الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعَارِيَّةُ:
تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ
هي مشددة الياء، الجوهري: وكأنها منسوبة إلى العار؛ لأنَّ طلبَها عارٌ وعَيْب، وأنكر على الجوهري كونها منسوبة إلى العار، لأنه لو كان كذلك، لقالوا: يتعيرون؛ لأن العار عينه ياء، والعارية عند غيره مأخوذة من المعاورة: وهي الأخذُ والإِعْطَاء، يقال: هُم يتعاورون من جيرانهم، أي يأخذون ويعطون ورسمها المنصف بقوله: (تَمْلِيكُ
…
إلى آخره)، فقوله:(تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ) كالحبس، و (بِغَيْرِ عِوَضٍ) أخرج الإجارة وهو غير مانع لدخول العُمْرَى والحبس فيه، فإن قيل: يمكن أن يجاب عنه بوجهين: أولهما: منعُ كون العُمْرَى والحبس ليسا بعارية.
ثانيهما: أن العُمْرَى والحبس ليس فيهما تمليك منفعة العين، وإنما هو فيهما إباحة الانتفاع، قيل: كلاهما مردود، أما الأول: فلأنه خلاف الاصطلاح، وأما الثاني: فلأن المعمر أو المحبس عليه يملكان المنفعة بدليل أنهما يؤجران لغيرهما، والله أعلم.
وَهِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا
لأنها من المعروف والبر، فتدخل في قوله تعالى:(وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى)[المائدة: 2]، وقد اختلف في قوله تعالى:(ويَمْنَعُونَ المَاعُونَ)[الماعون: 7]؛ فقيل عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: إنه عاريَّة متاع البيت؛ كالقدر والفأس، وذهب مالك والجمهور إلى أن الماعون الذي توعد الله على منعه هو الزكاة المفروضة.
فرع:
قال في المقدمات: وأجرة حمل العارية على المستعير، واختلف في أجرة ردها، فقيل: على المستعير، وهو الأظهر، وقيل: على المعير؛ لأن العارية معروف فلا يكلف أجرة بعد معروف صنعه.
أبو الحسن: واختلف في علف الدابة المعارة، فقيل: على المعير، وقيل: على المستعير.
الْمُعِيرُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ فَتَصِحُّ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ والْمُسْتَاجِرِ
يعني: أن أركانها أربعة: المعير والمستعير والمستعار وما به الاستعارة.
وتكلم المصنف على الأول منها فالأول، وشرط في المعير شرطين: أن يكون مالكاً للمنفعة، وأن يكون غير محجور عليه، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنها تبرع، وصحت من المستعير والمستأجر؛ لأنهما مالكان للمنفعة، ونبه بالمستعير على أن الصحيح عند الشافعية: أنه لا يعير، ومنشأ الخلاف: هي المستعير مالك للمنفعة كالمستأجر أو لا؟ وإنما ملك الانتفاع، ويتخرج عندنا الخلاف في جواز إعارة الثوب المستعار من الخلاف في إجارته لمن استأجره، وكذلك فيمن اكترى دابة ليركبها فإن قول مالك اختلف في كراهة كرائها من غيره، وكذلك اختلف هنا، ففي الجلاب: ومن استعار شيئاً إلى مدة فلا بأس أن يكريه من مثله، وفي المدونة: لا بأس أيضاً أن يعيرَه من مثله.
وفي كتاب ابن شعبان: من استعار دابة ليركبها، فلا يُركبها غيره، وظاهره بعارية أو كراء.
وعلم أن تمليك الانتفاع كسُكنَى المدارسِ والجلوس في المساجد والأسواق، له أن ينتفع بنفسه فقط، ولا يعاوض عنه، وتمليك المنفعة كالإجارة، والعارية عندنا له الانتفاع والإيجار كالملك بالنكاح من ملك الانتفاع، ويستثنى من هذا جواز إنزال الضيف لأهل المدارس والرباط المدة اليسيرة للعادة، ولا يجوز استيطانه ببيت المدرسة دائماً ولا إيجاره، ولا خزن القمح فيه، وكذلك ماء الصهاريج بها، لا يجوز بيعه ولا هبته ولا الانتفاع به فيما لم تجر العادة كالصبغ الكثير، ويستثنى الشيء اليسير من ذلك، وكذلك طعام الضيف لا يجوز له بيعه ولا إطعامه، وله إطعام الهر للعادة، وكذلك البسط في الأوقاف لا يتغطى بها، والزيت للاستصباح لا يباع؛ لأن التمليك فيها مقصور على جهة العادة بشهادة العوائد، ذكر ذلك القرافي في قواعده.
