الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ب- كلامه عن تطبيق الشريعة في مقالات التجربة المصرية
بجريدة الأهرام
كتب د. علي جمعة أربع مقالات في جريدة الأهرام الذائعة الصيت، عنون لها بالتجربة المصرية (1)، وتحدث فيها عما سماه بالنموذج المصري لبناء الدولة الحديثة، هذا النموذج الذي بدأه بعصر محمد علي، وحتى الآن.
وفي هذه المقالات حاول د. علي جمعة إفهام القارئ أن القوانين المصرية صاغها قوم مخلصون، جعلوا الشريعة الإسلامية نصب أعينهم، وأنها اجتهاد لفقهاء رأوا أن الشريعة تبيح هذه القوانين، من باب الحالات الاستثنائية وفقه الضرورة، وكأن التاريخ يمكن أن يُمحى بجرة قلم، وكأن الحرب الضروس التي شنها المنافقون ولا يزالون يشنونها على أمة الإسلام في مصر يمكن أن تنسى بهذه السهولة.
* يقول د. علي جمعة: "في عصر إسماعيل باشا أراد أن يكمل ما بدأه جده محمد علي باشا في بناء الدولة الحديثة، فأنشأ البرلمان، ودعا إلى الفصل بين السلطات الثلاث، وأقر نظام الانتخاب، وبنى الهياكل الأساسية الحديثة، واستمر في عمليات الاستقلال، وسعى إلى وضع نظام للتقنين المصري.
ولأنه كان حريصًا على البعد عن الدولة العثمانية التي قننت الشريعة الإسلامية في صورة المجلة العدلية، الصادرة سنة 1290هـ، فقد فكر في عدة احتمالات، وكلها لا يريد أن يخرج عن الشرع الإسلامي، بل يريد أن يوجد صيغة جديدة يستطيع فيها المسلم أن يضع قدمه في نطاق العالم الحديث؛ فكر أن يترجم كود نابليون أول، وكود نابليون ثاني، وأمر
(1) نشرت هذه المقالات في جريدة الأهرام بتاريخ 26 - 6، و3 - 7، و10 - 7، و17 - 7/ 2006.
رفاعة رافع الطهطاوي أن يفعل ذلك نقلاً عن الفرنسية إلى العربية، ولقد تم ذلك، وطبع هذا العمل في مجلدين في المطبعة الأميرية في أواخر القرن التاسع عشر، لكنه لم يطبق كقانون في مصر.
وكان حريصًا على إيجاد علاقة بين القانون الفرنسي المأخوذ أساسًا من تشريعات لويس، والتي قيل: إنها تأثرت بالفقه المالكي عبر الأندلس، فأمر الشيخ مخلوف المنياوي مفتي الصعيد أن يراجع ما ترجمه رفاعة -رحم الله الجميع- فكتب تقريرًا واسعًا استفاض فيه حتى صار كتابًا طبع الآن في مجلدين بمصر، تحت عنوان (المقارنات التشريعية) قارن فيه بين القانون الفرنسي، وما يعرفه من الشريعة الإسلامية، ووجد مقاربة بينه وبين الفقه المالكي على وجه الخصوص، ووجد مخالفات قليلة، إلا أن هذا العمل لم يلتفت إليه، وظل حبيسًا بدار الكتب المصرية إلى أن نشره الأستاذ الدكتور محمد سراج عبد الهادي، وشاركه على استحياء كاتب هذا المقال.
وهذا العمل يدل على حرص القيادة السياسية حينئذ على عدم الانسلاخ عن الشريعة بالكلية، ولكنها تريد أن تعيش العصر، وأن تجعل بلادها تجد لنفسها موطن قدم في العالم".
هل يمكن لأحد أن يصدق بهذه البساطة أن القانون الفرنسي مقارب للفقه المالكي، وأنه لا يخالفه إلا قليلاً!!! ومع اعتراف د. علي جمعة أن هذا الترقيع المسمى مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي لم تلتفت الحكومة إليه، فإنه يدل عند د. علي جمعة على حرص القيادة السياسية حينئذ على عدم الانسلاخ عن الشريعة بالكلية!!! ولا أدري هل هناك انسلاخ من الشريعة بالكلية وانسلاخ نصف ونصف!!!
