الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هناك من نقل الإجماع على أن كل حديث " معنعن " لم يعرف راويه بالتدليس بأنه صحيح، نقله بعض العلماء.
ما رأيكم بقولنا: كل حديث " معنعن " لم يعرف راويه بالتدليس وأمكن اللقاء الراوي عن شيخه فإنه صحيح بالإجماع، هذا نقله مسلم في صحيحه ـ رحمه الله تعالى ـ، هل هذا الإجماع خطأ؟
نقول بناءً على تفسيرنا لرأي الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فإنه غلط، وبناءً على تفسيرنا بالاتجاه الثالث فإنه سيكون صحيحاً.
ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ في شرح العلل ردّ الكلام هذا كله قال: أبداً مسلم أخطأ، فإجماعه هذا خطأ عليه.
المناقشات:
الأصل عند البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ عدم السماع حتى يصرّح بالسماع.
فإن قال قائل: لو بحثنا هل هناك راوٍ روى له البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ بصيغة " عن " عن شيخه وبحثنا ولم نجد مرة أنه صرّح بالسماع، فيقول إن وجدنا فإنه ينخرم كلام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ هذا.
ولكن هذا اللازم غير لازم، لأننا نحن لم نجمع كل الأحاديث ولم تصل إلينا كل المسانيد ولم تصل إلينا كل الأجزاء، فيمكن صيغة " حدثنا " في مسند بقي بن مخلد ـ رحمه الله تعالى ـ فلا يمكن التحاكم إلى هذا أبداً، كذلك الرواة يتساهلون في " عن " أحياناً وهو رواه بصيغة " حدثني "، فمثلاً الراوي الثالث الذي فوق تلميذ تلميذ الشيخ جعلها " عن " فيتساهلون.
? مسألة مهمة:
كل " معنعن "بالصحيحين سواءٌ كان راويه مدلِّساً أو لم نجد له تصريحاً بالسماع فهو محمول على الاتصال. (ومن أراد الاستزادة في هذه المسألة فليرجع ـ غير مأمور ـ إلى كتاب الشريف حاتم العوني ـ حفظه الله تعالى ـ، وكذلك كتاب " الاتصال والانقطاع " للشيخ إبراهيم اللاحم ـ حفظه الله تعالى ـ، فهما أحسن من بحث هذه المسألة) .
(الحديث المبهم)
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ:
............................
…
ومبهم ما فيه راوٍ لم يسم
انتقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ إلى القسم الثاني عشر وهو (الحديث المبهم) .
والحديث المبهم من مباحث الإسناد.
مبهم: اسم مفعول من " أَبْهَمَ ".
الحديث المبهم: عرفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بأنه ما في إسناده راوٍ لم يُسَمْ، أي لم يعيّن ولم يحدّد.
إذاً الحديث المبهم: هو كل إسناد فيه راوٍ لم يعيّن.
فإذا قال الراوي حدثني رجل، أو حدثني رجل من أهل الحجاز، أو حدثني الثقة، أو حدثني رجل لقيته، أو حدثني من رأيت، أو حدثني من سمعت، أو حدثني من حجّ معي أو من سافر معي، فهذه كلها " مبهمة " بالنسبة للسامع، لأنه قد يكون هذا المبهم، معيّناً في ذهن المتكلم، لكن نحن لم نعرفه ولم نتبيّن منه.
مسألة: هل الحديث " المبهم " مخالف لتعريف الحديث الصحيح؟
نعم، لأنه انخرم عدالة الراوي وضبطه فنحن لا نعرفها.
مسألة: هل الحديث " المبهم " حسن؟ ليس بحسن.
إذاً الحديث " المبهم " من قسيم الحديث الضعيف لا نخرام الشروط التي في الصحيح والحديث الحسن.
من المسائل المهمة في الإبهام:
التفريق بين المبهم في الإسناد والمبهم في المتن:
أولاً: المبهم في الإسناد ينقسم إلى قسمين:
1) إبهام مؤثر.
2) إبهام غير مؤثر.
الإبهام المؤثر: إبهام الرجل الذي من طريقه يتصل الإسناد.
فهذا مضعِّفٌ للحديث، كأن يقول راوٍ حدثني رجل حدثني الزهري، هذا من طريقه الرجل هو الذي وصل السلسلة، فهذا مؤثر في الإسناد فيضعِّف الحديث.
