الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْغَصْبُ
أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَاناً مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ
الغصب لغة: أخذ كل متملك ظلماً من غير رضا صاحبه، فيتناول: السرقة، والاختلاس، والخيانة، والحرابة، والتعدي، ورسمه المصنف اصطلاحاً بقوله: (أَخْذُ الْمَالِ
…
إلى آخره): فأخذ المال جنس، وأخرج بالقهر ما أخذ من ربه اختياراً واستسراراً، كالسرقة والخيانة والاختلاس؛ لأن القهر يستدعي أن يؤخذ ذلك بعلم صاحبه، لا يقال: المختلس منه يعلم بأخذ المال، فيدخل في كلام المصنف، ويصير الحد غير مانع؛ لأنا نقول: المختلس منه إنما يعلم بأخذ المال بعد الأخذ فلا ينطبق عليه القهر، فإن القهر يستدعي علم المأخوذ منه بما قهر، وأخرج بالعدوان ما أخذ قهراً لا عدواناً، كأخذ الإمام الزكاة من الممتنع، وكأخذ المغصوب منه المال من الغاصب، ولما كانت هذه القيود تتناول الحرابة قال المصنف: من غير حرابة ليخرجها، ولا خرف في تحريم الغصب والإجماع عليه.
وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ويُؤَدَّبُ، وكَذَلِكَ ثَمَنُ مَا أَفْسَدَهُ أَوْ كَسَرَهُ بِخِلافِ ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ ....
يعني أن الغصب يتصور من غير البالغ كالبالغ، ويؤخذ بحق المغصوب منه من ماله ولا خلاف في ذلك؛ لأن إتلاف المال من باب خطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف.
وقوله: (ويُؤَدَّبُ) فهم منه أن البالغ يؤدب من باب أولى، ولا خلاف في تأديب البالغ.
قال في المقدمات: ولا يُسقط ذلك عفوُ المغصوب منه وأما غير البالغ فقال ابن عبد السلام: ما ذكره المصنف هو ظاهر المذهب والمنصوص للمتقدمين.
وفي المقدمات: لا يؤدب من لم يبلغ الحلم لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة» الحديث، وقيل يؤدب كما في المكاتب.
وقوله: (وكَذَلِكَ ثَمَنُ مَا أَفْسَدَهُ) ابن عبد السلام: هذه المسألة عند أهل المذهب من باب التعدي لا من باب الغصب، فإن المذهب التفريق بين حكمهما في الجملة وإن استويا في هذا الموضع، ومراد المصنف بثمن ما أفسده المميز أو كسره هو مطلق العوض من مثل أو قيمة، وذكر لفظ (ثَمَن) لتتم له المخالفة في ثمن ما يبيعه لفظاً كما ثبتت له معنى، وذلك أنه إذا باع الصبي شيئاً من ماله وقبض ثمنه وأتلف ذلك الثمن فلا يلزمه بيع، ويقضى على المشتري برد المبيع ولا يلزم الصبي شيء من الثمن؛ لأنه خرج من يد ربه طوعاً بخلاف ما أفسد الصبي أو كسره، فإن ذلك من غير تسليط من ربه، نعم إن صُونَ بذلك شيئاً من ماله لزمه الأقل مما صونه أو الثمن والمقابلة التي ذكرها المؤلف بين ما أفسده أو كسره ليست بحقيقة؛ لأن الإفساد أعم من التكسير.
وَفِيهَا: فِي مَنْ بَعَثَ يَتِيماً لآبِقٍ فَأَخَذَهُ فَبَاعَهُ وأَتْلَفَ الثَّمَنَ يُرَدُّ الْعَبْدُ ولا عُهْدَةَ عَلَى الْيَتِيمِ وَلا ثَمَنَ ....
ابن راشد: ذكر هذا استشهاداً لما ذكره، ويحتمل أن يكون هذا استشكالاً لعدم إمضاء البيع، وهو إنما وضع يده عليه بإذن ربه.
وجعل ابن عبد السلام هذا أقرب من الأول، وفيه نظر، بل الأول أولى؛ لأن هذا سؤال ضعيف، فإن غايته أن يكون وكيلاً على حفظه ولا يلزم بيع الموكل على الحفظ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَقِيلَ: الْمَالُ فِي مَالِهِ، والدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وقِيلَ: الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ، وقِيلَ: كِلاهُمَا ....
هذا مقابل قوله: المميز، والأقوال الثلاثة حكاها في الجواهر كالمصنف. وقوله:(والدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) أي إذا كانت الدية الثلث فصاعداً، (وقِيلَ: الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ) أي والدم على العاقلة كما تقدم، ويؤخذ من هذا أن ما أتلف المجنون هدر.
(وقِيلَ: كِلاهُمَا) أي هدر كالبهيمة والقول الأول أظهر؛ لأن الضمان من باب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف.
محمد: وإن كان صغيراً يحبو فلا شيء عليه من عقل، وهو كالبهيمة، وقال ابن القاسم: إن أفسد شيئاً فإن كان ابن ستة أشهر ونحوها لا ينزجر فلا شيء عليه، وإن كان مثل ابن سنة فصاعداً فذلك عليه.
قال في العتبية: ما أصاب [575/ب] المجنون الذي لا يعقل والصبي الصغير ابن سنة ونصف ونحو ذلك من فساد أموال الناس فهو هدر.
ابن عبد السلام: وجعل المصنف مورد الخلاف في هذه المسألة عدم التمييز، وهو حسن في الفقه غير أن الروايات لا تساعده وإنما تعرَّضُوا للتحديد في هذه المسألة بالسِّن فقيل: ابن سنتين، وقيل: ابن سنة ونصف، وقيل: غير ذلك.
وَيَكُونُ التَّفْوِيتُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ
أي: ويكون الضمان ودل عليه السياق.
(بِالْمُبَاشَرَةِ) الباء للسببية (أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ) يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: (التَّفْوِيتُ) ويكون للضمان سببان ويحتمل أن يكون معطوفاً على المباشرة، أي يكون الضمان بسبب التفويت، وسبب التفويت إما المباشرة وهو سبب محسوس، وإما إثبات اليد العادية فعلى هذا يكون الضمان بسبب واحد.
فَالْمُبِاشِرَةُ كَالأَكَلِ، والْقَتْلِ، وَالإِحْرَاقِ
ابن راشد: وهو مجمع عليه أي بقتل الحيوان أو أكل الشيء المغصوب أو إتلافه بإحراق أو بغيره.
وَإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ، وفِي الْعَقَارِ بِالاسْتيِلاءِ وإِنْ لَمْ يَسْكُنْ
(فِي الْمَنْقُولِ) أي في الحيوان والعروض (بِالنَّقْلِ)، يعني فلو هلك بعد ذلك بسماوي ضمنه.
(وفِي الْعَقَارِ بِالاسْتيِلاءِ وإِنْ لَمْ يَسْكُنْ) ظاهر والاتفاق عليه، ونبه على خلاف أبي حنيفة رحمه الله ورضي عنه فإنه يرى أنَّ مجرد وضع اليد ليس موجباً للتضمين بل حتى ينضم إليه النقل.
فَلَوْ غَصَبَ السُّكْنَى فَانْهَدَمَتِ الدَّارُ لَمْ يَضْمَنْ إِلا قِيمَةَ السُّكْنَى
هذا يخصه أصحابنا بالتعدي، فإن الغصب عندهم: هو غصب الذوات، والتعدي: هو غصب المنفعة أو إتلاف بعض السلعة، ولا فرق في التعدي بين أن يتقدم له إذن كالمستعير والمقارض والمستأجر أو لا يتقدم، وسيأتي حكم التعدي إن شاء الله تعالى.
و (لَمْ يَضْمَنْ إِلا قِيمَةَ السُّكْنَى) لأنها هي التي تعدى عليها، وهذا أحسن لو طردوه، ولكنهم قالوا في التعدي بالدابة المكان المشترط من مستعير ومستأجر: إنه يضمن الرقبة إن هلكت وكل منهما لم يقصد ملك الرقبة، فإن قيل: المتعدي على الدابة ناقل لها بخلاف المتعدي على الدار فجوابه أنهم لم يعتبروا النقل في باب الغصب فينبغي في التعدي مثله.
وَيَكْفِي الرُّكُوبُ فِي الدَّابَّةِ والْجَحْدُ فِي الْوَدِيعَةِ
أي: يكفي في وجوب الضمان في التعدي ركوب الدابة، وقد تقدم أن مجرد وضع اليد موجب للضمان فكيف بالركوب، وقد تقدم الكلام على جحد الوديعة في محلها.
وَالتَّسَبُّبُ بِالْفِعْلِ الْمُهَيِّئِ لِسَبَبٍ آخَرَ مِثْلهُمَا
أي: مثل المباشرة وإثبات اليد العادية، وحاصله أن سبب السبب كالسبب، ولذلك قال:
فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى إِتْلافِ الْمَالِ، وعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْراً عُدْوَاناً فَتَرَدَّى فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ ....
ابن راشد: سحنون في عامل أكره رجلاً على أن يدخل بيت رجل ليخرج منه متاعاً ليدفعه إليه، فأخرج له ما أمر به ودفعه إليه ثم عزل العامل، وقام رب المتاع، فله إن يأخذ بذلك من شاء منهما، فإن أخذه من المأمور رجع به المأمور على العامل، قال: وإن عزل الأمير وغاب رب المتاع، فقام المأمور وقال: أنا آخذ بالمتاع، فأغرمه لي أيها الأمير، فإنه تعدى عليه.
ابن رشد: وفي قوله (تعدى عليه) نظر، والذي يوجبه النظر أن يقضي له بتغريمه، ولا يمكن منه ويوقف لصاحبه.
وفي المبسوط عن عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ أنه لا شيء على المأمور المكره على ذلك، ونحوه لابن سحنون قال: وإن أكره بقتل أو قطع فهو في سعة أن يأخذ ويضمن الأمير دون المأمور، وإن أبى أن يأخذ حتى قتله فهو في سعة.
وقال سحنون: إذا أكره رجل آخرَ على أن يأخذ مالاً لرجل آخر، فيرمي به في مهلكة بوعيد بقتل أو سجن أو قيد، وأذن له في ذلك ربُّه من غير إكراه فلا شيء عليه، ولا على الذي أكرهه، وإن كان ربُّه مكرهاً على الإذن في ذلك فالمكْرَه الفاعل ضامنٌ وإن كان عديماً فالضمان على الذي أكرهه ثم لا رجوع له على الفاعل إذا أيسر.
ابن عبد السلام: وظاهره أن المغصوب منه يطلب المكره أولاً، فإذا غرم لم يرجع به على المكره المباشر.
وقوله: (وعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْراً عُدْوَاناً) تقدم، والعدوان أن يحفر في ملك غيره أو في ملكه قصداً للإهلاك، واحترز به مما لو حفرها في ملكه لمصلحة.
فَإِنْ رَدَّاهُ غَيْرُهُ فَعَلَى الْمُرْدِي تَقْدِيماً لِلْمُبَاشَرَةِ
أي: فإن (رَدَّاهُ) غير الحافر (فَعَلَى الْمُرْدِي) لأنه المباشر فكان أقوى من التسبب، وليس سبباً قوياً كالإكراه حتى يضمنا معاً كما تقدم، ولهذا لو قوي السبب كانا متعادلين؛ كما لو حفرها لإهلاك شخص بعينه، ورداه غيره، فإن كان إنساناً وجب القصاص عليهما وإن كان غيره ضمناه معاً قاله ابن رشد وابن عبد السلام.
وَلَوْ فَتَحَ قَفَصَ طَائِرٍ فَطَارَ أَوْ حَبْلَ دَابَّةٍ فَهَرَبَتْ، أَوْ قَيْدَ عَبْدٍ فَأَبِقَ ضَمِنَ
زاد في الجواهر: وسواء كان الطيران والهروب عقيب الفتح أو الحلِّ أو بعد مهلة، وكذلك السارق يترك الباب مفتوحاً وما في الدار من أحد، فيذهب منها شيء وشرط في المدونة في مسألة العبد أن يكون قيد خوف إباقه، وهو شرط ظاهر، ولو قيد لقصْدِ النَّكال بالعبد لم يجب على حلِّه منه ضمان وإنما ضمن في هذه المسائل؛ لأن فعله سبب للإتلاف.
