاسقين؛ لأنه تحمل فلم تعتبر فيه العدالة كسائر التحملات. والأول أولى للخبر، ولأن من لا يثبت النكاح بقوله لا ينعقد بشهادته، كالصبي إلا أننا لا نعتبر العدالة باطناً. ويكفي أن يكون مستور الحال. وكذلك العدالة المشروطة في الولي؛ لأن النكاح يقع بين عامة الناس في مواضع لا تعرف فيها حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق.

السابع: الذكورية. وعنه: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع. والأول: المذهب، لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق. وهل يشترط عدم العداوة والولادة؟ وهو أن لا يكون الشاهدان عدوين للزوجين، أو لأحدهما، ولا ابنين لهما، أو لأحدهما على وجهين. ولا تشترط الحرية، ولا البصر؛ لأنها شهادة لا توجب حداً، فقبلت شهادتهما فيه، كالشهادة عليه بالاستفاضة. ويعتبر أن يعرف الضرير المتعاقدين، ليشهد عليهما بقولهما. وهل يشترط كون الشاهد من غير أهل الصنائع الرزية، كالحجام ونحوه؟ على وجهين بناء على قبول شهادتهم.

فصل:

الشرط الثالث من شروط النكاح: تعيين الزوجين؛ لأن المقصود بالنكاح أعيانهما، فوجب تعيينهما. فإن كانت حاضرة فقال: زوجتك هذه صح؛ لأن الإشارة تكفي في التعيين. فإن زاد على ذلك فقال: ابنتي أو فاطمة كان تأكيداً. وإن سماها بغير اسمها صح؛ لأن الاسم لا حكم له مع الإشارة، فأشبه ما لو قال: زوجتك هذه الطويلة وهي قصيرة. وإن كانت غائبة، فقال: زوجتك ابنتي وليس له غيرها صح لحصول التعيين بتفردها بهذه الصفة المذكورة. وإن سماها باسمها، أو وصفها بصفتها كان تأكيداً. وإن سماها بغير اسمها صح أيضاً؛ لأن الاسم لا حكم له مع التعيين، فلا يؤثر الغلط فيه. وإن كان له ابنتان فقال: زوجتك ابنتي لم يصح حتى يسميها، أو يصفها بما تتميز به؛ لأن التعيين لا يحصل بدونه. فإن قال: ابنتي فاطمة، أو ابنتي الكبرى صح؛ لأنها تعينت به. وإن نويا ذلك من غير لفظ لم يصح؛ لأن الشهادة في النكاح شرط، ولا يقع إلا على اللفظ ولا تعيين فيه. وإن خطب الرجل امرأة فزوج غيرها لم ينعقد النكاح؛ لأنه ينوي القبول لغير ما وقع فيه الإيجاب فلم يصح، كما لو قال: قد زوجتك ابنتي فاطمة. فقال: قبلت تزويج عائشة، فإن كان له ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة، فقال: قبلت تزويج عائشة، فقبله الزوج ينويان الصغرى لم يصح؛ لأنهما لم يتلفظا بما تقع الشهادة عليه، ولم يذكر المنوية بما تتميز به. وإن نوى أحدهما الكبرى، والآخر الصغرى لم يصح؛ لأنه قبل النكاح في غير من وقع عليه

ص: 17

الإيجاب. وإن قال: زوجتك حمل امرأتي لم يصح؛ لأنه لم يثبت لها حكم البنات قبل الولادة، ولا يتحقق كونها بنتاً. وإن قال: إن ولدت زوجتي بنتاً زوجتكها كان وعداً لا عقداً؛ لأن النكاح لا يتعلق على الشروط.

فصل:

الشرط الرابع من شروط النكاح: التراضي من الزوجين، أو من يقوم مقامهما؛ لأن العقد لهما، فاعتبر تراضيهما به كالبيع. فإن كان الزوج بالغاً عاقلاً لم يجز بغير رضاه. وإن كان عبداً لم يملك السيد إجباره عليه؛ لأنه خالص حقه، وهو من أهل مباشرته، فلم يجبر عليه كالطلاق. وإن كان العبد صغيراً فلسيده تزويجه؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده أولى. قال أبو الخطاب: ويحتمل أن لا يملكه أيضاً قياساً على الكبير، ويملك الأب تزويج ابنه الصغير الذي لم يبلغ، لما روي عن ابن عمر: أنه زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى زيد، فأجازاه جميعاً. رواه الأثرم؛ ولأنه يتصرف في ماله بغير تولية فملك تزويجه، كابنته الصغيرة. وسواء كان عاقلا، أو معتوهاً؛ لأنه إذا ملك تزويج العاقل فالمعتوه أولى. ويملك الأب أيضاً تزويج ابنه البالغ المعتوه في ظاهر كلام أحمد والخرقي لأنه غير مكلف فأشبه الصغير. وقال القاضي: لا يجوز تزويجه، إلا إذا ظهر منه أمارات الشهوة، باتباع النساء ونحوه. فقال أبو بكر: لا يجوز تزويجه بحال؛ لأنه رجل فلم يجز تزويجه بغير إذنه، كالعاقل، والأول أولى؛ لأنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته إلى قضاء شهوته، وحفظه عن الزنى، فالبالغ أولى. ولا يجوز تزويجه، إلا إذا رأى وليه المصلحة في تزويجه، لاحتياجه إلى الحفظ والإيواء، أو قضاء الشهوة ونحو ذلك، فأما من له إفاقة في بعض أحيانه، فلا يجوز إجباره على النكاح لأنه يمكن استئذانه. ووصي الأب كالأب في تزويج الصغير والمعتوه؛ لأنه نائب عنه فأشبه الوكيل، ولا يملك غير الأب ووصيه تزويج صغير ولا معتوه؛ لأنه إذا لم يملك تزويج الأنثى مع قصورها، فالذكر أولى. وقال ابن حامد: للحاكم تزويج المعتوه الذي يشتهي النساء؛ لأنه يلي ماله، فملك تزويجه، كالوصي. وقال القاضي: له تزويج الصغير الذي يشتهي كذلك. ولا يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك؛ لأنه ناظر له في مصالحه، وهذا منها، فأشبه عقده على ماله.

فصل:

فأما المرأة، فإن السيد يملك تزويج أمته بكراً كانت أو ثيباً، بغير رضاها؛ لأنه عقد على منافعها فملكه، كإجارتها. وأما الحرة فإن الأب يملك تزويج ابنته الصغيرة البكر بغير خلاف؛ «لأن أبا بكر الصديق زوج عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ست» . متفق عليه

ص: 18

ولم يستأذنها وروى الأثرم: أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست. ولا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة إلا بإذنها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الأيم أحق بنفسها من وليها» وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس للولي من الثيب أمر» رواهما أبو داود. وفي البكر البالغة روايتان:

إحداهما: له إجبارها، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» وإثباته الحق للأيم على الخصوص يدل على نفيه عن البكر.

والثانية: لا يجوز تزويجها إلا بإذنها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تأذن، قالوا: يا رسول الله فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» متفق عليه. وأما الثيب الصغيرة، ففيها وجهان:

أحدهما: لا يجوز تزويجها، لعموم الأحاديث فيها.

والأخرى: يجوز تزويجها؛ لأنها ولد صغير فملك الأب تزويجها، كالغلام. والثيب: هي الموطوءة في فرجها حلالاً كان أو حراماً؛ لأنه لو أوصى للثيب بوصية دخل فيها من ذكرناه، ولا تدخل في وصيته الأبكار. ووصي الأب إذا نص له على التزويج، كالأب؛ لأنه قائم مقامه.

فصل:

فأما غيرهما، فلا يملك تزويج كبيرة إلا بإذنها، جداً كان أو غيره، لعموم الأحاديث، ولأنه قاصر عن الأب فلم يملك الإجبار، كالعم. وفي الصغيرة ثلاث روايات:

ص: 19

إحداهن: ليس لهم تزويجها، لما روي «أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها» والصغيرة لا إذن لها. والثانية: لهم تزويجها ولها الخيار إذا بلغت، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{كَبِيرًا} [النساء: 2]{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] . دلت بمفهومها على أنه له تزوجها إذا أقسط لها، وقد فسرته عائشة بذلك. والثالثة: لهم تزويجها إذا بلغت تسعاً بإذنها، ولا يجوز قبل ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» رواه أبو داود. وجمعنا بين الأدلة والأخبار، وقيدنا ذلك بابنة تسع؛ لأن عائشة قالت:«إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة» . وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه، فأشبهت البالغة. وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات، أو الكلام في حق الأب وغيره، لما تقدم من الحديث، وهو صريح في الحكم. وروى عدي الكندي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها» رواه الأثرم وابن ماجة. ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم، لشمول اللفظ لهما جميعاً.