الإبهام غير المؤثر: أن يذكر الإسناد مُبْهَماً لا تأثير له في السلسة.
كأن يقول الراوي حدثني الزهري وغيره، حدثني الزهري ورجل آخر كما قاله البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فقد قال حدثنا حيوة ورجل آخر ـ يقصد عبد الله بن لهيعة ـ، فهو تحمّل الإسناد وفيه ابن لهيعة، وابن لهيعة ليس على شرط البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فكان البخاري دقيقاً، ما يريد أن يقول حدثني واحد فقط، فشيخ البخاري تحمّل الحديث عن ابن لهيعة وحيوة، فلما جاء البخاري يرويه عن شيخه، ما أراد أن يحذف كلام شيخه " حدثني بن وهب وابن لهيعة " فما أراد أن يحذف ابن لهيعة لأنه من الأمانة، بل قال ورجل آخر، فلا يريد أن يذكره في صحيحه، كذلك مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ قال: عن بن وهب أخبرني رجل سماه وعمرو بن الحارث، قيل: الرجل هو ابن لهيعة، لكنه ليس على شرطه، الشاهد أن الإبهام إذا لم يكن مؤثراً في السلسلة فلا تأثير فيه، فلو قال حدثني الزهري وآخرون، فلا يؤثر هذا الإبهام، المهم أن يكون عندنا راوي السلسلة أحدهما معروف.
فإن قال حدثني عشرة رجال عن الزهري، فهذا مبهم مؤثر.
وكذلك من الإبهام الغير مؤثر: إبهام الصحابي رضي الله عنه، وذلك أن يقول التابعي حدثني رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أويقول حدثني رجل لقي النبي صلى الله عليه وسلم أو ما شابه ذلك، فهذا كله من الإبهام الذي لا يضر.
ثانياً: المبهم في المتن:
الإبهام في المتن، كأن يقول أبوهريرة ـ مثلاً ـ دخل رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل جالس، فهذا كله إبهام لكنه غير مؤثر في السند.
وقد اجتهد أهل العلم لمعرفة المبهمات في المتون فألّفوا كتباً كثيرة، وأشملها كتاب " المستفاد في المبهمات في الإسناد " للحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ، فقد اجتهد في أن يجمع كل حديث يقول فيه الراوي دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، أو تكلم رجل وغير ذلك من الإبهام.
والمبهم يعرفونه من خلال تتبع الأسانيد والطرق فممكن تجد أن بعض الأسانيد صرّح باسمه.
وكذلك هناك المبهمات في القرآن، وهو علم وفيه كتب كثيرة، فيجمعون المبهمات مثل قوله تعالى:{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} غافر28، من هو هذا الرجل فيبحثون عن اسمه، ومثل قوله تعالى:{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} الكهف32، وقوله:{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} يس14، وقوله:{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} الكهف22، ما اسم هذا الكلب؟ ، وقوله {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} يوسف13، فالذئب مبهم لأنه اسم جنس فمن هو هذا الذئب؟ .
والذي نبحثه هذا سواء في القرآن أو في متون الأحاديث ليس له فائدة وقلّ أن تأتي إلى حديث في البخاري ويشرحه ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في فتح الباري وفيه إبهام، إلا ويقول وقد بحثت عنه فلم أجد اسمه، أو يقول بحثت عنه فوجدته فهو يحاول أن لا يجد إبهاماً في صحيح البخاري، فيتتبع من هو هذا الرجل.
وأحياناً يوفّق وأحياناً لا يوفّق في معرفته، لكن ثم ماذا؟ مثلاً " اشترى النبي صلى الله عليه وسلم جملاً " فبكم اشترى هذا الجمل؟ فهذا مبهم، الشاهد أن هذا العلم ليس له كبير فائدة وإنما الإبهام في الإسناد هو الذي له فائدة.
مسألة: كيف نعرف الإبهام في الإسناد؟ هل من حين ما نجد مبهماً في إسناد مثلاً " حدثني رجل " نحكم عليه بالضعف؟
لا. وإنما نتتبع الطرق ونخرّج الحديث من جميع مصادره، لعلّه في إسناد آخر صرّح باسمه.