الْمُسْتَعِيرُ: أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، فَلا يُعَارُ ذِمِّيٌّ مُسْلِماً
يعني: أنه يشترط في المستعير أن يكون أهلاً لأن يتبرع عليه بالمستعار، فلخصوصيته بذلك لا يعار ذمي مسلماً لما في ذلك من إذلال الكافر المسلم، وهو ممنوع، وكذلك المصحف له، وكذلك لا يعار السلاح لمن يقاتل به فيما لا يحل، ولا الأواني لمن يستعملها فيما لا يحل كالخمر، ولا الدابة لمن يركبها لإذاية مسلم ونحو ذلك.
الْمُسْتَعَارُ مَنْفَعَةٌ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَالأَطْعِمَةُ والنُّقُودُ قَرْضٌ
يعني: أن المستعار المنفعة لا الذات.
وقوله: (مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ) أي على ملك ربها، وإن استلزم الانتفاع ذهاب العين كما في الأطعمة والنقود، لم يبق ذلك عارية بل هو قرض، وأشار اللخمي إلى أنه تصح إعارة الدراهم والدنانير لمن لا يتلف أعيانها كالصيرفي يجعلها ظاهرة عنده ليراها الناس فيرغبون في الصرف منه، وكذلك الرجل عليه دين يقل ما بيده فيستعيرها لذلك.
خليل: وينبغي أن يمنع هذا لوجهين: أولهما القياس على إجارتها، فقد قال المصنف:(ولا تصح إجارة الدنانير والدراهم، وقيل: إن لازمها ربها صح)، والثاني أن في ذلك إيهاماً للناس وتغريراً لهم، والله اعلم.
وَأَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً فَلا تُسْتَعَارُ الْجَارِيَةُ لِلاسْتِمْتَاعِ
وهو معطوفٌ على (بَقَاءِ الْعَيْنِ) أي المستعار منفعةٌ بشرط بقَاء الْعينِ، (وَأَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً) ولا يريد كونها مباحة في جنسها؛ فإن ذلك شرط في صحة ملك المعير لها، وإنما يريد كون تلك المنفعة مباحة للمستعير، فلذلك لا تستعار الجارية للاستمتاع، ودخل في ذلك الوطء ومقدماته، لما في ذلك من عاريَّة الفروج؛ [573/أ] ولأنه لا يستباح ذلك إلا في ملك أو نكاح، وخالف عطاء بن أبي رباح في هذا وأجازه، وقد بالغ أهل مذهبنا في هذا حتى منعوا قرض الجواري المؤدي إلى عارية الفروج.
ويُكْرَهُ أَنْ يستخدمها لِغَيْرِ الْمحْرَم والنِّسَاءِ والصبيان
عبر بالكراهة تبعاً لابن شاس، وقد نص اللخمي في باب الإجارة: أن إجارة المرأة للرجل الغريب غير جائزة، كان مأموناً أم لا لقوله عليه الصلاة والسلام:«لا يخلو رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم» .
وأن كان له أهل وهو مأمون جاز، وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن تكون متجالة لا إرب للرجل فيها، أو يكون هو شيخ فان، وعلى هذا فمراده بالكراهة هنا التحريم. ونص اللخمي في باب العارية: على أنه تصح هبة خدمة الجارية للأجنبي إذا كان مأموناً وله أهل، فإن كان غير مأمون أو كان مأموناً ولا أهل له لم يجز للحديث المتقدم، واستثنى المحرم والنساء والصبيان؛ لأن الاستمتاع مأمون في حقهن.
اللخمي: وتجوز هبة منافعها لمن لا يحل له إصابتها من أقاربها إذا كان الواهب قد أصابها مثل: ولده وولد ولده وأبيه وجده؛ لأنها صارت من ذوات محارمه، وهذا داخل تحت قوله:(مَحْرَم).
ولا يجُوزُ اسْتِخْدَامُ أَحَدِ الأَبَوَيْنِ بِالْعَارِيَةِ، وَتَكُونُ الْمَنَافِعُ لَهُمَا
يلحق بالأبوين كل من يعتق عليه؛ لأن الاستخدام من توابع الملك، فمن لا يجوز له التمليك، لا يجوز له الاستخدام، وتكون المنفعة للعبد والأمة دون من وهبت له، واستدل اللخمي على ذلك بقول مالك في من عجل عتق عبده على أن يخدمه شهراً، أن الخدمة ساقطة، قال: لأنها بقية رق، بخلاف أن يجعل عليه دراهم.
ابن عبد السلام: فإن قلت هذ تلحق الإجارة بالعارية في هذا؟ قيل: هو محتمل، وقد قال في المدونة: ولا بأس أن يؤاجر الرجل أمه وأخته أو ذات محرم على رضاع ولده.