المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مناقشة الآراء في "العين - المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم العين للخليل بن أحمد

[عبد الله درويش]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول: المرحلة الأولى في تنظيم المعجم العربي مرحلة التقليبات

- ‌نبذة عن حياة الخليل

- ‌طريقة الخليل في "العين

- ‌اللغويون الذين ساروا على نهج الخليل في المشرق:

- ‌أولًا- جمهرة ابن دريد:

- ‌ثانيًا- تهذيب الأزهري:

- ‌المعاجم التي اتبعت نظام العين في المغرب:

- ‌ثانيًا: مختصر العين للزبيدي:

- ‌ثالثًا: محكم ابن سيده:

- ‌الباب الثاني: الخلاف حول كتاب العين

- ‌مدخل

- ‌الآراء حول كتاب العين:

- ‌مناقشة الآراء في "العين

- ‌كتاب العين يتحدث:

- ‌كيف وضعت الفكرة الأولى للعين:

- ‌الكرملي وكتاب العين:

- ‌مخطوطات العين:

- ‌الباب الثالث: المرحلة الثانية في تطور المعاجم نظام القافية

- ‌أولا: صحاح الجوهري

- ‌ثانيًا: لسان العرب:

- ‌ثالثا: قاموس الفيروزبادي

- ‌رابعًا: تاج العروس:

- ‌الشدياق ونقده للقاموس:

- ‌الباب الرابع: المرحلة الثالثة من ترتيب المعاجم مرحلة الترتيب الأبجدي العادي

- ‌تنظيم الأبجدية العادية

- ‌المجمل والمقاييس لابن فارس:

- ‌أساس البلاغة للزمخشري:

- ‌الموجزات:

- ‌المعاجم اللبنانية الحديثة:

- ‌معاجم المستشرقين:

- ‌قاموس المجمع اللغوي: "المعجم الكبير

- ‌الخاتمة

- ‌الفهرس

الفصل: ‌مناقشة الآراء في "العين

‌مناقشة الآراء في "العين

":

مناقشة الرأي الأول:

يعزى إلى أبي علي القالي أنه لم يعترف بكتاب العين سواء أكان من عمل الخليل، أو من عمن غيره بناء على أنه ليس للكتاب إسناد، وقد ذكر لنا الرواة أن القالي أخذ هذا الرأي عن أبي حاتم الذي قرر أن الكتاب لم يكن منتشرًا بين العلماء في عهده.

والذي يبدو غريبًا في رأي القالي هذا. أن القالي نفسه قد اعترف بكتاب العين، وبأن مؤلفه الخليل.

أولًا: عندما اقتبس منه كثيرًا في كتاب البارع تحت عبارة "وقال الخليل".

وبمقارنة بعض هذه الاقتباسات بكتاب العين وجد أنها تتفق كلمة بكلمة مع كتاب العين.

وثانيًا: ما روي أن القالي عندما رحل من المشرق إلى الأندلس، واتصل بالخليفة الحكم الثاني ألف له كتاب البارع الذي كان فخورًا بأن يبز العين بحوال 400 ورقة، وأن البارع أيضًا يفوق العين في عدد الكلمات إذ يزيد عليه بحوالي 5685 كلمة كما ذكر الرواة1.

ومن ناحية أخرى فإن عدم معرفة أبي حاتم بانتشار الكتاب في عهده لا يدل على عدم نسبة الكتاب إلى الخليل. كما أن مسألة الإسناد على فرض عدم معرفة أبي حاتم بسلسلة رواية العين لا تنفي نسبة الكتاب للخليل.

وفوق هذا فإن تعارض ما روي منسوبًا للقالي مع الحقيقة الواقعة، وهي اعترافه

1 مقدمة البارع -كتبها المستشرق فولتون.

ص: 55

بنسب الكتاب للخليل في معجمه "البارع" يجعلنا نشك في صدق هذه الرواية تمامًا، ولا يصح أن نعدل عن الواقع وجود رواية تخالفه.