وليتضح الأمر في قصص د. علي جمعة ننقل بعض ما رواه الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار التي كانت تصدر في أوائل القرن الماضي، وهو رجل حديث عهد فيما يرويه بعهد الخديوي إسماعيل، فيروي الشيخ محمد رشيد رضا عن أحد كبار القضاة الشرعيين قوله:(كان من غرض إسماعيل باشا إرضاء أوربا بتقليدها في كل شيء، حتى في إبطال بعض الأحكام الشرعية الإسلامية؛ كإباحة تعدد الزوجات المنتقدة عندهم، وتحويل الشريعة إلى قوانينهم، وأنه كان يقول: لا يمكن أن تعمل الأمة في هذا القرن بما وضع للعرب من نحو ثلاثة عشر قرنًا تقريبًا، ولهذا لم يكن للعلماء إجابة طلبه) ثم يعلق رشيد رضا على رواية هذا القاضي الشرعي بقوله: (ولا بُعد في هذه الأقوال عند العارفين بحال هؤلاء الأمراء، وبُعدهم عن الدين، وكأن ذلك الأمير المستبد الجاهل كان يرى أن قانون الكرباج الذي وضعه محمد علي وأفسد به بأس الأمة، ونزع منها هو ومن بعده روح الشهامة والشجاعة، أفضل من الشرع الإلهي الذي ارتقى بالأمة العربية إلى السيادة على جميع الأمم)(1).
ويحكي الشيخ محمد رشيد رضا حال مصر في عهد الخديوي إسماعيل بقوله: (لما هاجر السيد جمال الدين حكيم الشرق وموقظه إلى هذه البلاد رأى من استبداد إسماعيل باشا الخديوي الأسبق ما يزيد على ما كان في أوربا من الاستبداد، ورأى أن الجمعية الماسونية تجر هذه البلاد إلى أوربا بخيوط سياسية خفية؛ ولكنها متينة قوية، فهي كالخيوط التي يربط بها المشعوذ التماثيل التي يلعب بها وراء الستار فيحسب الصبيان أنها هي التي تلعب بنفسها، وكذلك كانت مصر ألعوبة في أيدي الأوربيين)(2) ويقول كذلك: (بدء هذا الفساد الديني الأخلاقي في عهد إسماعيل باشا أي قبل الاحتلال البريطاني، فكان ممهدًا لكل ما فعله رجاله من مقاومة التعليم الديني على ضعفه في مدارس الحكومة، ومن حرية
(1) مجلة المنار، عدد 16 ربيع الآخر، سنة 1322هـ.
(2)
مجلة المنار، عدد 1 ربيع الأول، سنة 1321هـ.
الفسق والفجور، وقد صار الألوف من رجال الحكومة ملاحدة معطلِين أو فاسقين؛ لا يصلون، ولا يصومون، ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله من السُّكر والزنا والقمار، بل منهم من يهزءون بمن يرونه يصلي ويصوم، ويعدونه متأخرًا أو رجعيًّا!!) (1).
أبعد هذا يمكن تصديق أن القيادة السياسية حينئذ كانت حريصة على عدم الانسلاخ عن الشريعة!!
* ثم أكمل د. علي جمعة قصصه فقال: "ولما سمع محمد قدري باشا الذي تولى وزارة الحقانية (العدل) عن نية الخديوي إسماعيل هذه، وعن رغبته الشديدة في الاستقلال عن الدولة العثمانية بمجلتها العدلية، سارع فوضع تقنينًا على مذهب الحنفية يوازي المجلة العدلية، ويستفيد منها، وإن كان مختلفًا بعض الشيء عنها، وظهر هذا في كتابه الكبير (الأحوال الشخصية) في أربع مجلدات، وفي كتابه (دليل الحيران في معرفة أحوال الإنسان) وفي كتابه (العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف) والتي لم ينفذ منها شيء أيضًا، ولكنها دالة في نفسها على مراد القيادة من عدم الانسلاخ عن الشريعة الغراء".
