الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاسْتِحْقَاقُ:
فَإِنِ اسْتَحَقَّتِ الأَرْضُ مَزْرُوعَةً بَعْدَ إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ فِلا شَيْءَ لِلْمَالِكِ فيه زَرعهَا أَوْ أَكْرَاهَا ....
يريد: إذا كان الزارع زرع بوجه شبهة؛ كالمشتري أو المكتري إذا لم يعلما، وسواء تولى زراعتها بنفسه، أو أكراها، وإنما لم يكن للمالك شيء؛ لأن الخراج بالضمان، ولهذا قال ابن القاسم: في من كان في يدِه أرض بميراث فأكراها ثم أتى رجل فأثبت أنه أخوه، إن له أن يرجع عليه بحصته من الكراء، وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامناً.
تنبيه:
لم يتعرض المصنف لما إذا كان الزارع لها غاصباً، ولنذكره باختصار، فنقول: إن قام رب الأرض بعد الحرث وقبل الزراعة، ففي اللخمي وغيره أنه يأخذه بغير شيء، وقال ابن عبد السلام: يأخذه بغير شيء على أظهر القولين في تزويق الجدار وشبهه، وإن كان قيامه بعد الزراعة وقبل ظهور الزرع، أو بعد ظهوره، وقبل أن ينتفع به فله أن يأمره بقلعه أو يأخذه.
ابن القاسم وأشهب: بغير ثمن ولا زريعة ولو اتفقا على إبقائه في الأرض بكراء، فمنع منه ابن المواز؛ لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه، ورأى أن المالك لما كان قادراً على أخذه مجاناً وأبقاه لزراعه بكراء، كان ذلك الكراء عوضاً عنه في المعنى؛ فهو بيع له على التبقية، وخرج على قول من يرى أن من ملك أن يملك لا يعد مالكاً قول بالجواز، وإن كان قيامه بعد أن بلغ الزرع مبلغاً ينتفع به، ولم يخرج إبان الحراثة، فله أن يأمره بقلعه، وهل له أن يعطي الغاصب قيمته مقلوعاً ويبقيه لنفسه قولان.
اللخمي: والقول بأن له ذلك أصوب؛ لأن نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح على البقاء إنما هو لأنه يزيد للبقاء ثمناً، ولا يدري هل يسلم أم لا، وهذا
يدفع قيمته مطروحاً، وإن كان قيامه بعد خروج الإبان فقال مالك: الزرع للغاصب وعليه [582/أ] كراء الأرض، وليس لربِّ الأرض قلْعه.
اللخمي: وهو المعروف من قوله، وذكر رواية أخرى أن للمستحق أن يقلعه ويأخذ أرضه لقوله عليه السلام:«ليس لعرق ظالم حق» .
وروي أيضاً عن مالك: الزرع للمغصوب منه الأرض وعليه نفقته وإن طاب وحصد. واختار هذه الرواية الثالثة غير واحد لما في الترمذي: «من زرع أرضاً لقوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته» .
عبد الحق: واعلم أن ما جرى من قوله: يكلف الغاصب القلع إذا كان في إبان الزرع، إنما يعني أن إبان الشيء المزروع فيها لا غيره، فإذا فات إبان ما يزرع فيها فليس لرب الأرض تكليف الغاصب القلع وإن كان يمكنه أن يعمل فيها مقتاتاً أو شيئاً غير الذي زرع فيها، وهذا لأصبغ مبين في المستخرجة، وهو معنى ما في المدونة، وكذلك حفظت عن بعض شيوخنا القرويين.
فَإِنْ كَانَ فِي إِبَّانِهَا أَوْ كَانَتْ تُزْرَعُ بُطُوناً فَلِلْمَالِكِ الْخِيَارُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ حِينِ وُجُوبِهِ أَوْ نِسْبَةِ مَا بَقِيَ ....
