المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الإقرار: وَالصَّبِيُّ، والْمَجْنُونُ، والْمُبَذِّرُ، والْمُفْلِسُ، والْعَبْدُ، قَدْ تَقَدَّمَ الإقرار: إخبار المرء - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٦

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ‌ ‌الإقرار: وَالصَّبِيُّ، والْمَجْنُونُ، والْمُبَذِّرُ، والْمُفْلِسُ، والْعَبْدُ، قَدْ تَقَدَّمَ الإقرار: إخبار المرء

‌الإقرار:

وَالصَّبِيُّ، والْمَجْنُونُ، والْمُبَذِّرُ، والْمُفْلِسُ، والْعَبْدُ، قَدْ تَقَدَّمَ

الإقرار: إخبار المرء عن أمر اختص به في نفسه، وهو مصدر أقر يقر إقراراً؛ أي: اعترف بالحق، وهو راجع إلى شهادته على نفسه.

وله أربعة أركان: المقر، والمقر له، والمقر به، والصيغة.

وبدأ المصنف بالكلام على المقر، وذكر أن إقرار الصبي وما عطف عليه تقدم في باب الحجر.

والْمَرِيضُ لا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ مِنْ وَارِثٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ مَخْصُوصَيْنِ

يعني: والمريض لا يقبل إقراره لمن يتهم هو على جذب النفع إليه؛ من وارث أو أجنبي مخصوصين بالاتهام عليهما، لا كل قريب وأجنبي، وبين ذلك بقوله:

فَالْوَارِثُ كَالْبِنْتِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ وشِبْهِهِ، وبِالْعَكْسِ يُقْبَلُ

لما ذكر أنه إنما يمنع من الأقرار لوارث مخصوص وأجنبي مخصوص أخذ يبين ذلك المخصوص؛ أي: فلا يقبل إقراره لبنته إذا كان له ابن عم يرثه معها؛ لأن النفوس مجبولة على رجحان البنت، وبالعكس يقبل؛ أي: أقر لابن عمه فيقبل لعدم التهمة.

والأَجْنَبِيُّ صَدِيقٌ مُلاطِفٌ، والْمَرِيضُ يُورَثُ كَلالَةً، وقِيلَ: يُقْبَلُ فِي الثُّلُثِ

الواو في قوله: (والْمَرِيضُ) للحال. والكلالة: الفريضة التي لا ولد فيها ولا والد، ولعل المصنف أراد هنا غير هذا؛ أعني: ما لا ولد فيها لما في وصايا المدونة، وإن أقر لصديق ملاطف؛ جاز إن ورثه ولد، أو ولد ولد، فإن ورثه أبوان أو زوجة وعصبة ونحوه لم يجز، فأبطل إقراره مع أن في الورثة أبوين، وهذا هو المشهور، والقول بأنه يقبل في الثلث ويبطل ما زاد عليه رواية. وعن ابن عبد الحكم: أن إقراره للصديق الملاطف

ص: 417

لازم وإن كان يورث كلالة. أبو محمد: وهو خلاف قول مالك. وقال أحمد بن عيسى: أما الرجل الصالح الذي يعرف بالدين والصدق ولا يجهل ما في ذلك من الإثم؛ فإقراره لصديقه الملاطف جائز.

وألحق في البيان بالصديق الملاطف القريب غير الوارث، فقال: إقرار الزوجة على أربعة أوجه؛ إما أن يقول لوارث، وإما للقريب غير وارث، أو صديق ملاطف، وإما لأجنبي، وإما لمن لا يعرف من هو من هذه الثلاث، فالأول: إذا كان المقر له في القرب بمنزلة من لم يقر له أو أقر، فلا خلاف أنه لا يجوز. ابن المواز: إذا لم يكن لذلك وجه يدل على صدقه وإن لم يكن قاطعاً، إلا أن يكون المقر له عاقاً والذي لم يقر له باراً له، ففي جوازه قولان، وإن كان المقر له أبعد، فلا خلاف أن إقراره جائز. واختلف إذا كان بعض من لم يقر له أقرب من المقر له وبعضهم بمنزلته، أو كان بعضهم أقرب وبعضهم أبعد منهم على قولين؛ فقيل: إنه يجوز. وقيل: لا يجوز. وأما إن أقر لقريب غير وارث أو صديق ملاطف؛ فالمشهور: أن إقراره جائز إن ورث بولد لا كلالة، وقيل بجوازه مطلقاً وهما قائمان من المدونة. وقيل: إن ورث بولد جاز من رأس المال، وإن ورث بكلالة فمن الثلث.

وأما الأجنبي فلا خلاف أن إقراره جائز، فإن طلب ولم يوجد تصدق به عنه كاللقطة، وأما إن أقر لمن لا يعرف؛ فإن كان يورث بولد جاز من رأس المال إن أوصى أن يصدق به عنه أو يوقف لهم، واختلف إن كان كلالة، فقيل: إن أوصى أن يوقف حتى يأتي طالبه جاز من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق عنه لم يجز لا من الثلث ولا من رأس المال. وقيل: أنه من الثلث وهو قائم من كتابة المدونة. وقيل: إن كان يسيراً فمن رأس المال، وإن كان كثيراً لم يجز مطلقاً. قال: وفي إقرار الزوج لزوجته بدين في المريض تفصيل.

ص: 418

وحاصله: أنه لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يعلم منه ميل إليها. والثاني: أن يعلم منه البغض لها. والثالث: أن يجعل ذلك.

فإن علم الميل لم يجز إقراره إلا أن يجيزه الورثة، وإن علم منه البغض لها فإقراره لها جائز على الورثة، فإن جهل فوجهان؛ إن وكل كلالة [563/أ] فلا يجوز إقراره لها، وإن ورث بولد فالولد لا يخلو أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، صغاراً أو كباراً، واحداً أو عدداً منها أو من غيرها. فإن كان الولد أنثى يرثنه مع العصبة، سواء كن واحدة أو عدداً، صغاراً أو كباراً من غيرها أو كباراً منها.

فيتخرج ذلك عندي على قولين؛ أحدهما: أن إقراره لها جائز. والثاني: لا يجوز من اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك بنتاً وعصبة، فإن كن صغاراً منها لم يجز إقراره لها اتفاقاً، وأما إن كان الولد ذكوراً وكان واحداً؛ فإقراره لها جائز، فإن كان الولد عدداً فإقراره جائز، إلا أن يكون بعضهم صغيراً منها وبعضهم كبيراً منها أو من غيرها فلا يجوز إقراره لها، وإن كان الولد الكبير في الموضع الذي يرفع التهمة عن الأب في إقراره لزوجته عاقاً؛ لم ترتفع عنه التهمة وبطل على ما في سماع أصبغ من العتبية وإحدى الروايتين في المدونة، وإن كان بعضهم عاقاً وبعضهم باراً به خرج ذلك على ما ذكرته من الاختلاف في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة وعصبة، وكذلك الحكم سواء في إقرار الزوجة لزوجها، ولا فرق أيضاً بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو بأنه قبض ما له عليه من دين.

الْمُقَرُّ لَهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاً أَوْ حَمْلاً

أي: يشترط فيه أن يكون أهلاً للاستحقاق، فلو قال: لهذا الحجر أو الفرس عليَّ ألف؛ بطل. وصح الإقرار للعبد أو الحمل؛ لأنهما أهلان لذلك.

ص: 419

وَلَوْ قَالَ: لِحَمْلِ فُلانَةٍ عَلَيَّ أَلْفٌ لَزِمَهُ؛ أَطْلَقَ أَوْ قَيَّدَ إِنْ وضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ مِنَ الإِقْرَارِ ....

يعني بـ (أَطْلَقَ) أن يقول: لحمل فلانة عليَّ ألف، وبالتقييد أن يقول من هبة أو صدقة، ولا إشكال إن قيد ذلك بوجه يصح للجنين كما ذكرنا، وأما إن قال: أقرضنيها، فقال سحنون: يلزمه أيضاً ويعد ذلك منه ندماً. وقال ابن عبد الحكم: إذا قال من كراء هذا الجنان والفدان، وخرج عدم اللزوم إذا أطلق ما في الموازية في القائل لك: عليَّ مائة أو على فلان؛ فلا يلزمه لعدم تحقق عمارة الذمة.

