المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الرَّهْنُ: إِعْطَاءُ أَمْرٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ   الرهن لغه (508/ب) هو: اللزوم والحبس، - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٦

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ‌ ‌الرَّهْنُ: إِعْطَاءُ أَمْرٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ   الرهن لغه (508/ب) هو: اللزوم والحبس،

‌الرَّهْنُ:

إِعْطَاءُ أَمْرٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ

الرهن لغه (508/ب) هو: اللزوم والحبس، وكل شىء ملزوم فهو رهن، يقال: هذا رهن لك، أى محبوس دائم لك، قال تعالى:(كل نفس بما كسبت رهينة)(المدثر: 38) أى محبوسة، والراهن دافع الرهن، والمرتهن بكسر الهاء آخذه، ويقال للرهن: مرتهن بفتح الهاء، وقد يطلق على آخذه؛ لأنه وضع عنده الرهن، وعلى الراهن؛ لأنه يسأل الرهن.

الجوهري، والنووي: يقال رهنت الشىء وأرهنته.

وقال عياض: لا يقال أرهنه. وجمع الرهن: رهان ورهون ورهن.

الأخفش: ورهن قبيحة؛ لأنه لا يجمع فعل على فعل إلا قليلا شاذا. قال: وذكر أنهم يقولون: سقف وسقف. وقد يكون الرهن جمع الرهان؛ أى: فيكون جمع الجمع.

وحده المصنف اصطلاحا بقوله: (إعطاء000إلخ). (إعطاء) أمر كالجنس.

ابن عبد السلام: وأتى بلفظ (أمر) ليشمل الذوات والمنافع، فإنه يصح رهنا.

قال ابن راشد: (إعطاء) مصدر، وهو يضاف للفاعل والمفعول، فإن أضفته هنا إلى الفاعل فامرؤ مهموز، والمعنى: إعطاء رجل وثيقه بحق. والأول أصح؛ لأن إضافة المصدر إلى الفاعل أكثر.

ونبه بقوله: (إعطاء) على الإقباض؛ لأن الرهن لا يتم بمجرد القبض حتى يكون المالك هو الذى أقبضه إياهوأذن له في قبضه، فلو تولى المرتهن قبضه دون اقباض مالكه وإذنه لم يكن رهنا، بخلاف الهبة والصدقة؛ لأنه تعالى وصف"الرهان" بكونها "مقبوضة" ولفظ:"مقبوضة" يقتضي قابضا ومقبوضا منه؛ فلابد من المقبوض منه، وإلا

ص: 76

لم يصح وصفه بكونه مقبوضا، ولما لم يقل ذلك في الهبة والصدقة صح قبض الموهوب له والمتصدق والمتصدق عليه دون إقباض من الواهب أو المتصدق. انتهى.

ويمكن أن يدعى أنه من إضافة المصدر إلى المفعول، ولو قرئ امرئ بالهمز، وكلام ابن عبد السلام يأتى على أنه إضافة للمفعول، ويرجع أيضا كونه مضافا للفاعل أنه لو أضافه للمفعول لقال: إعطاء شئ؛ لأن ذلك أقرب للفهم، ولأن الأمر حقيقة في القول المخصوص على المختار عند أئمة الأصول.

وقوله: (وثيقة بحق) يخرج ما يعطى لا على سبيل التوثق، بل على سبيل الملك كالبيع، أو الإنتفاع كالمستأجر والعار.

قيل: وهو غير مانع لدخول الحميل فيه لا سيما- على المشهور- أنه لا يطالب إلا بعد تعذر الأخذ من المضمون، ولدخول اليمين فيما إذا أحلف رب الدين على الوفاء، ولدخول وثيقة الدين، فإن ما ثبت من الدين معطى لرب الدين على وجه التوثق.

وأجيب: بأن لفظة (إعطاء) تقتضى حقيقتها دفع الشئ للمرتهن، ولا يصدق ذلك على اليمين والحميل حقيقة، والوثيقة المكتوبة وإن صح دفعها لرب الدين؛ لأن قوله) وثيقة بحق) يقتضي رد ذلك الشئ إلى يد دافعه، والوثيقة المكتوبة لا يلزم ردها بعد استيفاء الحق.

واعترض أيضا أن الرهن مصدر، والأغلب في استعمال الفقهاء إطلاقه على المرهون، فينبغي أن يقول عوض قوله:(إعطاء)(معطى).

ومذهبنا ومذهب الجمهور صحة الرهن حضرا وسفرا خلافا لمجاهد أنه لا يصح إلا في السفر.

ص: 77

وَأَمْرُ الصِّيغَةِ كَالْبَيْعِ

يعني: فيكفي في التوثق كل فعل أو قول دل عليه، فتكفي المعاطاة، هكذا قرر ابن راشد وابن عبد السلام هذا المحل، وهو ظاهر لفظه، والذى نسبه ابن رشد لابن القاسم أن الرهن يفتقر إلى التصريح بلفظه، خلافا لأشهب. وذكر أن اخنلافهمما قائم من مسألة النفقة على الرهن التى في المدونة؛ لأن عند ابن القاسم: المرتهن لا يكون أحق بما أنفق حتى يقول له الراهن: والرهن بما أنقترهنا. وعند أشهب يكون أحق به إذا قال: أنفق على أن نفقتك فيه. وإن لم يقل رهنا.

خليل: وهذا أخذ ظاهر، غير أنه مبني على ظاهره المدونة، فإن المسألة تنقسم ثلاثة أقسام كما ذهب إليه ابن شبلون، لا على ما ذهب إليه ابن يونس وغيره أنه لا فرق بين أن يقول: أنفق والرهن بما أنفقت رهن. وبين أن يقول: أنفق على أن نفقتك في الرهن. وسيأتي.

خليل: ويؤخذ مما في وكالة المدونة أن الرهن لا يفتقر إلى التصريح بلفظة الرهن؛ لقوله: وإن قال له: انقد عني واحبسه حتى أدفع لك الثمن. فهو بمنزلة الرهن، وقال بعضهم.

وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ أَنْ يُصِحَّ مِنْهُ اسْتِيفَاءٌ؛ فَلا يَجُوزُ خَمْرٌ ولا خِنْزِيرٌ مِنْ ذِمِّيٍّ وَغَيْرِهِ

ابن عبد السلام: ينبغى أن تكون (من) سببية؛ كقوله تعالى: (مما خطيئتهم أغرقوا)(نوح:25) أو لابتداء الغاية، ولا يصح أن تكون للتبعيض؛ لأن رهن مثل الدين فيه اضطراب في المذهب. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه سيأتي أنه يصح رهن ما لا يعرف بعينه إذا كان عند أمين أو مختوما عليه.

واشترط في الرهن: أن يصح منه الاستيفاء؛ لأن فائدة الرهن بيعه عند الوفاء، والخمر ونحوه لا يجوز بيععه. (فلا يجوز خمر ولا خنزير) أتى بالفاء المؤذنة بالسببيه؛ أى: فبسبب اشتراطنا في الرهن ما ذكر لا يجوز لمسلم رهن خمر ولا خنزير لمسلم ولا

ص: 78

ذمي، ويحتمل أن يقدر كلامه: فلا يجوز للمسلم ارتهان خمر ولا خنزير من ذمي ولا غيره. وهكذا قال في المدونة: لا يجوز لمسلم أن يرتهن من ذمي خمرا ولا خنزيرا. والاحتمال الأول أظهر، لكن الكلام في المرهون.

فرع مرتب:

فعلى الاحتمال الأول: إذا رهن المسلم الخمر ونحوه من ذمي؛ أريقت عليه، ولم يكن عليه أن يأتي برهن آخر. وعلى الثاني: إذا ارتهن المسلم (506/أ) خمرا لذمي، فقال أشهب: إذا قبضها ثم فلس الذمي، فلا رهن للمرتهن والغرماء فيه أسوة، لأن رهنه لم يكن جائزا في الأصل.

سحنون: إلا أن يتخلل فهو أحق به. قال: وإن باع المسلم سلعه من الذمي وارتهن منه خمرا؛ فلا يفسد البيع ويرد الخمر إلى الذمي، ولو أراد المسلم وقفها بيد ذمي إلى أجل دينه لما يخاف من عدم ربها لم يكن له كذلك.

فرع:

قال في المدونة: ومن ارتهن عصيرا فصار خمرا؛ فليرفعها إلى الإمام لتراق بأمره، وكذلك الوصي يجد خمرا في التركه خوفا من أن يتعقب بأمر.

اللخمي وابن يونس وغيرهما: وإنما تراق إذا كان الراهن مسلما، وأما إذا كان ذميا فلترد إليه.

اللخمي: وقوله: فليرفعها إلى السلطان. يريد: إذا كان حاكم الموضع يحكم ببقائها أو يخللها، وإلا فليس ذلك عليه.

وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ كَبَيْعِهِ

أى: رهن جلد الميتة يختلف فيه كما يختلف في بيعه. ومذهب المدونة: عدم جواز بيعه ورهنه. وعلى قول ابن وهب: يجوز رهنه بغد الدباغ؛ لطهارته حينئذ عنده.

المازري: ويجري في رهن الكلاب وجلود السباع ما في بيعها.

ص: 79

وَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّيْنِ مِنَ الْمِدْيَانِ وَغَيْرِهِ

يجوز رهن الدين ممن عليه الدين، وهو مراده ب (المديان)، ومن غيره، وهو ظاهر. ويشترط في جواز رهنه من المديان: أن يكون أجل الدين المرهون مؤجلا بمثل أجل الدين الذى هو رهن به أو أبعد لا أقرب؛ لأن بقائه بعد محله كالسلف فصار في البيع بيعا وسلفا، إلا أن يجعل بيد أمين إلى محل أجل الدين الذى رهن به البائع.

الباجي: وهذا تفسير قول مالك في العتبية وغيرها. وسيأتي كيفيي قبض الدين إذا كان على غير المدين من كلام المصنف.

وَلا يُشْتَرَطُ الإِقُرَارُ

هذا وقع في كثير من النسخ بقاف وراءين، وعليها تكلم ابن راشد؛ أى: لا يشترط إقرار المدين بالدين؛ لأن رهن المجهول جائز بخلاف البيع، وكأن المرتهن دخل على أنه إن أقربه وإلا استوفاه من الأصل، لم يصح ذلك في البيع لهذه الجهالة.

ابن عبد السلام: والصواب ضبط اللفظ بالفاء وراء بعدها وزاي بينهما ألف؛ فتقول: الإفراز. هكذا هي في كلام ابن شاس والغزالي، الذي قصد ابن شاس نحوه، تنبيها من الجميع على مخالفة أبي حنيفة في منعه رهن المشاع.

خليل: وقد يقال: بل الأولى أحسن لمساعدة ما قبلها لها، ولأن المصتف سيتكلم على المشاع. والإفراز: هو القسمة.

وَيَجُوزُ رَهْنُ غَلَّةِ الدُّورِ وَالْعَبْدِ

تصوره ظاهر، وجوز ذلك حوز رقبتهما، وتوضع الغلة على يد أمين أو يختم عليها إن كانت مما لا يعرف بعينه.

ص: 80

وَرَهْنُ الآبِقِ والْبَعِيرِ الشَّارِدِ إِنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبهِ أو فَلَسِهِ

أى: يجوز رهن الآبق والبعير الشارد، ولم يحك المازري وغيره فى ذلك خلافا إذا لم يقارن عقد البيع، وخرج بعضهم قولا بالمنع من الجنين، ورد بأن الغرر في الجنين أقوى؛ لأنه باعتبار وجوده وعدمه، بخلاف الآبق ونحوه؛ فإنه باعتبار وصفه.

المازري: وأما إن اشترط في عقد البيع؛ فقولان بالجواز وعدمه.

ابن رشد: والمشهور الجواز؛ بناء على أنه لا صحه له في الثمن، أو له حصه. وظاهر المذهب: أن الرهن لا حصة له من الثمن.

قال في البيان: والقولان في ذلك قائمان من المدونة. انتهى.

وأما القول بأنه لا حصه له؛ فمن قوله في باب الرهن: فيمنوكل رجلا على بيع سلعه فباعها وأخذ بالثمن رهنا؛ أن الخيار للموكل في قبول الرهن، فلم يرجع له خيارا في رد البيع وامضائه. ولو كان له حصة من الثمن لكان الوكيل متعديا في بيعه بأقل من ثمن المثل.

ابن عبد السلام: وأما القول بأن حصة من الثمن، فمن قوله:" وإن بعت منه سلعة بثمن إلى أجل على أن تأخذ منه رهنا ثقة من حقك فلم تجد عنده رهنا؛ فلك نقض البيع وأخذ سلعتك، أو تركه بلا رهن.

وقد يقال: إنما جعل في المدونة نقض البيع لمخالفة الشرط لا لنقص الثمن، فانظره.

فرع:

وإذا بنينا على القول بمنع اشتراطه في عقدة البيع، فهل يفسخ العقد باشتراطه أولا؟ فيه قولان.

المازري: وهما جاريان على الخلاف في الشروط الفاسدة المقارنة للبيع.

ص: 81

وقوله: (إِنْ قُبضَ قَبْلَ مَوْتِ صاَحِبهِ أو فَلَسِهِ) ليس بظاهر؛ لأن رهن الآبق والشارد صحيح وإن لم يقبضا قبل موت صاحبهما، وإنما القبض قبل موت صاحبهما شرط في صحة الاختصاص.

وفِي رَهْنِ الْجَنِينِ قَوْلانِ

المشهور أنه لا يصح، خلافا لأحمد بن ميسر فإنه أجازه قياسا على غيره من الغرر، ورد بأن الغرر في الجنين أقوى كما تقدم.

اللخمي: وهذا إذا كان في أصل عقد البيع.

وَرَهْنُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِهَا أَوْ بَعْدَهُ

معطوف على قوله: (ويجوز رهن غلة الدور) أى: ويجوز رهن الثماروالزرع، ولا خلاف في ذلك إن بدا صلاحها، ولهذا كان قوله:(أو بعده) لا يحتاج إليه، وأما قبل بدو الصلاح فالمشهور ما ذكره المصنف، وروي عن مالك عدم الجواز.

وقوله: (قبله) يريد: وقد خلقت الثمرة.

المازري: وأما إن لم تخلق فذلك كرهن الجنين.

فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَلا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ انْتَظَرَ بُدُوَّ الصَّلاحِ

أى: فإن مات راهن الثمرة التي لم يبد صلاحها ولم يكن له مال غيرها؛ انتظر بالثمرة بدو الصلاح لتباع، وإنما انتظر بها بدو الصلاح لأن بيعها قبل ذلك لا يجوز.

واحترز بقوله: (ولا مال له) مما إذا كان له مال؛ فإنه يأخذ منه، لأن حق رب الدين في ذمة المديان.

ص: 82

فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَهُ مَالٌ لا يَفِي بِهَا؛ فَإِنَّهُ يُحَاصُّ فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ بِجُمْلَةِ دَيْنِهِ، فَإِذَا بَدَا صَلاحُهَا بِيعَتْ، فَإِنْ وَفَّتْ رّدَّ مَا أَخَذَهُ، وَإِلَاّ قُدِّرَ مُحَاصًّا [509/ب] لِلْغُرَمَاءِ بِمَا بَقِيَ، فَمَا زَادَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ

مثال المسألة: لو كان عليه ثلاثمائة دينار لثلاثة رجال لكل واحد مائة ورهن عند أحدهم تمرا أو زرعا قبل بدوالصلاح، ثم فلس الراهن أو مات ووجد للغريم مائة وخمسين دينارا؛ فإن الثلاثة يتحاصون فيها، فيكون لكل واحد خمسون نصف دينه، وإنما دخل المرتهن معهم لأن دينه متعلق بذمه الراهن، والثمرة لا يمكن بيعها؛ لآنه قد تطرأ عليها آفة الآن فتهلك، فإذا حل بيعها بيعت واختص بالمرتهن، فإن بيعت بمائة رد الخمسين التي كان أخذها أولا؛ لأنه قد تبين أنه لا يستحقها. هذا معنى قوله:(فإن وفت رد ما أخذه). وإن لم تف كما لو بيعت بخمسين اختص بها، ثم يقال له: قد تبين أنك إنما يجب لك الحصاص بخمسين؛ لا يكون لك إلا ثلاثون بثلاثة أخماسها؛ لأن لك خمسين، ولكل واحد منا مائة، فالمجموع مائتان وخمسون، والموجود مائة وخمسون، ونسبتها إلى المائة والخمسين ثلاثة أخماس، فيمسك بيده من الخمسين ثلاثين مع الخمسين ثمن الثمرة فيكون بيده ثمانون، ويرد العشرين الفاضلة فيكون لكل واحد منهما عشرة مع الخمسين الأولى، فيكون بيد كل واحد ستون.

وهذا معنى قوله: (وإلا قدر محاصا للغرماء بما بقي، فما زاد رده عليهم) وهذا الذي ذكره المصنف في كيفية العمل هو قول ابن القاسم، وخالف في هذه الكيفية يحيي ابن عمر، ووافق على المعنى، فقال: بل ينظر، فإن كان بيد كل غريم نصف حقه أو ثلثه؛ فليجلس هذا مما بيده قدر نصف أو ثلث ما نقص من ثمن الزرع عن دينه؛ لأنه به كان يجب الحصاص ويرد ما بقي، فيتحاصص هو وهم بقدر ما بقى لكل واحد. فعلى قوله: يسقط من يد المرتهن خمسون ثمن الزرع، يبقى له من دينه خمسون، وقد كان أخذ كل

ص: 83

واحد من الغارمين اللذين لا رهن بيدهما خمسين نصف دينه؛ فيأخذ هذا من الخمسين خمسة وعشرين، فتبقى خمسة وعشرون ويتحاصان هما والمرتهن فيما بقي، وقد علمت أن الباقي للمرتهن خمسة وعشرون، ولكل واحد منهما خمسون؛ فمجموع ذلك مائة وخمسة وعشرون، ونسبة الخمسة والعشرين المردودة من يد المرتهن إليها خمس، فيأخذ كل واحد خمس دينه، فيأخذ المرتهن منها خمسة يضيفها إلى الخمسين ثمن الزرع، وإلى الخمسة والعشرين التي وجبت له بالحصاص؛ فذلك كله ثمانون، ويحصل لكل من الغريمين الباقيين عشرة مضافة إلى الخمسين الحاصلة له أولا؛ فذلك ستون.

ولعل المصنف لما رأى أن هذا الخلاف لا يجري معنى تركه لذلك، ولما كان قول ابن القاسم أخصر في العمل اقتصر عليه، والله أعلم.

وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُسَاقَى والْمُشَاعِ والْمُسْتَاجَرِ لِلْمُسْتَأجِرِ وغَيْرِهِ

يعني: إذا دفع رجل حائطا مساقاه لرجل، فإنه يجوز أن يرهن ذلك الحائط، وكذلك يصح رهن المشاع خلافا للحنفية، وحكاه ابن عبد السلام رواية في المذهب، وذكر المازري عن أبي الطيب عبد المنعم أنه خرج قولا كمذهب الحنفية من قول من قال من أصحابنا: إن هبة المشاع لا تصح.