محمد قدري سمع عن نية الخديوي إسماعيل فسارع بصفته الشخصية بوضع تقنين على مذهب الحنفية، ولم ينفذ من تقنينه شيء كما يحكي د. علي جمعة، ولكن د. علي جمعة يصر على أن مراد القيادة عدم الانسلاخ عن الشريعة الغراء!!!.
* ويقول د. علي جمعة: "وبالرغم مما نقول من هذه الإرادة التي نشير إليها في توصيفنا للتجربة المصرية، إلا أنه واكبتها دعوة مستمرة لتمصير
(1) مجلة المنار، عدد شعبان، سنة 1348هـ.
القوانين، وكلمة (تمصير القوانين) كلمة اتسقت مع ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، وفي نفس الوقت هي تشير إلى ما تم بعد ذلك فعلاً على مستوى الدستور والقانون والنظام القضائي.
وبدأت حركة التمصير مع عبد الرزاق السنهوري باشا، الذي وضع القانون المدني المصري، ومع صبري أبو علم الذي وضع القانون الجنائي المصري، وهي المجموعات التي انتهوا منها وصدرت وعمل بها من سنة 1949م وحتى يومنا هذا، بغض النظر على التعديلات الجزئية.
أما السنهوري باشا فقد شرح القانون المدني في كتاب ماتع مطول أسماه (الوسيط) صدر في عشرة أجزاء، بين فيه مأخذ كل مادة من الشريعة الإسلامية، أو في صياغتها، أو في موضوعها، من ستة عشر تشريعًا مختلفًا، من التشريع الهندي، والبلجيكي، والإيطالي، والفرنسي
…
إلى آخر ذلك. وهو ما يدل دلالة واضحة، بل أكاد أن أقول دلالة قطعية، على ذلك التوجه الذي أراده هؤلاء الآباء من عدم الانسلاخ من الشريعة، ومن وضع أقدامنا في موطن قدم في الخريطة العالمية".
وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق؛ لأنه يدعي أن القانون الجنائي والقانون المدني يدلان على عدم الانسلاخ من الشريعة، ولعله يقصد عدم الانسلاخ عن شريعة الأمم المتحدة أو شريعة فرنسا وبلجيكا!!!
* ثم يقول د. علي جمعة: "يقول السنهوري باشا في مقاله القانون المدني العربي، مجلة القضاء (نقابة المحامين في العراق) العددان 1، 2 سبتمبر، عام 1962:(يمكن القول في طمأنينة: أن القانون المصري الجديد (المدني) يمثل الثقافة المدنية
الغربية أصدق تمثيل، يمثلها في أحدث صورة من صورها) ويقول في موضع آخر:(استخلاص ما وصلت إليه الثقافة المدنية الغربية في آخر تطوراتها، وهذا ما تحقق بالقانون المدني المصري) ".
وها هو د. علي جمعة ينقل عن واضع القانون أن القانون يمثل الثقافة المدنية الغربية أصدق تمثيل، ولكن هل يمثل الشريعة الإسلامية أقل تمثيل؟!!
* وتتواصل الحكاية فيقول د. علي جمعة: "وتوجه هذا لاقى معارضة شديدة من كثير من علماء الأزهر الشريف، خاصة أصحاب الدراسات القانونية في السربون، ولعل أعظمهم هو عبد الله حسين التيدي الذي ألف كتابًا تحت عنوان (المقارنات التشريعية) في أربع مجلدات، أصدرناه أيضًا من دار السلام؛ لتتم هذه المجموعة لدراسة التجربة المصرية، وهو يعارض منهج السنهوري باشا، ويرد عليه، لكن أبدًا لم يكفره، بل اعتبره متبنيًا لنموذج معرفي آخر، مع بقاء نموذجنا المعرفي قادرًا على العطاء، ومن الغريب أن لجنة مراجعة مشروع السنهوري باشا، والذي صار بعد ذلك هو القانون المدني المصري، لم يكن فيها أحد من أولئك المعارضين".