مناقشة الرأي الثاني:

نرى أن الأزهري في تهذيبه حينما لم تسعفه الأمور بما يرمى به الخليل كما فعل بابن دريد وغيره. رأى أن يتحاشى أن يترجم للخليل حتى لا يتعرض لذكر العين تحت اسمه بالمرة، وعندما نرى في مقدمته ذكر الخليل، فإنما كان ذلك عرضًا عند الكلام على آخرين كتلاميذه مثلًا. ونرى قبل أن نعرض للسبب الرئيسي لتجنب الأزهري ذكر الخليل أن نذكر أن تعصب الأزهري لم يكن فقط ضد كتاب العين، أو ابن دريد الذي رأى أن العين تأليف الخليل بل تعداه هذا إلى كل من ألف في المعاجم من قبله. وعلى سبيل المثال قد عرض الأزهري في مقدمته لاثنين من اللغويين أصحاب المعاجم الذين اعتبرهم غير ثقاة، وهما الخزرجي صاحب "تكملة العين"، وأبو الأزهر البخاري صاحب "الحواصل".

ورغم الحملة العنيفة على الخزرنجي فإننا نجد الأزهري كثيرًا ما يقتبس عنه، وينقل الروايات اقتباسًا ونقلًا يشعران القارئ بأنه ثقة كما ينقل عن غيره ممن وثفهم كالأصمعي وأبي عبيدة.

هذه الحملات إذن لها غرض خاص يرمي إليه الأزهري هذا الغرض على ما نظن هو تقرير عدم أهمية المعاجم التي سبقته ليبرز معجمه في صورة الكتاب الذي ليس له قرين، ولعل اسم "التهذيب" الذي يشعر بغربلة ألفاظ اللغة وانتقائها يرمي إلى شيء من هذا كما عبر بذلك صراحة في مقدمته ومع هذا فقد نقل الأزهري كثيرًا عن كتاب العين تحت التعبير "قال الليث": ولكن لا لينبه على خطئه كما وعد بل نقل عنه في أكثر الأحيان كما لو كان.

ص: 56

ثبتًا موثوقًا به. إلا في النادر اليسير فإنه تعرض لتخطئته كما خطأ غيره ممن وثقهم. وكم كنا نرحب أن يثبت الأزهري هذا الخطأ مكتفيًا بأنه خطأ كتاب العين فقط، أو يذكر مع شيء من الجرأة والصراحة في الحق أنه خطأ الخليل. ولسنا نتفق مطلقًا مع من يقولون: إن الخليل فوق الشبهات وأنه لا يعزى إليه أي خطأ بل قد وقعت بعض الأخطاء البسيطة في العين التي لا تؤثر مطلقًا على مقام الخليل -إذ هو- كما سنوضح بعد كان مشغولًا بالترتيب والتبويب أكثر من انشغاله بالمفردات، أو ما سموه حشو الكلمات. وأكثر من هذا فإن الأزهري عندما أراد في المقدمة -بعد أن ترجم للغويين، وهاجم من هاجم منهم- أن يذكر منهجه في الكتاب، ويوضح ترتيبه ويبين لنا كيفية تنظيم المفردات فيه لجأ إلى مقدمة كتاب العين ينقل منها بالحرف الواحد الشيء الكثير. والغريب في الأمر أنه اعترف أن هذا الترتيب البديع قد اتفق جميع اللغويون على أنه للخليل بن أحمد استمع الأزهري يلقى باعترافه1:"ولم أر خلافًا بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب العين لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأن الليث بن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقفه إياه عن فيه، وعلمت أنه لا يفوق أحد الخليل فيما أسسه ورسمه، فرأيت أن أنقله بعينه لتتأمله وتردد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجة إليه"، فما معنى أن الليث أكمل الكتاب عليه إن عبارة "أكمل" تفهم أن شخصًا آخر قد ابتدأ العمل في هذا الشيء الذي يحتاج إلى إكمال.

وأشد من هذا تعبير: "بعد تلقفه إياه عن فيه" أليس هذا يعني المشافهة التي هي صنو الإملاء.

أليس يتفق هذا مع رواية السيرافي: "وأملي كتاب العين على الليث" التي لم يذكر مصدرها ولعله أخذها عن الأزهري. ثم بعد هنا كله لا يرى أن

1 مقدمة التهذيب ص39.

ص: 57

الخليل هو المؤلف لكتاب العين -صحيح أننا لا نخفي يد الليث من عمل شيء بالنسبة للكتاب. ولكن مجهود الليث في ذلك لا يصل إلى درجة أن يعد هو المؤلف، فنسمح للأزهري أن ينقل عن العين بعبارة "قال الليث": وقد يكون مقبولًا منه كما فعل الزبيدي أن يقول قال في العين. فإن الزبيدي لم يسم كتابه باسم مختصر الليث، أو الخليل وإنما كان محايدًا في عنونة كتابه إذ أسماه مختصر العين.