وَمَنْ فَتَحَ بَاباً عَلَى دَوَابَّ فَذَهَبَتْ ضَمِنَ، وقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَهْلُهَا
الأول: مذهب أشهب، وشرط أن تكون الدواب مسرحة غير مربوطة واختاره جماعة.
والثاني: لابن القاسم في المدونة وشبهها بمسألة السارق يدع الباب مفتوحاً وأهل الدار فيها نيام أو غير نيام، فيذهب من الدار بعد ذلك شيء، أنه لا ضمان على السارق، وأما إن لم يكونوا فيها فإنه يضمن.
خليل: ويفرق لأشهب بأنا لو لم نضمنه في [576/أ] مسألة الدواب لزم ذهاب الدواب بغير غرم لأحد، بخلاف مسألة السارق فإنا إذا لم نغرم السارق الأول غرمنا السارق الثاني، وتغريمه أولى لمباشرته، والله أعلم.
وَمَنْ أَتْلَفَ مَغْصُوباً ضَمِنَ وإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، ولَوْ قَدَّمَهُ الْغَاصِبُ لِضَيْفٍ فَأَكَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ ضَمِنَ ولِصَاحِبِهِ بَرِئَ، ولو أَكرَهَ صَاحِبَه فأكَلَهُ بَرِئَ
تقدم أن الضمان من باب الوضع، فلذلك يضمن من أتلف المغصوب، وإن لم يعلم، ولو كان مغروراً كما لو قدم الغاصب الطعام فأكله ظناً منه أنه ملك المقدم، ولا يريد المصنف أنه لا يضمنه إلا الضيف، بل هي مسألة هبة الغاصب يهب الشيء المغصوب وسيأتي قوله:(ولِصَاحِبِهِ بَرِئَ) أي وإن قدمه لصاحبه برئ، وكذلك (ولو أَكرَهَ صَاحِبَه) على أكله؛ لأن ربه هو المباشر لإتلاقه، وينبغي أن يقيد هذا لما إذا كان المغصوب منه قد هيأ الطعام للأكل، وأما إن هيأه للبيع فينبغي أن يضمنه الغاصب؛ إذ هو غير معذور، فإن انتفع بذلك سقط عنه مقدار أكله؛ كما لو كان الطعام يساوي عشرة دراهم، ومن عادته أن يكتفي بنصف درهم فيغرمه تسعة ونصفاً.
ابن عبد السلام: وقد قدمنا عن سحنون ما ظاهره في مسألة الإكراه أن المغصوب منه يطلب المكرَه أولاً، فإذا غرم لم يرجع على المكرِه المباشر، وعلى هذا التقدير لا يبعد أن يقوم رب الطعام على الغاصب الذي أكرهه على الأكل؛ لأن المتسبب في مسألة الإكراه مقدم في الضمان على المباشر.
فقوله: (مَغْصُوباً) من الغصب - كما ذكرنا - لا كما قاله ابن راشد (معصوماً) من العصمة فإن هذا لا إشكال فيه ولا يساعده السياق.
ابن راشد - بناءً على نسخته -: واحترز بالمعصوم من الخمر للمسلم، ويضمنها للذميِّ خلافاً لابن الماجشون، ولا يضمن ما نقص من آلة اللهو بكسرها، ويضمن جلد الميتة بعد الدباع، واختُلِفَ في ضمانه قبله، فقال ابن القاسم وأشهب: يضمن، وروى أبو الفرج: لا يضمن، وقال أبو إسحاق: لا يضمن إلا أن يكون لمجوسي قاله ابن القاسم.
فروع:
الأول قاله مالك في الواضحة من غصب حراً فباعه فإنه يكلّف طلبه، فإن يئس منه؛ قال: أدى ديته إلى أهله.
قال في البيان: ونزلت في طليطلة فكتب القاضي بها إلى محمد بن بشير قاضي قرطبة، فجمع ابن بشير أهل العلم فأفتوا بذلك، فكتب أن يغرمه ديته.
الثاني: إذا جلس رجل على ثوب آخر في الصلاة، فقام صاحب الثوب، فانقطع الثوب، فقال مطرف وابن الماجشون: لا ضمان على الجالس، وهذا مما لا بدّ للناس منه في صلاتهم ومجالسهم، وقاله أصبغ قال: لأن الجالس لم يحصل منه غير السبب، والقطع إنما حصل بمباشرة صاحب الثوب.
الثالث: قال الشيخ أبو محمد: وإن أخبر لصوصاً بمطمر أو أخبر به غاصباً ولولا دلالته ما عرف، ضمنه بعض متأخري أصحابنا ولم يضمنه بعضهم، وكذلك يضمن إذا أقر بالرق لغيره، وباعه وهو ساكت؛ لأنه أتلف الثمن على المشتري بسكوته، إلا أن يكون صغيراً أو نحوه، ويتخرج منه قول آخر بعدم الضمان مما إذا اعتدى على رجل وقدمه للسلطان، والمتعدي يعلم أنه إذا قدمه إليه تجاوز في ظلمه وأغرمه ما لا يجب عليه.
ابن يونس: وقد اختلف في تضمينه فقال كثير عليه الأدب وقد أثم ولا غرم عليه، وكان بعض شيوخنا يفتي إذا كان الشاكي ظالماً في شكواه غرم، وإن كان مظلوماً ولم يقدر أن ينتصف منه إلا بالسلطان فشكاه فأغرمه وتعدى عليه، لم يغرم؛ لأن الناس إنما يلجأون في المظلمة إلى السلطان، وعلى السلطان متى قدر عليه رد ما أخذ ظلماً من المشكو، وكذلك ما أغرمه الرسول هو مثل ما أغرمه السلطان، يفرق فيه بين ظلم الشاكي وغيره، وكان بعض أصحابنا يفتي بأنه ينظر للقدر الذي فيه يستأجر به الشاكي في إحضار المشكو،
فيكون عليه على كل حال، وما زاد على ذلك مما أغرمه الرسول فيفرق فيه بين الظالم والمظلوم حسبما تقدم.
وَيَكُونُ لِعَيْنٍ ومَنْفَعَةٍ، فَالْعَيْنُ مِثْلِيٌّ ومُقَوَّمٌ - فَذَوَاتُ الأَمْثَالِ مِنَ الْمَكِيلِ والْمَوْزُونِ والْمَعْدُودِ، وجَمِيعُ الأَطْعِمَةِ تُضْمَنُ إِذَا تَلِفَتْ بِمِثْلِهَا
أي: ويكون الغصب، وتصور كلامه ظاهر.
وقوله: (وجَمِيعُ الأَطْعِمَةِ) من عطف الخاص على العام، وهو إذا لم يكن مكيلاً ولا موزونا ولا معدوداً فهو جزاف داخل في المقوَّمَات.
وقوله: (إِذَا تَلِفَتْ) ليس التلف شرطاً في الضمان ويكفي فيه بعض أنواع التغيير كما سيأتي.
فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ صَبَرَ حَتَّى يُوجَدَ؛ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، ولَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ الآنَ؛ عِنْدَ أَشْهَبَ
يعني: فإن كان المغصوب من ذوات الأمثال وتعذر الآن المثل كالأشياء التي لها إبان، أو غصب منه عسلاً ببلد ليس فيه عسل، فلا شك أن له الصبر إلى وجود المثل، وهل له الآن طلب القيمة؟
قال ابن القاسم في المدونة: ليس له ذلك، وقال أشهب: له ذلك، والخلاف هنا كالخلاف في السَّلْمِ في الفاكهة بعد خروج إبانها؛ فإن ابن القاسم أيضاً قال: يصبر إلى إبانه، وقال أشهب: يؤخذ بالقيمة وليس له التأخير ويأخذه بالمثل؛ لأن ذلك فسخ دين في دين، وأشار ابن عبدوس إلى تناقض قول أشهب لكونه أجاز له في الغصب التأخير، قال: وإنما ينظر فإن كان الموضع يوجد في مثل الطعام على يوم أو يومين أو ثلاثة، والأمر القريب فليس له إلا مثل الطعام حتى يأتيه به، وإن كان بعيداً مما على الطالب في تأخيره
ضرر أو كان استهلك في لجج البحر وفي فياف بعيدة من العمران، فهذا يغرم قيمته حيث استهلكه ويأخذه به حيث لقيه، وقد يجاب لأشهب بأن التهمة على فسخ الدين في الدين تقوى في البيع؛ لأنه [576/ب] واقع اختياراً بخلاف الغصب، فلذلك ضعفت فيه التهمة.
فَإِنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وهُوَ مَعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إِلا مِثْلُهُ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، وقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ أَخْذُهُ أَوْ أَخْذُ مِثْلِهِ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، قَالَ سَحْنُونٌ: مَا أَعْرِفُ هَذَا، وقَالَ أَصْبَغُ: فِي الْبَعِيدِ كَابْنِ الْقَاسِمِ، وفِي الْقَرِيبِ كَأَشْهَبَ. وَلا خِلافَ أَنَّ الْغَاصِبَ يُمْنَعُ مِنْهُ حَتَّى يُوثَقَ مِنْهُ ....
تصور المسألة والأقوال من كلامه ظاهر، فرأى ابن القاسم في المدونة أن النقل فوت لأن الغاصب غرم على حمله مالاً، وقاعدة أشهب في هذا الباب أن يحمل على الغاصب لظلمه، وتفرقة أصبغ استحسان.
وعلى قول ابن القاسم: إنه ليس عليه إلا مثله لمكان الغاصب، فلو اتفق على أن يأخذه بعينه أو مثله بموضع نقله فيه أو يأخذ فيه ثمناً جاز بمنزلة القرض قبل قبضه وقال أصبغ: قيل: ويسقط التعجيل لئلا يدخله فسخ الدين في الدين، وحكى عن مالك منع أخذ الطعام مخالفاً للطعام المنقول، وكذلك قال العراقيون: إن حكم طعام الاستهلاك حكم طعام البيع.
وقوله: (وهُوَ مَعَهُ بِعَيْنِهِ) احترز لو لم يكن معه فإنه ليس له إلا مثله ببلد الغصب عند ابن القاسم، وقال أشهب: له أن يغرمه مثله بالبلد الذي لقيه فيه إن كان سعر البلدين سواء أو كان سعر البلد الذي لقيه فيه أرخص، وخرج اللخمي على قوله فيما إذا عدم الإبان فيما له إبان أن يكون له هنا أخذ القيمة إذا بعد ما بين البلدين.
وقوله: (وَلا خِلافَ أَنَّ الْغَاصِبَ يُمْنَعُ مِنْهُ) أي من الطعام وشبهه من المثليات حتى يتوثق منه، أي برهن ثقة أو بضمان.
فرع:
ولو أراد المغصوب منه تكليف الغاصب برد شيئه إلى مكان الغصب فليس له ذلك على المشهور خلافاً للمغيرة، فإنه قال: إذا غصب خشبة من عدن وأوصلها إلى جدة بمائة دينار أن لربها أن يكلفه ردها إلى مكان الغصب، وله أن يأخذها بعينها، قال: وإن نقلها بوجه شبهة، وقيمتُها حيث وصلتْ أكثر من قيمتها في المكان الذي منه نُقلت فأراد ربها أخذها، كلف أن يدفع لحاملها الأقل من كرائها أو ما زاد في قيمتها.
وذكر ابن حبيب في من استؤجر على حمل ينقله إلى بلد فنقل غيره خطأً أنَّ لصاحبه تضمين الناقل أو أخذ ما نقله بعد أن يؤدي الكراء عند ابن القاسم، ولا يلزمه عند أشهب ولا يلزم الحمَّال إعادته إلى موضعه، وليس للحمال قول إن قال: أنا أرده إلى مكانه وعلى الحمال أن يرجع فيحمل ما استؤجر عليه.
اللخمي: قال أصبغ في الواضحة في هذا: إن صاحب الأحمال مخير بين أن يلزمه ردها أو يأخذها ولا كراء له، إلا أن يعلم أن صاحبها كان راغباً في وصولها فيكون عليه كراء المثل.
