الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني في الحسن
ذُكِرَ عن التِّرمِذِي أنه يُريدُ بالحَسَنِ، أن لا يكون في إسناده متهم ولا يكون شاذًا ويُروَى من غير وجه نحوه (1).
وقال الخطَّابي (2): هو ما عُرِفَ مخرجُهُ، واشتهر رجاله، قال: وعليه مَدَارُ أكثرِ الحَديِث، فالمنقطع ونحوه مما لم يُعرَف مخرجُهُ، وكذلك المدلَّس إذا لم يبيَّن.
وقال بعض المتأخرين (3): هو الذي فيه ضعف قريب محتمل، ويصلح للعمل به.
وقال ابن الصلاح (4): هو قِسْمِان، وأَطَال في تَعريفِهِما، بِمَا حَاصِلُه أن أحدهما: ما لم يَخْل رجال إسناده عن مستور، غير مُغَفَّل في روايته، وقد رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر.
والثاني: ما اشتهر راويه بالصِّدق والأمانة، وقَصُر عن درجة رجال الصحيح حِفظًا وإِتْقَانًا، بحيث لا يُعَدُّ ما انفرد به منكرًا.
قال ولا بُدَّ في القِسمين من سلامتهما عن الشذوذ والتَّعليل.
(1) علل الترمذي الملحق بآخر الجامع (5/ 559).
(2)
معالم السنن (1/ 6).
(3)
يشير إلى قول ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (1/ 14).
(4)
مقدمة ابن الصلاح (ص 175).
ثم قال القاضي بدر الدين ابن جماعة (1): وفي كل هذه التعريفات نظر.
أما الأول والثاني؛ فلأن الصحيح كله أو أكثره كذلك، فيدخل الصحيح في حدِّ الحسن، ويَرِد على الأول الفرد من الحسن؛ فإنه لم يرو من وجه آخر، ويَرِد على الثاني ضعيف، عُرف مخرجه واشتهر رجاله بالضَّعف.
وأما الثالث فيُتَوقف على معرفة الضَّعيف القريب المحتمل، وهو أمر مجهول وأيضا فيه دور؛ لأنه عُرِفَ بِصلاحِيَتِه للعمل به، وذلك يتوقف على معرفة كَوْنِه حسنًا.
وأما الأول من القسمين، فَيَرِد عليه الضَّعيف والمُنقطع والمُرسل الذي في رجاله مستور، وروي مثله أو نحوه من وجه آخر.
ويرد على الثاني، وهو أقربها: المرسل الذي اشتهر راويه بما ذكر؛ فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح.
وقال القاضي (2): لو قيل الحسن هو كل حديث خالٍ عن العِلَلَ، في سنده المتصل مستور، له به شاهد أو مشهود، قاصر عن درجة الإتقان، لكان لِمَا حدُّوه أجمع وأقرب مما حاولوه وأخصر منه.
أقول: اعلم أن هذا المقَام مَقَامٌ صعبٌ مُرتَقَاه، وعقبة كَؤُود، ومن استعلَى ذِروتَها ثم انحدر منها، وقف على أكثر اصطلاحات هذا الفن، وعَثَر على جُلِّ أنواعه بإذن الله تعالى، ولا يمكن الوقوف على الحق إلا
(1) المنهل الروي (ص 36).
(2)
المنهل الروي (ص 36).
بتحرير كلام يَفصِل بين الصحيح والسقيم والمُعْوَجِّ والمستقيم، فنحن نَشْرَح الحدود على طريق يندفع عنها النظر.
أما قول الترمذي، أن لا يكون في إسناده متهم فيحتمل معنيين؛ أن لا يتوهم الغفلة والكذب والفسق في المُسنِد، فلا يُتَّهم به أو يُتَوهَّم فيه ذلك ولا يُتَّهم به، فهذا هو معنى مستور العدالة، وهو المعنيُّ به في التعريف، وقد قصد بهذا القيد الاحتراز عن الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون مشهور العدالة.
وأما قول الخطَّابي، فالمراد به، أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه، وحيث كان مُطلقًا من قيد العدالة والضبط، دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح، وهذا هو الجواب أيضًا عن قوله: واشتهر رجاله بالضعف؛ لأن إطلاق الشهرة في عُرفهم، دلَّ على خلاف ما فُهِم من الضَّعف.