المازري: وهذا النقل الذى نقله والتخريج الذى خرجه لم أسمعه من أحد من أشياخي.

وقوله: (والمستأجر) أى: ويصح رهن الشئ المستأجر لمن هو في إجارته وغيره، وقد اتضح لك أن (المساقى) اسم مفعول، والستأجر الأول كذلك، بخلاف المستأجر الثاني نإنه اسم فاعل.

فرع مرتب:

إذا صح رهن المساقي فإما أن يرهن الحائط للعامل فيه أو لا؛ فإن رهن للعامل فسيتكلم المصنف على حيازته، وإن رهن لغيره؛ ففي الموازية: يجعل المرتهن مع المساقى

ص: 84

رجلاً، أو يجعلانه على يد رجل يرضيان به. وقال مالك: لا يصح الرهن إذا كان المساقي أو أجير له في الحائط، وإنما يصح إذا جعلاه بيد غير من في الحائط، وبه يصح حوز المستأجر كما قاله ابن القاسم في المياطية فيمن ارتهن بعيرا وهو في الكراء: إن كان المرتهن يعرفه ويقوم به فهو حوز.

ويَجُوزُ رَهْنُ الأُمِّ دُوْنَ وَلَدِهَا، وَرَهْنُ الْوَلَدِ دُوْنَ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وتَكُونُ مَعَهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ....

تصوره ظاهر. وقوله: (على المشهور) ظاهره عوده على المسألتين؛ أى: رهنها دون ولدها والعكس، وظاهره أيضا أن مقابل المشهور المنع، وعلى هذا مشاه ابن عبد السلام، ووجه المشهور: بأنه لا مانع له. ووجه الشاذ: بأن ذلك يؤدى إلى التفرقة عند الحاجة إلىبيع الرهن.

وفيه نظر؛ لأنا نحكم ببيع المرهون منهما مع الآخر ويكون المرتهن أحق بالرهن فقط، ويحتمل أن يعود على الثانية وهو رهن الولد؛ لأنه في الجواهر إنما حكى الخلاف فيها، ولأني لم أقف في الأولى على القول بالمنع، وإنما حكى ابن رشد فيها الجواز والكراهة، وفي الموازية: ويجوز رهن الأم دون ولدها، وقد ذكر بعض أصحابنا أن المذهب في هذا على قولين تعلقا بما في المستخرجة عن مالك كراهة ذلك.

يحيى بن عمر: فسألت ابن وهب عن ذلك، فقال: لا بأس به. وعندي أن هذا الخلاف إن ثبت فإنما يحسن إذا لم تفرق بين الولد وبين أمه تفرقة يلحقه الضرر الشديد منها، ويلحقها من تعلق نفسها به إذا حيل بينها وبينه. انتهى.

وتاظاهر من جهة المعنى: أنه لا فرق بين رهن الولد دون أمه وبين العكس، وكلام المصنف مقيد بقيدين:

ص: 85

أولهما: أن يكونا في ملك واحد، فإن كانا في ملكين؛ فلا شك في جواز رهن كل منهما دون الآخر.

ثانيهما: ألا يبلغ الولد حد التفرقة. وفي البيان: رهن العبد الصغير دون أمه على ثلاثة أوجه: إن رهنه بشرط أن يحوزه دون أمه؛ فهو رهن فاسد لا يجوز ويفسخ.

وإن رهنه على أنه يحوزه مع أمه فهو رهن، (510/أ) واختلف هل يكره ذلك ابتداء وهو قول مالك، أولا يكره وهو قول ابن وهب، وهو الأظهر؛ لأنه لم يفرق بينهما في ملك ولا في حوز، وكرهه مالك لوجهين ضعيفين: أحدهما: أنه رأى المرتهن كأنه ملكه لما كان أحق به. والثاني: لما كان لا يباع مفردا صار في معنى جمع الرجلين سلعتيهما في البيع.

والوجه الثالث: إن رهنه دون شرط فيجبر على أن يحوز أمه معه. وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، ويتخرج على معنى ما في المدونة من كتاب التجارة إلى أرض الحرب إذا أبى الراهن أن يحوز الأم وأبى المرتهن إلا أن يحوز رهنه؛ أن يباعا جميعا من رجل واحد، فيكون للمرتهن ما ناب الرهن من الثمن رهنا، وهذا كله إذا كان معها في البلد، وأما إن رهن الصبي ببلد وأراد أن يخرج بأمه إلى بلد آخر، فقال مالك: لا خير فيه؛ إذ لا كلام في أنه لا يجوز أن يفرق بين الوالدة وولدها في الحواز وإن جمعهما الملك.

وَمَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إِنْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ أَوْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ امْتَنَعَ مُطْلَقاً، وقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ نَقْداً؛ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ ....

يعني: أن الرهن إن كان مما يعرف بعينه كالحيوان والثياب والكتب، قال في المدونة والحلي: جاز أن يوضع تحت يد المرتهن وغيره، وإن كان مما لا يعرف بعينه؛ فالمشهور أنه ممتنع إلا أن يطبع عليه أو يوضع تحت يد أمين.

ص: 86

المازري: وإنما امتنع إذل لم يطبع عليه، أولم يوضع تحت يد أمين حمايه للذريعة أن يكون الراهن والمرتهن قصدا إلى أن يقبض على جهة السلف، وسيما ذلك القبض رهنا، واشترط السلف في المداينة والمبايعة ممنوع، والتطوع بة كهبة المديان.

وقوله: (مُطْلَقاً) أى: كان نقدا أو طعاما مكيلا أو موزونا. وقال أشهب: إنما يمنع في النقد. وهكذا نقل المازري، ولفظه بعد أن ذكر أنه يمتنع رهن الدنانير والدراهم: إلا أن يطبع عليها، وإن كان مما لا يعرف بعينه ليس من الأثمان التي هي الدنانير والدراهم والفلوس؛ كالمكيل والموزون، فإن في ذلك قولين، المشهور منهما إلحاق ذلك بالدنانير والدراهم. وأجاز أشهب ذلك؛ لأن الصرف في الدنانير والدراهم ممن وضع يده عليها مستخف، ويبعد استخفاف ذلك في المكيل والموزون بغير إذن مالكها، وظاهره وظاهر كلام المصنف أن أشهب يوافق على المنع في الدراهم والدنانير، والذي نقل عنه الباجي وابن يونس وابن شاس- واللفظ لهم جميعا- أنه قال: لا أحب ارتهان الدنانير والدراهم والفلوس إلا مطبوعا عليها؛ للتهمة في سلفها، فإن لم يطبع عليها لم يفسد الرهن ولا البيع، ويستقبل طبعها إن عثر على ذلك. وظاهر هذا أن الطبع عنده في النقد مستحب. وقول ابن عبد السلام: أن نقل المصنف قول أشهب قريب من نقل لفظ الباجي عنه بعيد من كلام ابن يونس ليس بظاهر؛ لأن لفظهما سواء.

وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ، ويُسْتَوْفَى مِنْ خَرَاجِهِ أَو مِنْ ثَمَنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِساً

المدبر لا يباع، فلذلك لا يستوفى من خدمته، فإذا مات سيده مفلسا بيع وقضى المرتهن من ثمنه.

فالضميرفي: (خراجه) و (ثمنه) عائد على (المدبر). والضمير في: (موته) عائد على السيد.

ص: 87

وقوله: (مُفْلِساً) حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف وهو (الموت) مصدر، وهو مسألة اختلاف في العربية.

اللخمي: ورهن منافع المدبر ورقبتة مفترق؛ فإن رهن خدمته مدة معلومة يجوز بيعها ليؤاجر المرتهن تلك المدة؛ جاز في عقد البيع وبعده. وإن رهن جميع خدمته جاز بعد العقد. ويختلف إذا كان في العقد، وإن رهن رقبته على أنه مات الراهن ولا مال له بيع المدبر وكان في أصل العقد؛ جرى على الخلاف في رهن الغرر؛ لأنه لا يباع له الآن، ولا يدرى متى يموت السيد. انتهى. وهذه الصورة الثالثة هي التي ذكرها المصنف.

اللخمي والمازري: وأما إن رهن رقبته ليباع له الآن فلا يجوز. واختلف هل يعود الرهن في الخدمة وتباع له وقتا بعد وقت حسبما يجوز من بيعها؛ كمن ارتهن دارا فثبت أنها محبسة على من رهنها، فقيل: لا يعود حقه إلى المنفعة، لأنه إنما رهنه الرقبة. وقيل: الرهن يتعلق بمنفعتها وكرائها، لأن المنفعة كجزء منها يجوز بيعه ورهنه، فلا يبطل هذا الجزء ببطلان ما أخذ منه.

وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُكَاتَبِ، وِيُسْتَوْفَى مِنْ كِتَابَتِهِ أَو مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ عَجَزَ

يعنى: ويجوز رهن المكاتب ويستوفي المرتهن من كتابته، فإن عجز استوفى من ثمنه، وانظر هل يجري على رهن الغرر بهذا المعنى أم لا؛ لأن بيع الكتابة جائز مع أن هذا الغرر حاصل في البيع، وكل ما جاز في البيع جاز في الرهن من غير عكس، وهذا هو الظاهر.

قال أبو عمران الشوشاوي: الرهن كلها على خمسة أقسام:

- ما يجوز ملكه وبيعه في الحال والمآل؛ فلا إشكال في جواز رهنه.

- وما لا يجوز ملكه وبيعه؛ فلا إشكال في منع رهنه كالخمر والمسمومات.

-

ص: 88

وما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه كأم الولد؛ لا ترهن قولا واحدا؛ إذ فائدة الرهن بيعه عند العجز عن الوفاء.

- وما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه في الحال ويجوز في ثاني حال؛ كالمكاتب يجري على الخلاف في رهن الغرر، وهي على وجهين: إما مشترط في أصل العقد أو بعده، فإن كان بعد العقد جاز؛ لأن العقد صحيح، وأما إن كان في أصل العقد؛ إما من بيع، أو من أو من قرض. فمن قرض لا يجوز؛ لأن المعروف يقبل الغرر. ومن بيع يختلف؛ لأنه قال في الثمار والزرع قبل بدو الصلاح: يجوز، وقال في الجنين: لا يجوز.

- الخامس: ما يجوز ملكه واختلف (510/ب) في بيعه؛ كجلود الميتة بعد الدباغ، وجلود السباع قبل الدباغ. وكلاب الماشية والزرع والصيد هل يجوز رهنها أم لا؟ انتهى. والله أعلم.

وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُسْتَعَارِ لِلرَّاهِنِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ وَيَاخُذُ الْفَضْلَ ....

- يعني: ليس من شرط الرهن أن يكون مملوكا للراهن، بل يجوز له أن يرهن ما استعار، فإن أدى الراهن ما عليه من الدين رجع المستعار إلى معيرة، وإن فلس الراهن بيع الرهن وقبض المرتهن ثمنه.

- واختلف بماذا يرجع المعير على المستعير، فاختصر أبو محمد المدونة على أنه يرجع بقيمته، وكذلك روى المدونة يحيى بن عمر وغيره، واختصرها البراذغي على أن المعير يرجع على المستعير بما أدى من ثمنها عنه، وكذا وقع في بعض روايات يحيى، وهذه أصوب من الأولى، وقاله أشهب؛ أى: لأنه بإعارته كمسلف ثمنه؛ لأنه لذلك أعاره كما قالوا في الضامن يتوجه عليه غرم سلعته بسبب ضمانه: أنه يرجع بثمنها لا بقيمتها؛ لأن

ص: 89

كفالته بهذه السلعة تستلزم تسلف الثمن إن احتيج إليه، ولسحنون ثالث؛ لأنه قال: إن شاء ضمنه بقيمته يوم رهنه؛ ففهم منه التخيير.

وقول المصنف: (ويأخذ الفضل) هو من تتمة قول أشهب، وذلك أنا إذا قلنا: يرجع عليه بقيمة السلعة ويقدر أن المعير أسلف السلعة للمستعير؛ فالسلعة مبيعة على ملك المستعير، فإن بيعت بزيادة على الدين لا يختص بها المعير. وعلى قول أشهب يختص المعير بالزيادة؛ لأنه عده مسلفا لمقدار دينه من ثمن السلعة، والزيادة على ذلك لم يلتزم فيها سلفا فتبقى على ملك المعير، ولهذا قال أشهب: ولو فضلت بعد الدين فضلة بعد قضاء السلطان بالبيع والوفاء فوقفها فضاعت؛ فذلك من ربها، وليس على المستعير إلا ما قضى عنه، وكان ينبغي على قاعدة أشهب أن يضمن قيمته؛ إذ الضمان عنده ضمان أصالة، فقد تعلقت القيمة بذمة المستعير يوم قبض العارية بخلاف ما قاله هنا؛ لأنه يضمن ما أدى من الثمن.

وَإِنْ هَلَكَ اتَّبَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ، واتَّبَعَ الْمُسْتَعِيرُ الْمُرْتَهِنَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.

يعني: إذا هلكت السلعة عند المرتهن، كما كان في كل عارية ورهن؛ فيتبع المعير المستعير بقيمتها يوم قبض العارية.

ابن عبد السلام: ويتبع المستعير- وهو الراهن- المرتهن بقيمتها يوم القبض، أو يوم الهلاك، أو يوم الرهن كما سيأتي.

وفي البيان عن أشهب: أن المستعير يغرم للمعير قيمته يوم طلبه بها. قال: وفيه نظر. وإذا اتبع المستعير المرتهن فإنه يقاصه، ومن فضلت له فضلة أخذها، وإن كانت السلعة مما يغاب عليه؛ فلا ضمان على واحد منهما كما في سائر العواري والرهان.

ص: 90

ولَو رَهَنَهُ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ ضَمِنَهُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يَكُونُ رَهْناً فِيمَا أَذِنَ فِيهَ

يعني: إذا أذن له أن يرهنه في شيء فرهنه في غيره. وفرضها في المدونة فيمن أَعَرْتَهُ سلعة ليرهنا في دراهم مسماة فرهنها في طعام، فقال: أراه ضامناً لمخالفته، وذلك تَعدٍّ، ونقلها أبو محمد: ومن أعرته عبداً ليرهنه في دراهم فرهنه في طعام فهو ضامن؛ لتعديه. قال، وقال أشهب: لا ضمان عليه في العبد، ويكون رهناً في عدد الدراهم التي رضي بها السيد. وجعل المصنف قول أشهب مخالفاً تبعاً لابن زيد وغيره، وجعل ابن يونس القولين متفقين، فحمل قول ابن القاسم على ما أذا أقر المستعير للمعير بذلك، وخالفهم المرتهن ولم يشأ المعير أن يحلف، فلذلك لم يقبل اتفاق المستعير والمعير على المرتهن حتى يحلف المعير على ما ادعاه.

ابن يونس: وإذا حلف كان رهنه رهناً فيما أقر به في الدراهم، فإذا لم يحلف كان له تضمين المستعير بالتعدي.

وحمل قول أشهب على ما إذا حلف أو أقر له المرتهن بذلك، قال: فيتفق القولان.

والْغَلَّةُ لِلرَّاهِنِ

أي: أن غلة الرهن للراهن؛ لأنه على ملكه. ويسلم للراهن الغلة على المشهور، وفي المبسوط لمالك: من استرهن داراً أو عبداً قبضه أو لم يقبضه؛ فإن إجارة العبد والدار تجمع لا تصل إلى الراهن ولا إلى المرتهن حتى يفتك الرهن فيكون تبعاً للرهن، فإن كان في الدار كفاف الحق؛ كانت الإجارة للراهن. قال في البيان: وهذه الرواية شاذة ولا تعرف في المذهب.

ودليل الأول: ما رواه مالك مرسلاً وغيره مسنداً أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» .

ص: 91

وَإذَا اشْتَرَطَ الْمُرْتَهِنُ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً؛ جَازَ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْقَرْضِ لأَنَّهُ إِجَارَةٌ ....

لما ذكر أن الغلة للراهن ذكر أنه يجوز للمرتهن أن يشترط منفعة المرهون مدة معينة بشرط أن يكون ذلك في بيع، فلو كان في قرض لم يجز.

واحترز بـ (الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) من غيرها، فيمتنع للجهالة.

وقوله: (لأَنَّهُ إِجَارَةٌ) يحتمل أن يكون تعليلاً لجواز الاشتراط في البيع، أو لمنفعة في القرض.

أما بيان الأول؛ فلأن استثناء المنفعة مدة معينة يرجع إلى الإجارة فصار بائعاً لسلعته بثمن سماه، وبعمل الدابة مثلاً فلذلك جاز، لأن المشهور جواز اجتماع البيع والإجارة.

وأما بيان الثاني؛ فلأنه إذا كان إجارة، [511/أ] يلزم السلف بزيادة الإجارة.

والأقرب إلى لفظه الأول، ولأنه كذلك في الجواهر وغيرها.

وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين الحيوان وغيره، وهو اختيار ابن القاسم. وفي المدونة قال مالك رحمه الله: وإذا اشترط المرتهن منفعة الرهن؛ فإن كان الدين من قرض لم يجز، لأنه سلف جر منفعة، وإن كان من بيع وشرط منفعة الرهن زماناً مسمّى فلا بأس به في الدور والأرضين، وكرهه مالك في الثياب والحيوان؛ إذ لا يدري كيف ترجع إليه. وقال ابن القاسم: لا بأس به في الحيوان والثياب وغيرها؛ لأن ذلك إجارة.

وعن مالك أيضاً كقول ابن القاسم، وبه قال أشهب وأصبغ.

التونسي: ويأتي على قول مالك في هذه المسألة، أنه لا يجوز رهن الغرر في أصل البيع، خلاف ظاهر الروايات في المدونة وغيرها. قال في البيان: وكره مالك ذلك ولم يقل ما الحكم فيه إذا وقع، ويتخرج في ذلك أربعة أقوال:

ص: 92

الأول: أنه يفسد البيع والرهن فلا يكون أحق به من الغرماء.

والثاني: فساد البيع وصحة الرهن فيكون رهناً بالأقل من الثمن أو القيمة.

والثالث: أنه لا يفسد البيع ولا يبطل الرهن، إنما يكره ذلك ابتداءً، قال: وهو ظاهر المدونة.

والرابع: أنه يصح البيع ويبطل الرهن، فلا يكون أحق به من الغرماء.

القابسي: إنما يكره ذلك في الثياب؛ لأنها تضمن في الرهن ولا تضمن في الإجارة، فكره اجتماعهما للشك في الحكم إذا أتلفها، قال: وأما الحيوان فقد اختلف قول مالك في وجوب ضمانه على المرتهن.