فإذا جاءنا مثلاً بن جريج رحمه الله فقال حدثني رجل عن بن سيرين رحمه الله أو عن أبي سلمة رضي الله عنه، فأبهمه فهل نقول هذا ضعيف؟ لا. فنذهب إلى ابن حبان وابن خزيمة وعبد الرزاق ومسند أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ـ رحمهم الله تعالى ـ، نبحث عن حديث ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ فقد نجده في أربعة مصادر كلها يقول ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ حدثني رجل، فإذا رجعنا إلى مصنف عبد الرزاق مثلاً فإذا بابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ يقول حدثني هشام بن عروة، فيصرّح باسمه، فنحن الآن عرفناه ووجدناه ثقة فلا نحكم عليه بالصحة لماذا؟ لأنه لا بد أن ننظر لتلميذ ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ الذي صرّح باسم المبهم فقال " عن ابن جريج حدثني هشام بن عروة " فيمكن أن هذا التلميذ الذي صرّح باسمه يحاول أن يحسّن الحديث هذا ويزيّنه فوضع واحداً من شيوخ ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ لأجل أن يمشي هذا الحديث، فيكون اجتهاد منه لكي يقوّي الحديث، إذاً لا بد أن ننظر لتلميذ ابن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ هل هو ثقة ومعروف بأنه لا يكذب ومعروف بأنه لا يخلط ومعروف بأنه ضابط وما عنده تساهل فعندئذ نقبل الحديث ونعمل عليه القواعد كلها في الشذوذ والعلّة وغيرها، فأنا لا أعطيكم قاعدة أنه إذا كان ثقة نقبله مباشرة إنما هذا مثال، فنعمل عليه القواعد، لكن إذا كان الثقات كلهم يقولون ابن جريج عن رجل، وجاء واحد ضعيف وقال ابن جريج عن فلان وسمّاه لنا، فهنا لا نقبل الحديث، لأن الأئمة الثقات الذين يهتمون بمعرفة الرواة تركوا تحديده، فلا يمكن أن يأتي هذا الضعيف ويحدّده، إذاً الخطأ قد يكون من بن جريج ـ رحمه الله تعالى ـ أو من هذا الراوي الضعيف.
مسألة: إذا قال الراوي أبي عن جدي.
نرى هل أبوه معروف وجده معروف أو لا؟ فمثلاً عمرو بن شعيب هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فإذا قال: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهذا معروف وليس بمبهم.
مسألة: إذا قال الراوي حدثني الثقة.
اختلف أهل الأصول وأهل الحديث في هذا هل نقبل أم لا؟ على أقوال:
القول الأول: أنه يقبل مطلقاً، وهذا عليه بعض أهل الأصول، فإذا قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حدثني الثقة فهذل حديث موصول.
القول الثاني: أنه لا يقبل، لأنه مبهم والمبهم من قسيم الحديث الضعيف.
القول الثالث: يفرق بين ما إذا قال الإمام الثقة المعروف بالتحرّي والتدقيق فقال حدثني الثقة فإننا نأخذ قوله ونقبله، وبين ما إذا قال شخص آخر معروف بالرواية عن الضعفاء وبالتساهل بالحكم وإن كان هو ثقة، فقال: حدثني الثقة، فإننا لا نقبل قوله.
مثال:
الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ إمام معروف جِهْبِذْ فلا يمكن أن يقول حدثني الثقة وهو ليس بثقة، هذا هو القول الثالث وهو التفصيل بين راوٍ وراوٍ، وهو الصحيح ولكن ليس على الإطلاق وإنما نعتبر قوله قرينه، فإذا احتجنا إلى هذا الحديث الذي قال فيه الإمام حدثني الثقة، وعندنا ما يشهد له وما يعضده وما يقوّيه، فإننا نجعل هذا من جملة المعتبرات التي يعتبر بها ويستشهد بها، ويقوّي هذه الأسانيد، فلا نقبل بإطلاق، ولا نرد بإطلاق، وكذلك قبولنا ليس قبول إطلاقي وإنما قرينه.
قال المؤلف: " لم يُسَمْ " أي لم يسم الراوي، دلّ على أن الوصف داخل عند المؤلف في الإبهام فهو قال " لم يسم " ولم يقل " لم يوصف "، فإذا قلنا ما هو رأي المؤلف في الراوي الموصوف كأن يقول حدثني رجل ثقة، أو حدثني رجل من مكة، أو حدثني رجل طويل هذا كلّه داخل في الإبهام لأنه حدّه بقوله " لم يسم ".
مسألة: إن سُمّي الرجل باسم لا يعرف به، ولم نجد أحداً عرّفه، مثل أن يقول: حدثني سعيد بن كُرز.