المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الْوَدِيعَةُ: اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ   أي: الوديعة في عرف الفقهاء المبوب - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٦

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ‌ ‌الْوَدِيعَةُ: اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ   أي: الوديعة في عرف الفقهاء المبوب

‌الْوَدِيعَةُ:

اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ

أي: الوديعة في عرف الفقهاء المبوب لها عندهم ما ذكر، وإلا فهي أعم، كإيداع الأب ولده لمن يحفظه، والأمة المتواضعة، غير أن عبد السلام تردد في الأمة المتواضعة لاحتمال أن يقال إنها استنابة على حفظ المال، فينطبق عليها الرسم، أو يقال ليس المقصود مجرد حفظها وإنما المقصود الرجوع إلى أخبار الأمين عن خروجها من القرء، فلا ينطبق الرسم عليها ولا يكون جامعاً.

خليل: وعلى ما قررنا به كلام المصنف يدفع هذا؛ لأن الأمة المتواضعة ليست من المبوب لها في عرف الفقهاء، فإن قيل: رسم المصنف غير مانع لدخول بعض أنواع الإجارة فيه؛ أعني: الإجارة على حراسة المال، فالجواب ما قاله ابن عبد السلام أن هذا النوع من الإجارة مراد الدخول في هذا الرسم، ولا ينكر في الفقه وغيره من العلوم أن تكون المسألة مشتملة على وجوه، لكل واحد منها تعلق بباب، فيحتاج لذلك إلى ذكرها في أبواب متعددة.

فصل:

وهي مأخوذة من الوَدَعِ وهو الترك، أو من الدَّعَة وهي السكون؛ لأنها ساكنة عند المودع.

وَهِيَ أَمَانَةٌ

أي: فلا تضمن إلا بتعدٍّ.

وَهِيَ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ

الجواز هنا مقابل اللزوم؛ لأن لكل واحد من المُودَع والمُودِع أن يبطل الوديعة، فلربها أن يستردها، ولأخذها أن يردها لربها.

ص: 454

ابن عبد السلام: ولا يشترط اجتماعهما في الرضا بذلك ما لم يعرض عارض ينقل هذا الحكم إلى اللزوم، كما في الجارية المتواضعة، أو يكون الحفظ بأجرة كما أشرنا إليه أنها تعود إجارة وهي لازمة، وربما يعرض لها اللزوم من وجه آخر؛ كما إذا كان ربها عاجزاً عن حفظها فيتعين عليه الإيداع لنهيه صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. فإن لم يجد من يحفظها له إلا واحداً تعين عليه قبولها وحفظها لوجوب إغاثة الملهوف، فيكون اللزوم على هذا المعنى بمعنى الفرض ومخالف للذي قبله. وفي دخول هذا تحت كلام المصنف نظر؛ لأن الفرائض لا يلزم الاعتناء باستيفائها. انتهى.

وفي المقدمات: لا يَلزَمُ من استُودِعَ قبض الوديعة، وجد المودع من يدعه أم لا، قال ذلك ابن شعبان.

فأما إن وجد فواضح، وأما إن لم يوجد غيره فينبغي أن يلزمه القبول قياساً على من دعي إلى أن يشهد - إنه يلزمه ذلك إن لم يكن في البلد من يشهد غيره، ومن أهل العلم من يرى ذلك لازماً له وجد في البلد من يشهد له أم لا؛ لقوله تعالى:(ولا يَابَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا)[البقرة: 282]، ولا يسمى الرجل شاهداً حتى يكون عالماً بالشهادة، فيجب عليه أداؤها. انتهى.

فكلام ابن عبد السلام يأتي على قياس ابن رشد لا على ما قاله ابن شعبان.

وَشَرْطُهُمَا كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ

والضمير في: (شَرْطُهُمَا) عائد على المودِع والمودَع؛ لأن المودِع كالموكِل والمودَع كالوكيل، ومعنى كالوكيل والموكل أن من جاز أن يتصرف لنفسه ولغيره فله أن يودِع ويودَع، ويشكل بالعبد المأذون له في التجارة؛ فإن يجوز أن يُودِع كما سيأتي، ولا يجوز أن يتوكل إلا بإذن سيده كما قدمناه.

ص: 455

وَمَنْ أَوْدَعَ صَبِيَّاً أَوْ سَفِيْهاً أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُهُ

هكذا وقع في بعض النسخ (أَوْ سَفِيْهاً) وهي أولى، وفي بعضها (صَبِيَّاً سَفِيْهاً) بإسقاط (أَوْ) لأنه يبقى قوله:(سَفِيْهاً) لا حاجة له؛ إذ لا يكون الصبي إلا سفيهاً، والضمير في:(أَتْلَفَهَا) عائد على السلعة المبيعة، ويعلم من ذلك حكم الوديعة والمقرض [568/ب]، قاله ابن عبد السلام.

خليل: ويحتمل أن يعود على الوديعة، ويعلم من ذلك حكم المبيع والمقرض، ويرجحه أن الباب معقود للوديعة فكان النص على حكمها أولى.

وقوله: (لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُهُ) فاعل (يَضْمَنْ) عائد على أحدهما لا بعينه - أعني: الصغير والسفيه - وإنما لم يضمنا؛ لأن صاحب السلعة قد سلط عليها من هو محجور عليه، ولو ضمن المحجور عليه لبطلت فائدة الحجر.

اللخمي وغيره: إلا ان يصرفا ذلك فيما لا بد لهما منه، فليرجع عليهما بالأقل مما أتلفا أو صونا به مالهما.

اللخمي: فإن ذهب ذلك المال ثم أفاد لم يتبعهما فيه.

واعلم أن المصنف إنما تكلم على حكم إيداعهما بعد الوقوع لا على ذلك ابتداءً، نعم قد يؤخذ ذلك مما قدمه، فإن قوله:(كَالْوَكِيلِ والْمُوَكِّلِ) يقتضي أنهما لا يودعان.

وفي المدونة أن الصبي إذا قبض الوديعة بإذن أبيه وأتلفها: إنه لا يلزمه شيء ولا ينبغي ذلك لأبيه.

أبو الحسن: ولا ينبغي هنا على بابه؛ لأنه لا يتحقق أنه يضيعها أو يتلفها، ولا يتحقق أنه يحفظها؛ فلذلك كره لأبيه أن يأذن له وكذلك الوديعة.

وقال اللخمي: لا ينبغي أن يودع صبي ولا سفيه؛ لأن ذلك تعريض لإضاعة المال.

ص: 456

وَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ الْمَأذُونِ لَهُ عَاجِلاً

يعني: أن العبد الذي أذن له في التجارة إذا تعدى في الوديعة بأحد وجوه التعدي فإنها تتعلق بذمته، ولا يكون للسيد إسقاطها كسائر الديون. وأما إن لم يتعد فهي على الأمانة. ونص المصنف على حكمها؛ لأنه قد يتوهم أنها تخالف الديون؛ لأن الديون باشرها إذن السيد في التجارة، بخلاف الوديعة فإن السيد لم يأذن، ووجه إلحاقها بالديون أنها من عوارض التجارة التي لا بد منهاعادة فإنَّ إذنَ السيد وإن لم يدل عليها مطابقة فقد دل عليها التزاماً.

أما قوله: (عَاجِلاً) أي: كالحر. وحكى أشهب أنها تتعلق بذمته إلا أنها لا تؤخذ الآن.

وَبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إِذَا عَتَقَ دُونَ رَقَبَتِهِ مَا لَمْ يُسْقِطْهَا السَّيِّدُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُسْتَوْدَعُ فَكَالْماذُونِ لَهُ، وَقِيلَ: إِنِ اسْتَهْلَكَهَا فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ ....

الأول مذهب المدونة، ووجهه أن السيد يقول: هو عبدي ولم آذن له في التجارة، فلي أن أسقطها عن ذمته. وليس بجناية حتى تتعلق برقبته؛ لأن ربها سلطه عليها.

قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ

إلخ) ظاهره أن كلام أشهب خاص بغير المأذون، وأن أشهب يوافق على الحكم الذي قدمه في المأذون، ألا ترى إلى التشبيه الذي ذكره في قول أشهب بقوله:(فَكَالْماذُونِ) والذي نقله صاحب النوادر واللخمي وابن يونس أن أشهب قال في كتابه في العبد المحجور عليه يتلف وديعة أُودِعَها: إن كان مثله يستودع فهي في ذمته رق أو عتق، وإن كان وغداً لا يستودع مثله فلا شيء عليه في رقه - رد ذلك عليه سيده أو لم يرده - حتى يلي نفسه بالعتق. ابن يونس: فيتبع.