وأما قوله ويَرِد على الأول أيضا الفرد من الحسن؛ فإنه لم يُرو من وجه آخر.
فجوابه أن نقول: إن قولَنا يُروى [من غير وَجه يحتمل وجوهًا؛ أن يُروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يُروى](1) معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولا يَبعُد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فَرْد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الاعتبار
(1) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).
يغلب ظنًا احتمال طريق آخر يَتَقوَّى به، بخلاف الفرد المطلق.
وجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورًا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويُروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلا على وجه يرفع به ذلك الضَّعف وإلا كان عَبثًا.
وفي كلام ابن الصلاح إِشعار بذلك، على أن حَدَّ المُعتَرِض يفتقر إلى هذا التأويل، كما سنُقَرِّرُه، وهذا هو الجواب أيضًا عن اعتراضه على أول القسمين لابن الصلاح، وهو قوله فيرد عليه الضعيف والمنقطع والمرسل.
وأما قول بعض المتأخرين: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل، فَمَبْنيٌّ على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف؛ لأن الحسن وسط بينهما.
فقوله قريب؛ أي قريب مخرجه من الصحيح، محتمل الكذب لكون رجاله مستورين، كما حققناه في تفسير قول الترمذي، أن لا يكون في إسناده متهم.
ويُفْهَم من هذا التقرير؛ أنه إذا تحقق الجارح في المعتضِد أو المعتضَد به، لم يَزُل الضعف كما في حديث "طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَة".
قال البَيهقيُّ (1): هذا حديث متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد رُوي من أوجه كلها ضعيف.
فالضعيف: هو الذي بَعُد عن الصحيح مَخرجُه، واحتمل الصدق والكذب أو لا يحتمل الصدق أصلاً، كالموضوع، وإنما عُدِل في الحسن من الوسط أي الذي يحتمل الصدق والكذب إلى الكذب، لأن هذا الراوي لمَّا انحطَّ درجته من درجة رجال الصحيح، وارتفع عن حال من يُعَدّ ما ينفرد به من الحديث مُنكَرًا، وكان مُسلمًا، لا سيَّما مشهورًا بأهل الحديث، وجب حُسن الظن به وترجيح أحد الجانبين على الآخر، وجعل قوله صِدقًا، وإلى هذا المعنى أشار الخطَّابي بقوله: واشتهر رجاله أي بالصدق، كما فسره ابن الصلاح.
وأما قوله "ويصلح للعمل به"، فكالخارج عن الحد بيانًا لما يلزم من الحد أي إذا كان معنى الحسن ذلك، صَلُحَ العمل به وعلى هذا يندفع الدور.
وأما قوله: "ويَرِد على الثاني"؛ أي على القسم الثاني لابن الصلاح.
فجوابه، أن قوله بحيث لا يُعَدّ ما انفرد به مُنكرًا، احتراز مما ذكره؛ لأنه لا يخلو من أنَّ الذي رواه هذا الراوي مما عُرِف متنه أو معناه من غير روايته من غير وجه، أو مما لم يعرف لا من الوجه الذي رواه ولا من وجه آخر.
(1) شعب الإيمان (1663).
فالأول أخرج المرسل والمنقطع عن الحد.
والثاني هو الذي احترز منه بقوله "لا يُعد ما انفرد به منكرًا".
إذا عرفت هذا فلتذكر الآن تفسير حدِّه (1) للحسن على ما سنح في خاطرنا والله أعلم بمراده.
فقوله "خالٍ عن العِلَل"، احتراز عن دخول الأسباب الخفية الغامضة القادحة في الحديث.
وقوله "في سنده المتصل"، احتراز عن المرسل والمنقطع ونحوهما.
وقوله "مستور"، مبتدأ وله به شاهد أو مشهود صفته.