فإن كان قيام المستحق على الزارع بوجه شبهة في إبان الزراعة أي في وقت الزراعة أو كانت الأرض ترزع بطوناً في العام الواحد، ولم يستوف تلك البطون، فالمالك مخير في وجهين: إما أخذ كراء المثل من وقت وجبت له الأرض وقضي له بها، وإما أن يكون له نسبة ما بقي من مدة الكراء من حساب الكراء الذي أكراها به المستحق من يده، وحاصله أن للمستحق الأكثر، وما ذكره المصنف خلاف ما في المدونة؛ ففيها: قال ابن القاسم: وإن كانت أرضاً تزرع في السنة مرة فاستحقها، وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء
تلك السنة للمستحق وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة، وقال عبد الملك: إن قدر ما مضى للمشتري؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل مجيء هذا له قدر بما ذكره المصنف، قول عبد الملك: ووجه ما في المدونة أن ربها كان قادراً على زرعها لولا زرع هذا.
فرعان:
الأول: ما ذكره المصنف ظاهره إذا كان المكتري قد زرع، وأما إن لم يزرع، فإما أن يستحقها قبل الحرث أو بعده، فإن لم يحرث.
اللخمي: فهو كالسكني له أن يمضيه بالمسمى أو يخرجه، وإن حرث أقره بالمسمى أو أخرجه، واختلف في حكم الحرث فقيل: لا شيء للمستحق، وقال ابن القاسم في المستخرجة: المستحق بالخيار بين أن يعطيه قيمة حرثه، فإن أبى أعطاه الآخر قيمة كرائه، فإن أبى أسلمها ولا شيء له.
الثاني: اللخمي: واختلف إذا قام المستحق في الإبان فحكم له بعد ذهابه، هل يكون الكراء للأول أو للمستحق؟ وذكر ابن رشد في الذي يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان مستحقه وتكون الغلة له، ويجب التوقيف فيه، ثلاثة أقوال: الأول: إنه لا يدخل في ضمانه، ولا تجب له الغلة حتى يقضى له بها، وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة: إن الغلة في يديه حتى يقضى بها للطالب، وعلى هذا لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفاً يحال بينه وبينه، وهو قول ابن القاسم في الرباع التي لا تحول ولا تزول ولا توقف، مثل ما يحول ويزول، وإنما يوقف وقفاً يمنع من الإحداث فيها.
الثاني: إنه يدخل في ضمانه وتكون الغلة له، ويجب توقيفه وقفاً يحال بينه وبينه إذا ثبت بشهادة شاهدين عدلين أو شاهد وامرأتين، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ إذ قال
فيه: إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة؛ إذ قال: إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه الدفع.
والثالث: إنه يدخل في ضمانه، ويجب له الغلة والتوقيف بشهادة شاهد واحد؛ وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الدعوى والصلح: إنه يحلف مع شاهده وتكون مصيبته منه وروايته عنه في الكتاب المذكور في مسألة الزيتون إذا ادعاها وأقام شاهدا واحداً أن الثمرة له إذا توالت على معنى المسألة أنه استحق الأصل دون الثمرة، وأما على تأويل من تأول أنه ادعى الأصل والثمرة وشهد له بهما جميعاً الشاهد الذي أقامه فتخرج الرواية عن هذا الباب إلى وجه متفق عليه، وما وقع في كتاب أحد بن زياد: التوقيف يجب في الدار بالقفل، وتوقيف الغلة بشهادة الشاهد الواحد يأتي على هذا القول، وكذلك أيضاً النفقة تجري على هذا الاختلاف، وفرق في رواية عيسى عن ابن القاسم وهو ظاهر المدونة، وساوى عيسى بينهما من رواية وهو القياس، والصواب أن ما في المدونة اختلاف من القول.
فَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قيلَ لِلْمَالِكِ: ادْفَعْ قِيمَتَهُ قَائِماً، فَإنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْمُكْتَرِي: أَعْطِهِ قِيمَةَ أرْضِهِ بَرَاحاً، فَإِن كَانَا شَريكَيْنِ بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وقَدْرِ مَا يُبْنَى بِهِ مِثْلُهُ عَلَى الأَشْهَرِ لا بِمَا زَادَ
أي: فإن غرس الأرض المستحقة من يده كان مشترياً أو مكترياً فإن يقال لرب الأرض: ادفع قيمة البناء أو الغرس قائماً فإن أبى قيل: للمشتري أو المكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين، وروى مطرف أن عمر رضي الله عنه قضى بهذا.