ص: 457

وإذا استأجر عبده الوغد فلسيده أن يبطل عنه ما أتلف من أمانته؛ لأن مثله لا يودع، فيؤخذ من هذا أن موجب تعلق الوديعة بذمة العبد هو كونه غير وغد؛ أي: يودع مثله، والإذن عنده وصف طردي.

وأنكر سحنون قول أشهب هذا، وإنكاره صحيح؛ لأن كون العبد ممن يستودع مثله لا يوجب على السيد ما لم يلتزمه بأخذ مال عبده في الحال، ولأن عليه ضرراً في إبقاء الدين في ذمة عبده.

ولهذا قال أبو عمران: إن باعه السيد قبل أن يعلم بذلك واطلع عليه المشتري - فليس به إبطال ما في ذمته، لكن له رده، ثم لسيده الإبطال كما في النكاح.

قوله: (وَقِيلَ: إِنِ اسْتَهْلَكَهَا فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ) ابن عبد السلام: هذا القول حكاه يحيى بن عمر، وظاهره يقتضي أن العبد إذا باشرها بالإتلاف - سواء كان عن انتفاع كما لو أنفقها، أو لا كما لو رمى بها في البحر - فإنها تكون جناية في رقبته، كما لو لم يأذن له السيد، وإنها إن تلفت عنده بتضييع فإنها لا تكون جناية، ثم يحتمل بعد ذلك أن تتعلق بذمته، وهو الأقرب أو لا تتعلق بذمته. انتهى.

وكلام المصنف يدل على أن هذا القول خاص بغير المأذون. وفي اللخمي قال يحيى ابن عمر هي جناية في رقبته إذا كان مأذوناً له.

فرع:

وإذا أتى المحجور عليه إلى رجل فقال له: سيدي أمرني أن أستعير منك كذا فصدقه ودفع إليه ما ذكر وأنكر السيد - فقيل: للسيد طرح ذلك عن ذمة العبد بعد يمينه أنه ما بعثه، وقيل: ليس له ذلك. ابن يونس: والأول أشبه.

أشهب: وإن أراد أن يودع رجلاً فقال له: ادفعها إلى عبدي ففعل فاستهلكها العبد - فهي في ذمته ولا شيء على السيد وإن غره من العبد.

ص: 458

ابن عبد الحكم: ولا تكون في ذمة العبد بإقراره أنه استهلكها حتى يقوم بينة باستهلاكه إياها.

وَيَضْمَنُ بِالإيدَاعِ والنَّقْلِ وَالْخَلْطِ وَالانْتِفَاعِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالتَّضْييعِ وَالْجُحُودِ

لمَّا ذكر أن الوديعة أمانة أخذ يذكر الأسباب التي يكون المودع بها متعدياً، وهي سبعة كما ذكر، ثم أخذ يتكلم على الأول فقال:

فَإِنْ أَوْدَعَ لِعُذْرٍ كَعَوْرَةِ مَنْزِلِهِ أَوْ لِسَفَرِهِ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ - لَمْ يَضْمَنْ

نحوه في المدونة. وقيد أشهب عدم الضمان لعورة المنزل بما إذا حدث ذلك أو زاد على ما علمه رب الوديعة، قال: وإن استودع وديعة وهو في خراب يخاف عليها فأودعها لغيره في أعمر منه؛ فإن كان ربها قد علم بخراب مكانه وخوفه، ولم يزد خرابه إلى ما هو أخوف فالمودع ضامن. وإن زاد خراب موضعه وخوفه على ما كان فلا شيء عليه في إيداعه لغيره، وهو تقييد لقول ابن القاسم.

وقد ذكر صاحب النكت واللخمي معنى قول أشهب تقييد المدونة ولم ينسباه لأشهب.

اللخمي: وإن كان صاحبها غير عالم ضمنها وسواء ضاعت عنده أو عند غيره، إلا أن يكون ضياعها [569/أ] عنده لم يكن من السبب الذي يخاف منه.

وقوله: (عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ) يعني: وأما إن كان صاحبها حاضراً فليردها إليهن وإن لم يفعل ضمن، وظاهره كظاهر المدونة أنه لا فرق في الوديعة بين أن تكون عيناً أو عرضاً.

وقال اللخمي: قد يُحمَل قولُ ابن القاسم: أنه يودعها إذا خاف عورة منزله. على أن الوديعة كانت ثياباً أو عرضاً، ولو كانت دنانير أو ما اشبه ذلك مما يكتم في الأرض ولا يخاف ممن يضطره إلى إخراجها - لم يكن له أن يودعها.

ص: 459

أبو الحسن: وهذا لا يسلم؛ لأن صاحبها لو أراد دفنها لدفنها. وقال ابن عبد السلام: قد يقال: إن الدفن غير سائغ، وذلك إذا لم يخبر أحداً بها؛ لأنه عرضها للتلف، وإن أخبر فذلك في معنى إيداع الغير.

ودل كلام المصنف بالمفهوم على أنه لو أودع لغير عذر أنه يضمن - وهو صحيح - ولو أودع من هو أقوى أمانة منه؛ لأن من حجة صاحبها أن يقول لم أرض إلا بأمانتك، ولهذا قال في النكت: الفرق بين الوديعة - في أنه لا يودعها لغيره - وبين اللُّقَطَة - يدفعها لغيره ممن هو في مثل حاله - أن الوديعة إنما رضي صاحبها أمانته بخلاف اللُّقَطَة.

اللخمي: وإذا أودعها لعذر السفر ثم عاد من سفره؛ فإن سافر ليعود كان عليه أن يأخذها ويحفظها؛ لأنه التزم حفظها حتى يأتي صاحبها فلا يسقط عنه العذر الذي سافر فيه، وإن كان سفره على وجه الانتقال ثم عاد، كان له أن يأخذها، وليس ذلك بواجب عليه.

وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ

يعني: إذا تبين الوجه الذي لأجله أودع؛ من عورة منزل أو سفر - فلا ضمان عليه وإن لم يشهد على الإيداع، وهكذا في المدونة، وزاد فيها أنه لا يُصَدَّقُ في أنه خاف عورة موضعه أو أراد سفراً فأودعها لذلك.

وخرج اللخمي في هذا الوجه خلافاً لما وقع لابن القاسم فيمن اكترى دابة فلما قدم قال: أودعتها؛ لأنها وقفت علي في الطريق - أنه يصدق، فعلى هذا يصدق في الوديعة أنه أودعها؛ لخوف موضعه أو لأنه سافر وخفي أمره، ولم يعلم هل سافر أم لا؟ وهو في الوديعة أبين؛ لأنه لا يتوهم أحد أن يخرج الوديعة من يده لغير عذر. قال: ومحمَلُ قول ابن القاسم: أنه يصدق إذا ثبت الخوف أو السفر في الإيداع. على أن المودع صدقه في قبضها ويقول: إنها ضاعت، فأما إن كذبه وقال: لم يدفع إلي شيئاً لم يصدق على أصله في كل من أمر أن يدفع إلى غير التي ائتمنته - إلا ببينة.

ص: 460

وقال عبد الملك: يصدق، وبه أرى أن يُقضَى اليوم؛ لأن الشأن دفع الودائع بغير بينة. انتهى.

أبو محمد: وإذا علم سفره أو عورة منزله، وأودع الوديعة بغير بينة وأنكرها المودع لا ضمان عليه.

ابن يونس: ينبغي على أصولهم الضمان؛ لأنه دفع إلى غير من ائتمنه، ولكن لا يضمنونه للعذر.

وَلَوْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِيدَاعِ أَمِينٍ ضَمِنَ

تصوره ظاهر.

وَضَمِنَ لأنه عرضها للضياع، وظاهر كلامه سواء سافر على وجه الانتقال بأهله وولده أم لا، وقد نص في الكافي على الضمان ولو كان وجه الانتقال بالأهل والمال.

ومفهوم قوله: (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِيدَاعِ أَمِينٍ) أنه لم يجد من يودعها عنده؛ لكونه بقرية وخشي عليها إن تركها أنه لا يضمن إذا خرج بها، وهكذا نص عليه اللخمي، وهو ظاهر، وما ذكره من الضمان نحوه في المدونة، ففيها: وإن سافر فحمل الوديعة معه ضمن.