وقوله "في سنده المتَّصل"، خبره والضَّمير المجرور في "له"، للمستور، وفي "به" للحديث و"أو" فيه، للتَّنْوِيع لا للترديد، والمعنى للرَّاوي المستور العدالة بهذا الحديث شاهد؛ أي حديث آخر مروي بلفظه بغير هذا الإسناد ويشهد له بالقوة، أو لراوي الحديث طريق آخر فيه معنى هذا الحديث، يشهد هذا الحديث أنه منه، ومعناه معناه، ويكون هذا الحديث شاهدًا وذاك مشهودًا بهذا المعنى، وكون المشهود موافقًا له ومقوِّيًا إياه بسندٍ غير سنده، ينقلب المشهود شاهدًا، وسيأتي تمام تحقيقه في نوع الاعتبار.
واحتُرِز بهذا الفصل عن الضعيف الذي لم يُعْتَضَد بمثل ذلك الحديث أو آخر بمعناه، وقوله "قاصر عن درجة الإتقان" صفة أخرى للراوي المستور
(1) أي الذي حده القاضي بدر الدين ابن جماعة.
العدالة فعُلم من الأول أن عدالة هؤلاء دون عدالة رجال الصحيح، ومن الثاني أن إتقانَهم قاصر عن إتقانِهم، وهذان القَيْدان معًا، فصل واحد يُخرِج الصحيح عن الحسن، وكذا يخرجه عن الانفراد، وكل واحد منهما على الانفراد يصلح لإخراج الضعيف منه، فظهر من هذا أن حدَّه أجمع الحدود.
لكن يرد على قوله "في سنده المتصل"، مرسل الثقة الذي اعتضد بالمسند فإن تشبث بأن العمل حينئذ بالمسند لا به، فيُردُّ بما اختاره واختار المحققون كما سنبين في المرسل.
والفرق بين حدَّي الصحيح والحسن، أن شرائط الصحيح مُعتَبرة في حدِّ الحسن، لكن العدالة في الصحيح ينبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملاً وليس ذلك بشرط في الحسن، ومِن ثَمَّ احتاج إلى قيام شاهد أو مشهود لينجبر به، فلو قيل: هو مُسند مَن قَرُبَ من درجة الثقة، أو مُرسَل ثقة ورُوي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شُذُوذٍ وعِلَّة، لكان أجمع وأبعد من التعقيد.
ونعني بالمسند: ما اتصل إسناده إلى منتهاه، وبالثقة: من جمع بين العدالة والضبط.
والتنكير في ثقة للشيوع، كما سيأتي بيانه.
فرعان
الأول: الحسن حُجَّة كالصحيح، وإن كان دونه.
ولذلك أدرجه بعض أهل الحديث فيه، ولم يفرده عنه، وهو ظاهر كلام
الحاكم في تصرفاته.
الثاني: قولهم حَسنُ الإسناد أو صحيح الإسناد، دون قولهم حديث صحيح أو حسن، إذ قد يصح إسناده، أو يحسن دون متنه، لشذوذ أو علة، فإن قاله حافظ معتمد ولم يقدح فيه، فالظاهر منه حكمه بصحة المتن أو حُسنه.
قال ابن الصلاح (1): أمَّا تَسْمية مُحيي السُّنَّة (2) في المصابيح، السُّنَن بالحِسَان فتَسَاهُل لأن فيها الصِّحاح والحِسَان، والضِّعاف.
وقول الترمذي وغيره: حديث حسن صحيح، أي رُوي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر يقتضي الحُسن، أو المراد بالحسن، الحُسْن اللغوي وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه.
وحديث المُتَأخِّر عن دَرَجة الإتقَان والحِفظ، المَشْهُور بالصدق والسَّتر، إذا رُوي من وجه آخر، تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح، لِقُوَّته من الجهتين فينجَبِر أحدهما بالآخر.
ومعنى قولِه: "تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح"، أنه مُلحقٌ في القوة به، لا أنه عَينُه، فلا يَرِد عليه ما قيل فيه نظر، لأن حَدَّ الصَّحيح لا يَشْمَله فكيف يُسمَّى صحيحًا.
(1) مقدمة ابن الصلاح (ص 182).
(2)
قوله " محيي السنة " هو لقب للإمام أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي صاحب مصابيح السنة المتوفى سنة 516 هـ.
وأما الضَّعيف فَلِكَذِب راويه وفسقه، لا يَنجَبِر بِتَعدُّدِ طُرُقِه، كمَا مرّ.