وقوله في هذه المسألة يدل على قوله: إن المرتهن ضامن للحيوان. ورده في البيان بأن هذا لا يصح؛ لأن مالكاً قد بين أنه إنما يكره ذلك؛ لأنه لا يدري كيف ترجع إليه الدابة والثوب. وانظر قوله في المدونة: كرهه مالك في الثياب هل أراد التحريم، أو الكراهة على بابها؟ والذي نقل اللخمي عنه المنع.

فروع:

الأول: اختلف المتأخرون إذا ضاع الرهن المشترط منفعته وهو مما يغاب عليه؛ فقيل: يضمنه لأنه رهن. وقيل: لا يضمنه كسائر المستأجرات. وقال التونسي: ينظر إلى القدر الذي يذهب منه في الإجارة، فإن كان الثوب مثلاً ينقص باستعماله المدة المشترطة الربع، فيكون ربعه غير مضمون؛ لأنه مستأجر، وثلاثة أرباعه مضمون؛ لأنه مرتهن إن لم تقم بينة. واعترضه صاحب البيان بأنه إنما ارتهن جميعه، فإما أن يحكم له بحكم الرهن أو الإجارة، ولم يرهن بعضه ويسقط بعضه حتى يسقط عليهما، قال: والصواب أنه يغلب عليه حكم الرهن.

ص: 93

الثاني: الكلام المتقدم إنما هو إذا اشترط المنفعة في عقد البيع، وأما إن أباح له الانتفاع بعد؛ فلا يجوز في بيع ولا قرض؛ لأنه إن كان بغير عوض هدية مديان، كذا نص ابن راشد وغيره على المنع. وإن كان بعوض جرى على الكلام في مبايعة المديان، قال اللخمي.

الثالث: إذا شرط أن يأخذ الغلة من دينه؛ جاز في القرض ولا يجوز في عقد البيع، وأما بعد عقد البيع فجائز؛ إذ لا يدري أي مقدار يكثر، نص على ذلك في حريم البئر.

الرابع: حيث أجزنا اشتراط المنفعة فإنما نجيزه فيما يصح كراؤه، فلا يجوز اشتراط منفعة الأشجار؛ إذ لا يجوز كراؤها لأخذ ثمارها، إلا أن تكون ثمرتها قد طابت فيجوز اشتراطها في ذلك العام فقط.

الخامس: إذا رهنه وأذن له في الكراء وأن يقبضه من دينه ففرط في كراء ذلك حتى حل أجل الدين؛ فإن كان رب الرهن حاضراً وقد علم أنه لم يكرها ولم ينكر؛ فلا شيء على المرتهن، وإلا ففي تغريمه كراء المثل قولان لابن الماجشون وأصبغ.

فضل: وقول ابن الماجشون بالتغريم هو أصل ابن القاسم، هكذا حكى ابن راشد. وقال الباجي: إذا ترك المرتهن كراء الدار حتى حل الأجل؛ فإن كانت من الدور التي لها قدر كدور مكة ودور مصر، أو كان العبد نبيلاً؛ ارتفع ثمنه لخراجه فلم يكره فهو ضامن لأجر مثله، وإن لم يكن كبير كراء، ومثله يكري أو لا يكري لم يضمن، قاله ابن حبيب عن ابن الماجشون. وقال أصبغ: لا يضمن في الوجهين، وكذلك الوكيل على الأكرياء يترك ذلك فلا يضمن.

وَرَهْنُ فَضْلَةِ الرَّهْنِ بِرِضَا الأَوَّلِ جَائِزٌ، وحَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُ، وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ إِذَا عَلِمَ لِيَحْصُلَ الْحَوْزُ ....

يعني: إذا رهنت رهناً في دين وكانت قيمته أكثر من الدين؛ جاز لك أن ترهن الفضلة، ثم إن رهنتها من المرتهن الأول فلا إشكال، وذلك لم يتعرض له المصنف، وإن

ص: 94

كان لغيره فيشترط علم الأول، وهل يشترط رضاه بذلك؟ اشترطه في المدونة. قال في البيان: وهو المشهور. ولم يشترطه أصبغ. قال: إذ لا مضرة على الأول؛ لأنه مبدَّى قبل غيره. واختار ابن حبيب الأول؛ لأنه إنما اشترط علمه ليكون حائزاً للثاني، وكيف يكون حائزاً للثاني وهو لم يرض بذلك. ولمالك في الموَّازيَّة قول ثالث: أنه لا يجوز رهن فضلة الرهن لثانٍ إذا كان الرهن بيد المرتهن الأول، إلا أن يخرج الرهن من يد الأول؛ لأنه إنما يقبضها لنفسه. وحكى في البيان رابعاً: وهو أن الفضلة تكون رهناً ولو لم يعلم الأول، وهو قول ابن القاسم في المبسوط، وقول أشهب في الواضحة. ونقل المصنف قول أصبغ فيما إذا كان الرهن بيد المرتهن الأول، وكذا نقله صاحب [511/ب] البيان، ولم ينقله اللخمي وابن يونس إلا فيما إذا كان الرهن بيد عدل، ولذلك احتاج اللخمي أن يُخَرِّجَ قولاً بعدم اشتراط رضا المرتهن الأول إذا علم وكان الرهن تحت يده؛ مما قال مالك في المخْدِم يهب صاحبه رقبته لغير المخْدَم: أنه يجوز وإن لم يرض المخْدَم ولم يعلم.

تنبيه:

إنما يشترط رضا الأول إذا كان الرهن على يده. قال في البيان: وأما إن كان الرهن موضوعاً على يد عدل؛ فالاعتبار في ذلك إنما هو بعلمه دون علم المرتهن.

فرع:

إذا كان الرهن بيد المرتهن وهو مما يغاب عليه ورهن فضلته من غيره ثم هلك الرهن؛ ففي المدونة يضمن المرتهن مبلغ دينه وهو في الباقي أمين، ويرجع المرتهن الثاني بدينه - لأنه فضلة الرهن - على يد عدل. وقال أشهب في الموَّازيَّة: ضمانه كله من الأول، قال: ولو كان بيد الثاني لم يكن عليه ضمان؛ لأنه رهن للأول، وإنما لهذا الفضلة لو كانت.

اللخمي: وعلى أصل ابن القاسم يضمن الثاني الفضل.

ص: 95

ابن يونس: وإنما يصح ألا يضمن الأول إلا مبلغ دينه على قوله في المدونة: إذا كان أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني فضلته أو علم بالبينة أنه قائم عنده، وإلا كان ضمان الجميع منه؛ إذ قد يكون تلف الثوب قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه. وقاله بعض أصحابنا.

فَإِنْ كَانَ بِرِضَاهُ وَسَبَقَ أَجَلُ الثَّانِي قُسِمَ إِنْ أَمْكَنَ، وإِلَاّ بِيعَ وَقُضِيَا

فَرَّعَ على القول باشتراط الرضى لأنه المشهور؛ أي: فإن كان ارتهان الثاني برضا الأول وسبق أجل دين الثاني (قُسِمَ) أي: الرهن إن أمكن، وإن لم يمكن قسمه (بِيعَ) أي: الرهن (وَقُضِيَا) أي: المرتهن الأول والثاني؛ لأن الثاني إنما له الفضلة عن دين الأول، ولا إشكال إذا كان أجل الثاني مساوياً أو أبعد، ولذلك لم يتعرف المصنف له.

وقوله: (بِيعَ) أي: إذا كان فيه فضل.

ابن القاسم في العتبية: وإن لم تكن فيه فضلة لم تبع حتى يحل الأول. ولمالك من رواية أشهب في العتبية والموَّازيَّة فيمن رهن رهناً في دين إلى ستة أشهر ثم ابتاع سلعة من رجل آخر بثمن إلى ستة أشهر ورهنه فضلة الأول على أن الأول مبدَّى عليه فحل أجل الآخر، فقال مالك: أَعَلِمَ الآخرُ أن دين الأول إلى ستة أشهر؟ قيل: لا، قال: أرى أن يباع الرهن فيجعل للأول حقه كله قبل محله ويعطى الثاني من دينه ما فضل.

ابن المواز: وقاله أشهب. وقال: هذا إذا بيع بعين أو بما يقضي بمثله وحق الأول مثله، وأما إن بيع بعرض؛ فإن كان مثل الذي عليه، أو بيع بدنانير وله عليه دراهم، أو بيع بطعام مخالف لما عليه؛ فإنه يوضع له رهن إلى حلول حقه. وقال سحنون في المجموعة: سواء علم الأول أن حق الثاني يحل قبله أو لم يعلم، فإنه إن بيع بمثل دينه فليعجل له. وقال في موضع آخر: إلا أن يكون حقه من طعام فيأبى أن يعجله فذلك له.

ص: 96

التونسي: وقول مالك: "أَعَلِمَ" يحتمل لو علم لم يجز البيع؛ لأنه باع من الثاني على أن يعجل للأول حقه فيصير بيعاً وسلفاً؛ لأنه لما رهنه فضلة الرهن والأول إلى ستة أشهر، لم يقدر على بيع الرهن إلا أن يتعجل دين الأول.

واستشكل قول أشهب هذا إذا بيع بعين أو بما يقضي بمثله، فإن ظاهره أن الدين الأول كان من بيع ولم يكن من قرض، ألا ترى إلى قوله بعد هذا:(فَإِنْ بِيعَ بِعَرْضٍ) فهذا دليل على أن ذلك الدين مما يقضى بمثله وكان دينه من بيع، وأنه جعل له تعجيله، وهذا قول غير معروف. ثم قال: وفي بيع الرهن بالطعام والعروض اعتراض، وكيف يصح أن يباع بعروض أو طعام، ويجب أن ينقض إذا بيع بخلاف العين. فقال: فهذه مسألة جرت كلها على أمر مشكل.

وِلِوْ رَهَنَهُ رَهْناً فِي قَرْضٍ جَدِيدٍ مَعَ الْقَدِيمِ فَسَدَ وَلَمْ يَكُنْ رَهْناً إِلا فِي الْجَدِيدِ

مثاله: لو أسلف أولاً مائة بلا رهن ثم أسلف مائة أخرى وأعطاه بها وبالأخرى رهناً، وفي معناه أن تكون المائة الأولى من بيع.

وقوله: (الْقَدِيمِ) ظاهره القرض القديم؛ فلا يصدق إلا على الصورة الأولى، ويحتمل الدين القديم فيعم.

قوله: (فَسَدَ) أي: الرهن في الدين القديم، هذا ظاهر لفظه، ويحتمل فساد القرض وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ومقتضى كلامه في الجواهر: أنه لو اطلعنا على ذلك قبل قيام الغرماء لرددنا الرهن. ولا يؤخذ ذلك من كلام المصنف.

وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ رَهْناً إِلا فِي الْجَدِيدِ) هو مذهب المدونة، وحكى ابن المواز قولاً آخر: أنه يبطل نصف الرهن ويبقى نصفه رهناً بالمائة الأخرى، ووجه ابن المواز الأول: بأنه بمنزلة رهن سلعتين فاستحقت إحداهما، فإن الثانية رهن بالجميع، وكالمرأة تأخذ

ص: 97

رهناً بالصداق ثم تطلق قبل البناء؛ فجميعه رهن بنصفه. وظاهر كلامه: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الأول رهناً أو لا، وهو مذهب المدونة. ونقل اللخمي عن مالك أنه قال: لا خير فيه. وقيد محمد ما أجازه مالك بما إذا كان فيه وفاء، وأما إذا لم يكون فيه وفاء؛ فلا يجوز.

وألحق بعضهم بذلك إذا كان الأول يفسد بيعه، أو لم يكن مأموناً في عدم الجواز.

اللخمي: والأول أحسن؛ لأن الطالب لا يزيد قرضاً ليزيده رهناً إلا لأمر يتخوفه. وقيد [512/أ] ابن المواز المدونة: بأن يكون الأول مؤجلاً، قال: وأما إن كان الأول حالاً؛ فذلك جائز، إلا أن يكون الأول عديماً.

ابن المواز: ويجوز عندي وإن كان عديماً إذا كان الرهن له ما لم يكون عليه دين أحاط به؛ لأنه إذا كان الأول حالاًّ فالتأخير به كسلف ثانٍ، فيصير تأخيره الأول وإنشاء الثاني كسلف واحد نشأ الآن، إلا أن يكون عديماً؛ أي: لأنه حينئذ لا يتمكن رب الدين من قبض فلا يكون تأخيره حينئذٍ كابتداء سلف؛ لأن الحكم يوجب تأخيره، فإن كان الرهن له فهو كالملي، وإن كان عليه دين أحاط به؛ فإنه حينئذٍ يخشى قيام الغرماء عليه فيحاصونه، فإذا رهنه ذلك اختص هو بدينه فجعلت له المنفعة بسبب السلف.

وَلا تَنْدَرِجُ الثِّمَارُ مَوْجُودَةً أَوْ مَعْدُومَةً إِلا بالشَّرْطِ

يعني: إذا رهنه الراهن وأطلق؛ فإن ثمرته لا تدخل في الرهن، سواء كانت موجودة حين الرهن أم لا، وهذا هو المشهور، وعن مالك أنها لم تدخل، فإن اشترطت دخلت اتفاقاً إذا كان الدين من بيع، وكذلك القرض على المشهور. وروى ابن نافع: أنه لا يجوز اشتراط اندراجها فيه.

واختلف المتأخرون هل تدخل الثمرة إذا تناهت ويبست قياساً على ما قاله ابن القاسم في الصوف المستجز وإليه ذهب بعض القرويين، أو لا تدخل؟ والفرق بينهما: أن

ص: 98

الثمرة تترك لتزداد طيباً فهي غلة لم يرهنها، والصوف لا فائدة في بقائه فكان سكوته عنه دليلاً على إدخاله في الرهن. ونص ابن القاسم على أن الثمرة لا تدخل وإن أزهت، وإن ارتهن نحلاً فالعسل للراهن مثل الثمرة.

أبو محمد: يريد ولا يكون رهناً.

وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ وَخَرَاجُهُ

أي: فلا يدخل ماله إلا بشرط، وحكى في الاستذكار أن ذلك لا يدخل في الرهن عند الجميع. وقال في المقدمات: وروي عن مالك أن الغلة سواء كانت متولدة عنه كثمرة المخلة ولبن الغنم وصوفها، أو غير متولدة عنه ككراء الدور وخراج العبد؛ داخلة في الرهن. قال مالك في العتبية والمجموعة: ويجوز رهن ماله مفرداً، معلوماً كان أو مجهولاً؛ أي: لأن رهن الغرر جائز.

قال في المدونة: ولا يكون ما وهب للعبد رهناً.

أشهب في المجموعة: ولو كان ماله مشترطاً، بخلاف ما ربح في ماله المشترط؛ فإن رهن كالأصل، كما أن من أوصى بوصايا فلا تدخل فيما لم يعلم من ماله، وتدخل فيما علم به، وفي أرباح ما علم.

ابن يونس: يريد ربح فيه قبل موته أو بعده.

وقال بعضهم: الأشبه في المستثنى ماله أن يكون ما وهب له يدخل في الرهن كالمبيع بخيار يشترط المشتري ماله.

مالك: وأرش جراح العبد للمرتهن.

وَتَنْدَرِجُ الأَجِنَّةُ

قال في الجلال: وكذلك فراخ النخل والشجر.

ص: 99

مالك في الموَّازيَّة: ولو اشترط أن الأمة رهن دون ما تلده لم يجز.

ابن شعبان: ومن ارتهن عبداً فولد العبد من أمته رُهِنَ مع أبيه دون أمه، وكذلك تندرج الزيادة غير المتميزة؛ كسمن الدابة والجارية، وكبر الصغير بالإجماع، وعلى هذا فتندرج الزيادة إن لم تتميز وأشبهت الأصل كالولد، ولا تندرج إن لم تكن كذلك.

وَفِي الصُّوفِ الْمُسْتَجَزِّ قَوْلانِ

يعني: أن الصوف إن لم يتم يوم عقد الرهن فهو للراهن كاللبن وغيره من الغلات، وإن كان تاماً، وهو مراده بـ (الْمُسْتَجَزِّ) فقال ابن القاسم في المدونة: تدخل كالبيع. وقال أشهب: لا تدخل؛ لأن الصوف التام غلة لا يرده المشتري في الرد بالعيب.

وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ: أَنْ يِكُونَ دَيْناً فِي الذِّمَّةِ لازِماً أَوْ صَائِراً إِلَى اللُّزُومِ ويُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ ....

يعني: شرط المرهون به أن يكون مركباً من أربعة أجزاء:

أولها: أن يكون ديناً، احترز به من الأمانة، فلا يجوز أن يدفع قراضاً ويأخذ به رهناً.

ثانيها: أن يكون في الذمة. احترز به من المعينات أو منفعتها فإنها ليست في الذمة؛ لأن الذمة لا تقبل الأشياء المعينة.

ثالثها: أن يكون لازماً أو صائراً إلى اللزوم، واحترز باللزوم من دين الكتابة، فإنه غير لازم؛ لأنه إذا عجز المكاتب يرجع رقيقاً. وقال:(أَوْ صَائِراً إِلَى اللُّزُومِ) ليدخل الجعل؛ فإنه عقد غير لازم، ولكنه يلزم بالشروع في العمل.

رابعها: أن يمكن استيفاؤها من الرهن، احترز به مما يتعذر استيفاؤه من الرهن؛ لكونه لا يحل بيعه كمنافع المعينات.

ابن راشد وابن عبد السلام: الظاهر أن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه قدم ما يغني عنه في شرط الرهن.

ص: 100

فَلا رَهْنَ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ

أدخل الفاء لكونها كالنتيجة عما قبله، وما ذكره المصنف من عدم الرهن في نجوم الكتابة نحوه في ابن شاس، وهو محمول على ما إذا أعطي أجنبي رهناً بكتابة مكاتب فإن ذلك لا يجوز، قاله في المدونة وغيرها؛ لأن دفع الأجنبي الرهن إنما يتصور إذا تحمل الأجنبي الكتابة، والحمالة بها لا تصح كما سيتبين لك إن شاء الله في محله. وإن كان المكتاب رهن رهناً في كتابته فإن ذلك جائز، نص عليه في المدونة.

وَلا فِي عَيْنٍ وَلا فِي مَنَافِعِ عَيْنٍ

يعني: ولا رهن في عين، وهو ظاهر في ذلك؛ لأن المقصود من الرهن التوثق ليستوفي منه ما يطلب به، ولا يمكن أن يستوفي المعين أو منفعته من الرهن أو ثمنه.

وَالرَّهْنُ فِي الْعَارِيَةِ لِضَمَانِ الْقِيمَةِ لا لِلْعَيْنِ، ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَ مِا يُغَابُ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ ....

هذا جواب عن سؤال مقدر، لأنه لما قال: لا يصح في معين؛ كأن قائلاً قال: هذا لا يصح؛ لأنه يجوز لمن أعار معيناً أن يأخذ عنه رهناً، فأجاب بأن الرهن المأخوذ في العارية إنما هو لقيمته على تقدير هلاكه، ولأجل أن الرهن إنما هو للقيمة لم يصح دفع [512/ب] الرهن إلا فيما يغاب عليه؛ لأنه هو الذي يضمن في العواري، لا فيما لا يغاب عليه؛ لأنه لا تلزمه قيمته إذا تلف.