فَإِنْ أَتْلَفَ حُلِيّاً فَقِيمَتُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ
يعني: أن في المثلي إذا دخلته صنعة فذهب ابن القاسم أنه يصير من المقومات، ورأى غيره وهو في المدونة أيضاً أنه لا يتغير، ونحو هذه المسألة الغزل إذا استهلك وسأتي.
وَلَوْ كَسَرَهُ أَخَذَهُ وقِيمَةَ الصِّيَاغَةَ
أي: لو كسر الحلي أخذه وقيمة الصياغة؛ لأنها كسلعة مضافة إلى عين الذهب أو الفضة، هذا مذهب ابن القاسم في باب الغصب وفي الرَّهن، وكان ابن القاسم يقول: إذا كسر الخلخالين فإنما عليه ما نقصت الصياغة ثم رجع إلى أنه يغرم قيمتها ويكونان له.
أبو عمران: وقوله: (ما نقصت الصياغة)(وقِيمَةَ الصِّيَاغَةَ) سواء، إنما يعني بذلك ما بين قيمتهما صحيحين ومكسورين.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد بقوله: ما نقصه فساد الصياغة من قيمة الجميع مصوغاً، وهو ظاهر كلامه، فيكون في المسألة ثلاثة اقوال، ولأشهب في الموازية: عليه أن يصوغَها له وهو أحب إلي من قيمتها أو مما تنقص وقد قال مالك فيها: وفي الجدار يهدمه: فإن لم يقدر أن يصوغها فعليه ما نقصها، وانظر هل يأتي القول الذي في الرهن بغرم ما نقص في الغصب أو لا؟ وقد قال أبو الحسن لما تكلم على مسألة الرهن: أنزله فيما نقص منزلة المكتري أو المودع إذا تعدى؛ لأنه مأذون لهما في الحوز فلا يغرم إلا ما أتلف، وأنزله في القول الآخر منزلة الغاصب؛ لأنه ضامن لهما لو هلكا.
لَوْ أَعَادَهُ عَلَى حَالِهِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ غُرْمٍ، وقِيلَ: فَثَمَنُهُ وعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ
يعني: فإن أعاد المصوغ بعد كسره مصوغا فإما على حالته الأولى أوغيرها، فإن كان على حالته الأولى فذكر ابن راشد قولين: والأول: لابن القاسم وأشهب، والثاني لمحمد، واختار اللخميُّ ألا شيء عليه، والثاني هو الجاري على مذهب من يرى أنه يلزمه في الصياغة قيمتها، وإن أعاده على غير هيئته فعليه القيمة على قول أشهب أنه تلزمه إعادة المصوغ كما كان يلزمه ذلك هنا، والله أعلم.
فَلَوِ اشْتَرَاهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِغَصْبِهِ فَكَسَرَهُ، ورَدَّهُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَاخُذْهُ إِلا بِقِيمَةِ صِيَاغَتِهِ لأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ ....
يعني: أن المشتري من الغاصب إن كان عالماً بالغصب فهو كالْغَاصب، وإن لم يعلم فحكمه كالاستحقاق، ولا يأخذه ربه إلا بقيمة صياغته؛ لأنه لم يتعد في الكسر هكذا قال اللخمي وغيره.
ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف في هذا الفرع هو منصوص عليه في الفرع بعينه وفي الدار يهدمها المشتري بخلاف الشاة يذبحها والثوب يقطعه والعصا يكسرها وشبه ذلك وهو مشكل وأصل المذهب أن كل ما أتلفه المشتري متعمداً فإنه يضمنه سواء انتفع أو لم ينتفع، وما أتلف بأمر من الله فلا شيء عليه فيه، وما أتلفه خطأ فقولان: أشهرهما أنه يضمن، فقول:[577/أ] المصنف في توجيهه هذا الفرع: لأنه لم يتعد لا يكفي، والله أعلم.
وَلَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ فَمِثْلَهُ، وقَالَ أَشْهَبُ: ولَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ غُرْمٍ
الأول: مذهب ابن القاسم في المدونة وغيره، ورأى غيره أن الطحن فوت كالنقل، وخيره أشهب بين المثل وأخذه محطوناً مجاناً، حملاً على الغاصب على قاعدته، هكذا حكى ابن يونس وغيره قول أشهب. وفهم التخيير من كلام المصنف من قوله:(ولَهُ أَخْذُهُ) فإنه في تقدير فله المثل وله أخذه بغير عوض والقولان لمالك، واختار جماعة قول أشهب؛ لأن الظالم أحقُّ أن يحمل عليه ولهذا لم يجزه ابن القاسم بوجوب المثل بل قال في باب الغصب: ومن غصَبَ حِنْطَةً وطحنها دقيقاً فأحب ما فيه إلي أن يضمن مثل الحنطة.
وَلَو اسْتَهْلَكَ غَزْلاً فَقِيمَتُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ
هو ظاهر وهو مبني على ما تقدم.
فرع:
ولو استهلك طعاماً ما في زمن الغلاء ثم حكم عليه في الرخاء، فالمشهور أنه إنما يقضي بالمثل وقيل: بقيمته يوم الغلاء.
وأشار اللخمي إلى أن القول بتغريمه القيمة مخرج على القول بأن الغاصب يغرم أغلى القيم.
وَالْمُقَوَّمُ كَالْحَيَوَانِ والرَّقِيقِ والْعُرُوضِ تَتْلَفُ بِآفَةٍ سَمَاويَّةٍ تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، وقَالَ أَشْهَبُ: بِالأَكْثَرِ مِنَ الْغَصْبِ إِلى يَوْمِ التَّلَفِ
…
لما ذكر أن المغصوب مثلي ومقوم، وتكلم على المغصوب المثلي، تكلم هنا على المقوم وذكر أنه يضمن بقيمته وهو المذهب، ونقل الباجي أنه روي عن مالك أنه يضمن بالمثلي، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
المازري: وهكذا وجد في نسخ من المنتقى، وهو وهم منه ومن الرواة الذين ذكروا ذلك عنه.
وقوله: (تَتْلَفُ بِآفَةٍ سَمَاويَّةٍ) احتُرز به من التلف بجناية الغاصب أو غيره وسيأتي. والمشهور كما قدمه أن القيمة تعتبر يوم الغصب، وقال أشهب وابن وهب وعبد الملك: يضمن بالأكثر من يوم الغصب إلى يوم التلف؛ لأنه في كل زمان غاصب، ويدخل في المقوَّم المثلي الجزاف.
واختلف إذا طلب المغصوب منه في الجزاف أن يقضي له بمكيلة أو وزن يتحقق أن الجزاف المستهلك لا يقصر عنها - على قولين: أحدهما تمكينه من ذلك؛ لأن الأصل القضاء فيه بالمثل، وإنما عدل عن ذلك للقيمة لامتناع الاطلاع على حقيقة المماثلة في المكيل والموزون، فإذا طلب ما هو أقل من حقه لم يمنع من ذلك.
والقول الثاني أنه لا يمكن من ذلك؛ لأن نفس الاستهلاك أوجب القيمة، فليس للمغصوب منه تغيير هذا الحكم.
فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ بَيْنَ الْقِيمَةِ مِنَ الْجَانِي يَومَ الْجِنَايَةِ وَبَيْنَ مَا عَلَى الْغَاصِبِ
يعني: وإن أتلف أجنبي المغصوب - يريد غير الغاصب - يوم الجناية، فربه مخير إن شاء أخذ القيمة من الجاني يوم الجناية، وإن شاء أخذ ما على الغاصب، وأبهم المصنف في قوله:(وَبَيْنَ مَا عَلَى الْغَاصِبِ) قدر الإدخال على المشهور ومقابله: وإنما خير؛ لأن كل واحد منهما حصل منه سبب الضمان هذا بالغصب وهذا بالتلف.
بِخِلافِ الْغَاصِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: بخلاف ما إذا كان القتل من الغاصب، فإن المشهور أنه لا تخيير لربه، وإنما يأخذه بالقيمة يوم الغصب وهو قول ابن القاسم وأشهب، وقال سحنون وابن القاسم في أحد القولين: وله أخذه بالقيمة يوم القتل كالأجنبي؛ لأن القتل فعل ثان ومن حجة ربه أن يقول: لا أؤاخذه بوضع اليد وإنما أؤاخذه بالقتل. ابن راشد: وهو أقيس.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر إلا أن ابن القاسم لم يعتبر تعدد الأسباب في الضمان إذا كانت من فاعل واحد بل اقتصر على الأول منهما، وحكى ابن يونس أن سحنون رجع إلى قول ابن القاسم.
تنبيه: ما ذكر المصنف من مخالفة إتلاف الغاصب لإتلاف الأجنبي على المشهور هو الصواب، وقد ذكر في المدونة وغيرها، وظاهر كلامه في الجواهر أنه لا فرق على المشهور بين جناية الغاصب وغيره.
ثُمَّ يَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ
يعني: إذا اختار المغصوب منه اتباع الغاصب، وترك طلب الجاني فللغاصب إذا أخذت القيمة منه اتباع الجاني بجميع قيمة السلعة يوم الجناية؛ لأن أخذ ربها قيمتها من الغاصب تمليك للغاصب لها.
وقوله: (بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ) أي إذا كانت مساوية لما أخذ منه أو كانت أقل مما أخذ منه، أما إن كانت القيمة يوم الجناية أكثر فقد نبه عليه بقوله:
فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ رَبُّهُ أَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَى الآخَرِ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: ياخُذُ الزَّائِدَ مِنَ الْغَاصِبِ لا مِنَ الْجَانِي ....
يعني: فإن أخذ رب المغصوب أقل القيمتين إما من الغاصب أو من الجاني فهل له أن يرجع على الآخر الذي لم يأخذ منه القيمة بتمام أكثر القيمتين؟ في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: إنه يرجع، وهو ظاهر قول أشهب، والثاني: إنه لا يرجع، وهو الذي يأتي على قول سحنون، والثالث: الفرق، وهو قول ابن المواز: ونص عليه في المدونة في أحد شقي المسألة، أعني أنه يرجع على الغاصب بالقيمة.
ونقل ابن يونس أنه اتفق على ذلك ابن القاسم وأشهب.
ابن المواز: لأنه يقول: إنما أخذت من القاتل ما يجب عليه للغاصب ولي على الغاصب أكثر منه، فصار كغريم غريمي، وألزم على هذا بعض القرويين أنه لو كان للغاصِب غُرماء لم يكن هذا أحق لما أخذ من الغرماء؛ لأنه إنما يأخذ ذلك على الغاصب من غريمه إلا أن يريد رفع الضمان عن الغاصب فلا يتبعه بقيمة ويكون أولى بما أخذ من الجاني من غرماء الغاصب.
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ [577/ب] فِي مَنْ سَاقَ سِلْعَةً فَأَعْطَاهُ غَيْرَ واحِدٍ فيهَا ثَمَناً فَأُتْلِفَتْ ضَمِنَ مَا أَعْطَى فِيهَا، وقَالَ سَحْنُونٌ: قِيمَتَهَا ....
ما حكاه عن ابن القاسم هي رواية عن مالك في العتبية، وزاد: إذا كان عطاء قد تواطأ الناس عليه، ولو شاء أن يبيع به لباع، وقال سحنون: لا يضمن إلا القيمة؛ إذ هي من المقومات، وقال عيسى: يضمن الأكثر من الثمن أو القيمة، وجعله في البيان تفسيراً لقول مالك.
قال: كذا هو منصوص لمالك، فليس في المسألة إلا قولين وجعلها غيره ثلاثة على ظاهرها.
فَإِنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ؛ فَثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ حَيَوَاناً فَلَيْسَ لَهُ إِلا أَخْذُهُ، وَفِي غَيْرِهِ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ
تقدم كلامه في نقل المثلي، وتكلم هنا على نقل المقوَّم، وقد تقدم أن القول الثالث دليل على الأولين، فيكون الأول ليس لربِّه إلا أخذه وهو قول سحنون.
والثاني: يخيَّر ربُّه في أخذه أو أخذ قيمته في موضع غصبه، قال في المقدمات: وهو قول أصبغ وظاهر روايته عن أشهب، وذكره ابن يونس والباجي تصريحاً، واختاره ابن المواز وقيده بالبلد البعيد عن محل الغصب.