فصل:

الشرط الخامس من شروط النكاح: الإيجاب والقبول. ولا يصح الإيجاب إلا بلفظ النكاح، أو التزويج، فيقول: زوجتك ابنتي، أو أنكحتكها؛ لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح، فلا ينعقد به، كلفظ الإحلال، ولأن الشهادة شرط في النكاح، وهي واقعة على اللفظ. وغير هذا اللفظ ليس بموضوع للنكاح، وإنما يصرف إليه بالنية، ولا شهادة عليها، فيخلوا النكاح عن الشهادة.

وأما القبول فيقول: قبلت هذا النكاح. وإن اقتصر على قبلت صح؛ لأن القبول يرجع إلى ما أوجبه الولي، كما في البيع. وإن قيل للولي: أزوجت؟ قال: نعم. قيل للمتزوج: أقبلت؟ قال: نعم انعقد النكاح؛ لأن نعم جواب للسؤال، والسؤال مضمر معاد فيه، ولهذا لو قيل له: أسرقت؟ قال: نعم. كان مقراً بالسرقة، حتى يلزمه القطع

ص: 20

الذي يندرئ بالشبهات، فهاهنا أولى. ولا يصح الإيجاب والقبول بغير العربية لمن يحسنها؛ لأنه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج مع إمكانهما فلم يصح، لما ذكرنا. ويصح بمعناهما الخاص بكل لسان لمن يحسنهما؛ لأنه يشتمل على معنى اللفظ العربي، فأشبه ما لو أتى به، وليس عليه تعلمهما بالعربية؛ لأن النكاح غير واجب، فلا يلزم تعلم أركانه، كالبيع، ولأن المقصود المعنى دون اللفظ المعجوز وهو حاصل، بخلاف القراءة. وقال أبو الخطاب: يلزمه التعلم؛ لأن ما كانت العربية شرطاً فيه عند الإمكان لزمه تعلمه، كالتكبير. وإذا فهمت إشارة الأخرس صح النكاح بها؛ لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته، كبيعه. وإن تقدم القبول على الإيجاب لم يصح؛ لأن القبول إنما هو بالإيجاب، فيشترط تأخره عنه. وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، فإن تفرقا قبله، أو تشاغلا بغيره قبل القبول بطل الإيجاب؛ لأنهما أعرضا عنه بتفرقهما، أو تشاغلهما فبطل، كما لو طال التراخي. ونقل أبو طالب عن أحمد في رجل مشى إليه قوم فقالوا: زوج فلاناً على ألف، فقال: قد زوجته على ألف، فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقبل، هل يكون هذا نكاحاً؟ قال: نعم. فجعل أبو بكر هذا رواية ثانية. وقال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس. وإن خرج أحدهما عن أهلية العقد بجنون، أو إغماء أو موت قبل القبول بطل؛ لأنه لن ينعقد فبطل بهذه المعاني، كإيجاب البيع. ومتى عقد النكاح هازلاً أو تلجئة صح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة» رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.

فصل:

وفي الكفاءة روايتان:

إحداهما: هي شرط لصحة النكاح، فإذا فاتت لم يصح. وإن رضوا به، لما روى الدارقطني بإسناده عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء» وقال عمر: لأمنعن فروج ذوي الأحساب إلا من الأكفاء؛ ولأنه تصرف يتضرر به من لم يرض به فلم يصح، كما لو زوجها وليها بغير رضاها.

والثانية: ليست شرطاً؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج زيداً مولاه ابنة عمته زينب بنت

ص: 21

جحش، وزوج أسامة فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية» . رواه مسلم وقالت عائشة: إن أبا حذيفة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. أخرجه البخاري. لكن إن لم ترض المرأة، ولم يرض بعض الأولياء ففيه روايتان:

إحداهما: العقد باطل؛ لأن الكفاءة حقهم، تصرف فيه بغير رضاهم، فلم يصح كتصرف الفضولي.

والثانية: يصح ولمن لم يرض الفسخ. فلو زوج الأب بغير الكفء فرضيت البنت كان للأخوة الفسخ؛ لأنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة، فملك الفسخ كالمتساويين.