وإذا بَنَيْنَا على الشركة فقال ابن يونس وغيره: إنَّ ظَاهِرَ الْكتاب أن صاحب البناء يكون شريكاً بقيمة البناء، وقال مطرِّف: بما زاد البناء في قيمة الأرض، وفهم بعضهم المدونة عليه.
ابن يونس: والأول هو الصواب؛ لأنه قد لا تزيد العمارة في مثل هذه الأرض شيئاً بل قد يكون ثمنها براحا أكثر لأعمال القبول ونحوها، فإذا قومت على ما قاله ابن الماجشون ذهب عمل العامل باطلاً، [582/ب] وهو غير متعد، ولعل المصنف لهذا شهره.
ابن الجهم: وإذا دفع ربُّ الأرض قيمة العمارة وأخذ أَرْضَهُ، كان له كراء ما مضى من السنين، ولمالك في العتبية قول ثالث أنه يكون شريكاً بما أنفق؛ لأنه قال فيمن اشترى داراً وعمرها ثم استحقت للباني عليه ما عمل من عمل الناس وأما بنيان الأمراء فلا أدري ما هو؟ قيل: فتكون للباني قيمة البنيان أو نفقته، قال في البيان: ضعف أن يكون له الرجوع فيما بنى من بنيان الأمراء، بقوله: لا أدري ما هو؟ وقوله صحيح؛ لأنه أتلف ماله لما أنفق فيما لا يسوغ له من السرف المنهي عنه، وأشار بعضهم إلى أن ما ذكره في بنيان الأمراء متفق عليه، وفي كلام المصنف إشكال، لأنه حكم أولاً أن صاحب الأرض يدفع إليه قيمة البناء قائماً وهذا يعني أنه لا يجب للباني إلا ذلك، وقال: إذا أبيا يكونان شريكين، ويكون الباني شريكاً بقدر ما يبني به مثل الأرض، فكيف يكون شريكاً بما ليس له، واستشكل أيضاً الأشياخ مذهب المدونة: فإن مالكاً أوجب له قيمة البناء قائماً وإذا قوم قائماً فقد أعطى جزءا من الأرض، وإن قومه منفكا عن الأرض صار منقوضاً، وأجاب اللخمي عنه بأنه إنما يقال: بكم يباع هذا البناء أو الغرس على أن يقلع بعد انقضاء المدة؟ ولا يقوم عليه على أنه قائم للأبد؛ لأن الباني أو الغارس لا يستحق بقاؤه إلا إلى بقيتها، قال: وإذا قوم على هذه الصفة سقط الاعتراض بأن الباني أخذ جزءاً من الأرض؛ لأنه لم يقوم على أن للباني حقاً في تلك الأرض، وإنما يقوم على أن مشتريه يضعه هناك ولا يقوم على أن مشتريه يضعه حيث أحب؛ لأنه إن كان الآن في طرف، كانت قيمته أبخس فلا يصلح أن يقوم في غير ذلك مما هو ضرر؛ لأن فيه ضرراً على المستحق، انتهى، وفيه نظر؛ إذ لا يتصور أن يكون البنيان قائماً حيث أحب.
وأجاب المازري: بأن مستحق الأرض لما كان قادراً على أن يلزم الباني أو الغارس قيمة الأرض براحاً، فعدل عن ذلك كان رضاً منه بل يعطي الباني والغارس قيمته عليها قائماً؛ لأن فعلها وقع بوجه شبهة فلا سبيل إلى إعطائها قيمة ذلك مقلوعاً، وهو حسن، ولو كان رب الأرض مخيراً في أن يلزم الباني قيمة الأرض براحاً وليس كذلك، واختلف متى تراعى القيمة؟ فمذهب الكتاب يوم الحكم، وقيل: يوم البناء، وفي كتاب العارية: وقيل: للباني ما أنفق، وفي باب آخر: قيمة ما أنفق، واختلف هل هو اختلاف قول أو لا؟ وعلى الثاني وقد اختلف في كيفية الجمع، وقد ذكرناه ثم، وهذا كله ما لم تستحق الأرض بحبس، أما إن استحقت بحبس فليس للباني ألا حمل أنقاضه؛ إذ ليس ثم من يعطيه قيمة البناء قائماً، وليس له أن يعطي قيمة البقعة؛ لأن بيع الحبس، وهذه المسألة ألقاها أبو محمد صالح على أبي الفضل.