والثالث: الفرق بين الحيوان والعروض فليس له أخذ الحيوان، ويخير في العروض، ونسبه المصنف لابن القاسم تبعاً لابن شاس، وقال ابن عبد السلام: إنما هو رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك في المجموعة وفيه نظر لما ذكر عن ابن يونس، نعم ذكر الباجي أن ابن القاسم رواه عن مالك في المجموعة ولا يلزم من ذلك أن يكون ابن القاسم لم يقل به.
قال في المقدمات بعد ذكر الثالث: وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم؛ كالدَّوَابِّ والوَخْش من الرقيق، وأما الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم من بلدٍ فحكمهم كالعروض، وحكى ابن زرقون وغيره عن ابن القاسم في الموازية قولاً آخر أن نقل الحيوان والعروض فوت يوجب له قيمة الحيوان والعروض يأخذ بها حيث لقيه.
فَلَوْ وَجَدَ الْغَاصِبَ خَاصَّةً فَلَهُ تَضْمِينُهُ
يعني: (فَلَوْ وَجَدَ) المغصوب منه (الْغَاصِبَ) بغير بلد الغصب، وليس معه الشيء المغصوب.
ابن راشد: فلا يختلف أن له تضمينه القيمة لما عليه من الصبر في الضرر، وله الصبر إلى البلد، لكن يكلف الغاصب الخروج مع المغصوب منه أو مع وكيله ليقبض منه المغضوب.
وَلَوْ رَجَعَ بِالدَّابَّةِ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ بِحَالِهَا لَمْ يَلْزَمْه سِوَاهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلافِ تَعَدِّي الْمُكْتَرِي والْمُسْتَعِيرِ، وفِي الْجَمِيعِ قَوْلانِ
أي: (لَوْ رَجَعَ) الغاصب (بِالدَّابَّةِ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ) وأحرى القريب (بِحَالِهَا) ولم تتغير، لم يلزم الغاصب (سِوَاهَا) فلا تلزمه قيمة الدابة ولا كراء تلك المسافة (بِخِلافِ
تَعَدِّي الْمُكْتَرِي والْمُسْتَعِيرِ) إذا زاد في المسافة زيادة بعيدة فإن ربها بالخيار، فإن أحب أخذها وأخذ كرائها من موضع التعدي إلى غايته، وإن أحب أخذ قيمة دابته من المكان الذي تعدى منه وله الكراء الأول في الكراء، وهكذا قال مالك في المدونة وفي الموطأ.
قوله: (وفِي الْجَمِيعِ قَوْلانِ) يحتمل أن يريد في كل مسألة قولان: أحدهما قول ابن القاسم ويكون نبه بهذا على أن في كل مسألة قولين، والمشهور متعاكس، ويحتمل أن يريد: في كل مسألة قولان غير قول ابن القاسم، ويكون في مجموع المسألة ثلاثة أقوال، وإلى هذا ذهب ابن عبد السلام، وأحد القولين: ليس لربِّها إلا الدَّابة في الغصب والتعدي معاً، وليس له تضمين القيمة.
والقول الثاني: إنه مُخيَّر في الجميع بين أخذ الدابة وأخذ قيمتها.
وفهم من قوله: (مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ) أنه لو تعدى بها المستعير أو المكتري موضعاً قريباً أو زمناً قريباً، أنه لا يكون له تضمين الدابة.
وفي الباجي: إذا أمسكها أياماً يسيرة زائدة على أيام الكراء فلا ضمان عليه، وإنما له الكراء في أيام التعدي مع الكراء الأول، قاله مالك وأصحابه.
فإن قلت: فما الفرق على قول ابن القاسم؟ قيل: قال في النكت: لأن المستعير والمكتري إنما تعديا على المنافع لا على الرقاب، فغرما كراء تلك المنافع، والغاصب إنما غصب الأعيان فلم تكن عليه قيمة المنافع، ولو أنه قصد إلى غصب المنافع خاصة، لكان عليه كراؤها مثل أن يريد دابة يكريها إلى موضع، فيأخذها غصباً مما يعلم أنه لم يقصد غصب الرقبة، قال في النكت: وينبغي في المكتري والمستعير إذا تعديا بالدابة المسافة وأصابها في ذلك عيب يسير فوجب لربها ما نقص العيب - أن يُسْقِطَ من كراء الزيادة على المسافة مقدار ذلك الجزء الذي نقص من قيمة الدابة مثل أن يكون نقصها العيب
الخمس، فيسقط من كراء الدابة الخمس أو الربع، فيسقط من كراء الدابة ربعه وأبى هذا بعض شيوخنا من أهل بلدنا، وهو صواب عندي فتأمله.
وَفِيهَا: لَوْ نَقَلَ الْجَارِيَةَ إِلَى بَلَدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ جَازَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: بِشَرْطِ أَنْ تُعْرَفَ الْقِيمَةُ، ويُبْدِلُ مَا يَجُوزُ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَصْلَين: السَّلامَةِ ووُجُوبِ الْقِيمَةِ ....
أي: لو (لَوْ نَقَلَ) الغاصب (الْجَارِيَةَ)، وتصور المسألة ظاهر من كلامه، وهذه المسألة نص عليها في المدونة في الصرف.
وقوله: (جَازَ) أي الشراء بناء على أن الأصل سلامتها في موضعها، ورأى أشهب أن قيمتها قد وجبت على الغاصب بوضع يده عليها، فلا بد أن تعرف قيمتها ويشتريها بما يجوز له أن يشتري به تلك القيمة، وبه قال سحنون ومال إليه ابن المواز؛ لأن رفع العدوان كان من حق ربِّ الجارية، فليس من حقه عقد المعاوضة فيها على الضرر، ودلت هذه المسألة على أنه ليس من شرط بيع المغصوب من الغاصب أن يخرج من يد الغاصب ويقيم بيد ربه مدة كما اشترطه بعضهم.
وَإِذَا حُكِمَ بِالْقِيمَةِ مَلَكَهُ الْغَاصِبُ فِلا رُجُوعَ لَهُ فِي مِثْلِ الآبِقِ [578/أ] عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَوَّهَ فَلَهُ الرُّجُوعُ ....
يعني: إذا زعم الغاصب أن العبد أبق أو ضلت الدابة وشبه ذلك، فقضى عليه بالقيمة ثم وجد الآبق ونحوه، فإن كان قد تبين كذبه وهو معنى قوله:(قَدْ مَوَّهَ) أي أظهر خلاف ما كان فله الرجوع فيه أي وله أن يبقى على أخذ القيمة، وإن لم يتبين كذبه وتبين صدقه، فالمشهور أنه لا رجوع لربه فيه، وتمضي المعاوضة، وقيل: له الرجوع كما لو موَّه بناءً على أن المعاوضة وقعت على غير المغصوب أو عن الحيلولة بينه وبين ربِّه، فإذا وجدت زالت الحيلولة.
أشهب: ويحلف أنه لم يخفها عن ربها، ولقد كانت فاتت من يده، وتبقى له إذا كانت على الصفة التي حلف عليها.
أبو الحسن: وقوله تفسير، قال في المدونة: إلا أن يظهر أفضل من الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها، وقاله أشهب، ومن قال: له أخذها؛ فقد أخطأ كما لو نكل الغاصب عن اليمين في صفتها وحلفت على صفتك ثم ظهرت على خلاف ذلك، كنت قد ظلمته في القيمة فيرجع عليك بما تزيد عليه، لا يكون له رد الجارية، وحكى اللخمي عن ابن القاسم في المبسوط أن للمغصوب منه رد القيمة وأخذ الجارية، أعني إذا ظهر أن صفتها على خلاف ما حلَفَ عليه.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء: وينبغي أن لو أقرَّ الغاصب بخلاف ما غصب مثل أن يقول: غصبت جارية ويقول المغصوب منه: غصبت عبداً فكان القول قول الغاصب ثم ظهر أنه عبد، أنَّ له الرجوع فيه كالذي أخفى ذلك؛ لأنه لم يغرم من قيمة الصفة شيئاً، بخلاف العبد، ويختلفان في الصفة.
وانظر: لو غصب جارية سوداء للخدمة قيمتها عشرون، وقلت أنت: جارية بيضاء قيمتها مائة مما يصلح للوطء فالأظهر أن ذلك كجحد الصفة. انتهى باختصار.
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي تَلَفِهِ وصِفَتِهِ ومَبْلَغِهِ
يعني: إذا اختلاف الغاصب والمغصوب منه، هل تلف الشيء المغصوب أم لا؟ واختلفا في صفته أو مبلغه، فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم.
وفي المدونة: وإن غصب جارية وادَّعى هلاكها واختلفا في صفتها صُدِّق الغاصب في الصفة مع يمينه إذا أتى بما يشبه، فإن جاء بما لا يشبه صُدِّقَ المغْصُوب منه مع يمينه، وكذلك نص مالك في المدونة وفي العتبية على وجوب اليمين على الغاصب إذا اختلفا في
العدد، ولم أرَ في الأمهات وجوبَ اليمين على الغاصب إذا ادَّعى التلف، لكن نص فيها في الشيء المستحق أنه إذا كان مما يغاب عليه أنه يحلٍف إذا ادَّعى المشتري تلفه، وكذا في رهن ما يغاب عليه ولا يمكن ان يكون الغاصب أحسن حالاً منهما، وقد نص ابن عبد السلام على وجوب اليمين هنا في التلف، وقال أشهب: يصدق الغاصب مع يمينه، وإن ادعى ما لا يشبه كما لو قال: هي بكماء صماء.
وفي العتبية عن مالك في من غصَبَ صرَّةً من رجلٍ والنَّاس ينظرون إليه وطرحها في متلف فادعى ربها عدداً وكذبه الآخر ولم يفتحها ولا يدري المنتهب كم فيها؛ أو لم يطرحها ثم يختلفان؛ أنَّ القول قول المنتهب مع يمينه.
وقال مطرف وابن كنانة وأشهب: القول في هذا وشبهه قول المنتهب منه، وإن ادَّعى ما يشبه أن مثله يملكه.
ابن يونس: يريد ويحلف، وقد اختلف في يمينه كالذي يدعي على رجل مائة فيقول المطلوب: لا أدري ألك علي شيء أم لا؟
فقيل: يأخذ المدعي ما قاله بغير يمين؛ لأنه لا حقيقة عنده ولأن الشاكَّ لو حَلَفَ لم يمكنه أن يحلف، فيقضي أنْ لا فائدة في يمين المدعي للتحقيق، وأما إذا ادعى طرحها، ولم يفتحها فالقول قول المنتهب منه مع يمينه؛ لأنه يدعي حقيقته وأما إن غاب عليها وقال: الذي كان فيها كذا؛ فالقول قول المنتهب مع يمينه. انتهى.
وَلَوْ وَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فَفِي الضَّمَانِ فِيهِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ، ولَوْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ ....
يعني: إذا (وَلَدَتْ) الأمة المغصوبة، فإن قتل الغاصب الولد ضمنه اتفاقاً، وإن مات بسماوي فقال ابن القاسم في المدونة: لا ضمان عليه فيه، وقال في كتاب ابن شعبان:
يضمنه؛ وهو قول أشهب وابن وهب وعبد الملك، وهم على تغليب شبه الوديعة في الولد أو الغاصب؛ لأن الذي باشره الغصب إنما هو الأم وحدها، وكذلك اختلف أيضاً إذا ماتا معاً هل يضمن إلا الأم أو يضمنهما؟
ورجح قول ابن القاسم هنا بأن الغاصب إذا ضمن قيمة الولد فإنما يضمنها يوم الغصب، فيقدر كأنه ملكها من يومئذ، فيكون ولدها نشأ عن ملكه، فإن ماتت الأم وحدها فأشهب يقول: يأخذ ربها قيمتها مع عين الولد، وابن القاسم يقول: ليس له إلا أخذ القيمة دون الولد أو أخذ الولد دون القيمة وإن وجدا معاً، فاتفق ابن القاسم وأشهب على وجوب ردهما معاً وهذا هو المعروف، بل حكى صاحب المقدمات اتفاق المذهب عليه، ونقل غيره عن السيوري أنه قال: الولد غلة لا يلزم رده، وحيث ألزمنا الغاصب قيمة الولد فالمعتبر في ذلك يوم الولادة، ونص عليه أشهب في الموازية، وخرج اللخمي على القول بأن الغاصب يغرم أعلى القيم أي يغرم قيمة الولد [578/ب] يوم الموت، ورد بأن الولد قد قيل: إنه غلة لا يلزم رده لو كان موجوداً، فلا يمنع أن يراعى فيه هذا الخلاف.
