المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الاستلحاق: لما فرغ من الإقرار بالمال شرع في الإقرار بالنسب، - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٦

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ‌ ‌الاستلحاق: لما فرغ من الإقرار بالمال شرع في الإقرار بالنسب،

‌الاستلحاق:

لما فرغ من الإقرار بالمال شرع في الإقرار بالنسب، والمشهور أنه لا يستلحق الورثة إذا اجتمعوا، قاله بعض الشيوخ، ووقع في كلام ابن القصار ما ظاهره ثبوت النسب كمذهب الشافعي في ذلك.

وَإِذَا اسْتَلْحَقَ مَجْهُولَ النَّسَبِ لَحِقَ بِهِ مِا لِمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ لِصِغَرِهِ، أَوِ الْعَادةُ بِبَلَدِهِ، أَوِ الشَّرْعُ لِشُهْرَةِ نَسَبِهِ ....

يعني: إذا استلحق شخص مجهول النسب لحق به؛ لأن الناس مصدقون على أنسابهم والشرع متشوف إلى لحوق النسب، إلا أن يكذبه العقل

إلخ. فالعقل: كما إذا استلحق من هو أكبر منه؛ إذ العقل مانع أن يكون الولد أكبر من أبيه. والعادة: كما إذا استلحق من ببلد يعلم أن المستلحق لم يدخلها. والشرع: كما لو استلحق من هو مشهور النسب، فإن شهرة نسبه تمنع أن يلحق بالغير، وإذا كانت الشهرة تمنع فأحرى إذا ثبت نسبه. وفي المدونة لابن القاسم: في الذي يتبين به كذبه أن يكون له أب معروف، أو هو من المحمولين من بلد لا يعلم أنه دخلها كالزنج والصقالبة، أو تقوم البينة أن الأم لم تزل زوجة لغيره حتى ماتت، قيل له: فإن قالوا لم تزل ملكاً لغيره حتى ماتت، قال: لا أدري ما هذا ولعله تزوجها، ويناقش المصنف بأن قوله أولاً (مَجْهُولَ النَّسَبِ) يغني عن قوله:(لِشُهْرَةِ نَسَبِهِ) لأن الجهل بنسبه مع شهرة نسبه متضادان، ولمالك في المدونة: من باع صبياً ولد عنده ثم أقر بعد ذلك أنه ابنه؛ لحق به ورد الثمن، إلا أن يتبين كذبه، وقد نزلت بالمدينة وقضى بها بعد خمس عشرة سنة.

وَلا كَلامَ لَهُ ولَوْ كَانَ كَبِيراً

يعني: ولا كلام للمقر به؛ لأنه لا يقابل دعوى المقر إلا بعدم العلم لا بالتحقيق، وإذا لم [567/أ] يكن للكبير كلام فأحرى الصغير، ونص في النوادر على أنه لا يلتفت

ص: 445

لتصديق الولد ولا تكذيبه وأنه لا يقبل، سواء كان الأب صحيحاً أو مريضاً، أحاط الدين بماله أم لا. وفي الكافي في آخر الفرائض شرط ذلك تصديق الولد إذا كان الولد كبيراً، ونص على أنه لو استلحق ولداً كبيراً بعد موته أنه لا يلحق إلا ببينة، وعلل ذلك بأن استلحاقه يفتقر إلى تصديقه والتصديق قد علم بموته، بخلاف الصغير فإذا استلحقه بعد موته يلحق به ويرثه، ويؤيد في المدونة في باب الشهادة: ومن ادعى على رجل أنه ولده أو والده فأنكر؛ فلا يمين له عليه. قال ابن يونس: معناه أن الولد كبير، ولو كان صغيراً لجاز استلحاقه إذا لم يعرف كذبه.

فرع: وهل من شرط استلحاق الولد ألا يكون للمستلحق وارث معروف كغير الولد وهو أقرب، نقله سحنون عن أصحابنا، أو إنما يشترط ذلك في غير الولد وهو الذي في العتبية. قال في الجواهر: ولو استلحق ولداً ثم أنكره ثم مات الولد عن مال فلا يأخذه المستلحق.