وَفِي الزَّرْعِ سِنِينَ يُفْسَخُ أَوْ يَمْضِي، فإِنْ أَمْضَاهُ فَلَهُ نِسْبَةُ مَا يَنُوبُهُ كَجَمْعِ سِلْعَتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ ....
يعني: إذا أكرى الأرض المستحقة من يده للحرث سنين، وقد زرعت للحرث سنة أو أكثر، وانقضى إبان الزراعة، فكراء ما زرع للمستحق من يده، وما بقي فالمستحق بالخيار في فسخ العقد فيه وفي إمضائه، فلا يكون له الكراء على عدد السنين بل على حسب ما يراه أهل المعرفة، وذلك مجهول، واستشكل ذلك جماعة وكذلك قال ابن يونس وعياض واللخمي وغيرهم: إنه تجوز الإجارة بشرط أن يعلم ما يخصه وإلا أدى إلى البيع أو الكراء بثمن مجهول.
ولعل قول المصنف: (كَجَمْعِ سِلْعَتَيْنِ) إشارة إلى ذلك؛ لأن مذهب ابن القاسم المنع إلا أن يقوماً ويدْخلا على ذلك، وقد يقال: فيما أجراه الشيوخ هنا نظر، والفرق بينهما أن الْغَرَر في جمع الرجلين سلعتيهما في البَيْع واقع في أصل العقد بخلاف هذه فإنه طارئ
بعد صحتها، وهذا وإن كان ظاهراً إلا أنه قد يقال: إنه لا يسلم أن الضرر الطارئ مغتفر عند ابن القاسم، فقد منع من التمسك بباقي الصفقة إذا استحق جلها للجهالة، ويحتمل أن يكون قول المصنف:(كَجَمْعٍ) ليس إشارة إلى ما ذكرناه بل إلى بيان كيفية التراجع، والله اعلم.
وَيُحَدُّ الْوَاطِئُ الْعَالِمُ والْوَلَدُ رَقِيقٌ ولا ينسَبُ لَهُ
يعني: وإذا وطئ الأمة المغصوبة عالماً بغصبها غاصبا كان أو غيره فهو زان، فلذلك كان ولده رقيقاً للمغصوب منه ولا ينسب له، وهذا بشرط أن تقوم البينة قبل الوطء على أن الواطئ أقرَّ بعلمه أن الأمة مغصوبة، أو تشهد الآن بينة أنه أقر عندهم قبل الوطء بعلمه، وأما إن لم يكن إلا مجرد إقراره الآن بأنه وطئ عالماً، فقال أهل المذهب: يُحدُّ لأجلِ إقرارهِ على نفسه بالزِّنا، ويلحق به الولد لحق الله تعالى وحق الولد في ثبوت النسب، وهي إحدى المسائل التي يجتمع فيها الحد وثبوت النسب.
ثانيها: أن يشتري أخته أو من يعتق عليه ويولدها ثم يقر أنه وطئها عالماً بذلك.
ثالثها: أن يتزوج امرأة ويولدها ثم يقر أنه كان طلقها ثلاثاً، وأنه تزوجها قبل زوج عالماً بالتحريم.
رابعها: إن يتزوجها ويولدها وهي ذات محرم منه إما من نسب أو صهر أو رضاع ثم يقر على نفسه أن يتزوجها عالماً بتحريمها.
خامسها: أن يتزوجها ويولدها ثم يقر أن له أربع نسوة غيرها وأنه تزوجها عالماً بتحريمها، وليس ذلك هذا على طريق الحصر، بل الضابط في هذا أن كل حد يثبت بالإقرار ويسقط بالرجوع عنه فالنسب ثابت معه، وكل حد لازم لا يسقط بالرجوع فالنسب معه غير ثابت.
وَيَضْمَنُ غَيْرُ الْعَالِمِ [583/أ] قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ بَاقِياً إلا أَنْ يَاخُذَ فِيهِ دِيَةً فَيَكُونَ عَلَيْهِ الأَقَلَّ مِنْهَا أَوْ قِيمَةَ الْوَلَدِ حَيَّاً ....