يسمي د. علي جمعة الإيمان بالله والتحاكم لشرعه نموذج معرفي، ويسمي الإيمان بالطاغوت والتحاكم إليه نموذج معرفي آخر!!! ثم يستغرب د. علي جمعة من عدم وجود أحد من علماء الأزهر المعترضين وهم كثير كما يصفهم، في لجنة مراجعة مشروع السنهوري!! ولا غرابة إلا في استغرابه!!
* وفي محاولة للتمرير يجعل د. علي جمعة وجود أحد الشيوخ الأزهريين دليلاً على الأسلمة فيقول: "ولقد وضع المصريون دستور سنة 1923م، ولقد وضع بلجنة اشترك فيها
علامة زمانه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، بعد أن ترك منصب الإفتاء في سنة 1920م، والشيخ محمد بخيت المطيعي علم من أعلام القرن العشرين في علمه واتساع أفقه واجتهاداته التي ملأت الآفاق، ويصف كثير من المحللين دستور 1923 بأنه أشد ليبرالية مما تلاه من الدساتير".
الشيخ المطيعي كان عضوًا من اثنين وثلاثين عضوًا وضعوا الدستور؛ الذين عرفوا بغيرتهم الإسلامية منهم اثنان فقط، والباقي فيهم خمسة نصارى، ويهودي، وطائفة كبيرة من أدعياء الفكر والثقافة الذين ابتليت بهم الأمة، وقد نص هذا الدستور على أن الإسلام دين الدولة، والمعنى الحقيقي لهذه المادة هو أن الإسلام حاكم على كل مواد الدستور وقوانينه، وهذا يفسر اشتراك الشيخ في وضع الدستور، لكن العلمانيين يجعلون هذه المادة أداة للتشويش على الأمة؛ ليتناسق هذا مع نطقهم الشهادتين وإعلانهم الانتماء لدين الإسلام ثم ارتكابهم نواقض الإسلام بلا مبالاة لمقتضيات دخولهم في الإسلام، فدستور 23 الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة ينص كذلك على أن حرية الاعتقاد مطلقة، ويعني العلمانيون بهذا أن من أحب أن يعبد آلهة الفراعنة أو الفراعنة أنفسهم فليعبد، وينص كذلك على أن جميع السلطات مصدرها الأمة، ومعنى ذلك عند العلمانيين أن أهواء الأمة فوق أوامر الشرع، وكان من نتيجة هذا الدستور أن نتجت عنه وقتها قوانين تناقض الإسلام جملة وتفصيلاً، مثل قانون البغاء الذي كان يعطي للبغايا تصريحًا رسميًا بممارسة مهنة البغاء واتخاذها مصدرًا من مصادر الرزق!!
فمراد الشيخ قطعًا غير مراد العلمانيين، وتفسيره لنصوص الدستور غير تفسيرهم، فلا يؤاخذ الشيخ بما فسر به العلمانيون نصوص الدستور، إضافة إلى أن اشتراك رجل في لجنة لا يعني سلامة كل ما يصدر عن هذه اللجنة واتفاقه مع رأيه، فللأغلبية دورها، ولتوزيع
مهام عمل أبواب الدستور دوره، وللثقة في فلان أو علان دورها، والعبرة بالحقائق والمعاني لا الشعارات والادعاءات، ولا مكان لأن نترك الحقائق الجلية بمثل هذه الادعاءات، رغم أنها ادعاءات لا تحيط بتفاصيل الواقع الذي تحكيه.
* ثم يقول د. علي جمعة: "وظلت الدساتير المصرية تأخذ في الاقتراب من الشريعة على النهج الكامل في نفسية السنهوري باشا وتلامذته، حتى الدستور الأخير الذي نص على أن مصر بلد إسلامي، وأن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، واختلط على كثير من الناس أن هناك سلطة دينية في البلاد، والأمر غير ذلك، السلطة الدينية تتمثل في الأغلبية الكبيرة للمسلمين، وهم متدينون بطبعهم وتاريخهم وواقعهم، مما يحدث إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم".