ابن القاسم: ويوقف ذلك المال، فإن مات هذا المستلحق صار المال لورثته وقضى به دينه، فإن قام غرماؤه عليه وهو حي أخذوا ذلك المال في ديونهم.

وقَالَ سُحْنُونٌ: لا يُقْبَلُ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ نكَاحٌ أَوْ مِلْكُ يَمِينٍ

يعني: أن أهل المذهب لا يشترطون في الاستلحاق تقدم النكاح أو ملك يمين، وقال سحنون: يشترط فيه أن يعلم أحدهما، ونحوه لابن القاسم، لكن المشهور عنه الأول.

وَلَوِ اسْتَلْحَقَ ذَا مَالٍ وَلَهُ وَارِثٌ لَمْ يَرِثْهُ

هذا خاص بغير الولد؛ لأنه قدم الكلام في الولد، وأنه يقبل استلحاقه ما لم يكذبه العقل

إلخ. وقد تقدم في اللعان ما إذا استلحقه بعد نفيه وموته، وأن مذهب المدونة: يرثه بشرط أن يترك الولد ولداً، وأن ابن العطار وغيره قالا بنفي الإرث وإن فضلا، قيد

ص: 446

في المدونة إن لم يكن للميت ولد بما إذا كان المال كثيراً، ونص في الجواهر ونحوه لصاحب الذخيرة أن هذا الفرع خاص بغير الولد.

وقوله: (وَارِثٌ) أي: عاصب معروف بنسب أو ولاء يدل عليه ما بعده، ومثال المسألة، ما إذا قال: هذا أخي أو عمي أو ابن أخي ونحو ذلك، فإن كان للمستلحق عاصب يرثه لم يرثه هذا المقر به؛ لأن ذلك الوارث يستحق ذا المال وهو يتهم في إخراجه، ولفظ ذا مفعول.

وقوله: (وَلَهُ وَارِثٌ) جملة حالية من الضمير في (اسْتَلْحَقَ) فإن قلت: هل يصح أن يكون أيضاً (ذَا) حالاً من فاعل استلحق؛ أي: استلحق حال كونه ذا مال، قيل: فيه بعد، والله أعلم.

وكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ عَلَى الأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْوَارِثِ أَوْ لا

يعني: وكذلك لو استلحق غير الولد وله مال ولم يكن له وارث معروف بالنسب، فإن الأصح أنه لا يرثه، ومنشأ الخلاف ما ذكره، هل بيت المال وارث أم لا، وإنما هو حائز للأموال الضائعة، واضطرب الشيوخ في تعيين المشهور؛ فالباجي يقول: والذي عليه جمهور أصحابنا قبول إقراره ويرثه المقر له ولا يثبت نسبه بذلك، وقاله أصبغ وسحنون، ثم قال سحنون: لا يرثه؛ لأن المسلمين يرثونه، وقاله أشهب.

ابن يونس: نسبة الأول إلى المذهب منكر إلا على قول شاذ لابن القاسم.

ابن عبد السلام: ولكن هذا إذا كان المقر ذا مال، ومسألة المؤلف في العكس أن يكون المقر له ذا مال، فتأمل ذلك.

ص: 447

ولَوْ قَالَ لأَوْلادِ أَمَتِهِ: أَحَدُهُمْ وَلَدِي وَمَاتَ ولَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ؛ فَالصَّغِيرُ وَحْدَهُ حُرٌّ. وقِيلَ: وثُلُثَا الأَوْسَطِ وثُلُثُ الأَكْبَرِ، وقِيلَ: الْجَمِيعُ ....