وَيَجُوزُ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ أَو يَبِيعَهُ أَوْ يَعْمَلَ لَهْ، وَيَكُونُ بِقَبْضِهِ الأَوَّلِ رَهْناً

يعني: ليس من شرط الرهن أن يصادف ديناً سابقاً، بل يصح قبضه مع الدين وقبله، ففي المدونة: وإذا دفعت إلى رجل رهناً بكل ما اقترض فلان جاز ذلك. قال في النكت:

ص: 101

ويكون رهناً بما داينه من قليل وكثير ما لم يجاوز قيمة الرهن، ولا يراعي ما يشبه، بخلاف مسألة كتاب الحمالة إذا قال: دَايِنْهُ وَأَنَا ضَامِنٌ؛ لأن الأول قد يبين بالرهن ما يقرضه.

ابن عبد السلام: فأشاء إلى أن الحميل في الحمالة يلزمه كل ما وقعت به المداينة، سواء كانت تشبه أو لا. وقال غيره: إن قول غير ابن القاسم فيها مُقَيِّدٌ لقول مالك، وأنها كمسألة الرهن لا يلزم الحميل إلا ما يشبه من المداينة.

وقوله: (أَوْ يَعْمَلَ لَهْ) يعني: هو أو من يكريه ليكون المال متعلقاً بالذمة، لا هو بخصوصيته؛ لِمَا تقدم أنه لا يصح الرهن في منافع معين، ويصح حمل كلامه على المعنى أيضاً، بمعنى أن المكري يأخذ الرهن بالأجرة التي دفع إلى المعير على تقدير موت الأجير ومرضه.

قوله: (وَيَكُونُ بِقَبْضِهِ الأَوَّلِ رَهْناً) يعني: إذا دفع الرهن قبل الدين كان الرهن بقبضه الأول رهناً، ولا يحتاج إلى تجديد قبض بعد أخذ الدين.

فرع:

قال في الجواهر: ولو شرط رهناً في بيع فاسد فظن لزوم القضاء به ورهن فله الرجوع فيه، وكما لو ظن أن عليه ديناً فأداه ثم تبين أنه لا دين عليه فإنه يسترده.

فَإِن شَرَطَ رَهْنَ السِّلْعَةِ فِي ثَمَنِهَا الْمُؤَجَّلِ ولَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ وشِبْهِهِ جَازَ

المازري: ان اشترط وضع المبيع على يد أجنبي غير البائع؛ جاز في المشهور عندنا. وقال ابن المواز: لا يجوز ذلك، وظاهره الكراهة. ومنعه ابن الجلاب في الحيوان خاصة ولم يقيد اشتراط ذلك بيد البائع أو بيد أمين. وإن اشترط بقاءه رهناً في يد البائع فثلاثة أقوال: منعه مالك في الموَّازيَّة مطلقاً، وأجازه ابن القصار مطلقاً، وأجازه أصبغ في العقار وما يؤمن عليه ومنعه في الحيوان.

ص: 102

المازري: وقيد بعض الأشياخ الخلاف بما إذا لم يشترط فيه أجل بعيد، وأما إذا اشترط فيه أجل بعيد فإنه يمتنع اتفاقاً. وبعض الأشياخ أطلق الخلاف من غير تعرض لذكر قرب أجل الرهن وبعده. انتهى.

فقول المصنف: (ولَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ) يأتي على ما في الجلاب، ولعل المصنف يريد بـ (شِبْهِهِ) الطعام؛ لأنه يسرع إليه التغير. فانظر هل توجد لفظة (وَشِبْهِهِ) في الرواية.

ابن عبد السلام: وإذا لم يُمَكِّن البائعُ المشتري من قبض السلعة وَحَبَسَها في ثمنها؛ ففي انتقال ضمانها إلى المشتري ثلاثة أقوال، والمشهور أنها تضمن ضمان الرهان.

وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ

يعني: من باع سلعة بثمن مؤجل على شرط أن يأخذ رهناً به، فإن كان الرهن المشترط غير معين وأبى المشتري من دفعه؛ خُيِّرَ البائع وشبهه من وارث وموهوب له في فسخ البيع وإمضائه بلا رهن، وهكذا قال ابن الجلاب مقتصراً عليه، والذي نقله ابن المواز عن أشهب ونقله اللخمي وابن راشد وغيرهم: أنه يجبر على دفع رهن يكون فيه النقد باعتبار الدين.

ابن عبد السلام: وهو المذهب، واختلف المتأخرون هل يسجن أم لا؟ والصواب أنه يسجن.

اللخمي: وعلى المشهور فإن يعطى الصنف المعتاد، والعادة في الحواضر أن يرهن ما يغاب عليه من الثياب والحلي وما لا يغاب عليه كالديار وشبهها، فليس العادة العبيد والدواب، وليس على المرتهن قبول ذلك وإن كان أخف عليه؛ لتصديقه في تقله؛ لأن في حفظه كلفة ومشقة، وإن أحب أن يعطي ثياباً وامتنع المرتهن لأنه مما يضمنه، أو أحب الراهن أن يعطي داراً وامتنع المرتهن وأحب ما ينفصل به ويكون تحت غلقه فالقول قول الراهن؛ لأن كل ذلك رهن. ويحمل كلام المصنف على أن المبتاع لم يجد شيئاً، وأما إن وجد فيجبر على ما جرت العادة بدفعه.

ص: 103

وَيَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلا يَتِمُّ إِلا بِه

يعني: يصح الرهن ويلزم بالقول، لكن لا يختص المرتهن به على الغرماء إلا بقبضه، وهذا معنى قوله:(وَلا يَتِمُّ إِلا بِه). ونقل المازري عن أبي حنيفة والشافعي: أنه لا يلزم إلا بالقبض، ودليلنا قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[المائدة: 1] وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم» . وتنازع الجميع في فهم قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ)[البقرة: 283] هل المراد المقبوضة بعد عقد الرهن وهو قول مالك، ويعضده أنه أثبت لها حكم الرهان قبل القبض، أو المراد أن الرهن هو المقبوض وهو قول أبي حنيفة والشافعي؟

وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُعَيَّناً

هذا قسيم قوله: (وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) أي: فإن كان معيناً، كما لو قال: أرهنك هذا الثوب. والأحسن بطريق المصنف تقديم هذه المسألة على قوله: (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلا يَتِمُّ إِلا بِه).

فَإِنْ تَرَاخَى الْقَبْضُ إِلَى الْفَلَسِ أَوِ الْمَوْتِ بَطَلَ اتِّفَاقاً، ولَوْ كَانَ مُجِداًّ عَلَى الأَشْهَرِ

أي: فإن تأخر القبض، وكذا وقع القبض ملفوظاً به في بعض النسخ.

قوله: (إِلَى الْفَلَسِ أَوِ الْمَوْتِ) فإن كان ذلك بتراخ من المرتهن ولو شاء أخذه قبل ذلك؛ بطل الرهن بالاتفاق.

ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يكون مجمعاً عليه وإن لم يتراخ، بل كان جادّاً في الطلب حتى فلس الراهن أو مات؛ ففي الجواهر: ظاهر الكتاب [513/أ] أنه لا يكون أحق؛ لقوله: إذا لم يقبض المرتهن حتى مات الراهن أو فلس كان أسوة الغرماء. فأطلق الجواب فيه.

ص: 104

وقال القاضي أبو محمد: حقه ثابت؛ لأنه لم يفرط.

ابن راشد: وفي كلامه في الجواهر نظر؛ لأنه لم يتعرض لكونه مجدّاً، ويحتمل أن لو سئل عن ذلك لأجاب بالصحة. وشهر المصنف البطلان لكونه ظاهر المدونة كما قال ابن شاس، وحكى اللخمي والمازري القولين إذا كان جادّاً ولم يعينا مشهوراً.

فإن قلت: ما الفرق على ما شهره المصنف هنا وبين الهبة إذا مات الواهب والموهوب له جاد في الطلب وفي تزكية الشهود؛ أن ذلك حوز عند ابن القاسم خلافاً ِلأشهب؟

قيل: لأن الرهن لما كان لم يخرج من ملك راهنه لم يكتف بالجد في الطلب، بخلاف الموهوب فإنه خرج عن ملك راهنه، والله أعلم.

وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ

لما ذكر أنه لا يتم إلا بالقبض بيَّن أن القبض هنا كما قدمه في قبض المبيع، أي: فقبض المكيل بالكيل والموزون بالوزن والمعدود بالعدد، وفي اعتبار مقدار المناولة قولان، وفي العقار التخلية وفي غيرهما العرف.

ويحتمل أن يريد بقوله: (وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ) خصوصية المكيل والموزون والمعدود، وعلى كلا الاحتمالين ففي كلامه نظر؛ أما على الثاني فلأن كلامه حينئذ يكون تعرض لكيفية القبض في العقار والعروض ولا ينبغي إهمال ذلك، وأما على الأول فإن ظاهر كلامه مساواة القبض فيه للبيع، والذي يؤخذ من كلامهم أنه لا بد هنا من زيادة على قبض المبيع، فقد قال ابن عبد السلام: إِنَّ تخلي الراهن عن العقار لا يكون رهناً كافياً، بل لا بد مع ذلك من شيء آخر وهو غلق المرتهن على ما يكون ذلك فيه. وقال المازري: إن كان الرهن ما ينتقل كالثوب والعبد فَقَبْضُهُ بنقله من حيازة الراهن ومكانه إلى مكان المرتهن، وهذا لا يشترط في البيع. ونص اللخمي وغيره على أن قبض الرهن إذا كان

ص: 105

عقاراً بالتسليم والإشهاد، إلا دَارَ سكناه فيشترط فيه في الرهن خروجه وإخلاؤه من شواغله. قال: وإن لم يخله وحال المرتهن بينه وبين التصرف فيه جاز. وقال المازري: إن كان الرهن مما لا ينتقل كالدار فالقبض فيه رفع يد الراهن وتفريغ ذلك من شواغل الراهن، وإن كان مغلقاً خالياً كان مفتاح ما يعلق به بيد المرتهن، وإن كان أرضاً لا تقفل ولا شَاغِلَ فيها للراهن كفى فيها الإشهاد والذب عنها إلى المرتهن.

فإن قلت: كلام المازري يدل على أنه لا بد من إزالة الشواغل. قيل: يحمل كلامه على دار سكناه ليوافق كلام اللخمي، فإن كان في كراء بغير وجيبة فحوزه أن يجمع بينه وبين المرتهن ويقبض الكراء المرتهن أو من يرضيان به.

واختلف إذا كان الكراء وجيبة؛ فحوزه أن يجمع بينه به، وقد قبض كراءه أو لم يقبض، هل يصح فيه حوز أو لا، وإن كان فيه طعام مختزن فسلم مفتاحه إليه أو إلى أمين جاز. انتهى.

وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ

لما قدم المصنف أنه يصح رهن الدين تكلم هنا على حوزه، ولم يتعرض المصنف للوثيقة التي فيها ذكر الحق، وكأنه إنما تكلم على ما لا بد منه، لأن الوثيقة قد لا تكون. قال في الجواهر: وأما الدين فبتسليم ذكر الحق، والإشهاد والجمع بين الغريمين إن كان على غير المرتهن، ويكفي الاقتصار على الجمع بينهما والإشهاد إن لم يكن ذكر حق، ويتقدم إليه بحضرة البينة ألا يقبضه إياه حتى يصل إلى حقه. وكذلك قال اللخمي: حيازة الدين أن يأخذ المرتهن ذكر الحق، أو يجمع بينه وبين الغريم ويتقدم إليه بحضرة البينة، ألا يقضيه أياه حتى يصل إلى حقه، فإن فعل ذلك متعدياً أغرم الدين ثانياً، لأنه أتلفه على المرتهن إلا أن يكون حقه أقل، فإن كان الغريم غائباً ولا وثيقة فالإشهاد يجزئ،

ص: 106

وفيه خلاف. وظاهر كلامهما: أنه لا بد من حيازة الدين في هذه الثلاثة، وقول اللخمي: وإن كان الغريم غائباً ولا وثيقة فالإشهاد يجزئ، وفيه خلاف. لعله يشير بذلك إلى ما حكاه الباجي أنه قال، قال مالك: إن كان للدين وثيقة فحيازته أن تدفع الوثيقة إليه ويكون أحق في الفلس والموت، وإن لم يكن للدين ذكر حق، فقال ابن القاسم أيضاً: لا يجوز إلا أن يجمع بينهما، وهو ظاهر قول مالك في الموَّازيَّة. انتهى.

اللخمي: وليس على الراهن أن يدفع ذكر الحق للمرتهن إذا كان الدين عليه، لأنه يخشى أن يجحده فيتلف حقه، لأن قبض المرتهن للكتاب إنما هو ليقبض به، والمرتهن مستغن عن ذلك.

وَقَبْضُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ وَالْبَاقِي لِغَيْرِ الرَّاهِنِ إِنْ كَانَ عَقَاراً جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي إِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ لا بِمَا فِيهِ لِلرَّاهِنِ حَقٌّ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.

يعني: إذا كان للراهن جزء مشاع في شيء وباقي ذلك الشيء لغيره، فإذا قبض المرتهن ذلك الجزء وحل محل الراهن؛ فإن كان المرهون عقاراً صح الرهن وتم باتفاق، وقد تقدم أول هذا التقييد أنه قد استقرئ من كلام المصنف إذا حكى الاتفاق، فإنما يريد اتفاق أهل المذهب بخلاف الإجماع.

ابن عبد السلام: حكى المصنف الاتفاق لكونه لم يطلع على الرواية التي في المذهب بمنع رهن المشاع.

خليل: وقد يقال: هذا لا يرد؛ لأن كلام المصنف إنما هو في كيفية القبض، وذلك مستلزم لصحة الرهن ابتداء، فكأنه يقول: اتفق القائلون برهن المشاع على هذا، والله أعلم.

وإن كان غير عقار؛ حيواناً أو عروضاً، فقال ابن القاسم في المدونة: هو كالعقار. وقال أشهب وعبد الملك: لا بد من قبض المرتهن الجميع أو جعله بيد الشريك أو بيد غيرهما، هكذا نقل اللخمي وابن يونس قول أشهب، فوجه قول ابن القاسم القياس على العقار.

ص: 107

المازري: ووجه قول أشهب وعبد الملك أن الحوز إنما صح في الرباع لأن نقلها لا يمكن، فصار المقدور عليه في قدرة الخلق رفع يد الراهن عن نصيبه، وكون يد المرتهن يحل محله، وأما ما ينقل ويزال؛ فإنه يمكن فيه أن ينقله عن مكان إلى [513/ب] مكان، وهكذا المعتاد فيه وفي قبضه فطلب في الحوز أعلى درجاته، وهي نقله من مكان إلى مكان ينفرد به المرتهن.

اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن.

ابن عبد السلام: والظاهر أنه لا فرق بين العقار وغيره.

والضميران المجروران في كلام المصنف بغير والباء عائدان على العقار وذلك واضح.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لا يِسْتَاذِنُ الشَّرِيكُ ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ، وَعَلَى الآخَرِ: فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ فَيَتَأَخَّرُ التَّسْلِيمُ قَوْلانِ ....

أي: وعلى قول المشهور، أي: قول ابن القاسم؛ كمن له نصف ثوب أو حيوان رهنه، ولا يستأذن الشريك الذي لم يرهن؛ لأن الشريط يتصرف مع المرتهن، وله -أي: للشريك الذي لم يرهن -أن يقسم الشرك إن كان مما يقبل القسمة، وله بيع ما نابه ويسلمه للشريك، ولا يمنعه رهن الشريك من ذلك، لأن الرهن لا يتعلق بحصته، وعلى قول أشهب لا يكون أحد الشريكين أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه، لأن المرتهن على قوله يحتاج إلى حيازة الجميع، ولهذا قال في الموَّازيَّة: من كان له نصف عبد أو دابة أو ما ينقل كالثوب والسيف؛ لم يجز أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه، وكذلك ما لا ينقسم، لأن ذلك يمنع صاحبه بيع نصيبه، فإن لم يأذن له انتقض الرهن.

خليل: وينبغي أن يستأذنه أيضاً على قول ابن القاسم؛ لأن الشريك الذي لم يرهن نصيبه قد يدعو إلى بيع الجميع لأجل ما عليه في بيع نصيبه مفرداً من الجنس، فإذا دعا إلى ذلك

ص: 108

مُكِّنَ منه لكونه من حقه، فيؤدي إلى بيع النصيب المرتهن فينقل حكم المرتهن من الرهن إلى حكم آخر، ومن حق المرتهن أن يتوثق في الرهن حتى لا يكون لأحد فيه حق في إزالة يده عن الرهن إلا بعد قضاء الدين الذي هو رهن به، فإذا استؤذن الشريك الذي لم يرهن لم يكن له أن يدعو إلى المفاصلة وبيع الجميع حتى يحل أجل الدين ويقبض المرتهن حقه.

ثم فرع المصنف على قول أشهب بقوله: (وَعَلَى الآخَرِ: فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ

إلخ).

أي: إذا أذن على قوله أشهب، وقلنا: إنه يمنع من دعوى المفاصلة، فلو أراد بيع نصيبه على أن يقبض إلى أجل الدين وهو أجل بعيد لا يجوز بيع المعينات على أن يقبض إليه على قولين المنسوب لأشهب الجواز.

المازري: وهو أشهرهما. وقال ابن ميسر بالمنع قياساً على بيع الغائب، ورأى أشهب أنه لما كان للمشتري هنا الانتفاع في أكثر الأشيء وإنما منع من دعواه إلى بيع الجميع، فقد ناسب أن يقال هنا بالجواز دون المعين الذي يتأخر قبضه، فإنه إنما يدخل في قبض المشتري بعد ذلك الأجل المشترط وهو غرر؛ إذ لا يدري هل يبقى إلى ذلك الأجل أم لا، ولهذا الذي أشرنا إليه قال أشهب: ضمان هذا المبيع في هذه المسألة من المشتري دون الغائب كالمواضعة. وهكذا قال التونسي في كلامه على الموَّازيَّة. التونسي والمازري وابن زرقون: وإذا وجب الضمان على المشتري فيجب عليه أن ينقد الثمن للبائع، واعترض الباجي قول أشهب بأن ذلك يمنع صاحبه بيع نصيبه، فقال: هذا عندي لا يمنع ما ذكر؛ لأن ذلك لا يمنع من بيع نصيبه إن شاء أن يفرده بالبيع أو يدعو الراهن إلى البيع معه، فإن باعه بغير جنس الدين كان الثمن رهناً، وإن كان بجنسه قضى منه الدين إن لم يأت برهن بدلاً منه.