وقال فيها: عن مالك في امرأة ماتت بالإسكندرية فكتب وصيها لورثتها وهم بالمدينة فلم يأت منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق فهو ضامن حين خرج بها بغير أمر أربابها.

فقوله: حين خرج بها بغير أم أربابها. هو علة الضمان عنده، وبه يتم لابن القاسم الاستشهاد على قوله:"وإن سافر فحمل الوديعة معه ضمن" وغلا فكان لقائل أن يفرق بأن مسألة مالك خرج فيها المودع من بلده لا لموجب بل لسبب الوديعة وذلك ليس عذراً صحيحاً في سقوط الضمان، ومسألة ابن القاسم في المسافر لحاجة نفسه واستتبع الوديعة معه ولم يخرج بسبب الوديعة، فلم يتعد فيها فلا يضمن. لكن لما كانت علة الضمان عند

ص: 461

مالك إنما هي خروجه بالوديعة بغير أمر أربابها وهذا المعنى حاصل في مسألة ابن القاسم صح اشتراكهما في الحكم، وهذا هو المشهور.

وقال أصبغ: للقاضي أن يبعث المال إلى ورثة المُودِع من بلد إلى بلد، هكذا قال ابن عبد السلام، قال: وهو خلاف لقول ابن القاسم.

زاد اللخمي وابن راشد في قول أصبغ: بخلاف الوصي يبعث بها فتضيع، فإنه يضمن.

فرع:

قال في المدونة: وإذا أودعت مسافراً مالاً في سفره فأودعه فضاع ضمن.

اللخمي: قال ابن القاسم وأشهب: إلا أن يضطره لصوص فيسلمها لمن ينجو بها، ومحمل ذلك أن الذي يسلمها إليه لا يخشى جنايته فيها، ولو طرحها عندما غشيته لصوص ثم لم يجدها لم يضمن.

فَلَوْ رَجَعَتْ سَالِمَةً لِمْ يَضْمَنْ

الأقرب: فلو رجعت بعد أن سافر بها سالمة. ويحتمل: فلو رجعت بعد أن أودعها لغيره من غير عذر. ويحتمل: أن يريدهما. وجوز ابن عبد السلام الاحتمالات الثلاث، والأظهر الأول؛ لأنه تفريع على ما دل عليه كلامه بالمطابقة، وهو قوله:(سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ) والثاني تفريع على ما دل عليه كلامه بالالتزام؛ لأن مفهوم قوله: (فَإِنْ أَوْدَعَ لِعُذْرٍ) أنه لو أودع لغير عذر أنه يضمن ولأنه أقرب، واقتصر ابن راشد على الاحتمال الثاني، والحكم في الجميع سواء وهو عدم الضمان؛ لأن الموجب للضمان قد زال، ثم أخذ يتكلم على السبب الثاني وهو النقل.

ص: 462

فَلَوِ اسْتُوْدِعَ جِرَاراً وَشِبْهَهَا فَنَقَلَهَا نَقْلَ مِثْلِهَا فَتَكَسَّرَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ شَيْءٌ فَكَسَرَهَا ضَمِنَ؛ لأَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ ....

احترز بنقل مثلها مما لو نقلها غير نقل مثلها؛ فإنه يضمنها. ولو سقط من يده عليها شيء ضمن؛ لأنها جناية خطأ، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وهذا كما قالوا فيمن أتى إلى فخار فقال له: قلب شيئاً هل يعجبك؟ فوقع ما في يده على شيء تحته إنه لا ضمان عليه فيما في يده للإذن له في ذلك، وضمن ما تكسر أسفل؛ لأنه جناية خطأ [569/ب].

وَلَوْ رَفَعَهَا عِنْدَ زَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ، خِلافاً لأَشْهَبَ

الأحسن في التصنيف ذكر هذا الفرع قبل النقل كما في الجواهر؛ لأنه من فروع السبب الأول، وظاهر كلامه أن أشهب مخالف في الزوجة والأمة، وهو تأويل صاحب البيان وغيره، وإن كان أشهب لم ينص على حكم الزوجة بالتعيين.

وقوله: (أَوْ خَادِمِهِ) قال في المدونة: وكذلك إن دفعه إلى عبده أو أجيره الذي في عياله، ويصدق أنه دفعه إلى أهله وإن لم تقم بينة، وضمنه فضلٌ في الأجير والعبد دون المرأة والخادم.

عياض: وهو ضعيف ولا فرق بين المرأة والخادم والأجير.

وقوله: (الْمُعْتَادَةِ عِنْدَهُ) احترز به مما لو لم تكن عادته ذلك فإنه يضمن.

عبد الحق وغيره: كما لو كان بفور ما تزوج الحرة واشترى الأمة؛ لأنه لا يثق بهما، وعلى هذا فلو قال المصنف:(المعتادين) لكان أحسن.

وأعلم أن مالكاً أطلق نفي الضمان وقيده ابن القاسم بأن تكون العادة إيداعها، وحمل بعضهم ذلك على الخلاف، وأكثرهم حمل قوله على التفسير لقول مالك، وهو ظاهر

ص: 463

الكتاب. وكذلك اختلف في قول أشهب هل هو خلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك أم لا؟

قال في البيان: وقيل: إِنَّ قول أشهب ليس بخلاف، وأن المعنى في ذلك أن يضمن إذا عرف الناس أنهم لا يدفعون أموالهم إلى أهاليهم. فكل منهم تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه صاحبه؛ لأن قولهما مختلف. فعلى هذا لا يختلف إذا علم عرف الناس في البلد، وإنما يختلف إذا جهل العرف؛ فأشهب يُضَمِّنُه حتى يقيم البينة أن العرف في البلد أن الناس يأتمنون أهلهم على أموالهم ويدفعونها لهم، وابن القاسم لا يُضَمِّنُه حتى يقيم صاحب الوديعة البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس لا يرفعون أموالهم عند أهلهم ولا يأتمنونهم عليها، والأظهر أنه اختلاف من القول، فيتحصل على هذا في المسألة ثلاثة أقوال، يفرق في الثلث بين أن تكون العادة الدفع فلا يضمن أو عدم الدفع فيضمن. انتهى بمعناه.

قال في النكت: ويحلف أنه دفع إلى زوجته إذا أنكرت إن كان متهماً، وإلا فلا يمين عليه، وإن وجبت يمينه لكونه متهماً فنكل غرم، وله أن يحلف زوجته. وإن نكل وهو معسر كان لرب الوديعة يمينها، كانت متهمة أم لا؛ لأنها تقوم مقام الزوج في مطالبتها باليمين، كما يتبع الإنسان غريم غريمه، وقاله بعض شيوخنا من بلدنا، وقال ابن يونس: الذي يظهر لي توجه اليمين إذا أنكرت الزوجة كان متهماً أم لا؛ لأنه هنا من يدعي تكذيبه فكان كمدعي رد الوديعة.

ابن عبد السلام: إن أراد ابن يونس أن التهمة مع تكذيب الزوجة أقوى مما إذا لم يكن هناك من يكذبه فقريب، وإن أراد أنها محققة كمدعي الرد فقد يقال: إن المكذب للمودع في مسألة دعواه على الزوجة هو غير رب الوديعة، وربها لا يحقق عليه الدعوى فلم تخرج عن أن تكون يمين تهمة، بخلاف مدعي رد الوديعة؛ فإن صاحبها يدعي تكذيبه بدعوى محققة، والله أعلم.

ص: 464

ومَتَى مَاتَ ولَمْ يُوصِ بِهَا ولَمْ تُوْجَدْ ضَمِنَ، قَالَ مَالِكٌ رحمه الله: مَا لَمْ تَتَقَادَمْ كَعَشْرِ سِنِينَ ....

يعني: إذا مات مَنْ عنده الوديعة ولم يوص بها ولا وجدت في تركته، فحمله مالك على تسلفها، فأوجب أخذها من تركته إلا أن يتقادم الأمر، كعشر سنين، فيحمل الأمر على أنه ردها.

مالك في العتبية: والسنة يسير، قال في البيان: قيل: وهو خلاف لما في كتاب الشركة من المدونة في الشريكين يموت أحدهما فيقيم شريكه البينة أنه كانت عنده مائة من الشركة، فلم توجد ولا أعلم لها مسقطاً، أنها تكون في ماله إلا أن تطول المدة، أرأيت لو كان ذلك قبل السنة لكان يؤخذ من ماله. وقيل: ليست بخلاف لها، وهو الصحيح، والفرق بينهما أن للشريك التصرف في المال، وليس للذي يودع أن يتصرف فيما أودع.