محمد: إلا أن يقول: عليَّ أو على ابن شهر؛ فتلزمه لكون ابن شهر لا يصح أن يملك ولا أن يكتسب. فإذا رأى محمد أن التردد بين الرجلين يبطل الإقرار، وأن التردد بينه وبين صبي بخلاف ذلك، وأنه كالقائل: لفلان على العبد درهم، أو عند هذا الحجر؛ دل على أن محمداً يبطل الإقرار لابن شهر، وإذا بطل لابن شهر فالحمل أولى، وفي هذا التخريج نظر؛ لأن محمداً إنما صحح هذا الإقرار في قوله: لك عليَّ أو على ابن شهر، لأنه إقرار على ابن شهر، وابن شهر يبعد في العادة أن يكون عليه ألف، بخلاف الإقرار فإنه يصح أن يملك ولا يمكن أن يخالف فيه.

وخرج بعضهم أيضاً البطلان في التقييد بما لا يصح أن يصدر من الحمل من أحد القولين، فيمن علق طلاق امرأته على مشيئة الحجر؛ إذ لا يلزمه، ولا يعد ذلك ندماً؛ لأن الحجر لا يقبل المشيئة أصلاً بخلاف الطفل.

وقوله: (إِنْ وضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) هو شرط في لزوم الإقرار للحمل؛ لأنه حينئذٍ تبين أنه كان موجوداً، ولهذا قال:

ص: 420

وَإِنْ وضَعَتْهُ لأَكْثَرَ وهِيَ تُوطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ لَزِمَ لأَرْبَعِ سِنِينَ

ولو قال: فإن وضعته لستة، لكان أحسن؛ لأن حكمها حكم الأكثر في اللعان وغيره، فإنما لم يلزمه إذا كانت موطوءة؛ لاحتمال أن تكون إنما حملت بعد الإقرار، وأما إن لم تكن موطوءة، فإنه يلزم لأربع سنين، هكذ في كتاب ابن سحنون، ولعل المصنف اقتصر على الأربع لكونها المنصوصة، وإلا فالجاري على المشهور كما قدمه خمس، ولو قال: لدون أقصى أمد الحمل لأجاد لشموله، وفهم من كلامه أنها لو وضعته لأكثر من مدة الحمل أنه لا يكون للمولود شيء، ولا شك في ذلك.

ولَوْ وضَعَتْ تَوْأَمَيْنِ فَلَهُمَا، أَوْ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا

تصوره واضح ولم يكن للميت شيء؛ لأنه لا يصح تملكه، وهذا إذا وضعته ميتاً، وأما إن وضعته حياً ثم مات فلورثته، وقوله:(فَلَهُمَا) أي: على التسوية، ولا إشكال في هذا إن وضعته ذكرين أو أنثيين، وأما إن وضعته ذكراً وأنثى، فإن أقر بوجه لا يقتضي تفضيل الذكر على الأنثى فكذلك، وأما لو قال: لحمل فلانة عندي ألف من دين أبيه؛ فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، قاله ابن سحنون وقاله ابن عبد الحكم، إذا قال: هذه الدار لحمل فلانة ملكاً عن أخ شقيق، وإن كانت المرأة زوجته فلها الثمن من ذلك، وإن قال: عن أخ لأم فهو بينهما نصفان، والثالث يقسم المال على ثلاثة فيأخذ كل واحد منهما جزءاً من الجزء الثالث؛ يدعي الذكر كله وتدعي الأنثى نصفه، فقد سلمت نصفه للذكر يأخذه ويبقى نصفه ويقسم بينهما لتداعيهما فيه، فيكون للذكر سبعة من اثني عشر وللأنثى خمسة، قال: وبالأول أقول، قال: وإن قال هو ميراث لهما عن بعض قرابتهما؛ كان بينهما نصفين إن مات المقر، ويصح عندنا الإقرار للمجنون كالحمل بل هو أولى.

ص: 421

ولو أَكْذَبَ الْمُقَرُّ لَهُ لَبَطَلَ، ولا رُجُوعَ لَهُ إِلا بِإِقْرَارٍ ثَانٍ

يعني: أن من شرط إعمال الإقرار أن يصدقه المقر له؛ إذ لا يدخل ملك المقر في ملك أحد جبراً ما عدا الميراث، ونظيرتها المسألة التي قدمها المصنف في باب النكاح. قال، لو قال: تزوجتك فأنكرت، ثم قالت: نعم فأنكر؛ فليس بإقرار، لأن من شرط صحة الإقرار أن يتفق المقر والمقر له في تصديق كل واحد منهما صاحبه في وقت واحد.

الْمُقَرُّ بِهِ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ

كما لو قال: عندي شيء، فيقبل تفسيره كما سيأتي.

ومَنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَثَالِثُهَا: إِنْ رُدَّتْ شَهَادَتَهُ بِجُرْحَةٍ لَمْ يُعْتَقْ.

اعلم أنه يشترط في إعمال الإقرار أن يكون المقَرُّ به في يد المقر، ولذلك لو أقر بعبد في يد زيد أنه لعمرو لم يقبل إقراره على من هو في [563/ب] يده، وعطف المصنف الشهادة على الإقرار؛ لأن الشهادة إنما تكون عند الحاكم.

وقوله: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) لا يريد خصوصية الشراء، بل وكذلك لو ملكه بأي وجه كان؛ كهبة، أو صدقة، أو إرث، وحكى ثلاثة أقوال، القول الثالث لا يتأتي في مسألة الإقرار، والقول بعتقه عليه في القضاء والفتيا هو المشهور؛ لأنه معترف بكلامه أنه لا يقبل الملك، والقول بعدم عتقه لأشهب وعبد الملك؛ لأن إقراره على ملك غيره باطل. أشهب: بشرط أن يحلف، وأما إن نكل فإنه يعتق عليه.

ابن عبد السلام: وعلى هذا فيشترط ألا يتمادى على قوله الأول، وأما إن تمادى عليه فيعتق.

الثالث للمغيرة خاص بمسألة الشهادة: إن ردت شهادة الشاهد بجرحة لم يعتق عليه، وإن ردت لغير ذلك؛ لأنه انفرد بما شهد عتق عليه، لأن الشهادة كلما ردت بجرحة

ص: 422

بطلت فلم يؤثر في العتق، يريد: بشرط ألا يتمادى على إقراره. وحكى ابن عبد السلام في باب الأقضية قوله: بأنه لا يعتق ولو تمادى على إقراره.

فرعان؛ أولهما لابن القاسم في العتبية: فيمن أخبر عن رجل أن أعتق عبده، فإن أخبر أنه علم ذلك منه وسمعه أعتقه، ليس بخبر غيره رأيت أن يعتق عليه، قال في البيان: وهو تفسير المدونة. الثاني: إذا فرعنا على المشهور فولاؤه عند ابن القاسم للذي أخبر عنه أنه أعتقه، وقال أشهب المغيرة: للذي عتق عليه.

الصِّيغَةُ: لَكَ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي، أَوْ أَخَذْتُ مِنْكَ

هذا ظاهر، واعلم أن الإمام قل أن يوجد له نص في مسائل الإقرار، فلذلك تجد أكثر مسائله مشكلة كما سيظهر لك.

وَمِثْلُهُ: وهَبْتَهُ لِي، أَوْ بِعْتَهُ مِنِّي

يعني: أن الألفاظ الأولى تجري مجرى الصريح، وهذه تدل على ثبوت الحق لزوماً، فقوله:(وَمِثْلُهُ) في ثبوت الحق. (وهَبْتَهُ لِي) لأنه أقر له بالملك وادعى عليه، نعم يحلف للمقر له أنه لم يبع بالاتفاق، وفي توجيه اليمين عليه أنه لم يبع قولان.

ولَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: سَاهِلْنِي فِيهَا وشِبْهِهِ فَإِقْرَارٌ

هكذا قال ابن عبد الحكم، وكذلك عنده إذا قال: انتزعتها مني، ولو قال: والله لأقضينكما اليوم، أو قال: لا أعطيكما، وقال: لا إنها لك. وقال: لا تأخذ اليوم مني فإقرار.