ابن عبد السلام: وظاهر كلام أشهب أنه لا يحتاج إلى إذن الشريك في الربع، وإن كان مما تمكن قسمته. وهذا معنى كلامه، والصواب عندي ما قاله الباجي.

ص: 109

وَإِذَا كَانَ الْبَاقِي لِلرَّاهِنِ فَيُقْبَضُ الْجَمِيعُ. وَقِيلَ: إِلا فِي الْعَقَارِ فَكَالأَجْنَبِيِّ

أي: وإن رهن نصف ثوب أو دار ونحو ذلك وكان النصف الآخر للراهن؛ لم يصح حوز ذلك إلا أن يحوز المرتهن جميع ذلك، سواء كان عقاراً أو غيره على المشهور، والقول بأنه يكفي في العقار حوز البعض في الموَّازيَّة.

ابن عبد السلام: والقولان منسوبان للمدونة، وليس فيها عندي بيان لهما، والظاهر لا فرق بين العقار وغيره، والمذهب في الهبة أن الموهوب له يحل في الجزء الموهوب محل الواهب، سواء كان الباقي للواهب أو لغيره، وبذلك استدل للقول بأنه حيازة، وفرق للأول بأن الحيازة في الرهن أشد منها في الهبة؛ لما تقدمت الإشارة إليه من قوة ملك الراهن دون الواهب.

ابن راشد: ألا ترى أن الهبة إذا رجعت إلى يد الواهب بعد طول المدة لم تبطل بخلاف الرهن.

تنبيهان:

الأول: قوله: (وَالْبَاقِي لِلرَّاهِنِ) ظاهره أن جميع الباقي للراهن، وليس ذلك بشرط في المسألة، بل وكذلك إذا كان له حصة أخرى لم يرهنها، والله أعلم.

الثاني: خصص المصنف الخلاف بما إذا كان جميعه للراهن بالعقار، وهي طريق أكثر الشيوخ، ولم يحكوا في غير العقار خلافاً أنه لا بد من حوز الجميع، وحكى اللخمي الخلاف في غير العقار أيضاً.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لا يُمَكَّنُ مَنْ قَبَضَ فِي اسْتِئْجَارِ جُزْءٍ غَيْرِهِ، ويَقْسِمُ أَو يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ ....

يعني: وعلى المشهور وهو قول ابن القاسم أنه لا يشترط في غير العقار أن يحوز المرتهن الجميع، بل يكفي أن يحل محل الراهن، فلا يمكن الراهن إذا استأجر نصيب شريكه من قبض أجرة ذلك النصيب لأجل أنه تجول يده فيما اكتراه وفيما رهنه، فيبطل

ص: 110

حق المرتهن، فإذا استأجره صحت الإجارة وقسم بينهما أو يقبض له المرتهن، وفهم من كلامه صحة الإجارة، ونص في المدونة وغيرها على أنه لا يمنع من الإجارة ابتداء. وقال: على المشهور؛ لأنه على قول أشهب لا يتأتى هذا.

تنبيهان:

الأول: يفهم من كلام المصنف أنه لا يمكن في العقار من قبض في استئجار جزء غيره على قول ابن القاسم وأشهب، ولعل المصنف لما رأى أن [514/أ] نصه على غير العقار يستلزم معرفته في العقار بخلاف العكس؛ فإنه لا يفهم من ذلك إلا بتأمل اقتصر على بيان الحكم في غير العقار.

الثاني: لا فرق بين قسمة الرقاب والمنافع في تصحيح الرهن، قاله اللخمي.

ولَوْ كَانَ الشَّرِيكُ أَمِينَهُمَا ثُمَّ رَهَنَ حِصَّتَهُ وَجَعَلا الأَوَّلَ أَمِينَهُمَا بَطَلَ حَوْزُ الْحِصَّتَيْنِ ....

يعني: إذا كانت دار أو غيرها شركة بين اثنين، فرهن أحدهما حصة من شخص وجعل الراهن والمرتهن الشريك أمينهما، ثم رهن أيضاً الأمين حصته لمرتهن الحصة الأولى وجعل الراهن الأول أمينهما؛ بطل حوز الحصتين، لأن الرهن صار بيد الراهن الأول والثاني.

وما ذكره المصنف ذكر ابن المواز أنه سمعه من أصحاب مالك. محمد: ولو جعلا نصيب الثاني على يد أجنبي أو يد المرتهن بطلت حصة الثاني فقط، يريد لأنه حائز لنصيب الراهن الأول، فيبقى ذلك في يده وهو مشاع، فيبطل ما ارتهنه.

التونسي والمازري وغيرهما: وهذا إنما ينبني على أحد القولين فيمن رهن نصف داره من رجل وبقي الراهن يحوز مع المرتهن؛ أن ذلك يمنع من صحة حوز الرهن، وأما على

ص: 111

القول بصحة هذا الحوز؛ فلا يبطل رهن الباقي، وإن كانت يد الراهن باقية على نصيب شريكه، وهو تخريج ظاهر؛ لأن قصارى أمره أن يكون بمنزلة ما لو كان الجميع له، ولا إشكال في صحة الرهن الأول، لأنه لا نظر له في شيء من الدار.

وَالْحَوْزُ الْمُتَقَدِّمُ لِغَيْرِ الرَّهْنِ كَالْمُتَأَخِّرِ لا يَكُونُ حَوْزاً عَلَى الأَصَحِّ

قد تقدم أنه يصح رهن المساقي والمستأجر، وتكلم المصنف هنا على حوز ذلك، والأصح لابن القاسم؛ ففي المجموعة: مذهب ابن القاسم أنه يجوز للرجل أن يرهن ما هو بيده بإجارة أو مساقاة ويكون ذلك حوزاً للمرتهن، مثل الذي يخدم العبد ثم يتصدق به على آخر بعد ذلك، فيكون حوز المخدم حوزاً للمتصدق عليه، ومقابله لمالك في الموَّازيَّة: أن من اكترى عبداً أو داراً سنة أو أخذ حائطاً مساقاة ثم ارتهن شيئاً من ذلك قبل فراغ أجله، فلا يكون حوزاً للرهن؛ لأنه محوز قبل ذلك بوجه آخر. قيل له: ما الفرق بين هذا وفضلة الرهن وقد تقدم فيه حوز الأول؟ قال: هذا محوز عن صاحبه والأول هو باسم صاحبه في المساقاة والكراء.

ابن المواز: هذا محوز له والرهن محوز عنه، فهما وجهان.

ابن عبد السلام: وهو فرق جلي يظهر صوابه إثر تصوره، وإن كان ابن يونس لم يرتضه.

وقال: إنهما سواء. ولابن الماجشون نحو ما في الموَّازيَّة، وتصحيح المصنف موافق لاختيار ابن يونس.

وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مُكَاتَبَ الرَّاهِنِ فِي قَبْضِهِ، بِخِلافِ عَبْدِهِ ومُسْتَوْلَدَتِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ

يعني: ويجوز للمرتهن أن يوكل مكاتب الراهن في قبض الرهن، لأنه قد أحرز نفسه وماله، بخلاف العبد والمستولدة، فإن للسيد انتزاع مالهما، فما تحت أيديهما بمنزلة ما هو تحت يده، وكذلك له النظر التام في مال ولده الصغير، وفي معناه الكبير السفيه، ولا

ص: 112

خلاف في ذلك، واختلاف في الابن المالك لأمره البائن عن أبيه. فقال ابن القاسم: لا ينبغي ذلك ويفسخ. وقال سحنون: ذلك جائز. وقاله ابن الماجشون في البنت والابن، وأما وضعه بيد زوجة الراهن؛ فقال ابن القاسم في المجموعة وغيرها: لا يجوز ذلك. وقال أصبغ: إن حيز ذلك عن راهنه حتى لا يلي عليه ولا يقضي فيه جاز. وأما وضعه على يد أخ الراهن؛ فقال ابن القاسم في الموَّازيَّة والعتبية: لا ينبغي ذلك، وضعفه، وقال في المجموعة: ذلك رهن تام، وهو أصح. انتهى.

عبد الملك: ولو كان ليتيم وليان فأخذ اليتيم ديناً ورهن به رهناً ووضع على يد أحدهما لم يتم بذلك الحوز؛ لأن الولاية لهما ولا يجوز الرد على نفسه.

المازري: وأما حوز القيم بأمور الراهن المتصرف في ماله وشئونه؛ فقد وقع في الرواية أنه إن حاز جميع الرهن كدارٍ رهن الراهن جميعها فحازها القائم بشئون الراهن للمرتهن بإذنه؛ فذلك حوز لا يبطل الرهن، وإن كان إنما رهن الراهن نصفها وأبقى النصف الآخر على ملكه وتصرفه، فإن قبض القائم بشئون الراهن لا يصح؛ لكون الجزء الآخر الذي لم يرتهن بحوز هذا القائم بنيابة عن الراهن، وهو غير مميز من الجزء المرتهن؛ فكان يد المرتهن على جميع الرهن. انتهى.

وقاله ابن الماجشون، وزاد إلا أن يكون عبداً فلا يجوز بيعه، يعني: وإن رهن الجميع؛ لأن حوز العبد حوز لسيده، كان مأذوناً له أو لا.

وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَدْلٍ فَهُوِ لَهُ

أي: إذا وقع الشرط على أن يكون بيد المرتهن أو عدل عمل عليه، وإلا فنص ابن القاسم في العتبية على ما ذكره المصنف: أن القول قول من دعا إلى وضعه بيد العدل، أما الراهن فلأنه قد يكره حيازة المرتهن خوف أن يدعي ضياعه، وأما المرتهن فليدفع عن

ص: 113

نفسه حفظه، والضمان على تقدير هلاكه إن كان مما يغاب عليه، ونص اللخمي على أنه إذا كانت العادة تسليم الرهن للمرتهن؛ أنه يقضي له بذلك كالشرط.

فَإِنْ أَسْلَمَهُ دُونَ إِذْنِهِمَا ضَمِنَ

أي: فإن أسلم العدل الرهن دون إذن الراهن والمرتهن ضمن، ولم يبين المصنف ما الذي يضمن، وكذلك لم يبين هل الرهن مما يغاب عليه أم لا.

وفي المدونة: وإن تعدى العدل في رهن على يده فدفعه إلى الراهن أو المرتهن فضاع وهو مما يغاب عليه؛ فإن دفعه إلى الراهن ضمنه للمرتهن.

ابن يونس وغيره: يريد أنه يضمن له الأقل من قيمته أو من الدين، لأنه إن كانت قيمته أقل فهو الذي أتلفه عليه، وإن كان الدين أقل لم تكن له المطالبة بغيره. قال في المدونة: وإن دفعه للمرتهن ضمنه الراهن، فإن كان الرهن كفاف [514/ب] الدين؛ سقط دين المرتهن لهلاكه بيده، وإن كان فيه فضل ضمن العدل فضله للراهن.

ابن يونس: يريد ويرجع به على الراهن.

اللخمي وابن عبد السلام: وهذا إذا كان بعد الأجل أو قبله ولم يعلم بذلك حتى حل الأجل، فأما إن علم بذلك قبل الأجل؛ كان للراهن أن يغرم القيمة أيهما شاء؛ لأنهما متعديان عليه، هذا في دفعه، وهذا في أخذه، وتوقف القيمة على يد عدل غير الأول خيفة أن يتعدى عليه ثانية، وللراهن أن يأتي برهن مكان الأول ويأخذ القيمة.

أبو الحسن: وانظر قوله في المدونة: وهو مما يغاب عليه؛ مفهومه أن ما لا يغاب عليه ليس كذلك، وهذا إنما يضمنه بالعداء، وما يضمن بالعداء لا يفصل فيه بين ما يغاب عليه أو لا، ولعله إنما ذكر ما يغاب عليه لأجل المرتهن الذي يضمن القيمة. ولكن قوله:(مِا يُغَابُ عَلَيْهِ) إنما هو في السؤال فلا يعمل بمفهومه، ولا فرق بين ما يغاب

ص: 114

عليه، وما لا يغاب عليه؛ لأن العدل والمرتهن متعديان، وهو الذي يظهر من كلام اللخمي المتقدم. انتهى.

ومن أحب الزيادة على هذا أو الاطلاع على مسألة محمد والكلام عليها فلينظر ابن يونس.

فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي عَدْلَيْنِ؛ فَقِيلَ: يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ. وقِيلَ: عَدْلُ الرَّاهِنِ

يعني: فإن أحب الراهن عدلاً وأحب المرتهن غيره، فقال محمد بن عبد الحكم: ينظر الحاكم في ذلك. والقول بأن ذلك للراهن للخمي، قال: وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به.

ابن عبد السلام: ويظهر الأول فيما إذا ادعى كل واحد منهما العدالة في شخص ونازعه الآخر، ويظهر الثاني فيما إذا اتفقا على عدالته، لكن المسألة مفروضة عند الشيوخ فيما هو أعم من كل واحدة من الصورتين. قال في المدونة: وإن مات العدل وبيده رهن فليس له أن يوصي عند موته بوضعه عند غيره، والأمر في ذلك للمتراهنين.

وَيُشْتَرَطُ دَوَامُ الْقَبْضِ

أي: يشترط دوام القبض في الاختصاص بالرهن، والمراد بدوام القبض أن يكون الرهن بيد المرتهنين أو بيد العدل لا بيد الراهن وقت الحاجة إليه، خلافاً للحنيفة في قولهم: إن رجوعه إلى يد الراهن بالعارية أو بالإيداع لا يبطل بخلاف الإجارة.

واستدل أهل المذهب بقوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ)[البقرة: 283] وقالوا: هذه الصفة مطلوبة في الرهن لقصد التوثق، والمطلوب من التوثق أن يكون الرهن محوزاً عن الراهن.

فَلَوْ عَادَ اخْتِيَاراً فَلِلمُرْتَهِنِ طَلَبُهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِعِتْقٍ أَوْ تَحْبِيسٍ أَو قِيَامِ الْغُرِمِاءِ

يعني: فلو عاد الرهن إلى الراهن اختياراً من المرتهن أو بوديعة أو إجارة؛ فللمرتهن طلب الرهن، قاله ابن القاسم وأشهب.

ص: 115

اللخمي: وإنما يرجع في الإجارة إذا انقضت مدتها، وإن قام قبل ذلك وقال: جهلت أن ذلك نقض لرهني وأشبه ما قال؛ حلف ورده ما لم يقم الغرماء.

فإن قلت: كيف تتصور الإجارة والغلة إنما هي للراهن، وكيف يتصور أن يستأجر من نفسه؟ قيل: يحمل ذلك على ما إذا كان المرتهن اكتراه ثم أكراه للرهن.

وقوله: (إِلا أَنْ يَفُوتَ بِعِتْقٍ

إلخ) أي: له الطلب إلا في وجهين:

الأول: أن يقوم الغرماء. والثاني: أن يفوت بتحبيس أو عتق.

ابن القاسم وأشهب: أو بتدبيره ونحوه. وفي الفوت بالتدبير نظر، لأنه لا يمنع ابتداء الرهن فكيف يمنع استصحابه، إلا أن يكون معنى قولهما أنه لا يمكن المرتهن من بيع المدبر الآن، ولكن يرد إليه ليحوزه على نحو ما يحوز المدبر في الارتهان، فقد أشار بعضهم إلى هذا.

وقال: (اخْتِيَاراً) لأنه لو عاد بغير الاختيار فله القيام مطلقاً، سواء قام الغرماء أو لم يقوموا، فوته بما ذكر أو لا.

وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَجَّلَةُ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّدِّ فَلَهُ ذَلِكَ

أي: إذا أعاره على الرد؛ سواء أجله بموت أم لا كذلك له الطلب، ولو قال: والعارية على الرد لأجاد، لأن قوله:(الْمُؤَجَّلَةُ) إنما يتبادر الذهن منه إلى غير المؤجلة بمدة معنية.

ووقع في بعض النسخ: (وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَجَّلَةُ أَوْ عَلَى الرَّدِّ كَذَلِكَ) وهي أحسن من الأولى لأخذ المسألة؛ لكن فيها أيضا نظر من وجه آخر، وهو أن قوله:(الْمُؤَجَّلَةُ) مستغنى عنه؛ لأن قوله: (عَلَى الرَّدِّ) يشمل الصورتين كما ذكرنا.

وقوله: (كَذَلِكَ) أي: لا يبطل الرهن فله ذلك، أي: الطلب ما لم يفت أو تقم الغرماء، ولو اقتصر على قوله (كَذَلِكَ) لكفى.

ص: 116

وَفِي سُقُوطِ طَلَبِهِ بِالْعَارِيَةِ مُطْلَقاً قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ

هذا كله مع عود الرهن بالاختيار. وحاصله: أن ابن القاسم جعل له الطلب في الإجارة والوديعة والعارية على الرد وأبطل الرهن إذا أعاره إعارة مطلقة من غير تقييد برده، وسوى أشهب بين الجميع.

اللخمي وغيره: وقوله أبين. وقال: فإن كانت العارية إلى أجل ارتجعها إذا انقضى ذلك الأجل، ويختلف إذا لم يكن ضرب أجلاً؛ لأن العارية لا أمد لها، وقد قيل في هذا الأصل: إنها تبقى إلى مدة يرى أن يعير إلى مثلها. خليل: وقد قيل لا يلزم هنا التأخير إلى مدة يمكن الانتفاع بها، ويفرق بين العارية وغيرها بأن يقال: الرهن بيد الراهن يضعف حيازة المرتهن، والله أعلم.

ولا فرق على القولين بين أن يكون المستعير هو الراهن أو غيره، فقد حكى المازري القولين إذا أعاره لرجل أجنبي، وذكر عن ابن حارث ثالثاً بالتفصيل إن كان الراهن هو الراغب للمرتهن في أن يمكن المستعير من الرهن فمكنه، فإن ذلك كتمكين الراهن من الرهن، وإن كان الراغب فيه هو المرتهن؛ فإن ذلك لا يبطل الحوز، قال: ويرد هذا التفصيل في الإجارة.

ونسب اللخمي القول الذي نسبه المصنف لابن القاسم لمالك، وأشار إلى أنه يمكن حمله على أنه استردها قبل أن تمضي مدة تعار إلى مثلها لا على أنه سقط طلبها بالكيلة. ابن راشد: وإذا فرعنا على قول ابن القاسم [515/أ] بالبطلان، فلو رده الراهن باختياره، فهل يكون رهناً على حاله الأول أم لا؟ قولان لابن القاسم وغيره حكاهما في المتيطية وبناهما على الخلاف في افتقار الرهن إلى التصريح به أم لا.

