الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
في آداب الشيخ والطالب والكاتب
اعلم: أن علم الحديث علم شريف يُناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم ويُنافي مساوئ الأخلاق ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة، لا من علوم الدنيا، فمن أراد التَّصدي لإسماع الحديث أو لاستماعه أو لإفادة شيء من علومه، أو لاستفادته فليقدم تصحيح النية وإخلاصها وليُطَهِّر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بلية حب الرياسة ورُعُوناتها وطلب مال، وغير ذلك مما لا يراد به وجه الله تعالى، وفيها فصول:
الفصل الأول:
في أدب الشيخ:
يستحب للمُتَصدي لإسماع الحديث أن يَبْلغ أربعين لأنها انتهاء الكهولة وفيه مجتمع الأشُد.
نُبِّئ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين.
وقال ابن الصلاح (1): هذا محمول على من تصدى للتحديث بنفسه من غير براعة في العلم، والحق أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لنشره في أي سن كان، كمالك فإنه تصدى له، وله نيف وعشرون سنة،
(1) مقدمة ابن الصلاح (ص 419).
وقيل سبع عشرة.
والشافعي أُخِذَ عنه العلم وهو في سن الحداثة.
وعمر بن عبد العزيز لم يبلغ الأربعين.
وغيرهم ممن نشروا عُلومًا لا تحصى، ولم يبلغوا ذلك.
ومتى خُشي عليه الهرم والخرف والتخليط أمسك عن التحديث، ويختلف ذلك باختلاف الناس.
فقد حَدَّث خلق بعد مجاوزة الثمانين لَمَّا ساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة كأنس ابن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفىَ من الصحابة.
وكمالك، وابن عيينة، والليث، وابن الجعد.
وحدَّث قوم بعد المائة كالحسن بن عرفة وأبي القاسم البغوي وغيرهما.
وينبغي أن لا يُحَدِّث بحضرة من هو أولى منه، لِسنِّه أو علمه أو غير ذلك وقيل لا يحدث في بلد فيه من هو أولى منه، وإذا طُلِب منه ما يعلمه عند من هو أولى منه أرشد إليه لأن الدِّينَ النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لعدم صحة نيته، فإنه يُرجى له تصحيحها وليحرص على نشره وليبتغ جزيل أجره وإذا أراد حضور مجلس التحديث فليقتدِ بالإمام مالك رضي الله عنه، فإنه إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرَّح لحيته وتَطيَّب وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدَّث وقال: أُحِبُّ أن أُعظِّم حديثَ رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكان يكره أن يُحدِّث في الطريق أو هو قائم أو مستعجل، فإن رَفَع أحدٌ صوته في مجلسه زَجَره، ويستحب له أن يُقبِل على الحاضرين كلهم ولا يسرد الحديث سَرْدًا، يمنع السامع من إدراك بعضه وليفتح مجلسه بقراءة قارئ حسن الصوت، فإذا فرغ استنصت المستملي أهلَ المجلس ثم الشيخ يُبَسمِل ويدعو ويقول: الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأَتمَّان على سيد المرسلين، كلما ذكره الذاكرون، وكُلَّما غفل عنه الغافلون، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآل كلٍّ وسائرِ الصالحين، نهايةَ ما ينبغي أن يسأله السائلون.
ويستحب له الثناء على شيخه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له فقد فعل ذلك غير واحد من السلف.
ولا بأس أن يذكره بما يُعرَفُ به من لقبٍ أو نسبةٍ، ولو إلى أُمٍّ أو صنعة أو وصفٍ في بدنه.
وحَسَنٌ أن يجمع في إملائه جمعًا من شيوخه، مُقدِّمًا أفضلهم ويُملي عن كل شيخ حديثًا، ويختار ما علا سنده وقَصُر متنه، ويُنبِّه على ما فيه من علوٍ وفائدةٍ وضبط مشكل.
ويتجنب ما لا يحتمله عقول الحاضرين، أو يخاف عليهم الوهم في فَهمه ويستحب أن يتخذ مُستمليًا مُحصِّلاً مُتيقظًا، يُبلِّغ عنه إذا كثر الجمع ويستملي مُرتفعًا على مكانٍ، كالكرسي ونحوه، وإلا قائمًا.
وعليه تبليغ لفظه على وجهه، ثم يختم إملاءه بشيء من الحكايات
والنوادر والإنشادات في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق.
وإذا قصر المحدث عن التخريج، أو اشتغل عنه، استعان ببعض الحفاظ في التخريج له، فإذا فرغ من الإملاء قابل ما أملاه.