الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فسررنا جدّاً من نجابتهم واِستعدادهم. ثمّ عدنا ثانية إلى قاعة الاستقبال حيث كانوا ينتظروننا بالمرطّبات. وهنالك أثنينا على رقيّ هذا المعهد العلمي، وقلنا لرئيس المدرسة الأستاذ الشيخ أحمد أفندي عبّاس: إن الواجب الأوّل في التعليم هو الاعتناء بتربية الأخلاق الكريمة في نفوس التلاميذ، وحضهم دائماً على الاشتغال بالعلم للعلم نفسه، حتّى لا يتجهوا في طريق التعليم إلى غاية أخرى. وقد أجابنا حضرته بما معناه أن هذه الرغبة الحميدة هي عين الغاية الّتي تسعى إليها المدرسة منذ نشأتها. ثمّ بارحناهم شاكرين لهم ما لاقيناه من عنايتهم ومعروفهم.
نزهة في الضواحي
ذهبنا ومعنا عزيزنا الفاضل أحمد بك العريس لنقضي وقت العصر في التنزّه ببعض الجهات الّتي كنّا لم نشاهدها، فمررنا بعربتنا في ضواحي المدينة. وكنّا أثناء السير نرى من مناظر الطبيعة ما لا نقدّر حسنه، خصوصاً عند الرجوع.
فإن سبيلنا إذ ذاك كان من الطريق القديم الموصل ما بين بيروت ودمشق. وقد صادفنا ونحن سائرون غابة كبيرة من شجر الصنوبر كان قد أمر بغرسها جدّنا المرحوم إبراهيم باشا الأكبر. وسبب ذلك، على ما علمناه من حديث القوم هنالك، أنه قبل أن توجد هذه الغابة كان مرض الحمّى متفشّياً في المدينة يفتك بأهلها فتكاً ذريعاً. فتوجّهت همّة المرحوم إبراهيم باشا إلى مطاردة هذا الداء الخبيث بذلك الغرس الجميل الّذي من خواصه تطهير الهواء واِمتصاص المواد العفنة الّتي كان يتسبّب عنها هذا الداء، وقد تمّ له بسبب ذلك ما أراد. وقد وجدنا في طول هذه الغابة وعرضها طرقاً منتظمة جميلة المنظر، يقال إن الّذي أنشأها هو المرحوم إسماعيل بك كمال (الذي اشتغل كثيراً في مسألة اِستقلال الألبانيين) حينما كان والياً في ولاية بيروت. وقد مررنا أيضاً بجملة حدائق بهيجة كان غرسها من شجر البرتقال والليمون والتوت. وفي أثناء الطريق وجدنا مقابر عدّة، بعضها لليهود وبعضها للمسيحيّين، حتّى إذا كنّا على مقربة من حديقة إفرنكو باشا رأينا قبر المرحوم الشيخ أحمد فارس، ذلك العالم المشهور الّذي يقال إنه اِعتنق الدين الإسلامي أخيراً ومات عليه بعد أن اِعتنق جملة أديان وتقلّب
على عدّة مذاهب. وهو صاحب مجلّة الجوائب المعروفة، وله غيرها كثير من التآليف النافعة، منها: الجاسوس على القاموس في فن اللغة، وكتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق، وهو كتاب جميل ضخم في علم الأدب. ثمّ قصدنا إلى الفندق من داخل البلد حيث كنّا في وقت الغروب، وعلى ذلك اِنقضت سحابة اليوم. وفي صبيحة اليوم الثاني جاء إلينا جماعة من أهل بيروت ومعهم خيل اِختاروها بقصد أن يطلعونا عليها على أمل أن نبتاعها منهم، حيث كانوا قد سمعوا من قبل بميلي إلى اِقتناء جياد الخيل. وقد كنت أودّ أن أجد منها ما يعجبني فأشتريه، ولكنّها مع مزيد الأسف كانت عاديّة لا تمتاز عن غيرها بحال، فضلاً عن كونها مجهولة الأصل.
ولذلك لم يرق في نظري شيء منها، على خلاف ما كنت أحسب.
وكان عليّ بعض زيارات لعلية القوم في المدينة، فأرسلت أحد الحاشية وأرسلت معه جملة من بطاقات الزيارة لينوب عنّي في ذلك، إذ كان لا يمكنني أن أؤدّي هذا الواجب. وقد حضر لزيارتنا في الفندق حينذاك عدد جمّ من أهل الشام، وكان من بينهم جملة من حضرات الرؤساء الروحيّين. ثمّ حضر أيضاً أحد أصحابنا (البلوني المسكوفي كونت برانتيسبيسكي) أحد عظماء بلاد الروسيا وأغنيائها وأشهر غواة الخيل العربية فيها. وكان قد جاء إلى الأقطار الشامية هذه المرّة لغرضين: أحدهما زيارة بيت المقدس، والثاني البحث عن الخيل العربية الأصلية. وقد أخبرني جنابه في ضمن حديثه أنّه لم يجد من بين الخيل الشاميّة والعربية الّتي اِطّلع عليها في تلك السياحة ما كان يستوجب العناية أو يستحق الشراء. ولذلك عدل عن الغرض الأخير الّذي وفقت الصدفة بيننا وبينه فيه. وقد كنت مسروراً من حديث هذا الشيخ الكبير ومجلسه. وليست هذه أوّل مرّة اِجتمعت فيها بجنابه، لأنّي كنت عرفته قبل هذه الزيارة في مصر، وآنست منه نفساً عالية وطبعاً رقيقاً وكمالاً وأدباً. وما أجدر الشيخ الهرم أن يكون متحلياً بالآداب ومتجمّلاً بالفضائل. وإن صاحبنا هذا كان قد طالع الثمانين وولاها ذنباً، ثمّ إنّه قضى معظم هذا العمر الطويل في سياحة الممالك والبلاد طولاً وعرضاً، فاِستفاد معرفة كثير من الأمراء والعظماء، كما استفاد خبرة واسعة بمعرفة الأخلاق والعوائد القوميّة المختلفة. وكان قد زار مصر مع والده على عهد المرحوم محمد علي باشا الكبير، واِصطادا تمساحاً من بركة الأزبكية، قبل أن يصل