ص: 117

ولَوْ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي وَطْءٍ بَطَلَ الرَّهْنُ، وكَذَلِكَ فِي إِسْكَانٍ أِو إِجَارَةٍ

مقتضاه: أن مجرد الإذن كافٍ في البطلان وهو نص المدونة في حريم البئر، ففيها: لو أذن المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري؛ فقد خرجت الدار من الرهن وإن لم يسكن ولم يكرِ. وقال أشهب: بل حتى يكريها. وظاهر كلام غير واحد أن قول أشهب خلاف، وصرح بذلك المازري. وقال ابن حارث: معنى قول ابن القاسم أن الرهن كان على يد أمين، ومعنى قول أشهب: أن الرهن كان على يد المرتهن. وهكذا نقل ابن راشد قول ابن حارث، وذكره المازري على أنه قول ثالث في المسألة، فقال: فقد رأى ابن القاسم أن مجرد الإذن كالترجيح بإسقاط حق المرتهن، وكما أن عقد الرهن يلزم بالقول فكذلك يسقط وهو الأشبه بأصل المذهب، واستصحب أشهب الحوز.

تنبيه:

وقع في المدونة في الرهن فيمن ارتهن رهناً فقبضه ثم أودعه للراهن أو أجاره أو أعاره إياه أو رده إليه بأي وجه كان حتى يكون الراهن هو الحائز له؛ فقد خرج من الرهن. وجعله ابن عبد السلام مخالفاً لما في كتاب حريم البئر، وكذلك قال أبو الحسن، وظاهر هذا: أن مجرد الإذن لا يبطل، وفيه نظر؛ لأنه لا منافاة بين البابين، لأنه نص في باب الرهن على وجه متفق عليه، وبين ما في حريم البئر أن الرهن يبطل بمجرد الإذن، وقد حمل ابن يونس وغيره ما في حريم البئر على أنه تقييد لما في الرهن، ولم ينقل المازري عن ابن القاسم إلا ما في حريم البئر، والله أعلم.

وَلَكِنْ يَتَوَلَاّهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ

ضمير (يَتَوَلَاّهُ) عائد على ما فهم من إجارة وإسكان، يعني: ولكن إن أراد الجمع بين صحة الإجارة وتمام الرهن فليتول المرتهن الكراء بإذن الراهن له في ذلك. وظاهر

ص: 118

كلامه: أنه لو لم يأذن له لم يكن له ذلك، وهو قول ابن القاسم وأشهب، زاد أشهب: إلا إذا اشترط أن كراءه رهن مع رقبته؛ فله أن يكريه حينئذ بغير إذنه. وقال ابن عبد الحكم: للمرتهن أن يكري الرهن دون إذن الراهن. ونقل بعضهم عن ابن الماجشون: أن المرتهن إذا ترك كراء الدار ولكرائها خطب وقدر؛ أنه ضامن يوم ارتهانها، لأنه تعمد إبطالها ما لم يكن الراهن عالماً بذلك، فحينئذٍ لا يكون على المرتهن ضمان، لأن رد بينته وسكوته رضى. وحكى بعضهم عنه أنه يستحب لمرتهن الدار أن يكري الدار بؤامرة ربها إن كان حاضراً، وإن ترك ذلك جاز ومضى إذا اجتهد، ولا منافاة بينه وبين ما حكى الأول فتأمله.

وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوِ الْفَلَسِ لا يَثْبُتُ بِهَا الْحَوْزُ وَإِنِ اتَّفَقَا، إِلا بِبَيِّنَةٍ بِمُعَايَنَتِهِ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلُ ....

يعني: إذا وجد بيد من له دين على شخص سلعة للمدين بعد موته أو فلسه وادعى أنها رهن عنده؛ لم يصدق في ذلك ولو وافقه المرتهن؛ خشية أن يتقارر الإسقاط حق الغرماء.

عبد الملك: وفي الموَّازيَّة والمجموعة: ولا ينفعه ذلك حتى يعلم أنه حازها قبل الموت والفلس. محمد: صوابه لا ينفعه إلا بمعاينة الحوز، وهو الذي ذكر اللخمي أنه لا بد من معاينة البينة لقبض المرتهن، وذكر ابن يونس أول كتاب الرهن قولين؛ أعني: هي يكفي معاينة الحوز أو التحويز؟ واختار الباجي الحوز. قال: ولعله قول محمد، ولكن ظاهر لفظه خلافه.

وذكر ابن عبد السلام عن بعض الأندلسيين: أن الذي جرى عليه العمل عندهم أنه إذا وجد الرهن بيد المرتهن وقد حازه كان رهناً، وإن لم يحضر الحيازة. وفي المقدمات: ولو وجد الرهن بيد المرتهن فادعى أنه قبضه قبل التفليس وجحد ذلك الغرماء؛ جرى الأمر فيه على الاختلاف في الصدقة توجد بيد المتصدق عليه بعد موت المتصدق فيدعي قبضها في صحته. وفي المدونة دليل على القولين جميعاً، ولو لم يتعلق بذلك حق الغرماء لوجب

ص: 119

أن يصدق المرتهن. ويقبل إقراره أنه قد حاز الرهن فيكون إقراره له كشاهد على حقه إلى مبلغ قيمته.

ابن عبد السلام: ولو شهد شاهدان بالحيازة وآخران بعمدهما عمل بشهادة الحيازة لزيادتها.

وقول المصنف: (بِمُعَايَنَتِهِ أَنَّهُ حَازَهُ) يحتمل كلاًّ من القولين، لكن المفهوم من المعاينة أنه لا بد من الشهادة على الحوز.

وَكَذَلِكَ يَدُ الأَمِينِ

يعني: فلا يقبل قوله أنه حازه إلا بالبينة، وهكذا نقل الباجي عن ابن الماجشون، واقتصر عليه اللخمي ولم يعزه، وبه قال ابن عتاب، قال: شهادة الأمين في ذلك ضعيفة. وقال سحنون: تقبل شهادة العدل الموضوع على يده الرهن في الدين.

وَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ نَفَذَ وَأَتَى بِرَهْنٍ مَكَانَهُ

يعني: فلو باع الراهن الرهن قبل أن يقبضه المرتهن نفذ البيع وإن كن لا يجوز له ذلك ابتداء، ولزم الراهن أن يأتي برهن آخر مكان المبيع يوضع إلى أجله. وهذه إحدى روايتي الموَّازيَّة، ونقله محمد عن ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم.

والرواية الثانية: أنه لا يلزمه الإتيان برهن، ونقله أيضاً عن ابن القاسم، ونص ابن عبد السلام على أن هاتين الروايتين فيما إذا لم يفرط في الطلب، ونقل عن بعضهم أنه جعل للمرتهن نقض البيع ورد الرهن على ما وقع عليه الشرط أولاً، فإن فات بيد مشتريه كان الثمن رهناً، وظاهر المدونة كالثانية خلاف ما ذكره المصنف، ولفظها: وإن بعت من رجل سلعة على أن يرهنك عبده ميموناً ففارقته قبل قبضه؛ لم يبطل الرهن ولك أخذه منه ما لم تقم الغرماء فتكون أسوتهم، وإن باعه قبل أن يقبض منه مضى البيع، وليس لك أخذه برهن غيره؛ لأن تركك إياه حتى باعه كتسليمك إياه. فظاهر احتجاجه بقوله: "لأن

ص: 120

تركك إياه

إلخ" راجع إلى سقوط طلب المرتهن لرهن آخر لا إلى نقض البيع. وتأول ابن القصار وغيره المدونة على أن المرتهن فرط في قبض الرهن وتوانى، لقوله: "لأن تركك إياه .. إلخ" ولو لم يكن من المرتهن تفريط ولا توان لكان له مقال في رد البيع، فإن [515/ب] فات بيد مشتريه كان الثمن رهناً، وكذلك تأولها الشيخ أبو محمد على أنه تراخى في القبض، فإن لم يتراخَ في القبض فبادر الراهن البيع لم يبطل الرهن ومضى البيع وكان الثمن رهناً، وعلى هذا فيتلخص أن البيع يمضي إن كان المرتهن فرط، وإن لم يفرط فقولان، ونص عبد الملك في المجموعة على إمضاء البيع وإن لم يفرط. عياض: وأشار بعض شيوخنا إلى أن هذا فيما كان من الرهن شرطاً في أصل العقد فباعه الراهن بعد التراخي، وأما ما كان بيعه مبادرة لإخراجه من الرهن فينتقض فيه البيع، فإن فات في يد مشتريه بقي الثمن رهناً، وأما ما تطوع به من الرهن بعد العقد فحكمه في بيعه قبل قبضه كحكم بيع الهبة قبل قبضها. ونقله ابن عبد السلام عن غير واحد، وقيد ابن المواز وغيره ما تقدم من إمضاء بيع الرهن ولا طلب له برهن آخر بما إذا أسلم البائع السلعة، ولو بقيت بيده لم يلزمه تسليمها فرط أو لا حتى يأتي برهن.

وَبَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ رَدُّهُ فإِنْ أَجَازَهُ تَعَجَّلَ حَقَّهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا بِيعَ بِمِثْلِ الدَّيْنِ وقَدْرِهِ فَأَكْثَرَ مَضَى وتَعَجَّلَ، وإِلا فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ أَو يَرُدَّ ....

وإن باع الراهن الرهن بعد قبض المرتهن له بغير إذنه؛ فمذهب المدونة: له إجازته ورده، فإن أجاز تعجل حقه. (وَرُوِيَ

إلخ) هو لمالك في الموَّازيَّة. وأول صاحب البيان المدونة على وجه تتفق فيه مع الموَّازيَّة، لأنه قال: معنى المدونة أن له رد البيع إذا باعه بأقل من حقه، أو كان الدين عرضاً أنه لا يلزمه قبض العرض قبل حلوله إلا أن يكون من قرض، ونحوه للخمي، ولعل المصنف لهذا لم يصرح بمخالفة الرواية الثانية للأولى، وإلا

ص: 121

فكان يمكنه أن يقول: فإن بيع بأقل من الدين أو بغير جنسه خير المرتهن، وإلا ففي تخييره قولان لابن القاسم ومالك ليكون أخصر.

وقوله في المدونة: وإن أجاز تعجل حقه. قال فيها: شاء الراهن أو أبى، وهو مقيد بأن يحلف أنه إنما أجاز لذلك. صرح بذلك في التلقين، وقوله في الموَّازيَّة: بمثل الدين. أي: في الجنس والصفة والقدر. ابن راشد: وقوله: وإلا يدخل فيه ثلاث صور، وهي واضحة. ونص هذه الرواية عند ابن يونس: وإن باعه بعد الحوز وهو بيد المرتهن أو بيد أمين؛ فإن باعه بمثل الحق فإنه يجعل للمرتهن حقه، وإن لم يحل الأجل وينفذ البيع، ولا حاجة للمرتهن في حقه لأنه مضار إلا أن يباع بأقل من حقه فله أن يرده أو يمضيه ويتعجل الثمن ويطلبه بما بقي.

ابن المواز: وكذلك إن باعه بثمن يخالف حق المرتهن فله نقض البيع. محمد: وقد كان من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه إذا باعه بعد الحوز فلا بيع له ويرد والأولى أحب إلي وعليه أصحابه أنه ينفذ بيعه ويتعجل حقه إن بيع بمثل دينه. أشهب: وإن استهلك ثمن الرهن قبل أن يدفعه إلى المرتهن؛ فإن كان عنده وفاء وداه وتم البيع وإلا فللمرتهن رد البيع، وانظر كيف جعل قوله:(إِنْ بِيعَ بِمِثْلِ الدَّيْنِ) في الرواية، وإنما هو من قول ابن المواز، وقيد اللخمي ما ذكره في الموَّازيَّة من أن للمرتهن رد البيع إذا بيع بأقل من الدين بما إذا لم يكن ذلك الوقت وقت نفاذ بيعه. قال: وإلا فلا رد له، وإن لم يوف بالدين، لأن المنع ضرر على الراهن من غير منفعة للمرتهن. وعن أشهب: إن لم يجز المرتهن بيعه وفي ثمن الرهن وفاء وللراهن مال؛ فلا يلتفت إليه ويمضي البيع وإلا نقض، وإن أجاز بيعه بغير إذنه إلى أجله ووقف له الثمن رهناً، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة يشبه الذي باع. وقال سحنون: وإن لم يأت برهن يشبه الذي باع عجل له الثمن، إذ لا فائدة في إيقافه، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك.

ص: 122

فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ولَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَالً: أَذِنْتُ لأَتَعَجَّلَ؛ حَلَفَ وَأَتَى بِرَهْنٍ مَكَانَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ بَطَلَ رَهْنُهُ ....

يعني: فإن كان بيع الراهن الرهن بإذن المرتهن فإن لم يسلمه للراهن وأبقاه تحت يده، وقال: إنما أذنت له في البيع لإحياء الرهن؛ بأن يكون الثمن رهناً أو يأتي برهن ثقة لا ليأخذ الراهن الثمن؛ حلف المرتهن على ذلك وأتى الراهن برهن ثقة.

قال في المدونة: يشبه الرهن الذي بيع وتكون قيمته كقيمة الرهن الأول فلك أخذ الثمن، وإلا بقي الثمن رهناً إلى الأجل ولم يعجل للمرتهن حقه، ولأشهب في المجموعة إذا باعه الراهن بإذن المرتهن فلا أرى الثمن له رهناً إلا أن يكون المرتهن اشترط ذلك، وإن اشترط عند الإذن أن يقبض حقه؛ فإن ذلك لا يصح وأراه إلى أجله، لأن اشتراط تعجيل الثمن في البيع سلف جر منفعة، وأما إن أسلم المرتهن الرهن للراهن فقد بطل الرهن، لأن دفعه الرهن للراهن دليل على إسقاط المرتهن حقه منه، وهذا مذهب المدونة. وقيل: لا يبطل، بل يحلف المرتهن ويوقف الثمن. وفي الموَّازيَّة: إذا أوصل المرتهن الرهن للراهن حتى باعه فبيعه جائز، ولا يعجل الحق كما لو باعه قبل الحوز، وإن قال المرتهن: إنما أوصلت إليك لتعجل لي حقي وأنكر الراهن، فقال أشهب: يحلف المرتهن والقول قوله، ولا يضره قيام الغرماء إن كان ذلك بقرب دفعه إليه، وإن كان ليس بقرب دفعه فقام الغرماء فهم أحق بالثمن.

عياض: وقوله في المدونة: وتكون قيمته كالأول. يدل على أنه إنما يريد مثل الرهن الأول وإن كان زائداً على الدين؛ لأنه قد رضي الأخذ بذلك وعليه عقد عقده، ولهذه الزيادة فائدة، إذ قد تنخفض في الأسواق في الأجل، وقيل: معناه أن يكون الرهن حيواناً أو ما لا يغاب عليه مما لا ضمان على المرتهن فيه فيأتيه بخلافه فيلزمه.

ص: 123

خليل: وظاهر المدونة هو ظاهر من جهة المعنى أنه لا بد من المعنيين، لأن قوله فيها يشبه الرهن الذي بيع، أي: في كونه مما لا يغاب عليه.

وقوله: وتكون قيمته كقيمته. ظاهر في اشتراط مساواة القيمة، والله أعلم.

فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ [516/أ] أَوْ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَو بَعْدَهُ فَكَالْبَيْعِ قَبْلَهُ، وَفِيهَا: يَتَعَجَّلُ بَعْدَهُ وَلا يَلْزَمُ قَبُولُ رَهْنٍ ....

أي: فإن كان الرهن عبداً فأعتقه الراهن أو كاتبه أو دبره قبل القبض، ولا يريد أنه يجوز له ذلك ابتداء، فإن ذلك لا يجوز، نص عليه في المدونة وغيرها، وإنما مراده لو فعل.

وظاهر قوله: (كَالْبَيْعِ قَبْلَهُ) أنه يمضي ما فعله ويأتي برهن ثقة، ويحتمل أن يريد بقوله:(فكالبيع) أي: في لزوم فعله وتعجيل الحق، ويكون قوله بعد هذا:(وَفِيهَا: يَتَعَجَّلُ .... إلخ). بياناً لذلك، وهذا الوجه وإن كان بعيداً من لفظه إلا أنه ينبغي أن يعتمد عليه هنا، لأن النقل لا يصحح الوجه الأول، وسيظهر لك ذلك.

وقوله: (أَو بَعْدَهُ) يحتمل بعد القبض وهو ظهر لفظه، ويحتمل بعد ما فعله من عتق أو كتابة أو تدبير، وهذا الثاني أقرب لما في المدونة؛ لأنه لم يذكر فيها قبضاً، ففيها: ومن رهن عبداً ثم كاتبه أو عتقه جاز ذلك إن كان ملياً وعجل الدين. زاد في رواية ابن عتاب: أن يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاء الدين فتجوز الكتابة. ثم قال فيها: وإن دبره بقي رهناً، لأن للرجل رهن مدبره. وروى ابن وهب عن مالك: التدبير مثل العتق، ويعجل له دينه، وعلى هذا ففي نقل المصنف لمذهب المدونة نظر، لأنه ترك رواية ابن القاسم.

فإن قلت: لعله اختار رواية أشهب كما اختارها سحنون وغيره، لأن ما رواه ابن القاسم فيه احتمال إبطال التدبير لإعسار السيد بالثمن عند الأجل، قيل: ولو اختارها لكان ينبغي أن ينبه على رواية ابن القاسم.

ص: 124

فإن قلت: فلم عجل الدين في العتق والكتابة؟ قيل: لأنهم عدوه بقوله راضياً بتعجيل الدين، لأن الرجوع في الرهن لا يجوز والرد في الرق لا يجوز، فلم يبق إلا تعجيل الدين. وقلنا: النقل لا يصحح الوجه الأول؛ لأن كلام المصنف يشتمل على ست مسائل، إذ كل من العتق والكتابة والتدبير صورتان؛ إحداهما قبل قبض المرتهن. والثانية بعده.

وإذا حملنا كلامه على ظاهره يلزمه أن يكون الحكم في الستة أنه يمضي فعله ويأتي برهن ثقة. ولنذكر ما في ذلك قبل القبض وبعده، أما قبل القبض فلم يصرح أحد فيما رأيت بالإتيان برهن، بل نص أشهب على أنه لا يلزم الإتيان برهن، وظاهر المدونة: أنه يعجل الحق في الكتابة دون التدبير كما تقدم، إذ لم يفرق فيها بين قبل القبض ولا بعده، وصرح ابن القاسم بذلك في العتبية، خلافاً لرواية ابن وهب أنه يجعل فيها كما تقدم، ونقل اللخمي في العتق والكتابة والإيلاد والتدبير قبل الحوز قولين:

أولهما لابن القاسم في العتبية: أن بيعه قبل الحوز أو عتقه أو وطئه أو هبته أو صدقته جائزة، ويؤخذ ما عليه من الدين ويقضي صاحبه، وإن لم يكن موسراً لم يجز شيء إلا أن يولد أو يبيع.

والثاني: أن ذلك لا يعد رضى ولا يعجل الدين، قال: ويختلف على القول بأن ذلك ليس برضى في البيع، هل يعجل الثمن الذي بيع به، أو يأخذه الراهن ولا شيء للمرتهن فيه. انتهى.