لا خِلَافَ أنَّ الولَدَ هنا حرٌّ ثابتُ النسب ولكن يضمن الأب قيمتَه على المشهور، وعن مالك أنه يضمنه كما سيقوله المصنف، وقد تقدَّم جُلَّ هذه المسألة في النِّكَاحِ في الأمة الغارّة فراجعه.
فَإِنْ أَخَذَهَا عَنْ عُضْوٍ غَرِمَ قِيمَتَهُ نَاقِصاً مَعَ الأَقَلِّ مِنَ النَّقْصِ والدِّيَةِ، وقَالَ الْمُغِيرَةُ: الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَضْعِ ....
أي: وإن أَخَذَ الدِّيَة عن عضو واحد غرم الأب قيمته يوم الحكم.
قوله: (وقَالَ الْمُغِيرَةُ) راجع إلى قوله: (يَوْمَ الْحُكْمِ).
وَكَانَ مَالِك يقولُ: لمستحقها أَخْذُها إنْ شَاءَ مَعَ قِيمَةِ ولَدِهَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قِيمَتُهَا يَوْمَ اسْتَحَقَّهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قِيمَتُهَا وَحْدَهَا يَوْمَ وَطِئَهَا، قَالَ أَشْهَبُ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ ....
تصور الأقوال ظاهر، وبالثالث أفتى مالك لما استحقت أم ولده إبراهيم، وتابعه عليه جماعة من أكابر أصحابه: كابن كنانة وابن دينار ثم رجع إلى الأول ابن كنانة وعليه مات، هكذا قال اللخمي والمازري: أم ولده إبراهيم؛ وقال ابن رشد: أم ولده محمد، قيل: وهو الصواب.
ومنشأ الخلاف تقابل الضررين ولا يخفى عليك ذلك وأخذ ابن القاسم بالقول الأول أن له أخذها إن شاء وأخذ قيمة الولد، قال في المدونة: وعليه جماعة من الناس.
وأخذ جماعة كثيرة بالقول: إنه ليس لسيدها إلا قيمتها وقيمة ولدها يوم الحكم به وهو الذي صدر به صاحب الرسالة، وأما الغارّة فالمشهور المعروف أنه له أخذها وأخذ قيمة
الولد، وحكى ابن الجلاب رواية أخرى أنه يأخذ قيمة الأم ولا شيء في الولد، وذكر المصنف أن القيمة في القول الثاني يوم الاستحقاق أي يوم الحكم، وفي الثالث: يوم الوطء.
قال: في المدونة في القسم بعد ذكر القولين الأولين: ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك، ويجبر حينئذ في قولي مالك جميعاً على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، وقال أشهب في الموازية: هذا خطأ وإنما كنت أقوله - لو قلت بهذا - عليه قيمتها يوم أحْبلها ثم لا قيمة له في ولدها؛ لأن في ملكه ولد، وقال المازري: أشار أشهب إلى بقاء قولي مالك مع رضا المستحق بأخذ القيمة، وسئل سحنون في العتبية عن رجل اشترى جارية فأولدها ثم استحقها رجل فدفعها إليه الذي أولدها ثم اشتراها منه بعد ذلك، هل تكون الجارية أم ولد أم لا؟ أو حتى يولدها بعد الاستبراء، فقال: إن كان دفعها إليه بقضاء قاض ثم اشتراها، فإنها تكون أم ولد بملكه الأول حين أولدها.
فَإِنْ وَطِئَ بِالْمِلْكِ فَاسْتُحِقَّتْ بِحُرِّيَّةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: لا صَدَاقَ لَهَا، وَاسْتُشْكِلَ وخُولِفَ، والْغَلَّةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ ....
الأمة إذا استحقت بعد الوطء فلا يخلوا إما أن تستحق بملك أو بحرية، فإن استحقت بملك فإن كانت ثيباً فلا شيء عليه، وإن كانت بكراً فقال مالك وابن القاسم: لا صداق لها، وهو المشهور المعروف، وقال المغيرة: لها الصداق.
