الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعًا: المعاملات المالية
أحكمت الشريعة الإسلامية قضية المعاملات المالية بأحكام تحقق المصلحة الحقيقية؛ تلك المصلحة المتفقة مع ما أودعه الله جل وعلا في البشر من غرائز وما أوجده عليه من صفات.
وبما أن حب المال والإكثار منه هو صفة من صفات العيش في الحياة الدنيا كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} (1) فإن على المرء أن يحذر أن يكون هذا التكاثر على حساب الشرع الحكيم، فيقدم المرء ما يتوهمه من مصلحته الشخصية، على ما هو محقق من مصلحته الحقة ومصلحة الأمة جمعاء.
وقد يؤدي هذا التكاثر إلى أن يعترض المرء على شرع الله، وأن يستحسن المحرمات ويشجعها، قال تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2).
وقد يسلك فريق آخر طريقة التحايل على الشرع الحنيف، فيحاول التماس المخارج المتوهمة، والفروق المصطنعة؛ ليدلل على مشروعية ما انتشر من صنوف المعاملات المحرمة، {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (3).
(1) سورة الحديد، الآية 20.
(2)
سورة البقرة، الآية 275.
(3)
سورة البقرة، الآية 9.
ولكن هذا الاعتراض والتحايل على شرع الله عز وجل لا ينتج عنه إلا أمر واحد ونتيجة محددة، تؤكد لكل العالمين أن هذه الشريعة شريعة الله أحكم الحاكمين، هذه النتيجة هي محق هذه الأموال المحرمة كما قال تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (1)، وما أكثر ما شاهدناه من محق للأموال المحرمة سواء في إفلاس البنوك وأسواق المال العالمية، أو في انهيار اقتصاديات الدول، أو في المعيشة الضنك التي تحيط بمن وقع في مستنقع هذه المعاملات المحرمة؛ أضف إلى ذلك أنواع العذاب الذي يحل بالأفراد والأمم؛ قال تعالى:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} (2).
فالاختلاف بين النظام المالي الإسلامي والأنظمة المالية الجاهلية، ليس فقط في تحريم الربا بصوره المتنوعة؛ بل هو اختلاف في وظيفة المال في هذه الحياة الدنيا جملة وتفصيلاً، هو اختلاف في النظر إلى المال من حيث المبدأ والوسيلة والغاية، هو اختلاف جذري ينبع من عقيدة المسلم التي ترى أننا مستخلفين في هذا المال قال تعالى:{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} (3)، فحق التصرف في المال مرهون بحق من استخلفنا فيه سبحانه وتعالى.
وليست مهمة الفقيه المسلم أن يمرر ما تنتجه الفلسفة الاشتراكية أو الرأسمالية من أفكار هزيلة، وتجارب فاشلة، ونظريات مضطربة، بدعوى المعاصرة، والتعايش، وعدم
(1) سورة البقرة، الآية 276.
(2)
سورة النحل، الآية 45.
(3)
سورة الحديد، الآية 7.
الانعزال عن العالم، والاندماج في الحضارة المعاصرة، وغير ذلك من الدعاوى؛ بل الفقيه المسلم يقدم باعتزاز رؤية الإسلام الشاملة وتصوره الأمثل، الذي يراعي التكوين البشري الفطري، مخضعًا له ما استجد من خبرات الأمم وعمرانها.
أما د. علي جمعة فهو يسعى جاهدًا للبحث عن المخارج التي تساهم في خلخلة التصور الأصلي لكثير من المعاملات المحرمة، لتنتج عن ذلك الفتاوى التي تبيح تلك المعاملات؛ ومن ذلك:
* قال د. علي جمعة: "نحن نرى أنه لا مانع شرعًا من الأخذ بنظام التأمين بكل أنواعه، ونأمل توسيع دائرته كلما كان ذلك ممكنًا؛ ليعم الأفراد الذين لم يشملهم التأمين، ويكون الاشتراك شهريًّا أو سنويًّا بمبلغ معقول، ويكون إجباريًّا ليتعود الجميع على الادخار والعطاء، على أن تعود إليهم الأموال التي اشتركوا بها ومعها استثماراتها النافعة لهم ولأوطانهم، فالأمم الراقية والمجتمعات العظيمة هي التي تربي في أبنائها حب الادخار والعمل لما ينفعهم في دينهم ومستقبل حياتهم"(1) وهكذا لا يكتفي د. علي جمعة بإجازة جميع أنواع التأمين التي يدخل في كثير منها الغرر والربا، بل ويرى أن تفرض الدول هذا التأمين بالإجبار على الشعوب، وإن رأى أكثر فقهائها حرمة كثير من أنواع التأمين!.
* وأباح أخذ أموال على المدخرات التي توضع في دفتر البريد رغم أنها أشبه ما تكون بالربا فقال في سؤال ورد له: "أنا أعمل في البريد، وكما تعلم أننا نتعامل بما يسمى بدفتر التوفير، فما مدى مشروعيته بالنسبة للربا، ولو كان هناك مجال للربا، ولو كان هناك مجال للشبهة في هذا العمل، علي تركه؟
(1) كتاب فتاوى عصرية، ج2 ص218.
الجواب: لا شبهة فيه إطلاقًا، وقد أفتت دار الإفتاء المصرية منذ زمن بأن هذا النظام مباح وحلال، ولو علموا ما لدور هذه الأموال في الدولة وبنائها لا يقولون بحرمتها، وهذه الوظيفة حلال، والعمل حلال، وهذا عبارة عن حلقة في سلسلة تنمية المجتمع من خلال إيجاد فرص عمل للبطالة، وزيادة الإنتاج، وتثبيت الأسعار، والقضاء على الغلاء، فهذا عمل خير" (1).