أي: ومات ولم تعرف عين الولد، وذكر المصنف وابن شاس ثلاثة أقوال، وقد ذكرها صاحب النوادر، وعزا الأول في كلام المصنف لسحنون والثاني للمغيرة والثالث لابن عبد الحكم؛ فرأى في الأول والأوسط عدم العتق، لاحتمال أن يكون الميت لم يرد واحداً منهما وإنما أراد الأصغر، فلا يعتق واحدٌ إلا بيقين على القول بأن الشك لا يؤثر في العتق، ورأى المغيرة أن الصغير هو على كل تقدير؛ لأنه إذا كان الأكبر هو الولد فهو حر، وكذلك الأوسط والأصغر، وإن كان الأوسط هو الولد فهو حر مع الأصغر والأكبر رقيق، وإن كان الأصغر هو الولد فهو حر دونهما، ولما كان الأوسط حراً على تقديرين ورقيق على تقدير عتق ثلثاه، ولما كان الأكبر حرًّا على تقدير ورقيقاً على تقديرين عتق ثلثه، ورأى ابن عبد الحكم عتق جميعهم بالشك كما وجب اجتناب الشاتين إحداهما ذكية والأخرى ميتة، وكاجتناب المرأتين إذا كانت أحداهما محرمة؛ لأنه لما اختلط من يجوز ملكه بمن لا يجوز ملكه وتعذر التعيين في إعتاق من لا يجوز ملكه وجب إعتاق الجميع؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.

تنبيه: هذا الكلام المتقدم إنما هو إذا كان الإخوة من أُمٍّ واحدةٍ وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف؛ لقوله: (لأَوْلادِ أَمَتِهِ). قال في العتبية: وإن كانوا مفترقين فإن القول ببلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الرواة، أن يحمل هذا عندهم محمل من قال: أحد عبيدي حر. وقال المخزومي: يعتق من كل واحد ثلثه ويرق ثلثاه. وقال آخرون: يعتق واحد من الثلاثة بالقرعة؛ لأنه لما كان مجهولاً عتق بحكم الوصية فقط، وقد قيل أنه يقرع بينهم، وإن كانوا لأم فيقرع بين الأكبر والأوسط، وأما الأصغر فهو حر على كل حال؛ لأنه لا يصح أن يختلف فيه، وإن كان ظاهر الرواية [567/ب] خلاف ذلك

ص: 448

فتأول على هذا وهو تأويل سائغ؛ لأن الاثنين جماعة فيحمل قوله بينهم على الأكبر والأوسط، قال: ولا خلاف أنه لا إرث لأحدهم منه.

وَإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ وَغَيْرُهَا وَلَدَيْنِ ومَاتَتَا واخْتَلَطَا؛ عَيَّنَتْهُ الْقَافَّةُ

يحتمل أن يرد بغير زوجته ما هو أعم من أمته والأجنبية، ويحتمل أن يريد أمته فقط، وهذا الثاني أشبه بأصل المذهب في أن القافة إنما تكون في الآباء. وفي الجواهر: ولو نزل ضيف على رجل وله أم ولد حامل فولدت هي وولدت أم ولد الضيف في ليلة بنتين فلم تعرف واحدة منهما بنتها وتداعتا أحدهما ونفى الآخر؛ فإن القافة تدعى لهما. وقال سحنون فيمن ولدت امرأته وجاريته فأشكل عليهم ولد الحرة من ولد الأمة ومات الرجل ولم يدع عصبة تستدل بها القافة على ولد الميت؛ ليس في مثل هذا قافة، ولا يكون الميراث بالشك.

وفي كتاب ابن عيسى: في امرأة طرحت ابنتها ثم عادت لأخذها فوجدتها وأخرى معها ولم تعرف بنتها منهما، فقال ابن القاسم: لا يلحق بزوجها واحدة منهما، وبه قال ابن المواز، وقال سحنون: تدعى لهما القافة، وإلى هذا الفرع الأخير أشار المصنف بقوله:

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي امْرَأَةٍ وَجَدَتْ مَعَ بِنْتِهَا أُخْرَى: أَلَاّ تُلْحِقَ بِزَوْجِهَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وقَالَ سُحْنُونٌ: الْقَافَّةُ

وكأن المصنف أتى بهذا الفرع إثر الأول، إشارة إلى التعارض بينهما؛ لأنهم قالوا في الأول بحكم القافة ولم يذكروا خلافه، ومذهب ابن القاسم في الثاني عدم إعمال القافة، فكأنه أشار إلى التخريج وهو تخريج ظاهر، والظاهر: أنه لا فرق بينهما، وقول المصنف في الفرع السابق (وَمَاتَتَا) الظاهر أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه لا مفهوم له، ولا فرق بين مماتهما وبين حياتهما، فإن قيل: فلم حكموا في الأول في القافة وهي لا تكون في الحرائر على المشهور، وقيل: الفرق بين هذه المسائل المذكورة هنا وغيرها من وجهين:

ص: 449

أولهما: أن النسب هنا ثابت وإنما القافة لتبينه. وثانيهما: إنما لم تعتبر في الحرائر القافة حيث يمكن دفع الولد باللعان وهاهنا تعذر فاستوى الأحرار وغيرهم في ذلك.