واختاره جماعة؛ لأن الوطء انتفاع بغير مملوكة ولا ضمان فيها، بخلاف المستحقة بملك فإن الوطء يجري مجرى غلات المضمون، وهذا وجه الإشكال الذي أشار إليه المصنف، فإن قيل: فهلا استغنى المصنف بقوله: (خُولِفَ) عن قوله: (اسْتُشْكِلَ) لأن من خالف قولاً، فقد استشكله، فجوابه يحتمل أن يكون المستشكل غير المخالف فإن
الإشكال إنما يكون غالباً عن عرض القول على أصول ذلك القائل والمخالف قد يخالف في الأصول ويوافق عليها أو يخالف في الإجراء عليها.
قوله: (والْغَلَّةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ) أي غلة هذه الأمة المستحقة، وكذلك العبد إذا استحق على هذا الخلاف، فعند مالك وابن القاسم: العبد إذا استحق بحرية منزلة على هذا الخلاف، فعند مالك وابن القاسم: لا يغرم الغلة، وعند المغيرة: يغرمها، ويحتمل أن يكون الضمير في (عَلَيْهِ) عائد على الصداق، واستصوب اللخمي قول المغيرة؛ لأن الخراج إنما يكون بالضمان والحر لا يضمن، وإذا رجع بالغلة رجع المشتري عليه بالنفقة، بخلاف الأمة فإن الصداق إنما يستحق بأول الملاقاة، وكهذه المسألة أعني إذا استحقت بحرية، أما إذا استحق الأصل بحبس، فإنه لا ضمان فيه كالحرة، فقيل: غلته للمستحق منه ولأنه ضامن الثمن الذي دفع عند عدم البيع، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في العتبية، وقيل: إنه يرد الغلة؛ لأن ما اشتراه لو تلف رجع بالثمن، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه علق الغلة بالضمان.
ابن رشد: وبالأول جرى العمل عندنا.
تنبيه:
الغلة للمشتري في خمسة مواضع: إذا وجد البيع فاسداً فرده، أو وجد عيباً فرده، أو رد بفلس، أو أخذ بالشفعة، أو استحق، وكذلك من صار ذلك إليه من قبل المشتري ولا غلة لوارث إن طرأ عليه وارث مثله في المنزلة وأقرب منه، وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامنا ويأخذ القادم الكل إن لم يحاب المستحق منه وإن حابَى فهو واهِب للمحاباةِ، فإن كان الواهب معسراً فاتفق على أن يرجع على المكتري، وإن كان موسرا فالمشهور أنه يرجع على المكتري إلا أن يكون له مال فعلى المكري، وقيل: إنما يرجع بذلك على المكتري إلا أن يعلم الآخر أن معه وارثاً، فيرجع عليه أخوه في عدم المكتري، وهذا على أن قول الغير
خلاف وإليه ذهب جماعة، وقال الشيخ أبو محمد: إنه وفاق وإن جواب ابن [583/ب] القاسم أن أخاه علم كما قال غيره.
ابن القاسم: وأما إن سكن هذا الوارث أو زرع لنفسه ثم طرأ له أخ لم يعلم به، فالاستحسان أن لا رجوع لأخيه عليه بشيء بخلاف الكراء إلا أن يكون به عالماً فيغرم له نصف الكراء، وروي عن مالك أن عليه نصف كراء ما سكن، قالوا: وعلى قول ابن القاسم: لا رجوع عليه بثلاثة شروط: أن يسكن بنفسه، وأن لا يكون في نصيبه ما يكفيه، وأن لا يعلم، زاد ابن عبدوس: وأن يقدم الأخ بعد إبان الزراعة، ولهذا أفتى اللخمي في امرأة دَعَتْ زَوْجها للدخول فأنكر النكاح، فأثبتته عليه لما سئل هل لها عليه نفقة في أيام الخصام؟ بأنه لا نفقة عليه فيها إن كان ذلك من الزوج بتأويل وشبهه، وأما إن كان دافعها بباطل واضح؛ فإنه كالغاصب فلها النفقة فيها.
وَفِيهَا: والْمُتَعَدِّي يُفَارِقُ الْغَاصِبَ؛ لأَنَّ الْمُتَعدِيَ جَنَاه عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ والْغَاصِبُ أَخَذَهَا - كَكَسْرِ الصَّحْفَةِ وتَخْرِيقِ الثَّوْبِ ....