وفي اللخمي: ومن كانت عنده وديعة فذكر عند موته أنها في موضع كذا فلم توجد فمصيبتها من صاحبها؛ إذ يقول الميت: لم أتسلفها. واختلف إذا لم يذكر شيئاً حتى مات هل تكون في ذمته؟ واختار هذا التفرقة، فإن كانت عيناً فَحَمُلها بعد موت المودع على السلف، وفي العرض على السلف، وفي المكيل والموزون في الحاضرة على التلف، وفي البادية على السلف.

ولابن القاسم في العتبية: إذا ترك ودائع ولم يوص فتوجد صرر مكتوب عليها لفلان وفيها كذا، ولا بينة على إيداعه فلا شيء له إلا ببينة أو بإقرار الميت، ولعله مانع أهل الميت.

وقال عنه عيسى فيمين بيده ودائع وهو يعلم أنه ينفق منها، فيوصي بودائع، فيوجد في تابوته كيس فيه دنانير مكتوب أنها لفلان وعددها كذا، فيوجد أقل: فإن ثبت خطه ببينة كان ما نقص في ماله، وإلا حلف الورثة أنهم لا يعلمون من ذلك شيئاً.

ص: 465

أصبغ: وكذلك لو وجد خط يد صاحب المال على الكيس مع وجوده في حوز المستَودَع حيث أمن - فإن يقضى له به.

أصبغ: وهذا على قول من يقول يقضى له بالخط. وبن دحون أنه لا يقضى له بها؛ لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له، ويكتب عليها اسم المذكور ويَأخُذ على ذلك جعلاً. ولا خلاف أنه لا يقضى له بها إذا وجد عليها اسمه ولا يدري من كتبه.

وَفِيهَا: وَإِنْ بَعَثَتَ بِضَاعَةً إِلَى رَجُلٍ بِبَلَدٍ فَمَاتَ الرَّسُولُ بَعْدَ وُصُولِهِ، وقَالَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ: لَمْ يُوصِلْهَا فَلا شَيْءَ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلُ فَفِي تَرِكَتِهِ، وَقَالَ سُحْنُونٌ: رِوَايَةُ سُوءٍ، وَعَكَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِمَا، وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي تَرِكَتِهِ فِيهِمَا ....

لفظ التهذيب: وإن بعثت بمال إلى رجل. وهو أحسن من كلام المصنف؛ لشمول المال البضاعة وغيرها، لكن في اختصار ابن يونس: بمال بضاعة. وحاصل مذهب المدونة [570/أ] التفرقة، فإن مات الرسول بعد وصوله وزعم المرسل إليه أنه مات قبل وصوله بذلك - فذلك في تركته.

اللخمي وابن يونس: ووجهه أنه مات في الطريق ولم توجد فَحُمِلَ على أنه تعدى عليها، وإن مات بعد وصوله حمل على أنه دفعها، ولو كان خفا لأخبر بمن يشهد له.

(وَعَكَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِمَا) أي: في الصورتين بعد الوصول وقبله.

اللخمي وابن يونس: ووجهه أنه محمول قبل الوصول على الضياع لا على التعدي؛ لأن الأصل في الوديعة الأمانة، وأما بعده؛ فلأن عليه الإشهاد، ولا يخفى ذلك على ورثته إذا بحثوا عنه.

(وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي تَرِكَتِهِ فِيهِمَا) أي: في الصورتين. ولا يخفى عليك إنكار سحنون، ولكن لا يؤخذ منه أنه اختار قول أشهب كما نقله غيره.

ص: 466

ابن يونس: وأخذ محمد بقول أشهب، وعلى هذا ففي قوله:(وَقَالَ مُحَمَّدٌ) نظر؛ لأنه يوهم أنه اختاره، وليس كذلك، بل اختار قول أشهب، وإنما ذلك في كتاب عياض بعد ذكر مذهب الكتاب، وخالف أشهب في هذا وقال: هو ضامن. وحمله أكثرهم على الخلاف. وتأول حمديس قوله في الكتاب: فيما تطاول. وأن الذي يجيء على أصله في العرف أنه يضمن.

ابن عبد السلام: وقد يخرج في هذه المسألة من التي قبلها قول بنفي الضمان مطلقاً.

أَمَّا لَوْ لَمْ يَمُتْ وأَكْذَبَهُ لَمْ يُصَدَّقْ إِلا بِبَيِّنَةٍ، ولَوْ صَدَّقَهُ الْمُرْسَلُ

لأنه لما دفع إلى غير اليد التي ائتمنته كان عليه الإشهاد، فلما تركه صار مفرطاً، فلذلك ضمن ولو صدقه المرسل إليه. وعلى قول ابن الماجشون في هذا الأصل لا يضمن إلا أن يقول اقض عني فلاناً، هكذا نقل ابن راشد، وهذا كله إنما هو في الوكيل المخصوص، وأما المفوض فلا.

قال في المدونة: وإن بعت من رجل عبداً أو بعثت معه عبدك أو أجيرك ليقبض الثمن فقال قبضته وضاع مني، فإن لم يقم المشتري بينة بالدفع إلى رسولك ضمن، بخلاف من دفعت إليه مالاً ليدفعه إلى رجل، فقال: دفعته إليه بغير بينة، وصدقه الرجل، هذا لا يضمن.

ثم تكلم على الخلط فقال:

وَلَوْ خَلَطَ قَمْحاً بِقَمْحٍ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ لَمْ يَضْمَنْ

فهم من كلامه أنه يَضمَن في غير هاتين الصورتين، وهذا المفهوم يقرب من الصريح؛ لأنه لما ذكر أولاً أن الخلط من أسباب التعدي صار الضمان بالخلط هو الأصل. ثم أخرج هاتين الصورتين:

ص: 467

الأولى: أن يخلط مثلياً بمثله جنساً وصفة ويتعذر التمييز، وهذا هو المشهورز وضمنه عبد الملك في ثمانية أبي زيد، وهو ظاهر؛ لأن القمح ونحوه يراد بعينه، بدليل انتقاص البيع باستحقاقه.

خليل: وينبغي أن يقيد المشهور بما إذا استوت مكاسبها أو تقاربت، أما إذا اختلفت صفة القمح فإنه يضمن اتفاقاً. ثم المشهور مقيد في المدونة بما إذا كان الخلط على وجه الأحراز.

عياض: وإنما لا يضمن إذا كان هذا وشبهه من النظر، كما إذا كان الخلط أرفق وأحرز ونحو ذلك. انتهى.

الصورة الثانية: أن يخلط جنساً بغير جنسه ويمكن التمييز بلا كفة، كدنانير مع دراهم، أو قطن مع كتان، أو دراهم مع دراهم مختلفتين، فقال ابن الماجشون: في المبسوط إن كانت الأولى كثيرة فخلطها بدراهم قليلة لم يضمن، وإن خلطها بمال عظيم حتى أشهرها ضمن.

اللخمي: وهذا يحسن إذا كانت في موضع لا يضمن ذلك منه، وأما إن كانت في تابوت أو صندوق فلا ضمان؛ لأن السارق يقصد التماس الدنانير والدراهم من مثل ذلك.

وما قاله اللخمي يؤخذ من قول عبد الملك حتى أشهرها بذلك.

ثم تكلم على الانتفاع فقال:

ولَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ فَهَلَكَتْ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا فَهَلَكَتْ بَرِئَ، وثَلِثُهَا: إِنْ كَانَ بِإِشْهَادٍ ....

(فَهَلَكَتْ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ) أي: في خلال الانتفاع (ضَمِنَ) أي: لتعديه.

وقوله: (فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا

إلخ) أي: قول بأنه لا يضمن بدعواه أنه ردها ولو لم يشهد. وعلله ابن رشد بأنه إنما يعلم من قبله.

ص: 468

وقول بأنه لا يبرأ إلا أن يردها إلى صاحبها سواء ادعى أنه ردها سالمة بعد انتفاعه أو قامت له بذلك البينة. وهذا القول حكاه ابن سحنون عن بعض الأصحاب.