ولا تَعْتَمِدُ الْقَافَّةُ إِلا عَلَى أَبٍ حَيٍّ، وقِيلَ: وعَلَى الْعَصَبَةِ

يعني: أن القافة إنما تعتمد على الأب الحي على ظاهر المذهب قصراً لذلك على قصة زيد وأسامة. وقال سحنون: يعتمد على شبه العصبة؛ يعني: في موت الأب.

قوله: (حَيٍّ) هو كذلك في الرواية، ظاهره أنه لا يعتبر الأب إذا مات، ولكن فسر سحنون الحياة بوجوده لينظر شبهه؛ سواء كان حياً أو ميتاً، والفرق والأقرب أن يعتمد على ما تقوله أنها تعرف بذلك النسب، فإن قالت: لا تعرف ذلك إلى بالأب؛ اعتبر الأب فقط، وإن قالت: لا نعرف ذلك بالعصبة رجع إليهم في ذلك، ولا وجه لنقل الخلاف في هذه المسألة، والله أعلم. والمشهور: أنه يكتفى بالقائف الواحد. وقيل: لا بد من اثنين.

وَإِذَا أَقَرَّ وَلَدَانِ عَدْلانِ بِثَالِثٍ ثَبَتَ النَّسَبُ، وَعَدْلٌ يَحْلِفُ ويُشَارِكُهُمَا ولا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَغَيْرُ عَدْلٍ يُؤْخَذُ لَهُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ مَعَهُمْ ....

أما إذا أقر عدلان فواضح، ولا خصوصية للولدين، بل وكذلك العمان والأخوان، وأما العدل فيحلف معه ويشاركهما؛ لأنه إنما شهد له على مال، وهكذا في الجواهر والذخيرة، ونقل عن الباجي نحوه، والمذهب خلافه على ما نقله العلماء قديماً وحديثاً، وقد صرح بعضهم بأن ما نقله ابن الحاجب وهْمٌ. والمذهب: ان العدل كغيره وليس للمقر له الأخذ إلا من المقر، فإن قلت: لم لا يقيد كلامه بما إذا لم يكن للميت وارث معروف؟ فقد نقل صاحب النوادر وغيره: أنه إذا لم يكن للميت ولد معروف فادعى أنه ولد للميت أو زوجة فأقام على ذلك شاهداً؛ أن ابن القاسم قال: يقضى له بالشاهد واليمين بالميراث دون النسب. وقال أشهب: لا يقضى له به؛ لأن المال فرع بثبوت

ص: 450

النسب، واتفقا على عدم أخذ المال إذا كان للميت وارث معروف، قيل: لما فرض المصنف المسألة في ولدين لزم قطعاً حصول الوارث المعروف، وهي يُتفق فيها على عدم الإرث، فإن قلت: فكلامه هنا موافق لما ذكره في النكاح إذا أقامت المرأة شاهداً على النكاح بعد الموت، فقال ابن القاسم: تحلف معه وترث. وقال أشهب: لا ترث. وتوقف أصبغ. قيل: هذه المسألة أيضاً مقيدة عند ابن القاسم بما إذا لم يكن للميت وارث معروف، كما صرح به صاحب النوادر وغيره، ومذهبنا: عدم ثبوت النسب بالعدل الواحد ولو لم يرث غيره. وقال الشافعي رضي الله عنه: إذا لم يرث غيره يثبت النسب، ومثله عن ابن القصار.