لما كان المتعدي مفارقاً عند الأصحاب للغاصب، أراد المصنف أن يبين ذلك ونسب المسألة إلى المدونة لإفادة الحكم، أو لإشكاله فإنهم فرقوا في الحكم، والمعنى متفق، أو لأن ما ذكره في المدونة من الفرق لا يعم صور التعدي، فإن المكتري والمستعير إذا تعديا المسافة المدخول عليها متعديان وهل تعديا على مجموع السلعة لا بعضها؟
واعلم أنَّ أصحابنا فرقوا بين الغصب والتعدي بوجوه منها: أن التعدي جناية على بعض السلعة، والغصب جناية على جميعها.
ومنها: أن المتعدي ضامن للسلعة من يوم التعدي؛ لأن يده كانت عليها بإذن ربها، أعني في المستأجر والمستعير، والغاصب ضامن من يوم الغصب.
ومنها: أن الغاصب يضمن السلعة في الفساد اليسير، والمتعدي لا يضمنها إلا في الكثير.
ومنها: أن المتعدي يلزمه كراء ما تعدى عليه على المشهور كما تقدم.
وقوله: (كَكَسْرِ الصَّحْفَةِ) مثال للتعدي.
فَان كَانَ فَسَاداً كَثِيراً خُيِّرَ رَبُّه في أَخْذِهِ وَمَا نَقَصَهُ وبَيْنَ قِيمَتِهِ، قَالُوا: بَعْدَ رَفْوِ الثَّوْبِ، وشعبِ الْقَصْعَةِ - وَضُعِّفَ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُخَيَّرُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، ورَجَعَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيراً فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ بَعْدَ رَفْوِ الثوب بِاتِّفَاقٍ، وقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا نَقَصَهُ، ولا يُفرقُ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وغيْرُهُ ....
حاصلُه أنَّ في التَّعَدِّي ثلاثَة أقوال: الأول لمالك: ليس عليه في التعدِّي إلا أرْش النقص، كان النقص يسيراً أو كثيراً، وإليه أشار بقوله:(وقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا نَقَصَهُ، ولا يُفرقُ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) ثم رَجَعَ إلى الفرقِ بين اليسيرِ والكثير، ففي اليسير: لا يكون عليه إلا ما نقص، وفي الكثير: يخير بين أخذه بغير شيء أو يضمنه جميع قيمته، وقاله ابن القاسم أولاً، ثم رجع عنه إلى ما في المدونة، وأنَّ لهُ أخذُ النَّقص إنْ اختَارَ أخذه، وعلى هذا فاتفق في اليسير أنه ليس لربه إلا أخذ ما نقص بعد رفو الثوب وشعب القصعة، والرفو: خيطها.
وقوله: (قَالُوا) يوهم تواطؤ أهل المذهب أو أكثرهم، وأن ما نقله ابن يونس عن بعض الأصحاب قال هذا القائل، وذلك بخلاف الجناية على الدَّابّة، فإنه ليس عليه ما تداوى به الدابة، والفرق بينهما أن ما ينفق في الثوب على المداواة غير معلوم، ولا يعلم هل ترجع كما كانت أم لا؟
والرفو: الخياطة معلوم ما ينفق عليهما ويرجعان كما كانا.
ابن يونس: وهذا الذي ذكره في الفساد الكثير في الثوب أنه يأخذه وما نقصه بعد الرفو خلاف ظاهر قولهم، ووجه فساده أنه قد يغرم من رفوِ الثُّوْب أكثر من قيمته صحيحاً وذلك لا يلزمه، ألا ترى أن أشهب وغيره يقول: ليس له أن يغرمه ما نقصه بعد الرفو، وقد يبلغ ذلك ضعف قيمته؟ وما حكاه من عدم لزوم أجر الطبيب.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب، وحكى اللخمي في غرم الجارح أجر الطبيب قولين، قال: والأحسن أنه على الجارح كالرفوِ.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ يَسِيراً فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ) قد تقدم أن هذا متفق عليه.