وحَتَّى يَاتِيَ وَكِيلِي وشِبْهُهُ، قَوْلانِ.

اللزوم لابن سحنون، ومقابله لابن عبد الحكم.

ص: 423

ابن سحنون: ولو قال حتى يدخل علي من فائدة أو ربح، أو حتى يقدم مالي أو غلامي، أو حتى يأتي وكيلي، أو يقضي غريمي؛ فهو إقرار. وقال ابن عبد الحكم: اتزن أو اجلس، فانتقد أو زن لنفسك، أو حتى يأتي وكيلي يزن لك؛ فليس بإقرار، حلف كما قال: حتى يأتي وكيلي أو غلامي الذي فكها منك؛ فهو إقرار منه أو الوكيل أو الغلام قبضها وليس بإقرار منه أنها عليه، وقد يقول: حتى يأتي وكيلي أو غلامي فاسأله، ومنشأ الخلاف هل ذلك وعد بالقضاء أو كالاستهزاء.

ابن عبد السلام: والأظهر من جهة اللغة قول ابن عبد الحكم، ومن جهة العرف قول سحنون.

ولَوْ قَالَ: مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَاخُذُهَا، مَا أَبْعَدَكَ مِنْهَا وشِبْهَهُ؛ لِمْ يَلْزَمْهُ

لأن كلامه ظاهر في الاستهزاء. ابن عبد السلام: وكذلك إذا أجاب بقوله: ما أبعدك منها وحده.

ولَوْ قَالَ: ألَيْسَ لِي عِنْدَكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: بَلَى أَوْ نَعَمْ لَزِمَهُ

فإن كلامه في (بَلَى) ظاهر؛ لأنها توجب النفي. وأما (نَعَمْ) فإنما ألزم بها قضاء على عرف الناس، وإما على مقتضى اللغة على المذهب الصحيح؛ لأنها تقرن ما قبلها من النفي أو غيره، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى:(ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)[الأعراف: 172] لو قالوا: نعم لكفروا؛ أي: لأنهم قالوا لست بربنا، وينبغي إذا صدر نعم من عارف باللغة ألا يلزمه شيء، ولبعض النحويين أن (نَعَمْ) كـ (بَلَى)، قال في كتاب ابن سحنون، ومن قال لرجل: أليس قد أقرضتني أمس ألف درهم، فقال الطالب: بلى أو نعم، فجحد المقر بالمال يلزمه، ولو قال: أما أقرضتني، أو قال: ألم تقرضني، فهو سواء يلزمه إذا ادعى الطالب المال، وهذا نحو ما ذكره المصنف، لكن قاله ابن عبد الحكم: يحلف المقر ولا يلزمه شيء، وإنما سأله لاستفهام ما عنده من العلم، فليس قوله: أليس بإقرار، وكذلك قوله: ألم تقرضني كذا؟

ص: 424

خليل: وهذا موافق لقول أكثر النحويين، فإن ابن عبد الحكم ساوى بين الجواب ببلى ونعم، وحمل الكلام على الاستفهام كما ذكر لا على أنه أقر، حتى ينظر في جواب المقر هل وافق على ذلك الإقرار، أم لا.

ابن عبد الحكم، وابن المواز: وأما إن قال: لا أوفيك العشرة الدراهم التي لك عليَّ، فقال: لا؛ فهو إقرار ويغرم العشرة. قال: وإنما استفهم ذلك الإقرار في القضاء.

الْمُجْمَلَةُ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ فيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ وإِنْ قَلَّ

لأن شيئاً أنكر النكرات فيصح أن يفسر بكل شيء، وإن خالفه المقر له حلف على رد دعواه. وفي كتاب ابن سحنون: فيمن أقر أنه غصب فلاناً شيئاً ولم يبينه، ثم قال: هو كذا، وقال الطالب: هو كذا ولم يقل شيئاً؛ القول قول الغاصب فيما ذكر مع يمينه، وإن ادعى الطالب غيره؛ فإن نكل الغاصب فالقول قول الطالب مع يمينه، فإن أبى المقر أن يسمي شيئاً جبر أن يسمى ما أقر به، وإلا سجن حتى يذكر شيئاً وإن طال قوله، وقيل: هكذا وقع في بعض النسخ وهو صحيح؛ لأن هذا منسوب لابن الماجشون، وفي بعضها، وقالوا: ولعل ذلك من المصنف إشارة إلى تخريج الخلاف في كل من المسألتين، والفرق بينهما؛ أن عرف الناس في قولهم: له عندي مائة وشيء أنها مائة كاملة، بخلاف ما إذا أقر بشيء مفرداً.

ابن شاس - بعد أن ذكر كلاماً عن ابن الماجشون -: ولو قال: مائة وشيء؛ اقتصر على المائة، لأن الشيء الزائد لا يمكن رده إلى [564/أ] تقدير، كرد الشيء المستثنى فيبطل؛ إذ هو شيء لا مخرج له.

ابن راشد: وحكى غيره عن ابن الماجشون أنه قال: إذا أقر في مرضه بعشرة دنانير وشيء ثم مات ولم يُسأّلْ؛ أن الشيء يسقط لأنه مجهول ويلزم ما سمى، وكذلك لو شهدت بينة

ص: 425

بذلك على رجل ولم يعرف كم الشيء؛ فيسقط الشيء وثبت العدد. فقوله: ثم مات ولم يُسأَل. يقتضي أنه لو عاش سئل، ومقتضى ما حكاه ابن شاس أنه لا يُسْأَل. انتهى.

ولَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوِ الأَرْضِ أَوِ الْحَائِطِ حَقٌّ وفَسَّرَهُ بِجِذْعٍ أَوْ بَابٍ مُرَكَّبٍ، فَثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ مِنْ وفِي ....

القولان الأولان لسحنون، فإنه يقول أولاً يقبل ذلك منه، ثم رجع إلى أنه لا يقبل، والثالث لابن عبد الحكم: إن قال: (مِنْ) لم يقبل منه ما ذكر، ورأى أن (مِنْ) للتبعيض، ورأى كونها لابتداء الغاية أو غير ذلك بعيد، أو إن قال:(فِي) قبل منه ذلك؛ لأنها تقتضي الظرفية، فظاهره أن الحق في الدار لا من الدار، وظاهر ما في النوادر أن الخلاف إنما هو في (فِي) وأم (مَنْ) فلا يقبل منه إلا أن يقر بشيء من رقبة الدار، وقاله ابن رشد، وأما إن لم يقيد بالدار بل قال: لك عليَّ حق، فهو مثل قوله: لك عليَّ شيء، فلو فسره بأن قال: أردت حق الإسلام؛ ففي كتاب ابن سحنون: لا يصدق. ولا بد أن يقر بشيء له ويحلف على نفي دعوى الطالب إن ادعى أكثر منه، قال: وكان سحنون ينظر فيه على نحو ما ينزل مما يتكلمان فيه، وإن كانا تنازعا في ذلك المال أخذناه بذلك، وإن تنازعا فيما يجب لبعض على بعض من حق وحرمة لم يؤخذ هذا المال.

ولَهُ عَلَىَّ مَالٌ. قِيلَ: نِصَابٌ. وقِيلَ: رُبُعُ دِينَارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ

الأول هو المشهور في المذهب وهو منسوب لابن وهب، وقوله:(نِصَابٌ) أي: عشرين ديناراً من الذهب ومائتا درهم من الورق، ومثله لابن المواز فيمن أوصى أن لفلان عنده مالاً. والقول الثاني لابن القصار، وذكر أنه لا نص لمالك في ذلك، وأن ذلك هو الذي يوجبه النظر عنده على مذهب مالك. والقول الثالث في كتاب ابن سحنون وهو اختيار الأبهري.

ص: 426

ومَالٌ عَظِيمٌ كَذَلِكَ. وقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ. وقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ

قال الأبهري، إذا قال له: علي مال عظيم أو نفيس؛ فهو مثل قوله: عليَّ مال، فيقبل تفسيره. وقال غيره: يلزمه ثلاثة دراهم أو ربع دينار. وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أنه يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وقاله سحنون وغيره، وهذا معنى قوله:(ومَالٌ عَظِيمٌ كَذَلِكَ).