اللخمي: وقال أشهب في الموَّازيَّة: أما الكتابة والتدبير؛ فللمرتهن أن يقبض رهنه فيكون محوزاً وهو مكاتب أو مدبر وتكون الكتابة رهناً ولا تكون خدمة المدبر رهناً، وقد قال محمد: والكتابة مثل الخدمة. اللخمي: يريد ويأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرًّا ولا شيء فيه للمرتهن، وإن عجز كان رهناً. ويصح كلام المصنف في العتق على ما تقدم عن ابن المواز؛ لأنه قال: تعدي الراهن في العتق كتعديه في البيع عند مالك قبل

ص: 125

القبض أو بعده، وقد تقدم أن في إحدى الروايتين أنه لا يلزمه أن يأتي برهن آخر، وأما بعد القبض فقد تقدم ما في المدونة، ولم أر من قال بالإتيان برهن آخر إلا الأبهري، فإنه قال بذلك في العتق خاصة، وهكذا قال ابن راشد، وألزمه اللخمي أن يكون في الإيلاد كذلك، وقال أشهب مثل ما قدمناه عنه، ونص قوله في ابن يونس: وقال أشهب: هما - أي الكتابة والتدبير - مثل العتق؛ إن كان ملياً أخذ منه الحق معجلاً إن كان ذلك بعد الحيازة، وإن لم يكن ملياً بقي ذلك بيد المرتهن بحاله، فإن أدى الدين نفذ ما صنع الراهن، وإن لم يؤده بطل صنعه وبيع ذلك، وإن كان في بعض ثمنه وفاء؛ بيع في العتق بقدر الدين وعتق الباقي. أشهب: وأما في الكتابة والتدبير والولادة فيباع ذلك كله ويكون قبض ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم ولد ولا بعض مكاتب ولا مدبر. ابن يونس: وقال ابن المواز: وأما في الكتابة والتدبير فيبقى رهناً بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع وإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا قدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا ببيع الرقبة بيعت الرقبة، وكذلك المدبر إذا حل الأجل بيع كله ولا يجوز بيع شيء منه على أنه مدبر على حاله لا على أن يقاويه فيه، وأما إذا أولد الراهن الأمة فيجوز بيع بعضها ويبقى باقيها بحساب أم الولد، وكذلك يباع بعض المدبر على أنه رقيق للمبتاع ويبقى باقيه مدبراً؛ لجواز تدبير أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه، ولا يجوز ذلك في الكتابة.

وَقَالَ أَشْهَبُ: وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَيَسْتَوْفِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وقَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ عَجَزَ ....

ظاهره أن أشهب يخيره، فإن شاء تعجل حقه، وإن شاء تمسك بالمكاتب والمدبر ويستوفي من كتابته، يعني: بخلاف خدمة المدبر فإنها لا تكون رهناً كما تقدم. وحكى ابن يونس عن بعضهم أنه اتفق ابن القاسم وأشهب على أنه إذا كاتب العبد وهو موسر أنه يؤدي الدين وتتم الكتابة، وهو يناقض ما حكاه المصنف عن أشهب، لكن قد [516/ب]

ص: 126

تقدم عن أشهب من كلام اللخمي مثل ما حكاه المصنف، وهو قوله: وقال أشهب في الموَّازيَّة: أما الكتابة والتدبير فللمرتهن أن يقبض رهنه فيكون محوزاً وهو مكاتب ومدبر وتكون الكتابة رهناً، لكن إنما قال أشهب هذا قبل القبض، وأما بعده فقال: يعجل الحق إن كان ملياً، وهذا لا يؤخذ من كلام المصنف.

اللخمي: وقال محمد: والكتابة مثل الخدمة، يريد فيأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرّاً ولا شيء فيه للمرتهن، وإن عجز كان رهناً. انتهى.

وهذا الذي حكاه المصنف عن محمد بقوله: وقال محمد: من ثمنه إن عجز، أي: وقال محمد يستوفي من ثمنه إن عجز ولا شيء له من نفس الكتابة.

اللخمي: وعلى قول أشهب كلما حل نجم أخذه المرتهن من دينه؛ إذ لا فائدة في وقفه، فإن وفى أو عجل الكتابة كان حراً وإن كان الدين أكثر من الكتابة، وإن عجز كان رهناً في الباقي. انتهى.

وقيد ابن يونس قول محمد بما إذا لم يوف ثمن الكتابة بالدين، قال عنه ابن يونس. ابن المواز: وأما في الكتابة والتدبير فيبقى رهناً بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع، فإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت، وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا بقدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا ببيع الرقبة بيعت الرقبة. انتهى.

وَإِنْ كَانَ مُعْسِراً بَقِيَ رِهْناً، ومَتَى أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ نَفَذَ

أي: فإن كان الراهن معسراً. ودل كلامه هذا على أن كلامه السابق مقيد باليسير. قال في المدونة: وإن أعتق وهو عديم بقي العبد رهناً، فإن أفاد ربه قبل الأجل مالاً أخذ منه الدين ونفذ العتق. وقال بعد هذا: وإذا أعتق المديان عبده وأراد الغرماء رده رد العتق وبيع، إلا أن يقول لهم العبد: خذوا دينكم، أو يتبرع لهم بذلك أجنبي فإنه ينفذ العتق،

ص: 127

فالضمير في (مِنْهُ) عائد على الراهن وهو ظاهر، ولا إشكال في هذا إذا أعطى العبد ذلك على ألا يرجع به على السيد، وأما إن أداه ليرجع به عليه؛ فنقل ابن يونس عن بعضهم أنه قال: ينبغي أن يكون ذلك للعبد؛ لأن الغرماء لو شاءوا أن يصبروا بدَيْنِهم ويجيزوا عتقه كان ذلك لهم، إلا أن يقال: إن عتقه في العبد لم يكن عتقاً يتم إلا بقضاء الدين، فصار كأنه أدى الدين، وهو في ملك سيده، وفي هذا نظر؛ لأن السيد لو أعتقه وللعبد على سيده دين ولم يكن استثنى ماله لوجب أن يجوز عتقه وبقي دينه في ذمة سيده، وليس له أن يرد عتق نفسه لأجل مال على سيده؛ إذ لو رده لكان للسيد أخذ ماله ولا تكون له فائدة في ذلك، كما قال: إذا زوج أمته لعبده وقبض صداقها واستهلكه ثم أعتقها قبل البناء؛ لأنه لا خيار لها، لأن ثبوت الخيار يسقطه. انتهى باختصار.

ونقل بعض من تكلم على هذا الموضع قولين؛ أحدهما: أنه لا يرجع على السيد. والثاني لابن رشد، قال: والصواب أنه يرجع؛ لأنه الراهن لما تعدى فقد رضي ببقاء الدين في ذمته.

فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بَعْدَ الأَجَلِ بَيعَ جَمِيعُهُ، وَمَا بَقِيَ لِلرَّاهِنِ مِلْكٌ

يعني: إذا أعتق وهو معسر وبقي العبد رهناً إلى الأجل؛ فإنه يباع منه عند الأجل بقدر الدين إن وجد من يشتري ذلك وأعتق ما بقي. قال أشهب: وإن لم يجد بيع كله وقضى الدين وكان لربه ما بقي يصنع به ما يشاء، لأن الحكم لما أوجب بيع جميعه صار ثمنه كله للراهن، ولو قيل بجعله في جزء حرية ما بعد، كما قالوا فيمن أعتق تطوعاً أو أهدى أو أخذ أرشاً. قال أشهب: وإنما يباع بقدر الدين في العتق، وأما في الولادة والتدبير والكتابة؛ فيباع كله ويكون فضل ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم الولد ولا بعض مكاتب ولا بعض مدبر.

ص: 128

وَمُعِيرُ الرَّهْنِ إِذَا أَعْتَقَهُ كَذَلِكَ

يعني: أن من أعار عبداً لمن يرهنه فرهنه المستعير ثم أعتقه المعير؛ فإن كان المعير ملياً نفذ العتق، وقيل له: عجل الدين لربه إذ أفسدت عليه رهنه. قال في المدونة: إلا أن تكون قيمة العبد أقل من الدين فلا يلزمه إلا قيمته ويرجع المعير على المستعير بما أدى بعد محل الدين لا قبله، وخالف أشهب في هذا ولم يره كمن أعتق عبده بعد أن رهنه ورآه مثل الذي أعتق عبده بعد أن جنى، فيحلف المعير ما أعتقه ليؤدي الدين ويبقى رهناً حتى يقضيه حقه من ثمنه إن بيع، أو يفدى فينفذ فيه العتق، فإن نكل غرم الأقل من قيمته أو الدين ونفذ عتق العبد، ورجح محمد الأول بأن الجناية أخرجت العبد من ملك ربه إلا أن يفديه بخلاف المعير، فإن العبد لم يخرج من ملكه، وإلى أن المعير لم يكن له أن يطالب المستعير بما أدى إلا بعد أجل الدين. أشار المصنف بقوله:

وَإِذَا عَجَّلَ الْمُعِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ الأَجَلِ

لأن المستعير إنما التزم أداء الدين بعد أجل الدين بعد حلول الأجل ولم يفعل شيئاً يوجب عليه التعجيل.

وَيُمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ، فَإِنْ فَعَلَ فَحَمَلَتْ فَالْوَلَدُ يُنْسَبُ مُطْلَقاً، ثُمَّ إِنْ كَانَ غَصْباً فَكَالْعِتْقِ

يعني: ويمنع الراهن من وطء الأمة المرهونة؛ لأن وطأه لها تصرف في الرهن مبطل للحيازة، فإن وطئ فحملت فالولد ينسب؛ أي: الابن له مطلقاً، أي: سواء كان غصباً أم لا، كانت تخرج أم لا.

ثم إن كان غصباً فكالعتق؛ أي: فيلزمه تعجيل الدين أو قيمة الأمة إن كانت أقل إن كان ملياً، وإن كان معسراً بيعت الجارية بعد الوضع. ابن يونس: وحلول الأجل، ولا

ص: 129

يباع ولدها لما تقدم أنه حر ينسب. ابن عبد السلام: ولم يقولوا إذا نقص ثمنها عن الدين أن الراهن يغرم الأقل من قيمة الولد أو بقية الدين مع أن الولد الحادث بعد الرهن داخل في حكم الرهن، ولو قيل به لما بعد. وفي مسائل الأمة المستحقة والمعارة وما يلاحظه.

أشهب: وإن وجد من يبتاع منها بقدر الدين؛ فعلت وأعتقت ما بقي، [517/أ] وإن لم يوجد استُؤْنِي إلى الأجل، فإن وجد أيضاً ذلك، وإلا بيعت وقضي الدين، وكان ما بقي لربها يصنع به ما شاء، وهذا مأخوذ من قول المصنف فكالعتق.

فائدة: تباع أم الولد هنا، وفي خمس مسائل:

الأولى: الأمة الجانية إذا وطئها السيد بعد علمه بالجناية وهو عديم، فإنها تسلم للمجني عليه.

الثانية: الابن يطأ أمة من تركة أبيه وعلى الأب دين يغترق التركة والابن عديم وهو عالم بالدين حالة الوطء.

الثالثة: أمة المفلس إذا وقفت للبيع ووطئها وحملت.

الرابعة: أمة الشريكين يطأها أحدهما وهو معسر.

الخامسة: إذا وطئ العامل أمة القراض فحملت وكان معسراً. ويمكن أن تجعل هذه المسألة فائدة من وجه آخر، بأن يقال: توجد أمة حامل بحر في ست مسائل، فإن قلت: هل يتصور عكس هذا؛ بأن يكون العبد في بطن الحرة؟ قيل: نعم، وذلك إذا وطئ العبد جارية له وحملت وأعتقها ولم يعلم السيد بعتقه لها حتى أعتقه، فإن عتق العبد أمته ماضٍ وتكون حرة والولد الذي في بطنها عبد؛ لأنه للسيد. قال في الجلاب: فلو أعتقها بعد عتقه لم تعتق حتى تضع حملها، والله أعلم.

ص: 130

وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَاّةً تَذْهَبُ وتَجِيءُ؛ فَقِيلَ: يُنْتَقَضُ، وَقِيلَ: كَالْغَاصِبِ

هذا قسيم قوله: (إِنْ كَانَ غَصْباً) يعني: وإن لم تكن موطوءة على وجه الغصب بل كانت مخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن فوطئها الراهن بغير إذنه؛ فالمشهور: أنه ينتقض الرهن، وجعلوا كونها مخلاة كالإذن في الوطء. وقيل: كالغصب وهو قول مالك في المدونة. فتباع دون الولد، يريد: تباع بعد الأجل والوضع، إلا أن يكون له مال، وبه قال سحنون واختاره اللخمي؛ لأن الراهن في كلا الحالتين ممنوع من الوطء.

وَيُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونِ هُو مَعَهَا

يعني: أن السيد إذا رهن عبداً في دين وللعبد أمة أدخلها سيد العبد في الرهن لم يكن للعبد أن يطأ أمته؛ لأن ذلك يشبه الانتزاع، لأنه عرض كل واحد من العبد والأمة للبيع وقد يباعان مجتمعين ومنفردين. وقلنا: يشبه الانتزاع؛ لأنه ليس انتزاعاً حقيقة، لأن المشهور إذا فكهما السيد من الرهن فللعبد أن يطأ بالملك السابق، ولو كان انتزاعاً حقيقة لافتقر إلى تمليك ثان، كما قاله ابن المواز، وإذا منع العبد من وطء أمته المرهون هو معها فمن باب أولى أن يمتنع إذا رهنه السيد فقط، وأما إذا رهنه فقط؛ فأجاز له في الموَّازيَّة أن يطأ أمته وأم ولده إذ لم يكن المرتهن اشترط أن يكون ما له معه رهناً، وأما إن اشترط ذلك فلا. وقال بعضهم: إذا ارتهن عبداً وشرط أن ما له معه رهن معه وللعبد جارية أن للعبد أن يطأها، بخلاف ما لو رهنه هو وجاريته. ابن يونس: وهو خلاف ما في المدونة.

وقول المصنف: (الْمَرْهُونِ) يجوز أن يكون صفة للأمة، ويكون حينئذ صفة جرت على غير من هي له، ولذلك أبرز الضمير في قوله:(الْمَرْهُونِ هُو مَعَهَا) ويجوز أن يرفع صفة للعبد ولا يحتاج على هذا إلى إبراز الضمير، والله أعلم.

ص: 131

وَإِذَا زَنَى الْمُرْتَهِنُ بِهَا حُدَّ وَلا يَنْفَعُهُ دَعْوَى الْجَهْلِ

لأن المرتهن لا ملك له فيها، والمرتهن والأجنبي فيها سواء، ولا يعذر بشبهة الارتهان. قال في المدونة: لا يلحق بالمرتهن الولد ويكون مع الأم رهناً، وعليه ما نقصها العبد، بكراً كانت أو ثيباً إذا أكرهها، وكذلك إذا طاوعته وهي بكر؛ يعني: بخلاف الثيب. وقال أشهب: لا شيء عليه في المطاوعة، وإن كانت بكراً كالحرة.

وفرق لابن القاسم: بأن الوطء هنا جارٍ على ملك السيد، وصوبه ابن يونس وغيره أن عليه ما نقصها في الوطء، وإن كانت ثيباً؛ لأنه إذا كان عليه ما نقصها في الإكراه مع كونها لا تعد زانية، فالطوع الذي تعد فيه زانية أولى.

واحتجوا لذلك بما في كتاب المكاتب أن على الأجنبي ما نقصها على كل حال، والمرتهن أجنبي، وقد حكى ابن رشد وغيره هذه الأقوال الثلاثة، ولا خلاف أن عليه في الإكراه ما نقصها.

فرع:

قال في المدونة: ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه الولد؛ لأنه لم يثبت نسبه منه.

وَإِنْ كَانَ بِإذْنِهِ لَمْ يُحَدَّ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا حَمَلَتْ أَوْ لا، دُونَ قِيمَةِ الْوَلَدِ

يعني: فإذا كان وطء المرتهن للجارية بإذن الراهن لم يحد، وكان القياس أن يحد إلا أنهم راعوا خلاف عطاء بن أبي رباح، فإنه كان يجيز التحليل ابتداء.

وقوله: (وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا) إنما لزمته لتتم له الشبهة، والله أعلم.

ص: 132

وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ عَنِ الْغُرَمَاءِ

هذه هي فائدة الرهن، ولو لم يختص المرتهن بالرهن لكان وجود الرهن كعدمه، والاختصاص مقيد بما إذا لم يكن هناك أحق منه، كما إذا اكترى أرضاً ورهن زرعها ثم انهارت بئرها وأصلحها أجنبي وأحيا الزرع؛ فإنه أحق من المرتهن كما سيأتي.

وَلا يَسْتَقِلُّ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ إِلا بِإذْنٍ بَعْدَ الأَجَلِ

يعني: أن اختصاص المرتهن بالرهن لا يوجب له التصرف فيه، ولا بيعه بعد أجل الدين إلا أن يأذن له في ذلك بعد أجل الدين. ابن راشد: ولا خلاف في ذلك، وإنما لم يكن للمرتهن البيع؛ لأن الأصل ألا يباع ملك الإنسان إلا بعد سبب يوجب بيعه.

وقوله: (وَلا يَسْتَقِلُّ) أي: لا ينفرد، بل يرفع إلى الحكام ليطالب الراهن أو يكلفه البيع، فإن امتنع باع عليه.

واعترض قول المصنف: (إِلا بِإذْنٍ بَعْدَ الأَجَلِ) لأنه لو أذن بعد عقد الرهن وقبل الأجل جاز له بذلك البيع كبعد الأجل، قاله صاحب البيان وابن زرقون، [517/ب] ولكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه، لأنه هدية المديان.

وِلا يَضُرُّ اتِّحَادُ الْقَابِضِ والْمُقْبِضِ

لما ذكر أنه يجوز أن يبيعه المرتهن بالإذن بعد الأجل، ذكر هذا كالجواب عن سؤال مقدر؛ كأن قائلاً قال: كيف يصح أن يوكل مع كونه يبقى قابضاً مقبضاً؟ فأجاب بأن ذلك لا يمنع الصحة؛ لأنه قابضٌ باعتبارٍ مقبضٌ باعتبارٍ، فكان ذلك بمنزله شخصين، لأن الراهن لما وكله على البيع كان وكيلاً على قبض الثمن ثم يقبضه لنفسه، فكونه مقبضاً عن الراهن سابق على كونه قابضاً لنفسه، إلا أن قبضه للراهن حسيٌّ وقبضه لنفسه حكمي بنية خاصة.

ص: 133

ابن عبد السلام: وهل هذه السبقية خاصة بالزمان أو بالعلة؟ فيه نظر. وعلى الأول يجب بسقوط الثمن عن المرتهن إذا شهدت البينة بهلاكه إثر قبضه بخلاف الثاني، ولم أرها لهم.