وقوله: (بَعْدَ رَفْوِ الثوب بِاتِّفَاقٍ) يحتمل أن يعود على قوله: (فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ)، ويحتمل أن يعود عليهما، ابن يونس: ولو قال قائل في اليسير: إنما عليه ما نقصه فقط لم أعبه؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه دخل الرفو في قيمة هذا النقص كما قالوا في من وجد أيضاً، وذلك شأنه أن له جعل مثله ولا نفقة له؛ لأن النفقة داخلة في الجعل. وقوله:(وسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وغيْرُهُ) أي في التعدي عليه، ثم أشار المصنف إلى حد اليسير من الكثير بقوله:
وَالْكَثِيرُ: مَا أَفَاتَ الْمَقْصُودَ فَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ يَسِيراً كَقَطْعِ ذَنَبِ الْبَغْلَةِ وأُذُنِهَا، وقَطْعِ طَيْلَسَانِ ذِي الْهَيْئَةِ وجُبَّتِهِ وعِمَامَتِهِ وشِبْهِ ذَكِكَ
بين المصنف الكثير؛ لأن اليسير يعلم منه؛ لأنه إذا كان الكثير ما أفات المقصود، فاليسير ما لم يفته، هكذا قال ابن القصار، ومعناه ما أفات الغرض المقصود؛ فإن كثير وإن كان في الصورة يسيراً؛ كما مثل به من قطع ذنب البغلة ونحوها من مركوب، مما يعلم أنه لا يركب مثل ذلك، ولا فرق بين المركوب والملبوس؛ كقلنسوة القاضي وطيلسانه
وعمامته، وهذه الرواية المشهورة عن مالك وفي الواضحة: لا يضمن إذا أفسد الأذن بخلاف الذنب.
اللخمي: والأول أصوب؛ وشين ذهاب الأذن كثير [584/أ] لا يركبها أحد من القاضي والكاتب والشاهد، وعلى هذا فاتفق على الذنب واختلف في الأذن، والواو في قوله: وأذنها بمعنى أو؛ لأن المراد أن قطع الأذن ونحوه مفيتا، وكذلك الذنب على الرواية المشهورة.
وقوله: (كَقَطْعِ ذَنَبِ الْبَغْلَةِ .. إلى آخره): يريد إذا كانت البغلة تراد للحمل كان صاحبها القاضي ونحوه أم لا، فقد قال مطرف وابن الماجشون: إذا قطع ذنب بغل أو حمار أو فرس فأراه ضمن جميعه؛ لأنه أبطل الغرض المقصود من مثله؛ وهو ركوب ذوي الهيئات، قالا: بخلاف العين والأذن - يرد العين الواحدة - فقد نصَّ ابن الماجشون في الثمانية في الفرس أنه إن فقأ عينه عليه ما نقصه وإن فقأ عينيه ضمنه.
فروع:
الأول: اختلف فيمن استحق شيئاً من الرباع والأصول هل عليه يمين أم لا؟
فالذي ذهب إليه مالك وجرى عليه العمل أنه لا يمين عليه، وقال ابن وهب وابن القاسم في العتبية: يحلف أنه ما باع ولا وهب؛ كالحيوان والعروض، واتفقوا على اليمين في غير الأصول.
الثاني: إذا تعدى على عبد الغير تعديا فاحشاً وحكمنا بتضمينه القيمة ففي المدونة: يعتق عليه، ورواه ابن كنانة عن مالك، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يعتق عليه؛ لأنه إنما مثل بعبد غيره، قالا: وليس للسِّيد أن يختار إمساكه ويأخذ ما نقصه، وقيد بعض القرويين الأول بأن يطلب ذلك سيد العبد وأما إن أبى فله أخذ العبد وما نقصه.
ابن يونس: والصواب أن العبد يعتق أحب السيد أم لا؛ لأنه بالجناية عليه لا ينتفع به، فترك السيد قيمته إنما هو من باب الضرر وإخدام العبد المعتق، وقيمته تقوم مقامه.
الثالث: قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: ولو تعدى على شاة بأمر قل لبنها، فإن معظم ما تراد له اللبن، ضَمِنَ قيمتها إن شَاءَ ربُّها وإنْ لم تَكن غزيرَةَ اللبن فإنما يضمن ما نقصها، وأما الناقة والبقرة فإنما فيهما نا نقصهما وإن كانتا غزيرتي اللبن؛ لأن فيهما منافع غير ذلك باقية.
* * *