وَإِذَا تَعَيَّبَ بِسَمَاوِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ إِلا القِيمَةُ أَوْ أَخْذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ
يعني: إذا تعيب الشيء المغصوب (بِسَمَاوِيٍّ) أي بأمر من الله لا بجناية الغاصب أو أجنبي، فربُّه مخير في أمرين لا ثالث لهما: إمَّا أن يأخذ المغصوب منه (القِيمَةُ) يوم الغصب أو يأخذه بعينه (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أي بغير أرْشِ العيب؛ لأن المغصوب منه كان قادراً على تضمين الغاصب جميع القيمة فتركها.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق في العيب بين أن يكون يسيراً أو كثيراً وهو المشهور.
وحكي ابن الجلاب قولاً آخر أنه: لا يضمن المغصوب بحدوث عيب يسير.
عياض: ورجحه بعض المتأخرين من شيوخنا، انتهى.
وفي الموازية: إذا غصب داراً فانهدم بعضها في يده، أنه لا يضمن إلا قيمة ما انهدم أو يأخذه على ما هو عليه، فإن انهدم جلها ضمن الغاصب قيمتها، فقال اللخمي: هو مثل ما في الجلاب، وزاد عليه المازري بأنه يحتمل أن يرى في هذا القول ثبوت الدار كسلع متعددة فلا يضمن جملتها بهلاك بعضها، ورد بأنه لو راعى ابن المواز هذا لما فرق بين انهدام جل الدار وبين ما هو دون ذلك.
وحكى المازري قولاً ثانياً عندنا: إن للمغصوب منه في العيب الكثير أن يأخذ السلعة وقيمة ما نقصها.
وَبِجِنايَةِ أَجْنَبِيٍّ - لَهُ أَخْذُهُ وإتْبَاعُ الأَجْنَبِيِّ أَوْ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنَ الْغَاصِبِ يَوْمَ الْغَصْبِ ثُمَّ يَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ ....
يعني: وإن تعيب المغصوب (ِجِنايَةِ أَجْنَبِيٍّ) غير الغاصب، فربه بالخيار في وجهين: إما أخذ عين شيئه ويتبع الجاني بقيمةِ الجنَايَةِ وإمَّا أخذ قيمته كاملة من الغاصِب يوم الغصب ثم يتبع ربَّ السلعة وليس لربِّ السّلعة أن يُضمِّن الغاصب قيمة الجناية، قاله في المدونَّة.
وقِيلَ: إذا كانت قيمتها يوم الغصب عشرين ونقصها القطع النصف فأخذها ربها وما نقصها وذلك عشرة - نظراً إلى قيمتها يوم جناية الأجنبي عليها - فإن كانت مائة وقيمتها مقطوعة خمسون أخذ ربها من الجاني خمسين فأعطى منها للغاصب عشرة وأخذ البقية.
ابن يونس: وهذا على مذهب أشهب أن الغاصب لا يربح.
ابن عبد السلام: ولا شك في مخالفة هذا القول للمدونة؛ لأنه مكن ربها من أخذ السلعة على ما نقصها.
وَانْكِسَارُ الثَّدْيَيْنِ عَيْبٌ
يعني: إذا غصب أَمَةً قائمةَ الثَّديين فانكسرا فإن ذلك عيب يوجب لربها الخيار كما تقدم بين أن يأخذها ناقصة أو يضمن الغاصب قيمتها، وهكذا نص عليه أشهب، واستغنى المصنف بهذا الفرع عما في المدونة: إذا غصب شابة فهرمت عنده لاستلزام ما ذكره لذلك، واستشكل بعضهم قول أشهب في انكسار الثديين من حيث إنه لم يجعل ما حدث من كبر ذاتها جابراً لعيب انكسار الثديين.
أَمَّا لَوْ نَقَصَ سُوقُهَا مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْ سِوَاهَا عَلَى الْمَسْهُورِ كَمَا لَوْ زَادَ ....
يعني: أنه اختلاف إذا نقص سوق السلعة، فالمشهور أنه لا خيارَ لربِّها وليس له سواها على المشهور، والشاذَّ يرى أن نقص السوق كنقص الذات؛ فيكون لربها الخيار وهو مروي عن مالك، وحجة ابن يونس وغيره بأن نقص السوق - لا سيما في المثال الذي فرضه المصنف - لا يقضي على العيب اليسير أيضاً بأنه الجاري على المشهور في المتعدي على الدابة المكتراة يريد بها على مسافة الكراء ثم يردها على حالها أن لربها تضمينه قيمتها؛ لأنه حبسها على أسواقها وقد تقدم ذلك.
وقوله: (كَمَا لَوْ زَادَ) استشهاد للمشهور أي كما لا يعتبر زيادة السوق فكذلك لا يعتبر نقصه، وليس المراد التشبيه لإفادة الخلاف، فإن الخلاف ليس بموجود في الزيادة، وهكذا أشار إليه ابن عبد السلام.
وَفِي كَوْنِ جِنَايَةِ الْغَاصِبِ كَالأَجْنَبِيِّ - قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
يعني: واختلف إذا جنى الغاصب على الشيء المغصوب جناية دون التلف هل ذلك كجناية الأجنبي؟ فيتخير بين أن يأخذه بالغصب ويأخذه بقيمتها يوم الغصب أو يأخذه
بالتعدي فيأخذ سلعته وأرش الجناية، وإليه ذهب ابن القاسم واختاره مطرف وابن الماجشون وابن كنانة، وقال أشهب: ليس لربه إلا أخذه على حاله بغير أخذ أرْش الجناية أو أخذ قيمته يوم الغصب، وهو اختيار محمد وإليه ذهب سحنون؛ لأنه قال: يأتي قول ابن القاسم هذا خلاف ما قاله ابن القاسم في القتل، وإلى هذه المعارضة أشار المصنف بقوله:
وَاسْتُشْكِلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الْقَتْلِ
وذلك لأن ابن القاسم لم يلزم الغاصب إذا قتل المغصوب إلا القيمة يوم الغصب ولم يجعل قتله كقتل الأجنبي، وفرَّق ابن القاسم بأن القتل إتلاف لجميع الذات، وذلك موجب للتضمين فيضمن قيمة المغصوب يوم قطع يده عليه، وأما قطع اليد وشبهه فإن عين المغصوب باقية وإذا بقيت عينه فقد يكون لربه غرض في عين شيئه، وحكى الدمياطي عن ابن القاسم التخيير في قتل الغاصب، وإليه ذهب سحنون في المجموعة ثم رجع عنه، وألزم ابن يونس سحنون على قوله: إن لرب العبد أن يطالب الغاصب بما نقصه القطع أن يقول بذلك لعله إذا كان القطع بأمر من الله لا سبب للغاصب فيه.
وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ قِصَاصاً ضَمِنَ
أي: ولو قتل المغصوب بغير سبب الغاصب ضمنه بوضع اليد عليه، ولو كان العبد هو الذي جنى [579/أ] قُتِلَ قِصَاصاً.
ولَوْ تَعَلَّقَ أَرْشٌ بِرَقَبَتِهِ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَعَيْبِ سِلْعَةٍ فَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَلِلْغَاصِبِ إِسْلامُهُ أَوْ فِدَاؤُهُ، وإِنْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ فَكَذَلِكَ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُسَلِّمُهُ السَّيِّدُ أَوْ يَفْدِيهِ أَوَّلاً ثُمَّ يَرْجِعُ بِالأقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ جِنَايَتِهِ ....
يعني: فإن جنى العبد المغصوب جناية وتعلَّق أرْشُها برقبته، فذلك عيب حدث فيخير ربه بين تضمين الغاصب قيمته أو أخذه بعينه؛ فإن اختار تضمينه صار الغاصب كالمالك، فيخير في إسلامه في الجناية أو فدائه بأرش الجناية، وإن اختار ربُّ العبد أخذه
فكذلك، أي فيخير في إسلامه أو فدائه، ولا شيء لسيد العبد على الغاصب غير هذا، وقال أشهب: يخير سيد العبد كما قال ابن القاسم في إسلامه أو فدائه، وأي الوجهين اختاره كان له بعد ذلك الرجوع على الغاصب بالأقل من قيمة العبد أو أرش جنايته؛ لأنه إذا كان الأرش أقل من القيمة فهو القدر الذي أدخله الغاصب فيه، وإن كانت قيمة العبد أقل فلا يلزم الجاني إلا ذلك وهذا القول أيضاً لابن القاسم في العتبية، قال في البيان: ولا فرق في ذلك بين العمد والخطأ إذا كان العمد لا قصاص فيه بأن يكون على حر أو على عبد وفي الجراح المتَالِفِ كالمأمومة وَالْجَائِفَةِ، وكذلك إن كانت جنايته على عبد وفيها القصاص، ولم يرد سيد العبد المجني عليه أن يقتص، وأما إن اقتص سيد العبد المجني عليه من العبد المغصوب فيما دون النفس، فليس لسيِّد المغصوب إلا أن يأخذ عبدَّهُ كما هو أو يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب، انتهى.
وقال بعض الشيوخ: يحتمل قول أشهب على أن الجناية التي جناها العبد كانت خطأ، فإذا خلص منها بغرامة أرْشها لم يبق بعد ذلك عيب، قال: وأما إن كانت عَمداً فهو عيب لازم للعبد ولا يتصور هذا التوجيه فيه.
وَإِنْ صَارَ الْعَصِيرُ خَمْراً فَمِثْلُهُ
أي: إذا غصب عصيراً فصار عند الغاصب خمراً، فعليه مثل العصير؛ لأن صفته انتقلت إلى ما لا يحلُّ مثله.
قوله: (فَمِثْلُهُ) أي إن علم كيله وإلا فقيمته.
وخَلاًّ خُيِّرَ فِيهِمَا
أي: وإن صارَ العصيرُ خلا (خُيِّرَ) في أخذ المثل أو أخذه بعينه؛ لأنه إنما انتقلت صفته خاصة، وقد يقال على مذهب من يعتبر في فوات المغصوب انتقال الاسم: إنه لا يكون عصيراً، وقاله ابن عبد السلام.
وَإِنْ صَارَ الْخَمْرُ خَلاً تَعَيَّنَ
إنما يتعين في حق المسلم.
أبو محمد: لأنها قد حلت وليس للغاصب فيها صفة يحتاج بها.
بعض الشيوخ: وهو إنما يتمشى على قول من يجيز لصاحبها تخليلها، وأما من يمنع ذلك فيلزمه أن يقول ببقائها ملكاً للغاصب؛ لأنها كانت غير مملوكة للغاصب، ولا لغيره حين كانت خمراً، فإذا تخللت كانت كمن وضع يده على طائر لا ملك لأحد عليه.
إِلا أَنْ يَكُونَ لِذِمِّيِّ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قِيمَتِهِ خِمْراً عَلَى الأَشْهَرِ
(الأَشْهَرِ) مذهب أشهب، وهو الجاري على قول ابن القاسم: إن من غصب خمراً لذمي عليه القيمة، ومقابله لعبد الملك يتعين الخل كالمسلم، وهو جار على قوله أنه لا قيمة على المسلم إذا غصب خمراً من ذمي.
اللخمي: واختلف بعد القول أن عليه القيمة في من يقومها، فقال ابن القاسم: يقومها من يعرف القيمة من المسلمين، وقال أيضأً: يقومها أهل دينه، وبالأول أخذ سحنون، وقيل: إن الخلاف مبني على خطابهم، فعلى الخطاب لا يضمن المسلم الخمر لهم، وعلى عدمه يضمن؛ والأظهر أن المسلم يضمن لهم ذلك، وإن قلنا: هم مخاطبون لأنهم أقروا على تمليكها.