والقول الثالث: إن ردها بعد الانتفاع بإشهاد برئ، وإن لم يكن إلا دعواه لم يبرأ. وهو قول سحنون؛ لأنه قال: إن أقر أنه لبس ثوباً وديعة، أو ركب دابة وقال: هلكت بعد ما نزلت عنها - فهو ضامن؛ قال: لأنه لما ركبها ضمنها بالتعدي. ولو أقام البينة أنه نزل عنها سالمة ثم تلفت برئ من ضمانها. وأجرى ابن يونس هذا الخلاف على الخلاف في رده لما تسلف من الوديعة

ولمحمد قول رابع: إن أقر المودع بالانتفاع ولم يعلم ذلك إلا من قوله وادعى أنها إنما هلكت بعد أن ردها سالمة - فالقول قوله مع يمينه، وإن قامت بذلك بينة فلا يصدق أنه ردها إلى موضعها إلا ببينة. قال: وهو قول أصحابنا.

ابن يونس: وهذه الأقوال هنا جارية على اختلاف قول مالك في رده لما تسلف من الوديعة.

ولو قال: ركبتها بإذن ربها وأنكر ربها - فالقول قوله مع يمينه. قاله سحنون.

ومُسْتَلِفُ الْوَدِيعَةِ إِنْ كَانَ مُعْدَمَاً لَمْ يِجُزِ اتِّفَاقاً، وإِنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ وَهِيَ نَقْدٌ فَجَائِزٌ إِنْ أَشْهَدَ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ. فَإِنْ كَانَتْ عَرْضاً لَمْ يَجُزِ اتِّفَاقَاً، وَإِنْ كَانَت مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَقِيلَ: كَالنَّقْدِ، وقِيلَ: كَالْعَرْضِ

أي: لم يجز السلف للمعدم بها؛ لضرره بها بعدم الوفاء.

ابن عبد السلام: وفي معناه من كانت الوديعة قدر جملة ماله أو تزيد بيسير؛ لأن استخلاص الوديعة من هذا بعد إنفاقها عسيرن وإن كان ملياً؛ فإما أن تكون الوديعة عيناً أو عرضاً، مقوماً أو مثلياً، فذكر في النقد قولين.

ص: 469

وحكى اللخمي أربعة [570/ب] أقوال، منع ذلك في كتاب اللقطة، وكرهه في العتبية، ثم أجازه إذا أشهد على تسلفها، وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يجز، وإن كانت بغير رباط ولا ختم جاز.

والكراهة نص عليها في المدونة في كتاب الوديعة.

والأصل المنع؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وهو غير جائز إلا بعد العلم بطيب نفس مالكه. وهو غير محقق. وإن كان الشيء المودع عرضاً لم يجز تسلفه اتفاقاً؛ إذ لو جاز ذلك لكان مشترياً له بغير إذن مالكه.

قوله: (وَإِنْ كَانَت مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ

إلخ) يحتمل أن يريد بقوله: (كَالنَّقْدِ) أي: فيأتي القولان بالجواز والكراهة، وبقوله:(كَالْعَرْضِ) أي: فلا يجوز. وعلى هذا يكون اختلاف طريقة، ولكن هذا يعز وجوده وإنما يريد (كَالنَّقْدِ) فيجوز، و (كَالْعَرْضِ) فلا يجوز. على أن الجواز ليس بمنصوص، وإنما خرجه اللخمي، ويتبين ذلك من كلامه، قال: وأما القمح والشعير والزيت وشبهه قول ابن القاسم في المدونة أنه إن تسلفها مضت على وجه السلف؛ لأنه أجاز إذا تسلفها أن يخرج المثل من ذمته كالدرهم، فلو كانت مما تختلف فيه الأغراض كالعروض - لم يصح إخراج المثل ولم يجز السلف، وعلى قول ابن عبد الحكم: إنه يضمن بالخلط بالمثل لا يجوز تسلفها. وقال محمد: فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه كان لصاحبها أن يأخذ الثمن إن شاء فلم يجز السلف. وهو أحسن. انتهى.

وقد يقال أنه لا يؤخذ من المدونة الجواز ولا الكراهة؛ لأنه إنما قال: إذا تسلفها ثم ردها عادت إلى حكم الوديعة. ولا يلزم من عودها إلى حكم الوديعة جواز الإقدام على تسلفها ولا الكراهة؛ لاحتمال أن يقال هو ممنوع ابتداء؛ لأنه تصرف في ملك الغير، والغالب كراهته لذلك، وإنما رجعت بالرد إلى الوديعة؛ لأن ربها إنما يكره التصرف ابتداءً لا الرد، هكذا أشار ابن عبد السلام.

ص: 470

وَإِذَا تَسَلَّفَ مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهًا مَكَانَهَا فَتَلِفَ الْمِثْلُ بَرِئَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ بِإِشْهَادٍ، ورِابِعُهَا: إِنْ كَانَتْ مَنْشُورَةً بَرِئَ ....

وفي بعض النسخ: (إِنْ كَانَتْ مَنْثُورَةً) بالثاء قبل الواو. وهذا الرابع لابن الماجشون، والثلاثة لمالك. والمشهور مذهب مالك وابن القاسم في المدونة وبه قال أشهب وأصبغ وابن عبد الحكم. وبمقابله قال المدنيون، وفي الموازية: إنه يشترط ردها بالبينة إذا تسلفها وإلا فلا يحتاج في ردها إليها، وهو قول خامس.

ويدخل في قوله: (مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ) النقد والمثلي على القولين.

وعبر اللخمي عن هذه المسألة بما إذا أخرج الدراهم والدنانير من ذمته إلى أمانته. وعلى المشهور فلا يُصَدَّقُ إلا بيمين، قال أشهب: وكذلك في الموازية.

وخرج من قوله: (مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ) المعدم للنقد، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يقال بالضمان لتعديه أولاً وبعدمه؛ لأنا إنما منعناه لأجل عدم إمكان الرد، فإذا رد فقد أُمِنَتِ العلة.

ابن شعبان: وإذا قال صاحبها للمودع: تسلف منها إن شئت، فتسلف منها، وقال: رددتها فهذا لا يبرئه رده إياها إلا إلى ربها.

اللخمي وصاحب البيان: وهذا لا يختلف فيه؛ لأن السلف من المالك فصارت كسائر الديون.

ثم تكلم على المخالفة فقال:

وَإِنْ قَالَ: لا تُقْفِلِ الصُّنْدُوقَ فَأَقْفَلَهُ ضَمِنَ

هذا الفرع لابن عبد الحكم ووجهه أن السارق يطمع في المقفول أكثر من غيره. ومال اللخمي إلى عدم الضمان؛ لأن السارق يطمع في الصندوق كان عليه قفل أم لا، فلم يكن لزيادة الطمع وجه، كما إذا قال له اقفل بقفل فأقفل باثنين.

ص: 471

ابن عبد الحكم: وإن قال: أجعلها في التابوت ولم يزد لم يضمن بالقفل؛ لأن القفل في التابوت مأذون فيه بالعادة حتى يصرح بالنهي عنه. وكذلك قال ابن عبد الحكم إذا قال: اجعلها في قدر فخار فجعلها في سطل نحاس؛ لأن السارق عينه للنحاس أكثر، ولهذا صرح بنفي الضمان في العكس.

وأَقْفِلْ واحِداً فَأَقْفَلَ اثْنَيْنِ فَقَوْلانِ

القول بنفي الضمان لابن عبد الحكم، وهو الذي اقتصر عليه في الجواهر، وزاد: إلا أن يكون في حالة إغراء اللص فيضمن، والقول بالضمان مَالَ إليه ابن يونس. ولا أعلمه منصوصاً.

ثم أخذ يتكلم على التضييع فقال:

وَفِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ

لأن اليد أحفظ.

اللخمي: وكذلك لو تركها في وسطه. قال في الجواهر: إلا أن يكون أراد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب فيضمن من يجعلها في يده.

وفِي جَيْبِهِ قَوْلانِ

هما خلاف في شهادة هل هذا أحفظ أو هذا؟ والأقرب نفي الضمان؛ لأن الجيب أحفظ لا سيما جيب أهل المغرب. وهو اختيار اللخمي. وأما الجيب الذي يقال له عندنا (المكتوم) فالكم أحفظ منه.

ص: 472

وَلَوْ سَعَى بِهَا إِلَى مُصَادِرٍ ضَمِنَهَا

يعني: لو مشى بها إلى ظالم فإنه ضامن، فـ (مُصَادِرٍ) على هذا اسم فاعل. و (ضَمِنَ) لتضييعها. ويصح أن تفتح الدال من (مُصَادِرٍ) ويكون اسم مفعول. والمعنى راجع إلى الأول؛ لأنه إنما يأخذها الظالم كإمام جائر.