لا زال الدستور والقانون بعيدًا عن الإسلام وشريعته، فالحكام العلمانيون يفسرون النصوص حسب أهوائهم، فمصر بلد إسلامي ومبادئ التشريع الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، لا تعني عندهم الشيء الكثير؛ لأن الدستور يحتوي على كثير من التعبيرات الغامضة التي يرفعونها فوق الشريعة ويقدمونها عليها، فالمادة الأولى تنص على ديمقراطية الدولة وأن نظامها يقوم على أساس المواطنة، والتفسير الدارج للديمقراطية والمواطنة يحمل كثيرًا من الأمور التي تخالف الشريعة، وينص الدستور كذلك على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، وينص كذلك على منع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، وينص كذلك على التسوية بين المواطنين دون اعتبار للدين، وينص على أن الدولة تكفل حرية العقيدة وحرية التعبير عن الرأي ونشره، وينص على أنه لا جريمة ولا عقوبة
إلا بناء على قانون، وأن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الشعب، ويتولى مجلس الشعب سلطة التشريع، إلى غير ذلك من النصوص التي تخالف الشريعة الإسلامية مخالفة صريحة، ولها أثر في القوانين القائمة والمستحدثة، وفي سياسات الدولة الداخلية والخارجية، ولا ينكر ذلك من له أدنى بصر بالواقع.
وما ذكره من إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم، ليس كذلك، بل هي إشكالية في أذهان النفوس المريضة التي ترى المعرضين عن شرع الله جل وعلا والمنابذين له العداء، ثم تحتفي بهم وتتلمس لهم الأعذار.
ثم يقول د. علي جمعة: "وكانت فكرة السنهوري باشا هي أن كتب الشريعة ليست صالحة لصياغة جديدة حديثة معاصرة، ولم يكن ذلك اعتراضًا على الشريعة، بل هو اعتراض على أسلوب كتابتها".
السنهوري وضع قوانين مضادة للشريعة؛ ثم لا يعد د. علي جمعة هذا اعتراضًا على الشريعة!! ويسميه اعتراضًا على كتب الشريعة!!!
* وفي تلاعب بالمصطلحات والكلام وبتر للنصوص ينقل عن السنهوري قوله: "والذي نبغيه من دراسة الفقه الإسلامي، وفقًا لأصول صناعته، حتى نشتق منه قانونًا حديثًا يصلح للعصر الذي نحن فيه
…
القانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية، إنما هو القانون المدني العربي الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد تطورها" وعند البحث عن تكملة النقاط التي وضعها د. علي جمعة ليقص بعض الكلام نجد قول السنهوري:(وليس القانون المصري الجديد أو القانون العراقي الجديد إلا قانونًا مناسبًا في الوقت الحاضر لمصر أو العراق) فحذفها د. علي جمعة؛ لأنها توحي بأن الشريعة الإسلامية لم تكن مناسبة للحكم
في الوقت الحاضر، مع ملاحظة أنه يتكلم عن القانون المدني ولم يخبرنا عن رأيه في تحكيم الشريعة في بقية القوانين كالقوانين الجنائية.
* ويحاول د. علي جمعة أن يدافع عمن سماهم الآباء الواضعين للقانون الجنائي بما سماه عصر الشبهة، وهي كلمة يريد د. علي جمعة منها شرعنة الانسلاخ عن أحكام الإسلام ضربة لازب، وقد سبق التعليق على مثل ذلك في التعليق على ما سطره عن تطبيق الشريعة في كتابه البيان لما يشغل الأذهان.
* والنتائج المذهلة التي توصل لها د. علي جمعة في مقالاته هذه عن التجربة المصرية هي:
-"النموذج المصري نموذج يستحق الدراسة في ماضيه وحاضره ومستقبله، وذلك لأنه نموذج رائد، ولأنه أيضًا نموذج فريد، ولأن النماذج التي جاءت من بعده تحتاج إلى إعادة تقويم"!!!.
-"أن المصريين لم يريدوا، بل ولم يفكروا، في الانسلاخ من الشريعة، وأن موقفهم من البداية كان موقفًا علميًا عمليًا يهدف إلى التطوير ومراعاة الواقع، ولا يهدف إلى الانسلاخ والخروج عن الشريعة الغراء".