وَإِذَا زَرَعَ الْبَذْرَ وأَفْرَخَ الْبَيْضَ فَالْمِثْلُ، وقَالَ سَحْنُونٌ: الْفِرَاخُ لِلْمَالِكِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الحضْنِ ....
حاصله أنه اتفق على أن عليه المثل في زرع البذر، واختلف في البيض، والقول الأول لأشهب في المجموعة وقاسه على البذر، وليس بواجب عله الضمان.
ابن عبد السلام: وهو أظهر القولين عندي لا سيما والمحكي عن سحنون أن الغاصب إذا عالجَ المغصوب حتى تغير اسمه عنده، كان للغاصب لا لربه، وقال ابن راشد: وقول
سحنون أقيس؛ لأن الفراخ إنما خرجت من بيضة والزرع غير البذر؛ لأنه يتغذى بماء الغاصب وأجزاء الأرض.
وَعَنْ أَشْهَبَ في مَن غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ وحَضَنَتْ بَيْضَهَا: فَلِلْمَالِكِ كَالوِلادَة، فَإِنْ حَضَنَتْ غَيْرَ بَيْضِهَا أَوْ بَاضَتْ وحَضَنَهُ غَيْرُهَا فَالدَّجَاجَةُ ومِثْلُ الْبَيْضِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَضْنِهَا
هكذا نقل ابن يونس ونصه: قال أشهب في المجموعة والموازية: ولو غصب دجاجة فباضت بيضاً وحضنت بيضها، فما خرج من الفراخ فلربها أخذها معها، وإن حضن تحتها بيضاً له من غيرها فالفراخ للغاصب والدجاجة لربها، وله فيها حضنت كراء مثلها.
ابن المواز: مع ما نقصها، إلا أن يكون نقصاناً بيناً فيكون له قيمتها يوم غصبها، ولا يكون له من بيضها ولا من فراخها شيء.
ولهذا قال ابن عبد السلام: ما نسبه المؤلف إلى محمد أنه أوجب لربها أجر الحضن حكاه ابن يونس عن أشهب متصلاً بالكلام الأول، وإنما الذي زاده ابن المواز أن لربها ما نقصها، انتهى.
خليل: والظاهر من الكلام أن محمداً وافق على الأجرة، واستشكل قول محمد أن له أجر الحضن مع ما نقصها؛ فإن غرامة [579/ب] ما نقص من الدجاجة يمنع من أن تكون له أجرة الحضن.
قال في الموازية: وإن غصب حمامة فزوجها حماماً له فباضت وأفرخت فالحمام والفراخ للمستحق، ولا شيء للغاصب فيما أعانها ذكره من حضانة، وللمستحق الحمامة فيما حضنت من بيض غيرها قيمة حضانتها، أما ما حضنته غيرها من بيضها فقال محمد: إن له مثل بيض حمامته إلا أن يكون عليه في أخذ البيض ضرر في تكلفة حمام يحضنهم، فله
أن يغرم الغاصب قيمة ذلك البيض. وقال سحنون: الفراخ أيضاً لصاحب البيض وللغاصب أجرة الحضانة.
اللخمي: فوجه الأول أنه غصب ماله مثل فكان القضاء فيه بمثله، ووجه الآخر أن حكم البيض حكم الجنين، ولابن القاسم في سماع سحنون في الرجل يأتي بحمامة أنثى والآخر بحمام ذكر على أن يكون الفراخ بينهما: أن الفراخ بينهما، وفي الرجل يقول للرجل: احضن هذا البيض تحت دجاجتك فما كان من فراخ فهو بيننا؛ أن الفراخ يكون لصاحب الدجاجة ولصاحب البيض بيض مثله.
وَإِذا صَبَغَ الثَّوْبَ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ الْقِيمَةِ والثَّوْبِ ويَدْفَعُ قِيمَةَ الصَّبْغِ، وقَالَ أَشْهِبُ: ولا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الصَّبْغِ، أَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ فَلا شِيْءَ عَلَيْهِ ولا لَهُ إِنْ أَخَذَهُ ....
يعني: وإذا صبغ الغاصب الثوب فزادت قيمته أو لم تزد ولم تنقص فمذهب المدونة؛ أنه يخير المالك بين أخذ قيمة الثوب يوم الغصب أو أخذ الثوب بعد أن يدفع قيمة الصبغ، وقال أشهب يخير بين أن يأخذ قيمة الثوب أو يأخذ الثوب بلا غرم، وفهم كون أشهب يوافق على التخيير من إثبات الواو في قول المصنف:(ولا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الصَّبْغِ) فإن ذلك يستدعي تقديم معطوف عليه وهو ما قدمه.
ولعبد الملك في الواضحة مثل قول أشهب وله في المبسوط: التفرقة بأن صبغه شيئاً يسيراً فكذلك، وإن كان كثيراً فلا يأخذه حتى يدفع قيمة الصنعة أو يضمن الغاصب ما غصب أو يكونان شريكين، وأثبت ابن الماجشون في هذا القول الشركة، واختلف عليه هل بقيمة الصنعة أو بما زادت؟
ونص ابن القاسم على نفي الشركة هنا وبذلك على ما قيدنا به كلام المصنف من أن الثوب زادت قيمته ولم تنقص.
قوله في قسيم المسألة: (أَمَّا لَوْ نَقَصَتْ .. إلى آخره): وهو ظاهر؛ لأن ذلك عيب فكان كسائر العيوب.
وَإِذَا ضَرَبَ الطِّينَ لَبِناً ضَمِنَ مِثْلَهُ
لأنه انتقل الصنعة، وإما يضمن المثل إن علم قدره وإلا فقيمته، ويأتي على قول عبد الملك الآتي أن له أن يأخذ المطلوب بغير غرم.
وَإِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا لِمْ يَشْوِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مَعَ أَرْشِهَا
تصور كلامه ظاهر. ابن عبد السلام: وظاهره أنه ليس لربها في القول الأول إلا قيمتها، وبعد ذبحها فاتت مطلقاً، وهو ظاهر ما حكاه غيره، وقال بعضهم عن ابن القاسم: إن ربها مخير بين أخذ قيمتها أو أخذها بعينها على ما هي عليه من غير زيادة، وقول محمد هذا، وهو محمد بن مسلمة بعيد عن أصل المذهب، يريد: وكذلك الطبخ.
وَلَوْ غَصَبَ نُقْرَةً فَصَاغَهَا ضَمِنَ مِثْلَهَا، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ يَاخُذَ الْمَصْبُوغَ والْمَصوغ والْمَصْنُوعَ مَجَّاناً إِذْ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ
أي: المصبوغ في مسألة الثوب، والمصوغ في النقرة، والمصنوع في الطين، ومعنى (مَجَّاناً) باطلاً بغير شيء، وهو ظاهر التصور.
وَإِنْ غَصَبَ سَاجَةً أَوْ سَارِيَةً فَلَهُ أَخْذُهَا ولَوْ بِالْهَدْمِ
الساجة: الخشبة، والسارية: العمود، وما ذكره نحوه في المدونة، وهو المشهور.
وقوله: (فَلَهُ أَخْذُهَا) يعني: وله أخذ القيمة.
ابن القاسم في الموازية: وله أخذها وإن بنى عليها القصور.
ابن يونس: وقيل: ليس لربها أخذها إذا كان في ذلك خراب بنيان الغاصب؛ لأن ما يدخل على الغاصب في خراب بنيانه أعظم مما يدخل عليه فيها إذا عملها تابوتاً، وإذا لم يكن له أخذها في ذلك فأحرى في هدم بنيان الغاصب.
وحكى ابن حارث هذا القول عن أشهب، وزاد ابن القاسم وأشهب اتفاقاً على أن البناء المعتمد على الحجر المغصوب يقلع، وإنما اختلفا فيما انتشر عنه وخرج عن اعتماده، فقال ابن القاسم قولاً مجملاً أنه يهدم، وقال أشهب: إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدم جميع البناء فإنه تجب القيمة لصاحب الحجر.
وأنكر المازري هذا التفصيل وقال: لم ينقله غيره، وإنما المشهور في سائر الدواوين ذكر الخلاف في هدم بناء الغاصب قولاً مطلقاً فيما اعتمد على الحجر المغصوب أو لم يعتمد، ولا يدرى أين وقف ابن الحارث على هذا التفصيل.
ابن القصار: وإذا رضي الغاصب بهدم بنائه لم تلزمه غرامة القيمة، وإن رضي به المغصوب منه، وما اللخمي وعبد الحميد إلى منع الغاصب من الهدم إذا رضب رب الخشبة بأخذ قيمتها، مالك في الحاوي: وأما من ابتاع خشبة فبنى عليها ثم استحقت فليس لربها قلعها؛ إذ ليس الباني بغاصب.
وَإِذَا بَنَى الْغَاصِبُ خُيِّرَ الْمَالِكُ فِي أَخْذِهِ ودفْعِ قِيمَتِهِ مَنْقُوضاً بَعْدَ إِسْقَاطِ كُلْفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَتَوَلاهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بعَبْدِهِ ....
سكت عما إذا انتضت لدلالة الكلام المتقدم عليه
وَإِذَا خَصَى الْعَبْدَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئاً ويُعَاقبُ
وفي معنى زيادته عدم زيادته ونقصانه نص عليه ابن شاس، وفي العتبية: من عدا على غلام فخصاه فزاد ثمنه، يقوم على قدر ما نقص منه الخصاء، قال في البيان في باب الرد
بالعيب: يريد إن لم يرد ربه تضمينه واختار حبسه، ومعنى قوله:(قدر ما نقص) عند من لا رغبة له في الخصيان، وقال سحنون:[580/أ] معناه أن ينظر إلى دني يُنقصه الخصاء فما نقص كان على الجاني ذلك في المجني عليه، وقد تأول بعضهم ما في الجراحات من سماع ابن القاسم أن ينظر ما تقع الزيادة فيجعل نقصاناً، فيكون عليه غرمه، وذلك بعيد لا وجه له في النظر، والذي يوجبه النظر أن يكون عليه في الذكر أو الأنثيين قيمة، وفيهما قيمته مرتين كالحر في الدية قياساً على قول مالك في المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة أنه يكون عليه من قيمته بحساب الجزء من ديته، وابن عبدوس يرى أنه إذا زاد الخصاء لا غرم عليه ولا يصح ذلك على المذهب، وإنما يأتي على قول من يقول: لا شيء عليه في المأمومة وشبهها مما لا نقصان فيه بعد البرء، وقول ابن عبدوس هو الذي اقتصر عليه المصنف تبعاً لابن شاس، ولا إشكال في عقوبته.
وَلَوْ هَزِلَتِ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ تَذَكَّرَها حَصلَ الجبْرُ
هو ظاهر.
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَإِنْ فاتتْ كَالدَّارِ يقلعهَا، والأَرْضِ يُبَوِّرُهَا، والدَّابَّةِ يُعَنِّدُهَا، والْعَبْدِ لا يَسْتَخْدِمُهُ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَضْمَنُ، وقَالَ غَيْرُهُ: يَضْمَنُهُ وصُوِّبَ ....
لما ذكر أولاً أن الغصب يكون لعين ومنفعة، وتكلم على العين تكلم هنا على المنفعة، يعني وأما المنافع فإن فاتت ولم ينتفع بها الغاصب كالأمثلة التي ذكرها المصنف، فقال ابن القاسم: لا يضمن، وهو المشهور.
أبو محمد: لأنه كمن منعه من وطء أمته أو منع حرةً أو أمةً من التزويج، وقال غيره: لأنه لم يغصب المنفعة ولم ينقلها لا يضمنها كما إذا سجن صاحبها، وذهب مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وابن حبيب إلى الضمان؛ لن أذهب مالاً عن مالكه، فوجب أن
يضمن قياساً على غصب العبد، أما أنه مال فلأنه يجوز أخذ المال عنه ولو لم يكن لما جاز ذلك، ومن هذا الخلاف فيمن غصب دنانير هل يضمن ما كان ربها ربح فيها؟
وقد حكى اللخمي في من غصب دراهم أو دنانير هي يضمن ما يربح أو ما كان ربح فيها صاحبها؟ ثلاثة أقوال: فقيل: لا شيء للمغصوب منه إلا رأس ماله، استنفقها الغاصب أو اتَّجر بها فربح، وهو قول مالك وابن القاسم.