فَإِنْ أَذِنَ قَبْلَهُ فَبَاعَ رُدَّ مَا لَمْ يَفُتْ، وقِيلَ: يَمْضِي، وقِيلَ: فِي التَّافِهِ، وَقِيلَ: إِنْ عَسُرَ الْوُصُولُ إِلَى الْحَاكِمِ ....

قوله: (قَبْلَهُ) يريد: قبل عقد الرهن، وأما بعده وقبل الأجل فهو ماض لبعد الأجل.

وحكاية المصنف الخلاف في الإمضاء يدل على منع الوكالة ابتداء.

وقد اختلف في جوازها في عقد الرهن بعد الوقوع على ثلاثة أقوال:

الجواز وهو قول القاضي إسماعيل، وابن القصار، وعبد الوهاب. والمنع هو قول ابن نافع، وأشهب وغيرهما. والكراهة لابن زرقون، وهو قوله في المدونة وغيرها، ولم يصرح بالكراهة في المدونة لكن فهم من إمضاء البيع بمجرد العقد، وكذلك فهم اللخمي، ورده المازري لجواز أن يكون إنما أمضاه بالعقد مراعاة لخلاف أبي حنيفة، فإنه يجيز ذلك، وقد وقع في البيوع ما يمنع ابتداء، فإذا وقع مضى.

ومنشأ الخلاف: هل يقال: إن عدم بيع الرهن إنما هو من حق الراهن، فإذا أذن في البيع جاز، أو يقال: الوكالة على البيع إذا كانت للمرتهن تشتمل على معنيين متضادين؛ لأن الراهن يحرص على الاستقصاء في بيع الرهن والمطاولة في الاجتهاد فيه والنداء عليه، والمرتهن يحرص على ضد ذلك من سرعة بيعه ليأخذ حقه، فلما اشتملت على متضادين بطلت من أصلها، ومن كره توسط بين الدليلين.

تفريع:

لا إشكال على الجواز في إمضاء بيعه، وأما على الكراهة والتحريم؛ فقال ابن زرقون: أما ما لا بال له أو ما يخشى فساده؛ فيمضي بيعه بالاتفاق، وكذلك حكى المازري وابن

ص: 134

يونس الاتفاق على الإمضاء فيما لا بال له، وهو يخالف ما حكاه المصنف، لأنه عمم الخلاف؛ لأنه لما ذكر القول الثالث بالتفصيل بين التافه وغيره علم أن غيره من الأقوال مطلقاً، ولم يجعل ابن يونس الإمضاء فيما يخشى فساده متفقاً عليه، وتبع المصنف ابن شاس، فإنه حكى الأربعة الأقوال التي ذكرها المصنف، وتصورها من كلام المصنف بيِّن.

وحكى جماعة فيما له بال ثلاثة أقوال:

الأول: مذهب المدونة الإمضاء، وهو مذهب مالك في العتبية، وبه قال أصبغ. قال مالك في العتبية: وسواء فات أو لم يفت، لأنه بيع بإذن ربه.

الثاني لمالك أيضاً في العتبية: أنه يمضي ما لم يفت، هكذا حكى ابن زرقون هذا القول، وتأوله صاحب البيان على أنه يمضي في العروض ويرد في الأصول إلا أن يفوت، واستبعد ابن زرقون هذا الفهم، قالا: والمراد بقوله: إلا أن يفوت. أي: بما يفوت به البيع الفاسد.

الثالث: أنه يرد مطلقاً، وإن فات عند المشتري لزم المرتهن الأكثر من القيمة أو ما باعه به، وهو مذهب الموَّازيَّة. وحكى في البيان عن أشهب رابعاً: بالإمضاء في العروض والرد في الأصول، فات أو لم يفت.

قال في البيان: وكل من قال بالإمضاء فإنما قال بذلك إذا أصاب وجه البيع، وأما إذا باع بأقل من القيمة فله أخذه من المشتري، وإن تداولته الأملاك فله أن يأخذه بأي الأثمان شاء كالشفيع. وهذا الخلاف كله مقيد بألا يفوض إليه في بيع الرهن، وأما لو فوض لمضى بيعه اتفاقاً، قاله المتيطي. وإن جعل الراهن للمرتهن بيع الرهن دون مؤامرة الحاكم، وأنه أحله في ذلك محل نفسه ومحل الوكيل المفوض، وأنه ليس له عزله؛ أن له البيع بذلك، قاله في الوثائق المجموعة بعشرة شروط: خمسة تلقى من إقرار الراهن، وهي: إقراره بالدين، وبالوكالة،

ص: 135

والتفويض، وأنه مصدق في الثمن، وفي الاقتضاء بغير يمين. وخمسة تثبت بالبينة: ملك الراهن، واستمرار ملكه إلى حين القبض، وحوزه من يده بالقبض، والصلاح، والسداد في الثمن. وقال ابن راشد: اختلف هي عليه إثبات ملك الراهن للرهن على قولين.

وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَسُرَ الْوُصُولُ إِلَى الْحَاكِمِ) هذا لأشهب، ونصه على ما نقله جماعة، وأما ببلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يعسر تناوله فبيعه جائز إذا كان بيعه صحيحاً. أشهب: وإن كان الرهن مما يسرع إليه الفساد مقتاتاً أو تمراً أو قصباً باعه من غير أمر السلطان؛ لأن حسبها فساد، وجعله المصنف خلافاً، والذي يؤخذ من كلام اللخمي والمازري وغيرهما: أنه وفاق، وأنه إذا أعسر الوصول إلى الحاكم باع بحضرة العدول. ونص المازري على أن إحضار العدول من باب الأولى، ونص في البيان على أن قول أشهب تفسير، نعم نقل عن غيره أنه خلاف، وعليه يأتي كلام المصنف ونصه: وقال أشهب: إذا كان الرهن مقتاتاً أو تمراً أو قصباً يُجْنَى شيئاً بعد شيء فيخشى عليه الفساد فبيع المرتهن له جائز دون مؤامرة سلطان ولا ملأ ولا جماعة.

وقوله: (عِنْدِي) مفسر، وحمله بعضهم على أنه خلاف مذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة وغيرها.

وَيَسْتَقِلُّ الأَمِينُ فِيهِ إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الأَجَلِ وَبَعْدَهُ

حاصل [518/أ] كلامه: أن الأمين ليس كالمرتهن، بل له أن يبيع من غير مؤامرة الحاكم قبل الأجل وبعده. وعلى هذا فالمساواة بينهما حاصلة إذا كان الإذن بعد الأجل ويختلفان إذا كان الإذن قبله، وهكذا ذكر ابن شاس والمازري، وهذا لبعد التهمة في الأمين.

فإن قلت: مقتضى كلام المازري المساواة؛ لأنه بعد أن ذكر الجواز في الأمين قال والخلاف جار في الأمين كما في المرتهن، وكذلك هو ظاهر كلام اللخمي، فالجواب: أن كلاًّ منهما محمول على ما إذا وكل المرتهن أن يبيع ما تحت يد الأمين، وذلك ظاهر من كلامهما.

ص: 136

فرعان:

الأول: إذا وكل وكيلاً على بيع الرهن، فهل يكون للراهن عزله أم لا؟

عندنا قولان، واقتصر ابن الجلاب على أنه لا يعزله إلا بإذن المرتهن. قال في البيان: وهو ظاهر المذهب. وأشار اللخمي إلى أن من يجيز الوكالة ابتداء يمنعه من العزل، وفيه نظر. ألا ترى أن القاضي إسماعيل يجيز الوكالة، وقد اختلف قوله في جواز العزل، فحكى الباجي والمتيطي وصاحب البيان عنه جواز العزل، وحكى اللخمي والمازري منعه منه، والله أعلم.

الثاني: قال في المدونة: إذا أمر السلطان رجلاً ببيع الرهن ليقضي المرتهن حقه، فباعه ثم ضاع الثمن من يده؛ لم يضمنه المأمور وصدق في ضياعه، فإن اتهم حلف، وكان الثمن من الذي له الدين. قال بعض القرويين: إنما يكون ضياع الثمن من الذي له الدين على قول ابن القاسم إذا ثبت المأمور للرهن ببينة، وإن لم يثبت بيعه إلا بقوله؛ فإن الراهن لا يبرأ من الدين؛ لأن صاحب الدين لم يأتمنه على البيع، وخالفه غيره وقال: ذلك سواء، وضمان الرهن من المرتهن.

ابن يونس: وهذا هو الصواب، وعليه يدل ظاهر الكتاب، ولأنه جعل السلطان أميناً لهما على بيعه فوجب سقوط ضمانه وقبول قوله، ولو ضاع الرهن قبل بيعه لكان على قول ابن القاسم من ربه، وعلى قول ابن الماجشون من الذي له الدين، وهذا كاختلافهم في مال المفلس الموقوف للغرماء.

مَا لَمْ يِكُنْ فِي الْعَقْدِ شَرْطٌ

لم يثبت هذا في كل النسخ، وهو راجع إلى قوله:(وَيَسْتَقِلُّ الأَمِينُ) أي: ويستقل إلا أن يكون ذلك شرطاً في العقد، ومراده بذلك ما قاله صاحب الجواهر، لكن عبارته لا تفي بذلك. قال: ولو أذن الراهن للعدل وقت الرهن في البيع عند الأجل جاز، فلو قال

ص: 137

الراهن لمن على يده الرهن من مرتهن أو عدل: إن لم آت إلى أجل كذا فأنت مسلط على بيع الرهن؛ فلا يبيعه إلا بأمر السلطان، فإن باعه بغير أمره نفذ. انتهى. ونحوه في المدونة، ونصها: ومن ارتهن رهناً وجعلاه على يد عدل أو على يد المرتهن إلى أجل كذا واشترطا إن جاء الراهن بحقه إلى ذلك الأجل، وإلا فلمن على يده الرهن بيعه، فلا يبيعه إلا بأمر السلطان، وإن شرط ذلك فإن بيع نفذ بيعه ولم يرد، وإنما لم يجز البيع هنا للأمين إلا بإذن السلطان؛ لأنه قيد البيع بإن لم يأتِ، ومن الجائز أن يكون أتى أو حاضراً معه في البلد، فلذلك لا بد من نظر السلطان بخلاف الأولى، فإنه قد أذن فيها إذناً مطلقاً.

وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّاهِنُ بَاعَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ

وإذا رفع المرتهن الأمر إلى الحاكم أمره بالوفاء، فإن لم يكن عنده شيء، قال صاحب البيان: إن ألدَّ أو غاب باع الحاكم عليه الرهن بعد أن يثبت المرتهن عنده الدين والرهن. قال في البيان: واختلف هل عليه أن يثبت ملك الراهن له على قولين يتخرجان على المذهب، وذلك عندي إذا أشبه أن يكون له، وأما إن لم يشبه كرهن الرجل حليَّاً أو ثوباً لا يشبه لباسه، وكرهن المرأة سلاحاً فلا يبيعه السلطان إلا بعد إثبات الملك، وإن لم يكن سلطان باعه بحضرة العدول ونفذ البيع. هذا في العروض، وأما العقار يبيعه بحضرة العدول بغير أمر السلطان؛ فله أن يأخذه من يد المشتري، وأن يبيع بالقيمة. انتهى.

ونحوه في المتيطية، وظاهر ما تقدم من كلام اللخمي والمازري: أنه إذا لم يكن سلطان وعسر اطلاعه؛ أن يمضي البيع بحضرة العدول في العقار وغيره، وهكذا قال ابن راشد: أن اللخمي لم يفرق بين عقار وغيره.

فرعان:

الأول: قال ابن عبدوس: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فاليسير يباع في مجلس وفي الكثير الأيام، وما كان أكثر منه ففي أكثر من ذلك، وأما الجارية الفارهة والدار والثوب الرفيع فيبقى ذلك حتى يشتهر، وربما نؤدي على السلعة الشهرين والثلاثة، وكل شيء بقدره.

ص: 138

الثاني: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فبيع بغير العين، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجوز ذلك. وقال أشهب: إن باعه بمثل ما عليه وإن لم يكن فيه فضل جاز، وإن كان فيه فضل لم يجز بيع ذلك الفضل، والمشتري بالخيار فيما بقي إن شاء رد الشركة، وإن باعه بغير ما عليه لم يجز.

وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ بِنَفَقَةِ الرَّهْنِ أَذِنَ أَوْ لَمْ يَاذَنْ

تصور المسألة ظاهر، ووجهها: أنها لما كانت الغلة للراهن وجب أن تكون النفقة عليه.

المازري: واختلف الأشياخ إذا كان الرهن عبداً وأبق وطلبه من عادته طلب الإباق، هل يأخذ الجعل من الراهن وهو الأصل، أو من المرتهن لأن المنفعة إنما هي عائدة عليه؟ على قولين، والأول قول سحنون. وكذلك اختلف في الجعل على البيع إذا كان الراهن غائباً؛ فروى أبو زيد وعيسى عن ابن القاسم: أنه على المرتهن لأنه طالب البيع، وقال أصبغ [518/ب] وعيسى: بل على الراهن. وخالفا ما رواه أشهب، وليس للراهن أن يمنع المرتهن أن ينفق على الرهن؛ لأنه يهلك إن كان حيواناً ويخرب إن كان رباعاً.

وقوله: (أَذِنَ أَوْ لَمْ يَاذَنْ) يريد لأنه قام عنده بواجب.

واعلم أن النفقة تتعلق بذمة الراهن إذا أذن باتفاق، واختلف إذا لم يأذن؛ فقال ابن القاسم: وهو كما لو أذن. وقال أشهب: إنما تتعلق بعين الرهن قياساً على من أنفق على ضالة فإن الإنفاق يكون في عينها وتباع فيه، وإن قصر ثمنها عن الإنفاق لم يتبع صاحبها بالزائد. وفرق ابن القاسم بينهما بأن الرهن لما دفعه صاحبه للمرتهن وقد علم أنه لا بد له من نفقة صار كالإذن. واختلف في قول ابن القاسم إذا كان الراهن غائباً هل يتبع بالنفقة ولو زادت على ثمن الرهن أو لا؟ لأن النظر في حق الغائب بيع الرهن، وكان الراهن إنما أذن في الإنفاق ما لم يجاوز قيمته، فللأشياخ قولان حكاهما المازري، وحكى ابن يونس

ص: 139

الأول عن بعض القرويين، وقال: القياس عندي ألا يتبع بالزائد؛ لأنه لم يأذن في النفقة، ومن حجته أن يقول: كان ينبغي لك أذا بلغت النفقة مقدار ثمنه أن ترفعه إلى الإمام فيبيعه ولا تخلد في ذمتي ديناً لم آذن لك فيه.

وَلا يَكُونُ رَهْناً بِهِ خِلافاً لأَشْهَبَ

أي: ولا يكون الرهن رهناً بالنفقة خلافاً لأشهب، وأطلق المصنف في خلاف أشهب، وهو مقيد بما إذا لم يأذن، وقاسها أشهب على الضالة، فإن الضالة رهن بما أنفقه عليها، وفرق ابن القاسم في المدونة والمجموعة بينهما: بأن الضالة لا تباع على صاحبها، ولا بد من النفقة عليها، والرهن ليست نفقته على المرتهن، ولو شاء طالبه بنفقته، وإن غاب رفع ذلك إلى الإمام.

ابن يونس: بناء على هذا فإن قال له الإمام: أنفق على أن نفقتك فيه؛ كان أحق به من الغرماء حتى يستوفي نفقته ودينه. واختلف الشيوخ إذا قال له الإمام: أنفق على أن نفقتك في الرهن، ويتبين لك ذلك بذكر لفظ المدونة أولاً، ولفظها: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق على الراهن.

ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه، لأن ذلك سلف إلا أن يقول له: أنفق على أن نفقتك في الرهن، فإن قال ذلك رأيتها في الرهن وله حبسه بما أنفق وبما رهنه به، إلا أن تقوم الغرماء على الراهن، ولا يكون المرتهن أحق منهم بفضلة الرهن عن دينه لأجل نفقته - أذن في ذلك أو لم يأذن - إلا أن يقول: أنفق والرهن بما أنفقت رهناً.

قال ابن شبلون: الحكم على ظاهر المدونة في تقسيمه على ثلاثة أقسام. قال غيره: لا فرق بين قوله: أنفق على أن نفقتك في الرهن، وبين أن يقول: والرهن بما أنفقت رهناً، ولا يكون للمسألة عند هؤلاء إلا قسمان.

ص: 140

المازري: وحمل هؤلاء المدونة على أن فيها تقديماً وتأخيراً، قال: وظاهر الكتاب التفرقة كما قال ابن شبلون. وبالتسوية قال ابن يونس، ونقله عن القرويين، واحتج ابن يونس بأن المسألة وقعت في المجموعة والموَّازيَّة كذلك، ولفظها في الكتابين، قال ابن القاسم: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره فهو سلف، ولا يكون في الرهن إلا أن يشترط أنه رهن بالنفقة الآن فله حبسها بما أنفق وبدينه، إلا أن يكون على الراهن دين فلا يكون أولى بما يفضل عن دينه، إلا أن يشترط أن ذلك في النفقة. ابن عبد السلام: وليس في هذا دليل عن ابن شبلون، ولا يبعد تأويله، وحمله على ما في المدونة.

فَإِنْ كَانَ شَجَراً وَشِبْهَهُ فَانْهَارَتِ الْبِئْرُ وَخِيفَ التَّلَفُ فَفِي إِجْبَارِهِ قَوْلانِ

أي: فإن كان الرهن شجراً وشبهه؛ أي: زرعاً فانهارت البئر وخيف على الشجر أو الزرع التلف بقلة الماء؛ ففي إجبار الراهن على إصلاح البئر وعدم إجباره قولان، والقول بالجبر هو المنصوص لابن القاسم في المختصر والموَّازيَّة إن كان له مال، وإن لم يكن له مال نظر، فإن كان بيع بعض الأصل خيراً له نظر ما يصلح به البئر، وإن تطوع المرتهن بالنفقة في إصلاحها، فإن رأى أن ذلك خير لرب الرهن، قيل للمرتَهَن: أنفق وتكون أولى بالنخل حتى تأخذ ما أنفقت، ولا ينظر إلى قيمة النفقة ولا قيمة ما وضع من حجر وغيره، ولكن يحسب له ما أنفق كالسلف، والقول بعدم الجبر تأول على المدونة؛ لأن فيها: إذا أبى الراهن من إصلاحها فأصلحها المرتهن خوف هلاك النخل والزرع؛ فلا رجوع له بما أنفق على الراهن، ولكن يكون له ذلك في الزرع وفي رقاب النخل يبدأ فيه بنفقته، فما فضل كان في دينه.

فقوله: "أبى من إصلاحها" يقتضي أنه لا يجبر، وقد يقال: لا نسلم أن هذا يؤخذ منه عدم الجبر؛ لجواز أن يحمل المدونة على ما إذا تعذر الرفع إلى الإمام أو نحو ذلك، على أن

ص: 141