-"غرض هذا التجربة في الأساس لم يكن الانسلاخ من الهوية، بقدر ما كان سعيًا للمعاصرة".
-"استفادت اليابان من تجربة محمد علي في القرن 19"!!!.
-"الأهمية القصوى للحفاظ على المكتسبات التي اكتسبتها التجربة المصرية في دستورها وقوانينها ونظامها القضائي، وأنها مثال يحتذى فاق أمثلة كثيرة حاولت الذوبان في العصر مثل التجربة التركية، أو حاولت الحفاظ على الهوية بطريقة معينة مثل التجربة السودانية والإيرانية
والباكستانية، أو استمرت مع الموروث مثل التجربة السعودية"!!!.
-"بتطبيق قواعد الليبرالية والديمقراطية وعدم التخلي عنها وصلنا إلى ذلك الدستور، ووصلنا أيضًا إلى محكمة دستورية تراقب القانون طبقًا للشريعة الإسلامية"!!!.
-"مصر دولة إسلامية، ولا يعني هذا أنها دولة دينية تسيطر فيها السلطة الدينية على القرار السياسي، ولا يعني هذا أيضًا أنها دولة كافرة قد أنكرت الدين وتخلت عنه، بل إنها تجربة فريدة، استطاعت بها أن تبقي على دينها، وأن تبقي في ذات الوقت على حرية الاعتقاد المكفولة لأبنائها، واستطاعت أيضًا أن تستمر في موكب التاريخ، وألا تخرج أو تنسلخ عن هويتها، وفي ذات الوقت ألا تتخلف عن العالم الذي أصبحت بموجب الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة جزءًا لا يتجزأ منه، فتراها تشارك في المحافل الدولية، وتلتزم بالقوانين الدولية، وتنشئ علاقات دولية ضخمة لها فيها الريادة والقيادة، وهي تجربة يجب على المسلمين في العالم أن يدرسوها، وأن يستفيدوا منها بحسب ثقافاتهم وتركيبهم المجتمعي"!!!.
-"النقل في بعض الأحيان أو في كثيرها من القوانين الفرنسية، إنما كان لغرض التطوير لا لغرض الانسلاخ"!!!.
* إن حقيقة ما يدعو إليه د. علي جمعة في مقالاته عن التجربة المصرية، ويفتخر به، يظهر في مقالة تكشف المخبوء، وتوضح الحقيقة يقول فيها: "والتجربة المصرية التي بدأت مع محمد علي لم تجعل للمؤسسة الدينية أي تدخل في القرار السياسي أو الاقتصادي، وإن كانت لم تلغ وجودها بالمرة، كشأن كل
دول العالم، فلا زالت الكنيسة الإنجليكانية تتوج الملكة البريطانية إلى يومنا هذا، ولا زالت المؤسسة الكاثوليكية لها الغلبة الجماهيرية في فرنسا التي ينص دستورها على أنها دولة علمانية" (1).
أي أن التجربة المصرية التي يفتخر بها د. علي جمعة وينادي باحتذاء مثالها هي باعترافه تجربة علمانية، مثلها مثل تجارب دول أوربا كبريطانيا وفرنسا التي حصرت الدين في بعض المراسم، فواحسرة على العباد.
بل إنه يزعم أن هذه التجربة العلمانية محل إقرار علماء الدين وتناسب هذا العصر الذي نعيشه؛ فيقول: "ومنذ عصر محمد علي وإلى الآن لم تعد المؤسسة الدينية جزءًا من اتخاذ القرار في أي مجال كان، والمؤسسة الدينية رحبت بهذا ومارسته باعتبار أنها وهي تقر الحرية للآخرين يناسب ذلك العصر الذي نعيشه"(2)
(1) مقال في جريدة الأهرام، بعنوان: لماذا يحبون الدين، بتاريخ 2/ 4/2007م.
(2)
مقال في جريدة الأهرام، بعنوان: أرضعوا أبناءكم.