وقيل: إن اتَّجر بها وهو موسر كان الربح له، وإن كان معسراً كان الربح لصاحبها، وهو قول ابن مسلمة وابن حبيب في الولي يتجر في مال يتيمه لنفسه فجعلا له الربح إن كان موسراً أو لليتيم إن كان معسراً.
والقول الثالث أن للمغصوب منه قدر ما كان ربح فيها لو كانت في يده، ذكرها ابن سحنون فيمن شهد بدرين حال أن صاحبه أخر الغريم سنة ثم رجع عن الشهادة بعد محل الإجل والدين عيناً أو مما يكال أو يوزن.
وحكى صاحب المقدمات الاتفاق على أن ربح الدراهم والدنانير للغاصب، والخلاف الذي ذكره المصنف إنما هو مبني على المشهور أن الغاصب يرد الغلة، وأم على الشاذ أنه لا يردها فلا إشكال أنه لا شيء عليه هنا، ومعنى (يُبَوِّرُهَا) يمنعها من الحرث وعقل الدابة أي من غير عمل.
قوله: (وصُوِّبَ) أي: صوبه ابن يونس.
فَإِنِ اسْتَغَلَّ أَوِ اسْتَعْمَلَ ضَمِنَ عَلَى الْمَشْهُورِ، ورُوِيَ: إِلا فِي الْعَبدِ والدَّوَابِّ، ورُوِيَ: لا يَضْمَنُ مُطْلَقاً ....
يعني: فإن استغل الغاصب أو استعمل ضمن الغلة على المشهور إذ لا حق للغاصب، وروي: لا ضمان عليه مطلقاً في الحيوان وغيره استغل أو استعمل لقوله عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضمان» .
فإن قيل: هو خراج على سبب، قيل: المختار والاعتماد على عموم اللفظ دون خصوص السبب، وروي أنه يغرم غلة الرباع والغنم والإبل والبقر دون العبيد والدواب.
ابن عبد السلام: وهو مذهب المدونة.
ولعل هذا القول الثاني في كلام المصنف، ويحتمل أن يريد بالدواب مطلق الحيوان وهو قول ابن المعذل، وهو مذهب المدونة في باب الاستحقاق؛ لأنه نص فيها في الباب المذكور على أن الغاصب لا يرد غلة الدواب والعبيد، خلاف ما نص عليه في باب الغصب على ما نقله ابن عبد السلام.
والصحيح عند ابن العربي وغيره من المتأخرين ما شهره المصنف من وجوب الغلة مطلقاً، وقد صرح المازري وصاحب المعين وغيرهما بشهرة ما شهره المصنف. قال في المقدمات: وقد اختلف في غلة المغصوب هل حكمها كالمغصوب أم لا؟ فمن قال بالأول وهو أشهب يقول: تلزمه قيمة الغلة يوم قبضها أو أكثر ما انتهت إليه وإن تلفت بأمر من الله تعالى.
وأما القائلون بالثاني فاختلفوا في الغلة بعد اتفاقهم على أنها إن تلفت ببينة أنه لا ضمان على الغاصب فيها وأنه إن ادَّعى تلفَها لم يصدق وإن كان مما لا يغاب عليه، وتحصيل اختلافهم أن الغلة ثلاثة أقسام:
أولها متولد عنه على هيئته وهو الولد فيردها اتفاقاً.
والثاني: متولد عنه على غير هيئته وهي تمر النخل ولبن الماشية ففي وجوب رده قولان.
والثالث: أن تكون غير متولدة عنه، وهي الأكرية والخراجات ففيه خمسة أقوال فذكر الثلاثة التي ذكرها المصنف، والرابع: يلزمه رد الغلة إن اكترى ولا يلزمه إن انتفع أو عطل، والخامس: يلزمه إن اكترى أو انتفع ولا يلزمه إن عطل.
وفي إطلاقه على الولد غلة تسامح، وهذا القول الأخير يستغنى عنه بما قدمه المصنف في الفرع المتقدم.
وَأَمَّا الْبُضْعُ فَلا يَضْمَنُ إِلا بِاسْتِيفَائِهِ لا بِفَوَاتِهِ، فَفِي الْحُرَّةِ صَدَاقُ مِثْلِهَا، وفِي الأَمَةِ مَا نَقَصَهَا، وكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ ....
لما ذكر أولاً الخلاف فيما إذا عطل المنافع أخرج هذا من ذلك، ولذلك أتى بأمَّا المشعرة بالتفصيل، ومعنى كلامه أنه إذا منع الحرة أو الأمة من التزويج فلا ضمان عليه، وإنما يضمن بالإفاتة بوطئها لا بحبسها [580/ب] من غير وطء، ومقتضى كلامه أنه إذا غاب على الأمة ولم يطأها لا ضمان عليه.
قال في البيان: وهو مذهب ابن القاسم ولم يفرق بين الرائعة وغيرها، وقيل في الجارية أنه يضمن قيمتها بالغيبة عليها حكاه في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون ومالك وأصحابه ولم يفرق أيضاً في ذلك بين الرائعة وغيرها وقال أصبغ: يضمن إن كانت رائعة؛ وقوله: بالتفرقة جيد.
وقوله: (وكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ) أي: لا يضمن إلا بالاستيفاء لا بالفوات.
وَلَوْ غَصَبَ مَا صَادَ بِهِ وفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لِلْمَالِكِ فَإِنْ كَانَ عَبْدَاً فَالصَّيْدُ لِمَالِكِهِ اتِّفَاقَاً، وإِنْ كَانَ كَالسَّيْفِ والشَّبَكَةِ والْحَبْلِ فَلِلْغَاصِبِ اتِّفاقاً، وعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَثْلِهِ، والْفَرَسُ كَالسَّيْفِ، وإِنْ كَانَ جَارِحَا فَعَلَى قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى التَّشْبِيهِ بِهِمَا ....
تقدم الكلام على ذلك في باب الصيد، والمسألة الثانية لا تناسب هذا الفصل.
قوله: (لِمَالِكِهِ) أي لمالك العبد يريد على قول أن الغاصب يرد الغلة.
قوله: (وعَلَيْهِ) أي وعلى الغاصب (والْفَرَسُ كَالسَّيْفِ) أي فالصيد للغاصب وعليه أجرة مثله، وإن كان ما صاد به كلباً أو بازاً فعلى قولين بناء على التشبيه بهما، أي بالعبد والسيف، فمن شبهه بالعبد فالصيد لمالكه، ومن شبهه بالسيف والشبكة فالصيد للغاصب وعليه أجرة مثله.
وَإِذَا غَصَبَ دَاراً خَرَاباً أَوْ مَرْكِباً خراباً فَأَصْلَحَهُ فَاغتلَّ، فَقَالَ أَشْهَبُ: مَا زَادَ فَلِلْغَاصِبِ؛ كسَاحَةٍ يعْمُرُها، وقال محمد: الجميعُ لِلمَالِكِ
وافق أشهب أصبغ.
اللخمي: وهو أبين فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر ما كان يؤاجر به من يصلحه فيغرمه وما زاد على ذلك فللغاصب.
اللخمي: ولا أعلمهم اختلفوا في من غصب أرضاً فبناها ثم سكن واستغل أنه لا يغرم سوى غلة انتفاعه، ورأى محمد أن جميع الغلة للمغصوب منه، وله أخذ الدار مصلحة ولا شيء عليه إلا قيمة ما لو نزعه لكانت له قيمة، ورأى أن المالك يستحق البناء بقيمته منقوضاً، فيكون مالكه فتكون غلته له، وكذلك ما أخرجه في إصلاح المركب من قلفطته وزفته فربه أخذ ذلك وجميع الغلة.
محمد: إلا مثل الصواري والأرجل والحبال وما أخذ له ثمن إذا أخذ فللغاصب أخذه إن كان بموضع لا غناء له عنه؛ إذ لا يجد صاريا ولا أرجلا ولا حبلا إلا هذه، أو لا يجد ذلك بموضع ينال حمله غليه إلا بالمشقة والمؤنة العظيمة، وهو مما لا بد منه مما يجري به المركب حتى يرده إلى موضعه، فربه مخير بين أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيف كان أو يسلم ذلك إليه، وعلى هذا ففي قول المصنف (الجميعُ لِلمَالِكِ) إطلاق، وإنما مراد محمد ما ليس له عين قائمة مستقلة.
ابن عبد السلام: وقول محمد أظهر، وقال ابن راشد: والأول أقيس، ويعكس على قول محمد ما حكاه اللخمي في من غصب أرضاً فبناها.
وَحَيْثُ أُلْزِمَ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ فَمَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ والدَّابَّةِ وسَقْيِ الأَرْضِ وعِلاجِهَا ونَحْوِهِ يُقَاصُّ بِهِ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَرْجِعْ ....
هذا مذهب ابن القاسم في المدونة وحاصله أنه يرجع بالأقل مما أنفق أو الغلة، وقاله ابن القاسم في الموازية ثم رجع في الموازية وقال: لا شيء للغاصب واختاره ابن المواز، والأول أظهر؛ لأن الغاصب وإن ظلم فلا يظلم، ولأن الغلة إنما نشأت عن عمله، فلهذا لو قيل: إنما يرجع فيما زاد عمله في الغلة لكان وجهاً حسناً، وهذا في كل ما ليس للمغصوب منه بد كطعام العبد وكسوته، وعلف الدابة، وأما الرعي وسقي الأرض فإن كان يستأجر له أو كان في يده فكذلك، وإن كان يتولاه بنفسه أو بعبده فلا شيء عليه، وقاله أصبغ في سقي الشجر وحرث الأرض.
اللخمي: وأرى أن يكون على الغاصب الأقل من ثلاثة: إجارة المثل فيما يتولاه الغاصب، أو ما آجر به عبيده أو دوابه، أو تسليم الغلة التي اغتلها الغاصب.
فَلَوْ بِيعَ الْمَغْصُوبُ أَوْ وُرِثَ؛ فَإِنْ عَلِمَ المشتري فَكَالْغَاصِبِ
يعني: فلو باع الغاصب المغصوب، أو مات الغاصب فورثه ورثته، (فَإِنْ عَلِمَ المشتري) بذلك والوارث، وفي بعض النسخ:(علم) فقط، فيكون الفاعل أحدهما لا على التعيين (فَكَالْغَاصِبِ) أي في لزوم رد الغلات؛ لأنه لما علم بالغصب وجب عليه الرد ولا عذر له، بل قال أبو عمران: وإنما يشترط علم المشتري وأما الوارث فإنما ينظر إلى معرفة الناس في ذلك.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ - فِي السَّمَاويِّ ولا فِي الْغَلَّةِ سَكَنَ أَوْ زَرَعَ أَوْ أَكْرَى - ولا عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ حِينَ بَاعَ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
وإن لم يعلم أحدهما، أي المشتري والوارث فلا شيء عليه مما هلك أو نقص مما لا صنع لأحد فيه، وهو مراده بالسماوي، قال في البيان: باتفاق.
قوله: (ولا فِي الْغَلَّةِ) ظاهره أن الغلات تكون للمشتري وللوارث إذا لم يعلما، وهو صحيح في المشتري، وأما وارث الغاصب فلا غلة له باتفاق سواء انتفع بنفسه أو أكرى لغيره، فإن قيل: حكمهم للمشتري بالغلة دليل على أن الضمان منه، وقولهم: لا ضمان عليه في السماوي يدل على أن الضمان ليس منه فما وجه الجميع؟ قيل: إنما نفينا سبباً خاصاً من أسباب الضمان لا مطلق الضمان.
قوله: (ولا عَلَى الْغَاصِبِ
…
إلى آخره) أي لا رجوع للمغصوب منه على الغاصب بالغلة من حين باع على المشهور، وهما مبنيان على القولين فيما عطله الغاصب بالغلة من حين باع على المشهور.
وفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ الْوَاهِبِ قَوْلانِ
أي: في الرجوع عليه بالغلة التي استغلها الموهوب له.
ابن عبد السلام: وهما كالقولين السابقين، وهكذا نسب اللخمي لابن القاسم أنه لا رجوع على الغاصب في الهبة والتعطيل.