وقوله: (وقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ. وقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ) أي: هذان القولان زائدان على الثلاثة المتقدمة في المسألة السابقة، وفي عد المصنف لهما قولين نظرٌ؛ لأن ابن شاس وغيره ذكروا أن عبد الوهاب رأى أنهما وجهان تحتملهما المسألة فقط، على أن هذا كله استحسان.

ولَهُ كَذَا مِثْلُ شَيْءٍ

أي: فيقبل تفسيره، وقد تقدم أن (شيئاً) أنكر النكرات عند النحويين فيكون أنكر من كذا.

ابن عبد السلام: وهو ظاهر كلام الفقهاء فـ (شيء) يقبل التفسير بأجزاء المتملكات، وكذا لا يفسر بالأجزاء وإنما يفسر بالواحد الكامل.

فَأمَا كَذَا دِرْهَماً فَعِشْرُونَ

لأنه إنما يميز بالواحد المنصوب من العشرين إلى التسعين، فأثبت المحقق وألغى المشكوك؛ لأن الأصل براءة الذمة، لكن يحلف عليه إن ادعى المقر له أكثر.

وكَذَا كَذَا دِرْهَماً أَحَدَ عَشَرَ

لأنه كناية عن المركب، وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر.

ص: 427

وكَذَا وكَذَا أَحَدٌ وعِشْرُونَ

لأن المعطوف في العدد غير المركب من أحد وعشرين إلى تسع وتسعين، وعلى هذا لو قال: كذا درهم؛ للزمه مائة، لأنها أول عده يضاف إلى المركب، ولو قال: كذا درهم لزمته ثلاثة، وما ذكره المصنف هو قول ابن عبد الحكم، وهو جار على مقتضى اللغة، وينبغي هنا أن يرجع إلى العرف ولهذا قال:

وقَالَ سُحْنُونٌ: مَا أَعْرِفُ هَذَا، ويُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ، ولَهُ خِمْسُونَ ونَيِّفٌ فَقِيلَ فَتَفْسِيرُهُ. وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وقِيلَ: ثُلُثُ الأَوَّلِ ....

تفسيره: يقبل تبيينه ولو بجز من واحد، وهو قول ابن شعبان، والقولان الآخران حكاهما في النوادر ولم يعزهما.

ابن عبد السلام: إن أقربهما إلى اللغة الثاني.

الجوهري: النيف الزيادة يخفف ويشدد وأصله من النواف، يقال: عشرة ونيف، ومائة ونيف، وكلما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني، قال: وهذا يدل على فساد القول الثالث؛ لأن ثلث الخمسين يزيد على الستين.

ابن عبد السلام: وقد يقال هذا إنما يرجع إلى الأول؛ لأنه إنما قال: النيف لمطلق الزيادة لا يقيد كونها ثلاثة، وينبغي أن يعول على العرف إن كان وإلا فعلى اللغة.

وفِي أَلْفٍ ودِرْهَمٍ وشِبْهِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَلْفٍ وَوَصِيفٍ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ، وإِلا فَمَعْطُوفُهَا ....

يعني: اختلف إذا ذكر عدداً مبهماً ثم عطف عليه عدداً مفسراً، هل يكون المعطوف مفسراً للمعطوف عليه أولاً فيقبل تفسيره في المعطوف عليه، أو يفرق؟ فإن كان المعطوف جرت العادة بالتعامل به كالدرهم والفلس والبيضة والجوزة؛ كان مفسراً للمعطوف

ص: 428

عليه أولاً كوصيف وكتاب، فيقبل تفسيره مطلقاً لابن القصار، ولا أعلم صاحب مقابله، وفي إشكال في مثل ألف ووصيف، والثالث في كتاب ابن سحنون.

وَالْوَصِيَّةُ بَجُلِّ الْمائِةِ وقُرْبِهَا ونَحْوِهَا. قِيلَ: الثُّلُثَانِ فَمَا فَوْقَهُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وقِيلَ: الثُّلُثَانِ. وقِيلَ: خَمْسُونَ.

الأول نقل سحنون أن عليه أكثر الأصحاب. قال، وقال بعضهم: يلزمه ثلثا المائة، وقال آخرون: يلزمه النصف وشيء، وذلك أحد وخمسون وفيه بعد؛ إذ لا يستعمل في العرف جل المائة وقربها ونحوها في أحد وخمسين.

وقَالُوا فِي مِائَةٍ إِلا قَلِيلاً، وإِلا شَيْئاً كَذَلِكَ

أي: قال القائلون [564/ب] الثلاثة في المسألة السابقة هنا كذلك، وكذلك النقل، ويحتمل عدها على أهل المذهب، وهذه المسألة نص عليها سحنون في الوصية وجعلها مع الأولى مسألة واحدة، فإن قيل: فلم قال المصنف قالوا ومن عادته ألا يفعل ذلك إلا للإشكال؟ قيل: لأنه رآها بخلاف ما بعدها، وهو قوله:

وَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ بِمائِةٍ إِلا شَيْئاً لَزِمَهُ أَحَدٌ وتِسْعُونَ، وفِي عَشَرَةِ آلافٍ إِلا شَيْئاً تِسْعَةُ آلاف ومِائَةٌ ....

ولعله أشار إلى تخريج الأقوال السابقة، وتخريج هذا القول في المسألة السابقة، ويحتمل أن يكون أشار إلى ضعف ما أشار إليه ابن شاس وغيره؛ لأنهم أتوا بالمسألتين السابقتين في باب الإقرار، فيفهم من ذلك أنهم رأوا أن باب الإقرار مساو لباب الوصية، وإلا لما أتوا بالمسألتين في باب الإقرار. أشار المصنف إلى ضعف هذا وأنه لا ينبغي أن يخرج من أحدهما في الأخرى؛ لأنهم قضوا في الوصية بمائة إلا شيئاً على حكم آخر، وفي هذا بعد، وفي قوله: (وَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ

إلخ) نظر؛ لأن كلامه يقتضي أن أهل المذهب كلهم أو أكثرهم قالوا هذا، إنما هو لابن الماجشون.

ص: 429

ابن عبد السلام: ولا نعلمه لغيره، وهو مبني على مذهبه أنه لا يجوز استثناء الصحيح من العدد، وإنما يجوز استثناء الكسر، فلا تجوز عنده: له عليَّ عشرة إلا درهم. وإنما يجوز إلا نصف درهم وشبهه، ولا يجوز مائة إلا عشرة؛ لأن العشرة آحاد المائة، فلذلك لزمه أحد وتسعون اكتفاء بمطلق القلة عن عشرة، وكذلك لا يجوز عنده عشرة آلاف إلا ألف؛ لأن نسبة الألف إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة، ولذلك لزمه تسعة آلاف ومائة.

ودِرْهَمٍ عَلَى التعَامَلِ بِهِ عُرْفاً ولَوْ مَغْشُوشَةً، وإِلا فَزِنَةُ سَبْعَةِ أَعْشَارِ دِينَارٍ مِنَ الْفِضَّةِ

وإن لم يكن عرفٌ فيحمل على الدرهم الشرعي، وهو معنى قوله:(فَزِنَةُ سَبْعَةِ أَعْشَارِ دِينَارٍ) أي: على ما تقدم في باب الزكاة، وينبغي إن كان في البلد دراهم مختلفة الوزن والجودة أن يحمل كلام المقر على أقلها وزناً وصفةً، فإن خالفه المقر له حلف كما تقدم، وينبغي أن يقيد ما ذكره من إلزامه الدرهم الشرعي إذا لم يكن عرف بما إذا كان تكلم بمتعدد فالدرهم الشرعي.

فَلَوْ فَسَّرَ مُتَّصِلاً قُبِلَ

أي: إذا قال متصلاً ناقصاً أو مغشوشاً قبل ذلك منه، ولا يقبل إذا كان غير متصل، وهكذا قال ابن المواز، وهو صحيح إن فسرها بما يقبله الكلام على بعد، وأما إن قال: ردهم رصاص وشبهه لم يقبل، وصرح في الجواهر بأنه لا يقبل تفسيره في الفلوس؛ أي: سواء كان متصلاً أم لا.