* ومن عجيب طرق التحايل فتواه عن الخلو الذي يحصل عليه من أجر شقة بعقد مفتوح لا مدة له، رغم اعترافه بأن الشريعة لا تجيز عقد الإيجار إلا إذا كانت له مدة؛ فقال: "قضية عقد الإيجار في الشريعة الإسلامية، أنه لا بد أن يكون مؤقتًا، أي محددًا، وإذا لم تحدد مدة بطل، ولذا لما جاءت القوانين التي حكمت على الناس أن يكون عقد الإيجار مفتوحًا، فإن الفقهاء قد قدروه بمدة أيضًا، ولكن مدة طويلة طبقًا للقانون والاتفاق؛ لأن هذا القانون كان الحاكم قد قيد المباح، وألزم الناس بمدة طويلة 50 سنة أو 99 سنة، وإذا نحن قدرنا أنك أجرت العين من عشر سنين، وقدرنا أنك أجرت لمدة طويلة نقدرها مثلاً بخمسين سنة، وهذا غير مكتوب في عقد الإيجار، وإنما هذا تقدير من عندي حتى يصح العقد؛ لأننا لا نستطيع أن نبطل عقود كل من في البلد؛ لأن ذلك ليس من الفقه في شيء، فلا بد علينا من هذا التقدير حتى يكون هذا العقد مؤقتًا أيضًا، لكنه محدد بمدة، وهذه المدة طبقًا للقانون مدة طويلة، ونحن نقدر هذه المدة بخمسين سنة، فإذا قضيت منهم 10 سنين، فهل يجوز في الشريعة أن أبيع المدة الباقية؟ أنا لي حق بموجب
(1) كتاب فتاوى البيت المسلم، ص233.
العقد أن أستغل منفعة الشقة لمدة 40 سنة أخرى، الأئمة الأربعة عندهم جواز ذلك، تحت أي مسمى (خلوات - تنازلات - إسقاطات) كل بلد تسميها باسم معين، والمهم يجوز له أن يبيع فترة الإيجار من أجل أن يخرج فورًا ويترك منفعة هذه العين لغيره" (1).
* ولا يكتفي د. علي جمعة بإباحة ربا ودائع البنوك؛ لينتفع بها الفرد، بل يبيح القروض الربوية التي تمتص دم الأفراد والأمم؛ فمثلاً يقول:"القروض التي تمنحها الدولة لشباب الخريجين لإقامة المشروعات هي في حقيقتها عقود تمويل يضارب فيها الشباب بمال الدولة لاستثماره وتنميته، وذلك إذا لم تشتر الدولة شيئًا من الأصول الثابتة لصاحب المشروع، أما إذا كانت هذه العقود عبارة عن عملية شراء تشتري بها الدولة شيئًا من الأصول الثابتة لصاحب المشروع وتقسطها عليه بثمن أكبر فهذه عقود مرابحة جائزة ولا شيء فيها"(2) ويتناسى د. علي جمعة كثيرًا من الأمور؛ من أهمها أن الدولة لا تتحمل شيئًا إذا فشل المشروع -وكثيرًا ما يفشل-، بل يسدد الشاب القرض مع ما اتفقوا عليه من ربا، ثم يسميه د. علي جمعة عقد تمويل وعقد مرابحة!.
* بل ويبلغ التحايل مبلغه حين يصر د. علي جمعة على تكييف عقود القرض بالربا على أنها عقود بيع بالتقسيط؛ رغم التصريح بأنه قرض، فنرى هذا السؤال والجواب: "أعمل في شركة تقوم بتحويل السيارات للعمل بنظام الغاز الطبيعي، الأمر الذي يتطلب حصول صاحب السيارة على قرض من أحد البنوك المصرية؛
(1) كتاب فتاوى عصرية، ج1 ص141.
(2)
كتاب فتاوى البيت المسلم، ص 214.
حيث تبلغ تكلفة التحويل خمسة آلاف جنيه مصري، ولكن عند حصول صاحب السيارة على القرض يقوم صاحب السيارة بسداد ستة آلاف وأربعمائة جنيه مصري، أي بفائدة تبلغ ألفًا وأربعمائة جنيه لمدة عامين، أو يسدد صاحب السيارة خمسة آلاف جنيه مصري نقدًا للشركة دون الحصول على قرض من البنك، فما حكم الشرع في ذلك؟ البنك في هذه الحالة إنما هو بمثابة الوسيط، الذي له أن يشتري الشيء المبيع ويتملكه حقيقة أو حكمًا، ثم يشتريه المشتري منه بالتقسيط بسعر زائد نظير الأجل المعلوم، وهذا جائز شرعًا، وهو إن سُمي قرضًا إلا أنه في حقيقته بيع بالتقسيط، وهو جائز للقاعدة الفقهية المقررة إذا توسطت السلعة فلا ربا" (1) ولا ينبغي علينا أن نسأل عن هذه القاعدة التي يذكرها وتطبيقها على هذه المسألة؛ لأننا لن نجد ذلك في كتب الفقه ولا الأصول، ولا عند علماء المذاهب الأربعة ولا حتى الثمانية!!!.
(1) كتاب فتاوى عصرية، ج 2 ص 222 - 223.