وَلَوْ نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا ضَمِنَ، بِخِلافِ إِذَا نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَتَقَعُ، وقِيلَ: سَوَاءٌ ....

إذا نسيها في موضع إيداعها فقال مطرف وابن الماجشون وابن حبيب: عليه الضمان، بخلاف إذا نسيها في كمه فلا ضمان.

وقوله: (وقِيلَ: سَوَاءٌ) يحتمل في نفي الضمان. ولم أر ذلك في الأولى منصوصاً، نعم خرجه جماعة من الثانية، وخرجه اللخمي وابن رشد من المودع مائة دينار فيدعيها رجلان ونسي أيهما أودعه، وممن اشترى ثوبين بالخيار من رجلين فختلطا ولم يدر لمن الجيد منهما - فقد اختلف هل يضمن لهما أو لا يكون عليه [571/أ] ضمان شيء؟

اللخمي: والعذر بالنسيان أبين؛ لأنه لا يعد بالنسيان مفرطاً ويحتمل أن يريد بقوله: (سواء) أي: في الضمان لكن لم أر من قال في الثانية بالضمان. والله أعلم.

أما إن أراد أن يأخذ ماله فأخطأ فأخذ الوديعة فسقطت منه فهو ضامن وليس كنسيانها في كمه؛ لأن هذا جناية بفعل غايته أنه خطأ. والخطأ والعمد في أموال الناس سواء.

ابن وهب: وإن دفعت غليه في المسجد فجعلها في نعله فذهبت لم يضمن.

اللخمي: يريد: إذا جعلها هناك بحضرته أو بعد أن غاب وكانت الوديعة ثياباً أو دراهم كثيرة أو كان الشأن ألا يجعل في كمه غلا عند القيام. وإن كانت صرة دنانير ضمن؛ لأنه فرط.

ص: 473

سحنون: ويضمن من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها.

ابن يونس: قال بعض الفقهاء لعله إنما ضَمَّنَهُ لدخوله بها الحمام.

وَمَنْ أَنْزَا عَلَى بَقَرٍ وشِبْهِهَا فَعَطِبَتْ بِهِ أَوْ مُتْنَ بِالْوِلادَةِ ضَمِنَهَا

هذه المسألة لا تناسب ما نحن فيه وكان الأولى لو قال عوض الانتفاع التعدي وأدرج هذا الفرع فيه. وشبه البقر كسائر الدواب والحيوان.

(فَعَطِبَتْ بِهِ) أي: بالإنزاء.

(أَوْ مُتْنَ بِالْوِلادَةِ ضَمِنَهَا) أي: سواء مُتْنَ بالولادة أو بالإنزاء. وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة.

ونقل اللخمي عن مالك نفي الضمان إن متن بالولادة، وظاهره أن مالكاً صرح بذلك. قال: وقول ابن القاسم أصوب.

وكقول مالك هنا في نفي الضمان قوله: لا ضمان على المرتهن إذا زوج أمة الرهن وماتت من الولادة. وصوب بعضهم قول مالك، وهو المعروف من قوله: كما لو غصب حرة فزنى بها وهو غير محصن فحملت فماتت -إنه لا يقتل بها؛ لأنها ماتت بسببٍ آخر لا بنفس العداء، أو كمن غر بأمة فتزوجها على أنها حرة فماتت لم يضمن قيمة ولدها للأب إذا غرم الأب قيمته.

وأسقط أشهب الضمان إذا ماتت بالإنزاء، بل رأى أنه له ذلك ابتداءً، فإنه قال: لا شيء عليه في الإنزاء إن نقص ذلك الولادة؛ لأن الولادة في الجواري ليست من فعله، إنما زَوَجَهُنَّ وكان الحمل من غيره.

ص: 474

ولو سألني في البهائم هل ينزي عليها قبل أن ينزيها؟ لرأيت ألا يدعها من الإنزاء؛ لأن ذلك مصلحة، ولم أضمنه في الجواري ما نقصهن النكاح؛ لأن ذلك النكاح لا يثبت وإن رضي به سادتهن. ولو كان ذكوراً لم يضمن شيئاً؛ لأن للسيد أن يجيزه فلا يضمنه، وقد أجاز فعله، وإن فسخه رجع العبد إلى حاله من غير نقص.

فرع:

ابن يونس: واختلف في إنزاء الراعي؛ فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأنه كالمأذون له، وضمنه غيره، وعكس ابن عبد السلام نسبة القولين في هذا الفرع. والله أعلم.

ثم تكلم على الجحد فقال:

وإِذَا جَحَدَ أَصْلَهَا فَأُقِيمَتِ الْبَيِّنَةُ لِمْ يُقْبَلِ الرَّدُّ وَلَوْ بِبَيِّنِةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لأنَّهُ كَذَّبَهَا

يعني: إذا طلب منه الوديعة فأنكر أن يكون قد أودعه شيئاً، وهذا معنى قوله:(إِذَا جَحَدَ أَصْلَهَا) فأقام المودع البينة على الإيداع فأدعى بعد ذلك أنه ردها لم يقبل قوله أنه ردها، واختلف إذا أقام بينة على الرد، المشهور عدم قبولها؛ لأن قوله الأول مكذب لها، إذ قوله: لم يودعني شيئاً متضمن لعدم الرد، فإنَّ الرد فَرْعُ الإيداع.

اللخمي: وقيل: تقبل بينته. وهو أحسن؛ لأن من حجته أن يقول: إنما أنكرت لغيبة بينتي أو للاحتياج إلى تزكيتها ونحو ذلك.

ابن عبد السلام: وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الصورة الثانية لعدم وجود الخلاف في الأولى، على أنه لا يبعد وجود الخلاف منصوصاً عليه في الأولى، فأصول المذهب تدل عليه.

خليل: وقد حكى صاحب البيان في باب الصلح وابن زرقون في باب القراض فيمن أنكر أمانة وادعى ضياعها أو ردها لما قامت عليه البينة - ثلاثة أقوال:

الأول لمالك من سماع ابن القاسم: يقبل قوله فيهما.

ص: 475

الثاني لمالك أيضاً: لا يقبل فيهما قوله.

الثالث لابن القاسم: يقبل قوله في الضياع. وعلى هذا فالخلاف منصوص فيهما، ويمكن إعادة قوله:(عَلَى الْمَشْهُورِ) على المسألتين.

ابن زرقون: وأما إن أقام بينة على ضياع القراض أو رده فالمشهور أنه تنفعه البينة بعد إنكاره. وحكى اللخمي عن محمد أنه لا ينتفع بها.

خليل: فانظر ما شهره المصنف مع ما شهره ابن رزقون فإن ذلك متعارض.

ابن زرقون: وأما إن أنكر شيئاً في الذمة أو أنكر الدعوى في الربع أو فيما يفضي إلى الحدود ثم رجع عن إنكاره لأمر ادعاه وأقام عليه بينة ففيها أربعة أقوال:

الأول لابن نافع: يقبل منه في جميع الأشياء.

الثاني لغير ابن القاسم في كتاب اللعان من المدونة: لا يقبل ما أتى به في جميع الأشياء.

الثالث لابن المواز: يقبل في الحدود دون غيرها.

الرابع: يقبل منه في الحدود والأصول، ولا يقبل منه ذلك في الحقوق من الديون وشبهها من المنقولات. وهو قول ابن القاسم في المدونة.

وَإِنْ طَلَبَهَا فَاعْتَذَرَ فَتَشَاحَّا فَحَلَفَ لا يُعْطِيهَا اللَّيْلَةَ ثُمَّ قَالَ فِي الغَدِ: تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَلْقَانِي أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ، إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ

قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ) راجع إلى قوله: (تَلِفَتْ بَعْدَهُ) وأما قبله فيضمن؛ لأن قوله: لا أعطيها الليلة إقرار منه ببقائها. قال في البيان: ولا خلاف في هذا، وأصل هذه المسألة لابن القاسم في العتبية فإنه قال: إذا أتى رب الوديعة للمُودَعِ فقال: إني مشغول أو راكب إلى موضع كذا؛ فأنظرني إلى غد فأبي، فتصايحا حتى حلف ألا يعطيه الليلة، فلما أتاه من الغد قال: إنما تلفت قبل أن تلقاني - ضَمِنَ؛ لأنه قد أقر بها. وإن قال: لا أدري متى ذهبت، وإنما عهدي بها منذ كذا أو كذا حلف وكان القول قوله.