ابن عبد السلام: ولعل مراد المؤلف أن المقر لم يبين الوجه الذي تعلقت به الدراهم في الذمة، وأما لو أقر بأنها تقررت من بيع وخالف في ذلك المقر له؛ لرجع الحكم فيها إلى ما تقدم من اختلاف المتبايعين، ولو قال: من فرض. فإن أقر بما يقرضه الناس غالباً قبل منه، وإن أقر بما لا يقرضه الناس غالباً، فقال سحنون: اختلف أصحابنا فيمن أقر بفلوس،

ص: 430

وقيدها بأنها الفلوس الكاسدة وأنها من قرض. قال بعضهم: يقبل. وقال بعضهم: لا يقبل. ولو وصل إقراره بقوله أنها وديعة، ثم ذكر بعد ذلك أنها زيوف أو بهارج لقبل ذلك منه، بخلاف أن لو كان ذلك من غصب أو قرض، وذكر ابن عبد الحكم فيمن أقر بدراهم وديعة ثم قال: هي مغشوشة. فإنه اختلف قول ابن القاسم هل يقبل ذلك منه، أم لا.

ودَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: أَرْبَعَةٌ. وَقِيلَ: تِسْعَةٌ. وقِيلَ: مِائَتَانِ

الأول لابن عبد الحكم، ووجهه: أنه قال دراهم، فلزمه ثلاثة حملاً على أقل الجمع؛ لأن الأصل براءة الذمة مما زاد فزيد لأجل الكثرة درهم؛ لأن ما زاد على ذلك مشكوك فيه، ويفهم من هذا أن ابن عبد الحكم يوافق مالكاً في لزوم ثلاثة في قوله: عندي دراهم. ومخالف لابن الماجشون في قوله أنه لا يلزمه إلا درهمان، بناءً على أن أقل الجمع اثنان. قوله:(وَقِيلَ: تِسْعَةٌ) لأن ذلك تضعيف لأقل الجمع ثلاث مرات. وقيل: مائتان؛ لأنهما نصاب الزكاة، وفي هذين ضعف.

ابن راشد: وقيل: يلزمه خمسة؛ لأن الأعداد منها قليل وكثير، ولا قليل ولا كثير، والقليل ثلاثة، ولا قليلاً ولا كثيراً أربعة. وقال عبد الوهاب في المعونة: تلزمه ثلاثة لأنه أقل الجمع، وهي كثيرة بالنسبة إلى الإثنين.

ولا قَلِيلَةٌ ولا كَثِيرَةٌ أَرْبَعَةٌ

هكذا نص عليه ابن عبد الحكم، ولعله كالمخالف لقوله في التي قبلها، وهذا كله استحسان.

ص: 431

وَمِنْ واحِدٍ إِلَى عَشْرَةٍ. قِيْلَ: تِسْعَةٌ. وَقِيْلَ: عَشْرَةٌ

لا شك في دخول الدرهم الأول، فالقولان في الدرهم العاشر مبنيان على أن ما بعد (إِلَى) هل يدخل أم لا؟ وقد اختلف أهل اللغة في ذلك، ولذلك اختلف الفقهاء في المرفقين وغيرهما.

ومَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ. قَالَ سُحْنُونٌ: عَشَرَةٌ مَرَّةً، وتِسْعَةٌ مَرَّةً، وثَمَانِيَةٌ مَرَّةً

حقيقة الكلام تمنع الدرهم الأول من الدخول، وقولان في الدرهم العاشر كالقولين في الفرع السابق، ويرى من ألزمه الدرهم الأول أن العرف يقتضي ذلك.

وعَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ. قِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ

الأول أقرب إلى عرف العامة، والثاني لسحنون وهو الجاري على اصطلاح الحساب، ولو فرق بين أهل الحساب وغيرهم لكان حسناً.

بِخِلافِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وبِخِلافِ عَشَرَةٍ بِعَشَرَةٍ فَإِنَّهَا عَشَرَةٌ فِيهِمَا

لأن ضرب الحساب هنا لا يتأتى؛ لاختلاف الجنس، فيكون المعنى: له عندي عشرة دراهم ووعاؤها عشرة دنانير.

ابن عبد السلام: وهذا هو الذي يعطيه كلام المؤلف لتعقبه بالكلام على الوعاء.

وثوبٍ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ فِي مِنْدِيلٍ، فِي لُزُومِ ظَرْفِهِ قَوْلانِ

يعني: إذا قال له عندي ثوب في صندوق أو في منديل ونحو ذلك، فلا خلاف في لزوم الثوب، واختلف في الظرف، فقال سحنون عن [565/أ] أبيه فيمن قال: غصبت فلاناً ثوباً في منديل، يأخذه بثوب ومنديل ويكون مصدقاً في صفتهما، وكذلك عشرة أثواب في عيبة. وقال ابن عبد الحكم: لا يلزمه المنديل ولا العيبة.

ص: 432

قال في النوادر، ولو قال: غصبتك ثوباً في ثوب لزمه ثوبان، وكذلك عشرة في ثوب لزمه أحد عشر، بخلاف ثوب في عشرة، فإن العرف أن الثوب يكون وعاء لمثله ويكون وعاء العشرة، ولا يكون الثوب في عشرة أثواب. قال: وفي المسألة قولان - أي: في ثوب في عشرة أثواب - أحدهما: لا يلزمه إلا ثوب. والثاني: يلزمه أحد عشر. انتهى بمعناه.

بِخِلافِ زَيْتٍ فِي جَرَّةٍ

ظاهره أنه يتفق هنا على لزوم الجرة، والفرق بينه وبين الأول؛ أن الزيت يفتقر إلى الجرة، بخلاف ما تقدم وليس كذلك، فإنه حكى في النوادر الاختلاف هنا عمن حكى عنه الخلاف في المسألة السابقة.

وجُبَّةٍ بِطَانَتُهَا لِي، وخَاتَمِ فَضَّةٍ لِي نَسَقاً يُقْبَلُ

هذا إذا كان إقراره مجرداً عن الغصب، وأما إن قال: غصبته هذا الخاتم وفصه لي. فقال أشهب، وابن سحنون: هذا مثل الإقرار المجرد. وقال ابن عبد الحكم: الفص للمقر له، ولو قال: لا أعلم، لحلف ما علم ذلك وكان له الفص.

واحترز بقوله: (نَسَقاً) مما إن ذكر ذلك بعد مهلة فإنه لم يسمع منه، وحكى ابن المواز عن ابن عبد الحكم ووافقه في القائل في باب: هذه خشب، هذا الباب لفلان ومساميره لي، أو خشبه لي ومساميره لفلان، فهو كما قال ويكونان شريكين بمقدار المسامير من الخشب.

ابن المواز: وإن قال: هذا الباب لفلان ومساميره لي. فقال أشهب: هو كما قال، وكأنه عندنا ليس باستثناء من ابن عبد الحكم، وأنا أرى أن الباب كله للمقر له وليس باستثناء.

ص: 433

وَلَوْ أَشْهَدَ فِي ذِكْرٍ بِمِائَةٍ، وفِي آخَرَ بِمِائَةٍ فَآخِرُ قَوْلَيْهِ مِائَةٌ

يعني: إذا أقر على نفسه في وثيقة، وهي معنى قوله (فِي ذِكْرٍ) أن لفلان عليَّ مائة ولم يذكر سببها، ثم أشهد في وثيقة أخرى بمائة، فآخر قولي مالك: إنما تلزمه مائة؛ لاحتمال أن تكون المائة الأولى من الثانية، ويحلف المقر على ذلك. ورأى في القول الآخر أن الغالب أنه إنما اشهد في الذكر الآخر بحق آخر.

سحنون: واتفق الأصحاب جميعاً أنه إذا أقر له بمائة بعد المائة فلا يلزمه إلا بمائة؛ أي: بخلاف الإشهاد أما لو ذكر السبب وكان السببان مختلفين؛ لزمه مائتان بلا إشكال.

ابن عبد السلام: وكذلك عندي إذا كان الإقرار مجرداً، غير أن إحدى المائتين حالة والأخرى مؤجلة وتاريخها بعد تاريخ الأولى.