فصل:

والكفء ذو الدين والمنصب. فلا يكون الفاسق كفئا لعفيفة؛ لأنه مردود الشهادة والرواية، غير مأمون على النفس والمال. ولا يكون المولى والعجمي كفئاً لعربية، لما ذكرنا من قول عمر. وقال سلمان لجرير: إنكم معشر العرب لا نتقدم في صلاتكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله فضلكم علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجعله فيكم. والعرب بعضهم لبعض أكفاء، والعجم بعضهم لبعض أكفاء؛ لأن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة ابنة الزبير ابن عمة رسول الله. وزوج أبو بكر أخته للأشعث بن قيس الكندي، وزوج علي ابنته أم كلثوم عمر بن الخطاب.

وعنه أن غير قريش لا يكافئهم وغير بني هاشم لا يكافئهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . واختلفت الرواية في ثلاثة أمور: أحدها: الحرية، فروي أنها ليست شرطاً في الكفاءة، «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة حين عتقت تحت عبد، فاختارت فرقته: لو راجعتيه، قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا إنما أنا شفيع» ومراجعتها له ابتداء نكاح عبد لحرة. روي أنها شرط، وهي أصح؛ لأن «النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة حين عتقت تحت عبد» . فإذا ثبت لها الخيار بالحرية الطارئة فبالسابقة أولى؛ ولأن فيه نقصاً في المنصب والاستمتاع والإنفاق، ويلحق به العار فأشبه عدم المنصب.

ص: 22

والثاني: اليسار ففيه روايتان:

إحداهما: هو من شروط الكفاءة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «الحسب المال» وقال «إن أحساب الناس بينهم هذا المال» رواه النسائي بمعناه؛ ولأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها، لإخلاله بنفقتها ونفقة ولدها.

والثانية: ليس منها؛ لأن الفقر شرف في الدين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً» رواه الترمذي. وليس هو أمراً لازماً، فأشبه العافية من المرض. واليسار المعتبر: ما يقدر به على الإنفاق عليها حسب ما يجب لها.

والثالث: الصناعة وفيها روايتان:

إحداهما: أن أصحاب الصنائع الدنيئة لا يكافؤون من هو أعلى منهم. فالحائك والحجام والكساح والزبال وقيم الحمام لا يكون كفئاً لمن هو أعلى منه؛ لأنه نقص في عرف الناس، وتتعير المرأة به، فأشبه نقص النسب.

والثانية: ليس هذا شرطاً؛ لأنه ليس بنقص في الدين، ولا هو بلازم، فأشبه المرض. وقد أنشدوا:

وليس على عبد تقي نقيصة

إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

فصل:

ويستحب إعلان النكاح، والضرب عليه بالدف، لما روى محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» رواه النسائي. فإن أسروه وتواصوا بكتمانه كره ذلك، وصح النكاح. وقال أبو بكر: لا يصح للحديث. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» مفهومه صحته بهما، والحديث محمول على الندب جمعاً بين الخبرين، ولأن إعلان النكاح والضرب عليه بالدف إنما يكون بعد العقد وصحته، ولو كان شرطاً، لاعتبر حال

ص: 23

العقد كسائر شروطه. وقال أحمد: لا بأس بالغزل في العرس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار:

«

أتيناكم أتيناكم

فحيانا وحياكم

ولولا الذهب الأحم

ر ما حلت نواديكم

ولولا الحنطة السمرا

ء ما سمنت عذاراكم

»

فصل:

ويستحب عقده يوم الجمعة؛ لأن جماعة من السلف كانوا يحبون ذلك. والمساية أولي، لما روى أبو حفص بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«مسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة» .

ويستحب تقديم الخطبة بين يدي النكاح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ (الحمد لله) فهو أقطع» ويستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود التي قال: «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الحاجة " إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ويقرأ ثلاث آيات: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] . {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] . {اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] » . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا ليس بواجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخاطب الواهبة: «زوجتكها

ص: 24

بما معك من القرآن» ولم يذكر خطبة.

فصل:

ويستحب أن يقال للمتزوج ما روى أبو هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان - إذا تزوج - قال: بارك الله لك، وبارك عليك وجمع بينكما في خير» رواه أبو داود. وإذا زفت إليه قال ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادماً فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» رواه أبو داود.

وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد أنه تزوج، فحضره عبد الله بن مسعود وأبو ذر، وحذيفة، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين، ثم خذ برأس أهلك فقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في، وارزقني منهم، ثم شأنك وشأن أهلك.

فصل:

ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» متفق عليه. ويختار الجميلة؛ لأنه أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأدوم لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح. وروى سعيد بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة، تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها» ويتخير الحسيبة، لنجب ولدها. وقد روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ص: 25