ص: 476

أصبغ: يحلف ما علم بذهابها حين منعه ولقد كان علمه أنها ثَمَّ.

ابن القاسم: وإن قال: تلفت من بعد ما فارقتك ضمن؛ لتعديه بالتأخير، إلا أن يكون على أمر لا يستطيع الرجوع فيه أو يكون في رجوعه عليه ضرر فلا يكون عليه حينئذ الضمان.

أصبغ: ليس هذا تعدياً، وليس عليه ضمان - كان عليه شغل أو لم يكن - إلا أن يكون في يده أو يكون عند بابه وليس فيه فتح ولا غلق، ولا أمر يتم إلا برجوعه ونظره، فإن جاء مثل هذا ضمن وإلا لم يضمن.

قال في البيان: وظاهر قول ابن القاسم أنه محمول على التعدي حتى يثبت [571/ب] العذر، وظاهر قول أصبغ أنه محمول على العذر حتى يثبت التعدي، ولا خلاف في هذه المسألة إلا في هذا الوجه.

وق وقع في النوادر لمحمد بن عبد الحكم أنه لا ضمان عليه تلفت قبل أو بعد. وليس ذلك خلافاً لما تقدم؛ لأن معنى "قبل": إذا لم يعلم بذلك إلا بعد، ومعنى قوله:(أَوْ بَعْدَهُ) إذا كان له في منعه عذر.

فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ لِمْ يَضْمَنْ

قد تقدم هذا من كلام ابن القاسم في المسألة السابقة، ووجهه الحمل على أنها تلفت قبله ولم يعلم بذلك؛ إذ الأصل في الوديعة عدم ضمانها.

وَلَوْ طَلَبَهَا فَأَبَى حَتَّى يَاتِيَ الْحَاكِمَ فَهَلَكَتْ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ بِيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَقِيلَ: لا ضَمَانَ ....

يصح في (الْحَاكِمَ) فتح الميم على المفعولية وهو الأصل، ويصح ضمها على الفاعلية، وهذا كما كان في بعض القرى أن الحاكم يأتي إليها.

وقوله: (كَانَ) أي: الإيداع. وذكر في البيان في هذه ثلاثة أقوال:

ص: 477

الأول: لا ضمان عليه وإن قبضها بغير بينة؛ لأن له في ذلك عذراً يقبل؛ لأنه يقول خفت شغبه وأذاه. وهو لابن عبد الحكم.

الثاني: أنه ضامن وإن قبضها ببينة؛ لأنه متعد في منع أدائه إلا بالسلطان، وكان يقدر أن يشهد عليه بالرد كما أشهد عليه هو بالقبض. وإلى هذا ذهب ابن دحون. فالرهن والوديعة على مذهبه سواء.

والثالث لابن القاسم في العتبية: إن دفع الرهن والوديعة بغير بينة فهو ضامن، وإن كان ببينة فلا ضمان. وهذا القول هو الذي قدمه المصنف، والقول الثاني في كلامه هو لابن عبد الحكم، وأظهرها قول ابن دحون؛ لأن الشغب يدفع بالبينة.

وَلَوْ طَلَبَهَا فَقَالَ: ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ هَذَا وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ - فَلا ضَمَانَ، وَقَالَ أَصْبَغُ: إِذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ طَلَبٌ ضَمِنَهَا، وكَذَلِكَ الْقِرَاضُ

تصور المسألة ظاهر، قال في البيان: وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بيقين. وهو قول ابن عبد الحكم، فإن قال: يحلف ولا شيء عليه، ونقل ابن عبد الحكم قول أصبغ عن الأصحاب.

وقوله: (وكَذَلِكَ الْقِرَاضُ) هو تشبيه في قول ابن القاسم، وكذلك في العتبية ويأتي فيه قول أصبغ.

وَإِذَا ادَّعَى الرَّدَّ قُبِلَ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَقْصُودَةُ التَّوَثُّقِ فَتَلْزَمُهُ، بِخِلافِ التَّلَفِ ....

(مُطْلَقاً) أي: سواء كانت بينة مقصودة التوثق أم لا. وهذا القول ليس بمنصوص بل إنما نص عليه ابن القاسم في الشيء المستأجر أنه يصدق في دفعه وإن قبضه ببينة. وخرجه في المقدمات في الوديعة، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:

ص: 478

أحدها وهو المشهور: أنه لا يصدق في دعوى الرد إذا دفع إليه ببينة، لا في الوديعة ولا في القراض ولا في الشيء المستأجر.

والثاني: أنه يصدق في جميع ذلك وإن دفع ببينة، وهو الذي يأتي على ما رواه أصبغ عن ابن القاسم من تصديقه في رد المستأجر؛ لأنه إذا صدقه على الرد مع قيام البينة في المستأجر الذي قبضه لمنفعتهما جميعاً فأحرى أن يصدق في الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها خاصة.

والثالث تفرقة أصبغ: يصدق في المستأجر لا في الوديعة والقراض على ما تأول على ابن القاسم.

والرابع: الفرق، فلا يصدق في الوديعة إذا دفع إليه ببينة، ويصدق في المستأجر والقراض إن دفع إليه ببينة.

وعلى هذا ففي تقديم المصنف للقول الأول نظر؛ لأنه على تقدير صحته خلاف المشهور.

وقوله: (مَقْصُودَةُ التَّوَثُّقِ) أي: يقصد دفع الوديعة بحضرتهم، وأما إن كان حضورهم اتفاقيَّاً ولو لم يكونوا لدفع الوديعة إليه فهو بمنزلة عدم البينة.

اللخمي: وكما لو كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته أو قال المودع: أخاف أن يقول: هي سلف فاشهد لي أنها وديعة وما أشبه ذلك - مما يعلم أنه لم يقصد التوثق من القابض - فيكون القول قوله في ردها بغير بينة.

وقوله: (بِخِلافِ التَّلَفِ) أي: فيقبل قوله وإن قبض ببينة.

ص: 479

وَفِي يَمِينِهِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَحْلِفُ فِي الرَّدِّ

هذا الكلام معترض ولعله لا يوجد لغيره، والذي حكاه صاحب البيان أنه يحلف في دعوى الرد اتفاقاً، واختلف في التلف على ثلاثة أقوال: قيل تتوجه، وقيل لا، وقيل تتوجه على المتهم دون غيره.

قال في البيان: وهو المشهور، قال: وأما إن حقق عليه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين عليه في ردها.

وبهذا تعلم أن قول المصنف فيما يأتي: (أَمَّا الْمُتَّهَمُ فَيَحْلِفُ بِاتِّفَاقٍ) ليس بصحيح. والله أعلم.

فَإِنْ نَكَلَ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَحْلِفُ الْمُودِعُ

أي: فإن نكل المُودَع - بفتح الدال - عن اليمين المتوجهة عليه للتهمة فثلاثة أقوال:

أحدها: أنه لا يحلف رب الوديعة ولا غرم عليه، بناءً أن يمين التهمة لا ترد. وقيل: يغرم المودع بغير يمين. والمشهور أنه يغرم بعد حلف رب الوديعة، وقد ذكر في البيان هذين القولين الأخيرين.

أَمَّا الْمُتَّهَمُ فَيَحْلِفُ بِاتِّفَاقٍ

وقد تقدم أن فيه الخلاف.

وَلَوْ قَالَ: لا أَدْرِي أَضَاعَتْ أَمْ رَدَدْتُهَا فَمِثْلُ رَدَدْتُهَا

أصل هذا الفرع لأصبغ في العتبية.

أصبغ: وإنما لم يضمن لأنه إن دفعها فقد برئ، وإن ضاعت فهو مؤتمن. قال: إلا أن يكون المستودع استودعها ببينة فلا يبرأ، وهذا يؤخذ من تشبيه المصنف بقوله:(فَمِثْلُ رَدَدْتُهَا) لأنه قدم أنه يفرق في دعوى الرد بين أن يكون قبضها ببينة أم لا.