وبِمِائَةٍ وبِمِائَتَيْنِ فِي مَوْطِنَيْنِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الأَكْثَرُ أَوَّلاً لَزِمَتْ ثَلاثُمِائَةٍ

يعني: إذا أقر بمائة في موطن ثم أقر بمائتين أو تقدم الإقرار بالمائتين، فقال محمد: يلزمه ثلاثمائة نظراً إلى اختلاف المالين. وقال ابن سحنون: اضطراب قول مالك في هذا، وآخر قوليه أن يحلف المقر ما ذاك إلا مال واحد، ثم لا يلزمه إلا مائتان، وبه أخذ ابن عبد الحكم وابن سحنون، ونقل ابن حبيب عن أصبغ التفرقة، فإن أقر بالأقل أولاً صدق المقر؛ لأن الأقل دخل في الأكثر، وإن أقر بالأكثر فهما مالان؛ عادة الناس إذا تقدم الأقل ثم زادوا عليه أن يجمعوه مع الأقل، بخلاف ما إذا تقدم الأكثر، ولهذه المسألة والتي قبلها شبه بتكرر الوصية.

تَعَقَّبَهُ بِالرَّافِعِ

أي: تعقب الإقرار بما يتوهم أنه رافع.

ص: 434

فقَالَ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ وشِبْهِهِ فَأَنْكَرَ لَزِمَهُ، بِخِلافِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ خَمْراً بِأَلْفٍ

لأن قوله: عليَّ ألف، إقرار منه بألف. وقوله بعد ذلك: إنها من ثمن خمر أو ميتة أو شيء لا يصلح بيعه يعد ندماً، ولذلك إذا أنكر لزمه الألف.

ابن عبد السلام: وهذا صحيح على قول من يبعض كلام المقر من أصحابنا، وأما من لا يبعضه فالأقرب أنه لا يلزمه شيء؛ لأن أول الكلام مرتبط بآخره.

وقوله: (بِخِلافِ

إلخ) أي: فلا يلزمه شيء؛ لأنه هنا لم يقر بشيء في ذمته.

وكَذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ

أي: وكذلك تلزمه الألف؛ لأن قوله: (ولَمْ أَقْبِضْهُ) يعد ندماً كالأول، وهذا قول ابن القاسم وسحنون وغيرهما.

ابن شاس: وقيل: القول قوله وعلى البائع البينة أنه سلم العبد إليه.

بَخِلافِ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ

أي: فلا يلزمه شيء؛ لأن قوله: (اشْتَرَيْتُهُ) لا يوجب عمارة الذمة، إلا بشرط القبض في البيع فهو لم يقر به، وفيه بحث لا يخفى عليه.

وعَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ حَرِيرٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رِباً؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ قَضَيْتُهُ ....

هكذا وقع في بعض النسخ حرير، وكذلك وقع في نسخة ابن راشد وابن شاس وهو الصواب، وما وقع في بعض النسخ خنزير فليس بصحيح؛ لقوله:(ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رِباً؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ) إذ هو حرام من أصله، ومعنى كلامه: إذا أقر لفلان أن له عليه ألف درهم. قال في الجواهر: ثم أقام بينة أنه ربا. وقال سحنون: تقبل منه البينة أن ذلك ربا ويرد ذلك أصل رأس ماله وبالأول قال سحنون.

ص: 435

خليل: وعلى هذا فالمسألة على ثلاثة أوجه؛ إن لم يكن إلا دعواه أنه ربا؛ لم تقبل اتفاقاً. وإن أقام بينة على إقرار الطالب أن التبايع لم يقع بينهما إلا على الربا الذي ادعاه المقر؛ قبل باتفاق. وإن قالت: البينة نشهد أن له عليه ألفاً من ربا، وفي معناها أن تشهد على أن الطالب أقر أن عنده ألفاً من ربا، فالأصح عدم القبول خلافاً لابن سحنون. وصحح المصنف الأول؛ لأنه لا منافاة بين هذه الشهادة وبين ما ذكر المقر؛ لإمكان وقوع يتعين منهما اشترى منه حريراً بألف في زمان واشترى منه بعد ذلك أو قبله من الأشرية الربوية بألف.

وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ قَضَيْتُهُ) أي: لا تقبل بينته أنه ربا، كما لا يقبل منه دعوى القضاء في قوله: عليَّ ألف لفلان [565/ب] قضيته.

بِخِلافِ إِقْرَارِ الْمُقَرِّ لَهُ

أي: بأنه ربا، ولا إشكال في هذا.

وأَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ يَلْزَمُهُ

هكذا نقل ابن سحنون عن جميع أصحابنا، ووجهه أنه لما لفظ بإقرار فقد علمنا أن الله شاء بحكمه، والقاعدة أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في غير اليمين بالله تعالى. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه شيء، وكأنه أدخل ما يوجب الشك، واختلف أيضاً في القائل: لك عليَّ ألف إن قضى الله تعالى ذلك، وإذا أراد الله، أو إن رضي الله، أو إن أحب الله ذلك، أو يسر الله ذلك، فألزمه سحنون ولم يلزمه ابن المواز.

وأَلْفٌ فِي عِلْمِي، أَوْ ظَنِّي وشِبْهِهِ قَوْلانِ

(وشِبْهِهِ) أي: فيما أظن، أو أعلم، أو أرى، أو في اعتقادي، أو فيما يحضرني، أو فيما أحسب، واللزوم لسحنون، وعدمه لابن عبد الحكم وابن المواز، وقاسا ذلك على الشهادة، فإن هذه الألفاظ تبطلها، بخلاف الإقرار.

ص: 436

وأَلْفٌ مُؤَجَّلٌ يُقْبَلُ قَولُهُ فِي تَاجِيلِ مِثْلِهَا عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ مُؤَجَّلَةٍ فِي الْقَرْضِ

يعني: أن من أقر بمال مؤجل، فإن كان من قرض لم يصدق وحلف المقر له إن أنكر الأجل؛ لأن الأصل فيه الحلول. وإن كان من بيع، فإن ادعى أجلاً مستنكراً لم يصدق وحلف المقر له، وإن ادعى أجلاً لا يستنكر، فقولان؛ أحدهما وهو الذي قدمه ابن شاس وصححه المصنف: أنه لا يلزمه ما أقر به من التأجيل. والثاني حكاه ابن شعبان: أن المقر له يحلف وتكون الألف حالة؛ لأنه أقر بالألف وادعى التأجيل، ولعل منشأ الخلافِ الخلافَ في تبعيض الجمل.

وأَلْفٌ إِنْ حَلَفَ فَحَلَفَ، أَوْ شَهِدَ بِهَا فُلانٌ فَشَهِدَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ

لأن من حجته أن يقول: ظننت أنه لا يحلف إلا على الحق، ويقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بالحق، وقد تبين لي خلاف ذلك، ويحلف المقر بعد ذلك لرد هذه الدعوى. ونقل ابن سحنون الاتفاق على ذلك، فقال: إن قال: لفلان عليَّ مائة دينار إن حلف، أو إذا حلف، أو حين يحلف، أو مع يمينه، أو في يمينه، أو بعد يمينه، فحلف فلان على ذلك ونلك المقر، وقال: ما ظننت أنه يحلف؛ فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا، ولذلك قال محمد بن عبد الحكم: إذا قال لفلان عليَّ مائة إن حلف فيها، أو ادعاها، أو مهما حلف بالعتق أو الطلاق أو الصدقة، أو قال: إن حلف مطلقاً فلا شيء على المقر بهذا وإن حلف الطالب، وكذلك قال اشهد ذلك أو كان يعلم أنها له، أو قال: إن أعارني دابته فأعاره، أو قال: إن شهد بها فلان فشهد بها على المقر؛ فلا شيء على المقر في ذلك كله، وأما إن قال: إن حكم بها فلان لرجل سماه، فتحاكما إليه فحكم بها عليه يلزمه ذلك، ونص مالك في مسألة إن شهد فشهد أنه لا يلزمه، وقيده ابن القاسم بما إذا لم يكن عدلاً، وأما العدل فيقبل عليه، ونحوه في المجموعة، ولا بد من تقييد مسألة قوله: إن حلف بما إذا لم يكن

ص: 437

ذلك على طريق الدعوى، فإن قال ابتداء: له عليَّ كذا إن حلف، وأما إن ادعى عليه بألف مثلاً، فقال: احلف وخذها، فهذا يلزمه ولا رجوع له، نص عليه ابن يونس، وفي البيان: إن نازعه في شيء، فقال: إن شهد لك فلان. تحصيل المسألة: أنه إذا قال له ذلك على وجه التبكيت لصاحبه ولإبراء الشاهد عن الكذب، فلا اختلاف أنه لا يلزمه ما شهد به عليه، وإن لم يقله على وجه ثلاثة أقوال:

أولها: لا يلزمه ما شهد به عليه، كان تحقق علم ما نازعه فيه خصمه أم لا، فلا يحكم به عليه مع شاهد آخر ومع يمين المدعي عليه، وهو قول ابن القاسم وابن سحنون وعيسى وأصبغ.