وقوله: (وَغَيْرُ عَدْلٍ يُؤْخَذُ لَهُ

إلخ) هو المشهور، وسيأتي بيان العمل في ذلك في باب الفرائض إن شاء الله. وقال ابن كنانة: إن المقر يشاركهم، وهذا إذا كانت التركة عيناً، وأما إن كانت عروضاً كما لو ترك الميت عبداً أو أمة، فأخذ المقر عبداً والمنكر الأمة، ثم أقر أحدهما بأخ، فقال ابن عيسى: هو مقر بثلث العبد وثلث الأمة وكان له في الإنكار؛ يعني: للمقر نصف كل واحد، فأقر في كل نصف وجب له بثلث ذلك النصف وهو سدس العبد، فلما باع نصفه في الأمة بنصف أخيه في العبد؛ ضمن لأخيه سدس قيمة الأمة، وأما ثلث العبد فواجب له؛ لن سدسه كان بيده، وسدس آخر عاوض فيه أخاه فابتاع [568/أ] ما لا يحل؛ كمن اشتراه شيئاً ثم أقر أنه لآخر فليسلمه إليه، فقد وجب له ثلث العبد بكل حال، ويخير في سدس الأمة بين أن يأخذ منه قيمته أو يأخذ منه سدس العبد الذي باعه فيصير له نصف العبد. وقال أيوب المصري: قول أهل المدينة أن يعطيه ثلث العبد ويضمن له قيمة سدس الأمة؛ لأنه باع ذلك بالسدس من العبد وهو مقر أنه لأخيه. أبو محمد: وهذا هو الصواب وليس فيه تخيير؛ لأن الذي أقر له به من العبد اشترى نصفه بسدس الأمة الذي كان بيد أخيه من العبد الذي كان بيده.

ص: 451

ولَوْ قَالَ الْوَلَدُ: هَذَا أَخِي، لا بِلْ هَذَا؛ فَلِلأَوَّلِ النِّصْفُ ولِلثَّانِي نِصْفُ مَا بَقِيَ بِيَدِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُهُ ....

أي: فللثاني نصف ما بقي بيده نظراً إلى عذره بالخطأ، وقيل: جميعه بناء على عدم عذره بالخطأ؛ إذ الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ومن حجة الثاني أن يقول: أنت معترف باستحقاق نصف المال وأنت قد ضيعت حقك بإقرارك للأول، وكذلك إذا أقر بوارث ثم بوارث لم يدخل الثاني مع الأول إلا أن يكون الإقرار بهما نسقاً، فإن أقر بالثاني بعد أن دفع للأول؛ فليس عليه للثاني إلا الفضل الذي بيده على نصيبه، مثاله: توفي رجل وتلاك ابناً فله المال كله، فأقر بابن آخر فيه نصف المال بلا خلاف، فإن أقر بثالث، فقال سحنون: حكمه حكم ابنين ثابتي النسب أقر أحدهما بثالث فيدفع له ثلث ما بيده، وكذلك لو أقر برابع وخامس.

سحنون: وهو معنى قول ابن القاسم وغيره. وقال أشهب: لا ينظر في هذا إلى ما يجب للمقر وإنما ينظر إلى ما يجب للمقر به من جميع المال، كان بيد المقر وكان قادراً على الإقرار بهما جميعاً، وسواء كان عالماً بالثاني أولم يعلم؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، وعلى الأول لا يحتاج إلى قضاء قاض، وقال أحمد بن نصر الداودي: إنه إن دفع بقضاء لم يضمن.

وَلَوْ تَرَكَ أُمَّاً وأَخَاً فَأَقَرَّ بِآخر، فَفِي الْمُوَطَّإِ: يِاخُذُ مِنْهَا النِّصْفَ وهُوَ السُّدُسُ لِنَفْسِهِ وعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَرُوِيَ: يَقْتَسِمُهُ مَعَ أَخِيهِ.

إنما كان للمقر له السدس؛ لأنها أقرت بأخوين يحجبانها إلى السدس، ولا شيء للمنكر؛ لأن بيده الثلثين وهو معترف أنه لا يستحق غيرهما.

ص: 452

وقوله: (وَرُوِيَ: يَقْتَسِمُهُ مَعَ أَخِيهِ) أي: لأنها إنما أقرت بالسدس لهما، وقيل: يوقف نصيب المنكر من السدس، فإن صدق الإم أخذه ودفع لأخيه نصف الثلثين. وقيل: يوقف الأخ على إقرارها، فإن صدقها أخذت السدس وكان الباقي بينهما، كان السدس للمقر به، وإن قال: لا أدري، كان السدس بينهما.

* * *

ص: 453