ص: 480

قال في البيان: وهذا كما قال أنه لا ضمان عليه إذا قبضها بلا بينة؛ يريد: بعد أن يحلف ما هي عنده ولقد دفعها إليه أو تلفت. وأما إن دفعها إليه ببينة فبَيِّنٌ أنه لا يبرأ منها بقوله: لا أدري؛ لأنه لو ادعى دفعها إليه لم يصدق، فكيف إذا قال: لا أدري. ولو قال المودَع لربها: إن كنت دفعت إلي شيئاً فقد ضاع، فقال عبد الله بن عبد الحكم: إنه يبرأ بيمينه ولو قبضها ببينة.

وَلَوِ [572/أ] ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْوَارِثِ لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى وَارِثِ الْمُودِعِ لأَنَّهُمَا لَمْ يَاتَمِنَاهُ كَالْيَتِيمِ ....

يعني: إذا مات رب الوديعة فادعى المودع أنه ردها لوارثه، أو مات المودع فادعى وارثه أنه ردها لربها، لم يقبل دعوى الرد فيهما.

(لأَنَّهُمَا) أي: وارث رب الوديعة في الفرع الأول ورب الوديعة في الثاني - لم يأتمنا الدافع، بل كل منهما دفع إلى غير الذي ائتمنه، كاليتيم إذا ادعى عليه الوصي الرد.

وَإِذَا قَالَ: هِيَ لأَحَدِكُمَا وَنَسِيَتُ عَيْنَهُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ....

ظاهر كلامه أن الوديعة لم تزل بيد المودع لم يدفعها إلى أحدهما؛ لقوله: إنهما يتحالفان ويقتسمانها، وأن ابن المواز قال: عليه ضمان مائة أخرى، وكذلك نقل ابن يونس القولين، ونقل غيره أيضاً القولين فيما إذا دفع إلى أحدهما، ففي الموازية: ومن استودع مائة فأتى رجلان يدعيانها فقال: "رددتها إلى أحدكم" فإن لم يثبت أيهما هو فهو ضامن لكل واحد منهما مائة؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه أودعه فلم يقطع بتكذيبه، وقوله: للمودِع لا أدري هل أودعتني؟! هو كالنكول؛ فيحلف المدعي ويضمنه، وكذلك لو كانوا عشرة.

وقال ابن عبد الحكم: أما في الدين فيضمن لكل واحد منهما مائة، وأما في الوديعة فلم أره مثل الدين.

ص: 481

محمد: هما عندي سواء. زاد محمد في كتاب الإقرار: ويحلف كل واحد منهما ويحكم له بمائة. ومن نكل لم يكن له شيء، وكانت لمن حلف. فإن نكلا جميعاً لم يكن على المقر إلا مائة يقتسمانها بينهما بلا يمين عليه؛ لأنه هو الذي أبى اليمين وردها بعد أن ردت عليه.

محمد: فإن رجع المودع فقال: أنا أحلف أنها ليست لواحد منهما فلا بد مِنْ غُرْمِ المائة يقتسمانها بعد أيمانهما؛ لأنه قد اقر أن عليه مائة ثانية ولا حدجة له في إسقاطها، ولا حجة لأحدهما في طلب تمام المائة لنفسه؛ لأن المودع لو قال له:"راجعت معرفتي أنه لا شيء لك" لم يلزمه غير اليمين، واليمين التي حلفهتا له تجري عمن طلب منه تمام المائة لنفسه، وكذلك لو كانت المائة التي عليه دين فيما ذكر سحنون.

وإن استودع وديعة ثم ماتت فادعاها رجلان كل واحد لنفسه، فقال ابن الميت: لا أدري إلا أن أبي كان يذكر أنها وديعة فتلوقف أبداً حتى يستحفظها أحدهما بالبينة، وقال فيمن أودعه رجل مائة وآخر خمسين فنسي من صاحب المائة منهما، وادعى كل واحد منهما المائة - إنهما يتحالفان على المائة ثم يقتسمانها والخمسين الباقية؛ إذ ليس لها مدع، قال: وقال بعض أصحابنا: يغرم لكل واحد منهما بعد أيمانهما.

وَلَهُ أُجْرَةُ مَوْضِعِهَا دُونِ حِفْظِهَا

يعني: إذا كانت الوديعة مما يشغل منزلاً فطلب أجرة الموضع التي كانت فيه فذلك له. وهكذا في المقدمات.

ابن عبد السلام: وأطلق المصنف وغيره في هذا، وعندي يتقيد هذا بمن يقتضي حاله طلب الأجرة، كما هو المذهب في رب الدابة يأذن لرجل، ويقول راكبها: إنما ركبتها عارية، ويقول ربها: إنما كان الإذن بالأجرة - فالقول قول ربها إذا كان مثله يكري الدواب، وإنما

ص: 482

سقطت أجرة الحفظ لأنه قد اطردت العادة بأن المودع لا يطلب على ذلك أجرة؛ لأن الحفظ لا تجوز عليه الأجرة لجواز الإجارة على الحراسة.

صاحب المقدمات وغيره: وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فذلك على ربها.

وَإِذَا اسْتَوْدَعَهُ مَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا فَثَالِهُهَا: الْكَرَاهَةُ، وَرَابِعُهَا: الاسْتِحْبَابُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَالأَظْهَرُ الإِبَاحَةُ لِحَدِيثِ هِنْدٍ ....

هكذا وقع في أكثر النسخ، وزاد ابن راشد في نسخته بعد كلام الباجي:(وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلا يَاخُذُ إِلا مَا يَسْتَحِقُّهُ) وقد حكى في المقدمات الخمسة.

والمنع هو مذهب مالك في المدونة، قيل لابن القاسم: قال ذلك مالك؟ قال: أظنه للحديث الذي جاء: «أدِّ الأمانةَ لمن ائتمنك ولا تخن من خانك» .

والجواز لابن عبد الحكم، قال: يأخذها وإن كان عليه دين. وهو مبني على أحد القولين في إجازة رهن المديان وقضائه بعض غرمائه.

والكراهة مأخوذة من قول أشهب: لا آمره إلا بطاعة الله تعالى، وإن أردت فعله فأنت أعلم.

والاستحباب مأخوذ من قول ابن الماجشون: أرى له أن يستعمل الحيلة بكل ما يقدر حتى يأخذ حقه، فإن فيه إبراء ذمة المسلم.

والقول الخامس رواه ابن وهب عن مالك، وروى ابن نافع مثله، وزاد مع ذلك: إذا أمن أن يحلف كاذباً فيأخذ قدر حقه.

وقال ابن المواز: لا بأس أن يأخذ وإن كان عليه دين ما لم يفلس.

ابن المواز عن مالك: وإن أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد بذلك إلا الوصي، فإن خفي دَفَعَ ذلك؛ بحيث لا يتبع به، وكذلك لو دفع فلم يقبل السلطان شهادته فله الدفع إذا خفي ذلك.

ص: 483

الباجي وصاحب المقدمات: وأظهر الأقاويل الإباحة؛ لحديث هند: «إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي عيالي» فقال عليه الصلاة والسلام: «خذي من مالِهِ ما يكفيك ويكفي بنيكِ بالمعروفِ» .

وقد يقال في الأخذ منه نظر؛ لأن هنداً وولدها تجب لهما النفقة في مال أبي سفيان، فكان ما تأخذه عو عين حقها، وكلامنا إنما هو فيمن قدر على مثل حقه لا على نفسه.

قال في المقدمات: وكان شيخنا ابن زرقون يحدثنا أن قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تخن من خانك» خرج على سؤال؛ لأنه سئل عن وطء امرأة من ائتمنه عليها، وقد كان السائل ائتمن الرجل على امرأته فخانه فيها ووطئها، وكان يضعف الاحتجاج بهذا الحديث لهذا المعنى، لكن اختلف قول مالك وغيره من العلماء في العام الوارد على سبب خاص، والصحيح عند أهل الأصول وهو اختيار القاضي إسماعيل والقاضي أبي بكر وغيرهما من العراقيين الحمل على عمومه، وبه يصح الاستدلال بالحديث.

واحتج أيضاً ابن عبد الحكم [572/ب] بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ....)[البقرة: 194] الآية.

واحترز المصنف بقوله: (مَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا) مما لو ظلمه بغيرها فإنه لا يجوز له الأخذ.

ابن شعبان: ومن أصحابنا من يقول إن المستودع إذا جحد ما كان بيده وهو من غير الذهب، فوجد له المجحود ما بقي من الدراهم أو العروض لم يكن له أخذه ولا بيعه؛ لأنه يوكل في ذلك، وبه أقول.

* * *

ص: 484