ثانيها: أنه لا يلزمه ما شهد به عليه، كان تحقق ما نازعه فيه خصمه أم لا، ويؤخذ دون يمين المدعي، وهو قول مطرف.

ثالثها: أنه لا يلزمه إن كان لا يتحقق معرفة ما نازعه فيه خصمه ولا يلزمه إن كان تحقق ذلك، وهو قول ابن دينار وابن كنانة، واختار سحنون: سواء كان الشاهد في هذا عدلاً أو مسخوطاً أو نصرانياً، وقد قيل لا يلزم؛ لأن محمل كلامه على التبكيت حتى يتبين منه الرضى بقوله، والتزام الحكم به على نفسه على كل حال في نازعه فيه من حد أو أرض أو ما أشبه ذلك محمول على التبكيت حتى يتبين غير التبكيت، ولا خلاف أن له الرجوع بقوله قبل أن يشهد. انتهى.

ابن عبد السلام: وتأمل ما حكاه سحنون وابن عبد الحكم في تعليل الإقرار على يمين المدعي مع قوله في المدونة عن مالك فيمن قال: احلف، حلف أن الحق الذي تدعيه حق وأنا ضامن ورجع، أنه لا ينفعه رجوعه، ويلزمه ذلك إن حلف الطالب، وإن مات كان ذلك في ماله ولم يجعله هبة غير مقبوضة؛ لأجل أنه أدخله في عهدة اليمين.

ص: 438

خليل: وقد يقال مسألة المدونة خارجة عن هذا وهي من باب الإلزام المرتب على شرط.

المتيطي: ومن وجب عليه اليمين، فردها على من وجبت له، أو رضي أن يحلف صاحبه فلما جاء مقطع الحقوق رجع عن الرضى، فقد لزمه الرضى كان عند السلطان أو غيره.

أبو عمران: وهذا متفق عليه، بخلاف المدعى عليه يلتزم اليمين ثم يريد الرجوع عنها فذلك له؛ لأن إلزامه لا يكون أشد من إلزام الله تعالى. قال: وقد خالفني في ذلك ابن الكاتب ورأى أن ذلك يلزمه وليس له رد اليمين، والصواب ما قدمناه.

وهَذِهِ الشَّاةُ أَوْ هَذِهِ النَّاقَةُ؛ لَزِمَتْهُ الشَّاةُ وحَلَفَ عَلَى النَّاقَةِ

يعني: إذا حقق المقر وشك وحلف في المقر به، كما لو قال: هذه الشاة لفلان، أو هذه الناقة. فذكر سحنون أو ما قبل حرف الشك وهو الأول لازم ويحلف على ما بعده، وكذلك لو قال: علي مائة أو دينار، أو له عليَّ مائة أو كذا حنطة، وفيما قاله في هذه المسألة نظر لا يخفى عليك.

وغَصَبْتُ عَبْداً مِنْ فُلانٍ لا بَلْ مِنْ فُلانٍ؛ فَهُوَ لِلأَوَّلِ ويُقْضَى لِلآخَرِ بِقِيمَتِهِ

يعني: فإن وقع الإقرار لشخص ثم [566/أ] أضرب عن ذلك الشخص وأثبته لشخص أخر؛ فإنه يقضى به للأول لإقراره به وهو متهم على إخراجه عن المقر له أولا؛ فلذلك كان للأول، ومن حجة الثاني أيضاً أن يقول: أنت قد اعترفت بأنه لي بإضرابك عن الأول وقد ضيعته بإقرارك به للأول أولاً، فلذلك ألزم المقر قيمة المقر به للثاني إن كان مقوماً، أو مثله إن كان مثلياً، هكذا قال سحنون وغيره.

ابن عبد السلام: وهو المعروف. ابن القاسم في العتبية: ولا يمين عليه.

عيسى: إلا أن يدعيه الثاني، فإن ادعاه فله اليمين على الأول، فإن حلف فكما ذكرنا، وإن نكل المقر له أولاً حلف المقر له ثانياً وكان العبد له ولم يكن على المقر شيء. قال في البيان:

ص: 439

وقول عيسى تفسير لقول ابن القاسم ويأتي على ما لسحنون في نوازله من كتاب الاستلحاق أنه لا شيء للمقر الثاني؛ لأنه إذا أقر له إنما أقر له بما قد استحقه الآخر لإقراره له به أولاً، وانظر هل يتخرج أيضاً فيها قول بأنه لا يكون للثاني إلا نصف القيمة من المسألة الآتية في كلام المصنف في الاستلحاق إذا قال الولد: هذا أخي لا بل هذا، فللأول النصف وللثاني نصف ما بقي، وقيل: جميعه.

وأشار ابن سحنون إلى مخالفة أشهب أيضاً في مسألة الغصب التي حكاها المصنف. قال: وقال أشهب قولاً أباه سحنون في القائل: غصبت هذا العبد من زيد من عمرو؛ أن العبد لزيد ويقضى لعمرو بقيمته، وقد اتفق سحنون وأشهب على أن من قال: غصبت هذا العبد من زيد من عمْر، أو عمر بل من خالد؛ أن العبد لزيد ويحلف إن شك فيه، ولم يعجب هذا سحنوناً؛ للإجماع فيمن قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمر بل من زيد؛ أنه يقضي بالعبد لزيد وعمر نصفين بينهما ويغرم لزيد نصف قيمة العبد إن أراد ذلك، يريد وإن أراد أن يغرم له قيمة العبد كله فذلك من حقه؛ لكونه لما قال: بل من زيد أضاف غصب الجميع إلى ملك زيد، فليس له أن يغصبه عبداً كاملاً ويرد نصف عبد. قال: وهذا يدل على قول سحنون. ابن سحنون، وقرأت على سحنون قول أصبغ: لو قال مائة دينار عندي لزيد من دين أو تعدٍ أو وديعة بل هي لعمر، ولكل واحد منهما مائة، ولو كان ذلك في سعة، فقال: هذا العبد غصبته من زيد بل من عمر، فإن قال ذلك قبل أن يقبض زيد؛ كان العبد بين زيد وعمر، ولو قال: غصبت من زيد، ثم قال: بل من عمر وقد قبض زيد العبد، فإن العبد يكون لزيد ويغرم لعمر قيمته، فقال سحنون: أصاب إلا في العبد، فإن الحكم أن يكون العبد لزيد ويقضى لعمر بقيمته، سواء قال: بل هو لعمر بعد أن قبضه أو قبل أن يقبضه.

ص: 440

ولَكَ أَحَدُهُمَا لِثَوْبَيْنِ، لَهُ تَعْيينُهُ، فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي، فَإِنْ عَيَّنَ الْمُقَرُّ لَهُ أَدْنَاهُمَا أَخَذَهُ وأَجْوَدَهُمَا بِيَمِينٍ، فَإِنْ قَالَ: لا أَدْري حَلَفَ الْمُقِرُّ، ثُمَّ حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ وكَانَا شَرِيكَيْنِ ....

يعني: وإن قال رجل لآخر: لك أحد هذين الثوبين أو العبدين فله؛ أي: فللمقر تعيينه، فإن عين الأعلى فلا كلام، وإن عين الأدنى ووافقه المقَرُّ له فكذلك، وإن خالفه حلف المقَرُّ له وأخذ الأعلى، ويبقى له الأدنى بتسليم المقَرُّ له.