خليل: وفي نظر؛ لأن في التهذيب: [581/أ] ومن وهب لرجل طعاماً أو إداماً فأكله أو ثياباً فلبسها حتى أبلاها ثم استحق ذلك فيرجع بذلك على الواهب إن كان مليئاً وإن كان عديماً أو لم يقدر عليه رجع بذلك على الموهوب له ثم لا يرجع الموهوب له على
الواهب بشيء، وكذلك أو أعاره الغاصب هذه الثياب فلبسها لباساً ينقصها، فعلى ما ذكرنا ثم لا يرجع المستعير بما غرم من نقص الثياب على المعير. انتهى.
عياض: وقوله: (ومن وهب) معناه عندهم أن الواهب غاصب، وقد صرح بذلك ابن يونس واللخمي في نقلهما فقالا: ومن غصب لرجل طعاماً
…
إلى آخره؛ ولهذا قال ابن راشد: الصواب الرجوع؛ لأنه هو الذي أتلفها على ربها ونفي الرجوع مبني على أن الوهوب له هو المباشر، ولما لم يغرم لعذره بالشبهة لم يغرم للغاصب من باب أولى.
وَعَلَى الرُّجُوعِ إِن أعدِمَ، فَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَوْلانِ
يعني: وإذا فرعنا (وَعَلَى الرُّجُوعِ) بالغلة على الغاصب الواهب فلو أعسر الغاصب فقال ابن القاسم في المدونة: يرجع المالك على الموهوب كما يرجع على الوارث الغاصب بجامع أن لاك منهما أخذ بغير عوض، وقال أشهب في الموازية: الموهوب له إذا لم يعلم بالغصب كالمشتري لا يرجع عليه بالغلة.
تنبيه: ووقع في بعض النسخ عوض (أعدِمَ)(أغرم) بالغين المعجمة والراء المهملة والمعنى: إذا رجع على الغاصب بغلة الشيء المغصوب فهل يرجع الغاصب بذلك على الموهوب له؛ لأنه تبين أنه وهب شيئاً لا يملك أو لا يرجع؛ لأنه سلطه على ذلك؟ قولان، وهذا الثاني هو الذي يأتي على قول ابن القاسم في المدونة والأول يأتي على غيره فيها، وسيأتيان عند قول المصنف:(والمشهور أنه بيد الغاصب).
وَلَوْ أَكَلُوهُ أَوْ لَبِسُوهُ فَأَبْلَوْهُ فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُمْ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ يَوْمَ لَبِسُوهُ، أَوْ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ، أو إمْضَاءِ بيْعِ الغَاصِبِ.
الضمير في (أَكَلُوهُ) وما بعده عائد على من حصل له المغصوب من جهة الغاصب وهو وارثه وموهوبه والمشتري منه ونحو ذلك، وإن أكل هؤلاء الطعام أو لبسوا الثوب
حتى أبلوه، فالمالك مخير في أمرين: إما أن يغرمهم قيمة المقوم، ومثل المثلي يوم وضع اليد؛ لأنهم لا علم لهم بالغصب، وإليه أشار بقوله:(يَوْمَ لَبِسُوهُ) وإما أن يغرم الغاصب القيمة أو المثل يوم الغصب، وله وجه ثالث في البيع وهو إمضاء بيع الغاصب؛ لأنه بيع فضولي، وظاهر قوله: (فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُمْ
…
أَوْ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ) أن المغصوب منه بالخيار، وليس هو المشهور، والمشهور أنه يبدأ بالغاصب كما سيأتي، ولعل المصنف إنما أراد تعلق الغرامة بهم من حيث الجملة ولكن أطلق لما سيذكره.
واستشكل ابن يونس كون المشتري يضمن القيمة يوم اللبس فقال: وقيل: إن المشتري يضمن القيمة إذا لبسه فأبلاه يوم اللبس، وهذا في نظر؛ لأنه غير متعد وهو إذا لبسه يوماً أو أياماً ولم ينقصه ذلك لم يكن عليه شيء، وإنما يضمن قيمته بالاستهلاك، قال: والجواب أنه لمّا كان هلاكه بالانتفاع لم يفرق في ذلك بينه وبين المتعدي الغاصب ألا ترى أن ابن القاسم شبه ذلك بغلته، فلذلك كان عليه قيمته يوم لبسه، وكما لو كان ذلك عنده رهناً أو وديعة.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ، فَإِنْ اخْتَارَ تغْرِيمَهُ فَكَانَ أَقَلّ مِنَ الثَّمَنِ فَفِي تَعْيين مُسْتَحَقِّهِ مِن المشْتَرِي أوْ رَبِّهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَب ....
وكذلك أيضاً يكون المغصوب منه بالخيار إذا قتل المشتري العبد المغصوب فإن أخذ ربه القيمة منه يوم الجناية وكانت اقل من الثمن فاتفق ابن القاسم وأشهب أن الغاصب لا يستحق زيادة الثمن، واختلفا في من يستحق تلك الزيادة هل المشتري أو المالك؛ فقال ابن القاسم: يستحقها المشتري؛ لأن البيع قد انفسخ بغرم المشتري قيمة ما اشتراه، وقال أشهب بل يرجع المالك بتلك الزيادة على الغاصب ويرجع المشتري بمقدار ما أدَّى.
ونقَل ابنُ يونس عن أشهب مثل ما حكى المصنف عنه ونصه: وقيل عن أشهب: إذا باعها الغاصب - أي الأمة بمائة وقتلها المبتاع وقيمتها خمسون فأغرمه المستحق فيمتها خمسين، فليرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق في ذلك وهو خمسون ويرجع
المستحق أيضاً على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذها فيها، قال: ولو كانت قيمتها يوم الغصب مائة وعشرين، فباعها الغاصب بمائة فقتلها المبتاع وقيمتها حينئذ خمسون فأخذ المستحق قيمتها من المشتري على قول أشهب بما غرم وذلك خمسون، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك سبعون.
خليل: وجعل ابن عبد السلام ما نقله ابن يونس عن أشهب مخالفاً لما حكاه الصنف عنه، وسبب ذلك أنه أسقط ما حكاه ابن يونس بعد قول أشهب فيرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق وفي ذلك خمسين.
قوله: (ويرجع المستحق على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذه فيها) ورأيت في نسخة مثل ما حكاه، لكن وجدت في نسخ مثل ما حكيته وبه يتفق نقله مع نقل المصنف ثم يلزم على ما حكاه ابن عبد السلام أن يكون في كلام ابن يونس إشكال وتناقض، أما الإشكال؛ فلأن قول أشهب على ما نقله أن الخمسين الباقية تكون للغاصب مشكل؛ لأن الغاصب لا يربح وأما التناقض؛ فلأن ما حكاه ثانياً عن أشهب يناقضه، والله أعلم.
وَفِي كَوْنِ الْخَطَأِ مِنْهُ كَالسَّمَاوِيِّ أَوْ كَالْعَمْدِ قَوْلانِ
تقدم أن المشتري لا يضمن بالسماوي اتفاقاً، وأشار المصنف في المسألة السابقة إلى أنه يضْمَنُ بالعمد ولا خلاف فيه، واخْتُلف في جنايته خطأ، فقال ابن القاسم في العتبية هو كالسماوي، وقال أشهب في المجموعة: يضمن به كالعمد؛ وهو أقيس لأن العمد والخطأ [581/ب] في أموال الناس سواء.
واختلف في المدونة على أي القولين تحمل، فجعل في البيان ما في العتبية مفسراً له وحمل ما فيها من الضمان إذا قطع المشتري يدها على الخطأ، وقال أبو الحسن: ظاهرها أنه
لا فرق بين أن تكون الجناية عمداً أو خطأ، وقال ابن عبد السلام أنه ربما تأول على المدونة أنه عدم الفرق.
وَلا يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي فِي تَلَفِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ويحلِفُ ثُمَّ يَغْرَمُهُ إِنْ شَاءَ
هكذا في العتبية؛ لأن فيها: ولو ادعى المبتاع أنها هلكت صدق، وفيما لا يغاب عليه من رقيق وحيوان، ولا يصدق فيما يغاب عليه ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد هلكت ويغرم قيمته إلا أن يأتي ببينة على هلاكه من غير شبهة، وكذا يفهم من المدونة، قيل: وإذا صدِّق في ما لا يغاب عليه فإنما ذلك إذا لم يظهر كذبه كالرهن والعواري، وقال أصبغ: يصدق في الضياع فيما يغاب عليه مع يمينه، وإنما حلَّفناه فيما يغاب عليه على الأول مع إنا نضمنه له مخافة أن يكون قد غيبها.
ابن عبد السلام: وإذا بنينا على المشهور وضمانه فخرج بعضهم قولاً بعدم اليمين، وإذا صدقنا المشتري في الهلاك، فلا يرجع بالثمن على البائع منه؛ لأن الضياع هنا كالهلاك، وفاعل (ويحلِفُ) عائد على المشتري وكذلك يغرمه، وفاعل (شاء) عائد على المستحق.
فرع
ومتى يضمن ما يغاب عليه؟ نقل ابن يونس عن غيره أن الأشبه إذا رئي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشتراه وادَّعى ضياعه لما استحق، إنه إنما يضمن قيمته يوم رئي بخلاف الصانع والمرتهن يدعي ضياعه بعد أن رئي عنده بعد شهر، فإنه يضمن القيمة يوم القبض والفرق أنهما قبضاه على الضمان، فلما غيباه اتهما على أنهما إنما قبضاه ليستهلكاه فأشبها المتعدي، بخلاف المشتري فإنه إنما قبضه على أنه هلكه فلم يتهم.
وَالْمَشْهُورُ أنه يُبّدَّى الْغَاصِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ إَذَا أَكَلَهُ أَوْ أَبْلاهُ
لا شك أن علم الموهوب له بالغصب أنه كالغاصب يتبع صاحبه أيهما شاء، وإن لم يعلم فالمشهور وهو مذهب ابن القاسم في المدونة أنه يبدأ بالغاصب؛ لأنه كالمسلط للموهوب له، فيرجع عليه بقيمة الموهوب وغلته على القول بالرجوع بها أولاً، فإن كان عديما رجع على الموهوب له.
قال في البيان: وإذا رجع بها أولاً على الغاصب، فلا رجوع له على الموهوب له، وإن رجع أولاً على الموهوب له رجع على الغاصب إذا يسر، وقال غير ابن القاسم في كتاب الاستحقاق من المدونة: يرجع أولاً على الموهوب له؛ لأنه المباشر.
ابن رشد: فإن لم يكن له مال رجع على الغاصب، فإن رجع على هذا القول على الغاصب رجع الغاصب على الموهوب له، وإن رجع على الموهوب له لم يرجع على الغاصب بشيء عكس الأول، ولأشهب قول ثالث أن المالك بالخيار في اتباع أيهما شاء، واختاره ابن المواز وسحنون.
اللخمي: ولا خلاف أن له تغريم الغاصب؛ لأن هبته لا تسقط المطالبة عنه عند علم الغصب، وإن أحب أن يبتدئ بالموهوب فالأقوال الثلاثة، وإن كان الغاصب معسراً فله أخذ المستهلك اتفاقاً، انتهى.
أشهب: بناء على قوله: (ويطلب الغاصب بالقيمة يوم الغصب) أو يطلب الموهوب له بالقيمة يوم إتلافه ما أتلف، فإن كانت قيمته يوم الغصب عشرين، وقيمته يوم الإتلاف ثلاثين، فاختار اتباع الغاصب فأخذ منه عشرين ثم يرجع على الموهوب له بالعشرة الباقية، واحتاج أشهب على قول ابن القاسم بموافقته إياه، على أن المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالغصب، فهو كغريم ثان يتبع المالك إن شاء الغاصب، وإن شاء المشتري إذا
أتلف، والفرق لابن القاسم إذا ابتدأ تضمين المشتري كان للمشتري الرجوع على البائع، وهو الغاصب أولاً، كذلك الموهوب له فإنه إذا غرم قيمة المغصوب لم يكن له رجوع البتة على أحد، ومقابل المشهور في كلام المصنف يحتمل أن يريد به الثاني.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب لعدم إشعار كلام المؤلف بالتخيير، ويحتمل أن يريد به قول أشهب.