الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتناهي. وحقيقة كنت أقرأ في وجوههم آيات الإخلاص والصدق وكانت نفسي لا تحدّثني بغير ذلك فيهم.
وَالعينُ تَعلَمُ من عَيني محدّثها
…
إن كانَ من حزبها أَو مِن أَعاديها
ولم نلبث، بعد أن خرجوا من عندنا وخرج عطوفة الوالي أيضاً، إلا برهة صغيرة، ثمّ وصل إلينا أن دولة ناظم باشا قد حضر إلى الفندق بقصد زيارتنا، فاهتممت جدّاً بزيارة هذا الرجل الكبير المحبوب. وعندما اِستشعرت بقدوم دولته، ذهبت مسرعاً لاستقباله على سلّم الفندق. وكانت هذه أوّل مرّة تقابلت فيها مع دولته، فسلّمت عليه، وذهبت به إلى ردهة الاستقبال، حيث جلسنا نتحدّث، آونة في بعض الشؤون العامة، ومرّة في بعض الأحوال الخاصّة، حتّى انتهى بنا الحديث إلى ذكر القلاقل والصعوبات الكثيرة الّتي توجد الآن في جهة العراق من جرّاء الحوادث الأخيرة. ذلك كان لمناسبة أنّ دولة الباشا سيسافر من حلب إلى مركز وظيفته في تلك الجهات، حيث أنّ دولته والي بغداد والموصل وديار بكر. وقد ذكر لي في خلال حديثه أنه يعرف الجناب العالي الخديوي، وأنه يحبّ كثيراً نجل عمّنا دولة الأمير عزيز باشا حسن، المستخدم في الجيش العثماني. وقد كنت كلّما تغلغلنا في الكلام وتبادلنا أطراف الحديث في المسائل المهمّة، أجد في ذلك الرجل العظيم نباهة زائدة وذكاء حادّاً وعلماً غزيراً. أمّا هو فكان شيخاً أبيض
اللحية والرأس، وعسكرياً بكلّ معاني الكلمة، وكانت تبدو على وجهه مع السماحة والبشاشة سيمياء القوة والشجاعة. وعندما أراد الانصراف قمنا فودّعناه بما يليق بمقامه الجليل من الحفاوة والتبجيل شاكرين له خفّته إلى زيارتنا في الفندق على أثر حضورنا.
ردّ زيارة
ولم نمكث بعد ذلك إلا حيث تهيّأنا للخروج وأعددنا له عدّته، ثمّ قصدنا إلى منزل عطوفة فخري باشا، الوالي، لنردّ لدولته ودولة ناظم باشا ضيفه الكريم زيارتهما. وقد لبثنا لديهما مدّة غير قصيرة، دار حديثنا في أثنائها على موضوعات
شتّى ومباحث كثيرة، كنت أجدني في خلالها غاية في الارتياح والسرور، لأنّي كنت أراني جالساً بين رجلين فاضلين عاقلين من أكبر الناس أدباً وحلماً، وأوسعهم معرفة بأحوال الأمم والشعوب. وقد كان عطوفة والي حلب يتدفّق علماً ويتوقّد فطنة وذكاء، وإذا تحدّث في موضوع علمي أو سياسي أو أخلاقي اتّسعت له فيه المادة، فيصوغ ما شاء الله من معلوماته الصحيحة ومعارفه الكثيرة عبارات رقيقة رشيقة. ثمّ هو يجيد التركية والعربية والفرنساوية غاية الإجادة، ويتكلّم بها كلّها كأنّها لغته الأصلية الّتي فطر عليها. وقد فهمت من خلال كلامه وحركاته أنّه تربّى تربية عسكرية، وأنّه كان أركان حرب في الجيش الماضي، غير أنّه كان مرتدياً لباساً ملكياً ملائماً لوظيفته الحاضرة. ثمّ كنت سمعت أنّه تقلّب على جملة وظائف عالية، حيث كان في ولاية الأناضول وبلاد العرب والشام وبغداد وبصرى. وإن رجلاً تعاقبت عليه كلّ هذه الولايات، وكان عمله في كلّ واحدة منها ينادي بفضله ويشهد لاستعداده وكفاءته، وأنّه من الذكاء والعلم بالدرجة الّتي لا نعرفها إلا لبعض أفراد يعدّون على الأصابع، لهو حقيق أن يوضع في العيون وتعقد عليه القلوب. كما أنّ الحكومة التي تريد أن تكون في صف أعظم
الحكومات، وتكبر من دولتها وصولتها، هي أحوج ما تكون إلى استخدام مثل هذه الأفكار الواسعة المتصرّفة لتنتفع بها في أجلّ شؤونها وأخطر أعمالها. والشيء الغريب الّذي لا يزال غامضاً غير مفهوم إلى الآن، هو أنّنا نرى الحكومة العثمانية الحاضرة تختار لأعلى مناصبها وأسمى مراكزها صغار الموظّفين وضعافهم. على حين أنّه لا يزال يوجد، والحمد لله، رجال عثمانيون أذهبوا أعمارهم الطويلة في خدمة الدولة مع غاية الصدق والإخلاص، وما برحوا يعملون في مصالحهم على رقيّ الدولة ورفعة شأنها، ويسعون سعياً متواصلاً وراء سعادتها وإكبار أمرها. فكان من حقّ هؤلاء العمّال المخلصين المتفانين في حبّ الدولة أن يشغلوا تلك المراكز السامية والوظائف الكبيرة. وأغرب من ذلك دعوى بعض الناس اليوم أنّه لا يوجد بين كبار الرجال في الحكومة من تتوفر فيه الكفاءة والاستعداد لإدارة الأعمال السياسية الخطيرة. وهذا ما جعلني أتجاسر أمام دولة ناظم باشا، والي بغداد، وأقول له بكلّ صراحة، على مسمع من سعادة القومندان توفيق باشا وغيره، أنّي أستغرب كثيراً أن الحكومة الحالية تعيّن في أرقى