ابن عبد السلام: وانظر هل ينتفع به انتفاعاً عوضاً عن قيمة الأعلى، فإن غفل عن ذلك حتى بيع الأدنى بأكثر من قيمة الأعلى يوم حلف المقر له وأخذه؛ فيكون الزائد من الثمن على القيمة موقوفاً أويتصدق به، انظر في ذلك كله، ولابن عبد الحكم ما يشبهه. انتهى.

وقوله: (فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي) فإن عين المقر له أدناهما؛ أخذه بغير يمين لعدم التهمة، وإن عين أجودهما حلف. قال في البيان في باب الدعوى والصلح: وتحليفه مثل ما في المدونة في مسألة ضمان الصناع، بخلاف ما ذهب إليه ابن المواز، فإن قال المقر له أيضاً: لا أدري، حلف المقر على نفي المعرفة، وحلف أيضاً المقر له كذلك، وما ذكره من حلفهما ويكونان شريكين نص عليه ابن القاسم في العتبية، وكذلك يكونا شريكين إذا حلف المقر له ولم يحلف المقر.

قال في البيان: وهو يأتي على القول بلحوق يمين التهمة، وعلى أنها ترجع؛ لأن كل واحد منهما يتهم صاحبه، فيقول المقر له: تعلم أن أدناهما لك ويقول المقر بالعكس، فأوجب اليمين لكل واحد منهما على صاحبه، فإن حلفا جميعاً أو نكلا جميعاً كانا شريكين كما قال؛ لاستوائهما في الحلف والنكول، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كانا أيضاً شريكين؛ لأن الناكل منهما لما نكل وجب أن يرجع اليمين على صاحبه فيحلف لقد يعلم أن أحدهما له وهو لم يحلف، إلا أنه لا يعلم أن أحدهما هو ثوبه، ويمين التهمة إنما ترجع على البت.

ص: 441

مالك: وهو رجل سوء حلف على ما لا علم له به ويأتي على القول بأن يمين التهمة لا تلحق أن يكونا شريكين في الثوبين، ولا يكون لأحدهما على صاحبه يمين، ويأتي على القول بأن يمين التهمة تلحق وأنها لا ترجع. إن نكل المقر عن اليمين وحلف المقر له؛ كان له أجود الثوبين، لأنه قد وجب له بنكول المقر. انتهى. وقال أشهب: إذا نكلا جميعاً قضى للمقر به بأدناهما.

المازري: والأصل الذي يكون عليه أكثر فروع شك المقر فيما أقر به؛ هو أن ما تيقنه المقر فإنه لا محيص له عنه وما شك فيه وأيقن المقر له أخذه على اختلاف في أخذه له، هل يأخذه بيمين أو بغير يمين؟ وما شك فيه جميعاً المقر والمقر له، ففي هذا قولان؛ أحدهما: أن الذي شك فيه يسقط غرامته ولا تجب مطالبة المقر من أجله استصحاباً ببراءة الذمة. والقول الثاني: [566/ب] أنه يقسم بينا المقر والمقر له لتساويهما في إمكان كون الكل مشكوكاً فيه، هل لهذا أو هذا، فيقسم بينهما نصفين.

والاسْتِثْنَاءُ بِمَا لا يَسْتَغْرِقُ؛ كَعَشَرَةٍ إِلا تِسْعَةً يَصِحُّ، خِلافاً لِعَبْدِ الْمَلِكِ

ذكر الاستثناء هنا لأنه من التعقب بالرافع، وحاصله أنه يصح استثناء الأكثر خلافاً لعبد الملك، والأول هو الصحيح لقوله تعالى:(إنَّ عِبَادِي) إلى قوله: (مِنَ الغَاوِينَ)[الحجر: 42] والغاوون أكثر الناس، لقوله:(ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)[يوسف: 103] ولقوله عليه السلام حكاية عن ربه: «كلكم جائع إلا من أطعمته» والمطعم أكثر.

فإن قيل: من الأخذ من الآية نظر؛ لأن الغاوين لم يدخلوا في العباد العافين إلى الله تعالى؛ لأن الآية في المؤمنين المخلصين، قيل: لا نسلم أن الغاوين ليسوا من العباد؛ لأن العباد مخلصون وغير مخلصين بدليل اتصاف العباد بالمخلصين، ولأنه يلزم حينئذ أن

ص: 442

يكون الاستثناء منقطعاً وهي خلاف الأصل، فإن قيل: اتصاف العباد بالمخلصين للمدح لا للتخليص؛ فالجواب: أن الأصل في الوصف التخصيص، وحمله على المدح على خلاف الأصل.

وعن ابن الماجشون: لا يصح استثناء الواحد الكامل، وإنما يصح استثناء الأجزاء كما تقدمت الإشارة إليه ويُرَدُ قوله؛ لاتفاق فقهاء الأمصار أنه لو قال: عندي عشرة إلا تسعة، أنه لا يلزمه إلا واحد، ويمكن أن يجاب له بأنه إنما ألزموه بالواحد نظراً إلى العرف لا إلى اللغة، ويرد عليه بأن الأصل ألا يخالف العرف اللغة. والله أعلم.

وعَلَى الْمَشْهُورِ: عَشَرَةٌ إِلَاّ تِسْعَةً إِلا ثَمَانِيَةً: تَلْزَمُ تِسْعَةٌ

لا على قول عبد الملك، وإنما لزمه تسعة؛ لأن القاعدة: أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، فقوله:(عَشَرَةٌ) إثبات أخرج منه تسعة فيبقى واحد، ثم أدخل ثمانية أخرى فكان المقر به تسعة.

وإِلَى وَاحِدٍ تَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ

يعني: أن من استثنى من العشرة إلى الواحد فيلزمه خمسة؛ أي: إذا قال عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا، وتقريره بما تقدم: أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ولك أيضاً في معرفة هذا وجهان:

الأول: أن تجمع الأشفاع والأوتار ثم تسقط الأوتار من الأشفاع، فمهما بقي شيء كان هو الباقي، فتجمع العشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنين فيكون المجموع ثلاثين، وتجمع التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد فيكون المجموع خمسة وعشرين تسقطها من الثلاثين تبقى خمسة وهي المقر بها.

ص: 443

والوجه الثاني: أن تحط الأخير فما يليه كذلك حتى الأول، فما حصل فهو الباقي فتحط الواحد من الاثنين يبقى واحد تحطه من ثلاثة، يبقى اثنان تحطهما من أربعة، يبقى اثنان تحطهما من خمسة، تبقى ثلاثة تحطها من ستة، تبقى ثلاثة تحطها من سبعة، تبقى أربعة تحطها من ثمانية، تبقى أربعة تحطها من تسعة، تبقى خمسة تحطها من عشرة، تبقى خمسة وهو المقر به.

ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: لَهُ الدَّارُ إِلا الْبَيْتَ، وقَوْلِهِ: والْبَيْتُ لِي

يعني: لا فرق في الاستثناء بأدواته وبين ما يؤدي إليه وهو ظاهر.

ابن عبد الحكم: ولو قال غصبته جميع هذه الدار وبيتها لي؛ فهذا لا يقبل منه، وقد أقر بغصب جميعها؛ لأنه قال: غصبتك بيتاً هو لي، وأما إن قال: هذه الدار وبيت فيها لي؛ قبل قوله مع يمينه.

واسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، مِثْلُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلا عَبْداً، يَصِحُّ عَلَى الأَصَحِّ وتَسْقُطُ قِيمَةُ الْعَبْدِ ....

هذا مفرع على الأصح، وعلى الأصح فيقال للمقر: صف العبد المستثنى وتقوم صفته وتسقط من الألف ويلزمه ما بقي، فإن ذكر أن القيمة تستغرق المقر به؛ بطل استثناؤه ولزم ما أقر به، قاله في الجواهر، ومقابل الأشهر حكاه ابن سحنون أنه لا يصح، ويلزمه ما أقر به قبل الاستثناء واختاره بعضهم؛ لأنه يلزم أن يكون أمرها مجهولاً بالألف واللام.

ص: 444