والآن لنعرض بعض المقارنة بين العيني والتهذيب لنرى كيف كان الأخير ينقل عن الأول.

ذكر الأزهري أن كلمة "البغاث" بالغين المعجمة تحريف من الليث، وإنما الصواب هو أن تكون الكلمة بالعين المهملة، وقد ذكرت القواميس المتأخرة كاللسان والتاج أن كلا اللفظين وارد "وفصيح" بل لقد ذكر التاج قوله:"ونقل أبو عبيدة عن الخليل بغاث -بغين معجة"، وكتاب العين نفسه قد سجل الكلمة تحت باب الغين المعجمة وقال. ويقال أيضًا: بعاث فنفس الكتاب ورواية أبي عبيدة ترى أن رأي الخليل هو ورود الكلمة بالصورتين، وتفسير هذا في نظرنا أنهما لهجتان وإن رؤيتنا الخلاف في نطق أسماء البلاد لبعض من هذا. فكيف بعد هذا يختار الأزهري سورة واحدة للكلمة ليعترض عليها.

حتى في المقدمة التي اقتبسها الأزهري من العين، واعترف بنسبتها للخليل وأنه لا خلاف في ذلك بين الأئمة نجد أنه ذكر هذه العبارة "قال الليث بن المظفر: لما أراد الخليل بن أحمد الابتداء في كتاب العين أعمل فكره فيه، فلم يمكنه أن يبتدئ من أول أب ت؛ لأن الألف حرف معتل

إلخ".

ولكن ما في كتاب العين يختلف يسيرًا عما ذكر الأزهري، فليس في كتاب العين كلمة الإبتداء التي وضعها الأزهري من عنده بدل كلمة التأليف التي في كتاب العين على أن الأزهري في آخر المقدمة عندما احتاج إلى إعادة العبارة ليبين أن

ص: 58

الكتاب لم يحتو جميع المفردات كما فهم البشتى بل يحصي المواد فقط. وكان الغرض من الإعادة هو مهاجمة البشتي مرة أخرى. قال الأزهري1 في أول المقدمة: "وروى الليث بن المظفر عن الخليل بن أحمد في أول كتابه: هذا ما ألفه الخليل بن أحمد من حروف اب ت ث التي عليها مدار كلام العرب وألفاظها، ولا يخرج شيء منها عنه أراد أن يعرف بذلك جميع ما تكلمت به العرب في أشعارها، وأمثالها ولا يشذ عنه منها شيء قلت قد أشكل هذا الكلام على أكثر من الناس حتى توهم بعض المتحذلقين -يقصد البشتي وأمثاله- أن الخليل لم يف بما شرط؛ لأنه أهمل من كلام العرب ما وجد في لغاتهم مستعملًا".

ثم شرع الأزهري يطبق هذه النظرية على البشتي الذي أخطأ في فهم المراد من عبارة العين، أو على الأصح عبارة الخليل. كما أورد الأزهري دون أن يفطن إلى وجهة نظره الخامسة:"إن الخليل لم يف بما شرط"، فكيف إذن يدافع الأزهري عن الخليل بأنه لم يذكر في كتابه كل المواد -أو الكلمات- مع أن الكتاب لليث كما يدعي.

ولعلنا بعد أن ناقشنا الأزهري قد اقتنعنا على الأقل بترك رأيه إن لم نقل بضده؛ لأنه كما تبين لنا كان متعصبًا متحاملًا على اصحاب المعاجم السابقة ينال منهم، ويأخذ عليهم الأخطاء التي وقع فيها كثير غيرهم ممن وثقهم الأزهري، واعتد بهم وذلك كما قلنا لحاجة في نفسه هي أن كل ما سبقه من الكتب حتى العين أقل من كتابه. ولما لم يكن ليجرؤ على تخطئة الخليل في العين أراد أن يلصق الكتاب بغيره ليسهل عليه الطعن فيه. ولسنا نفهم أن هذا الغير يترك مجهوده الضخم في ذلك الإنتاج الفذ الذي لم يسبق إليه لا الخليل، ولا لأستاذ الخليل. ألسنا في حل أن نكيل للأزهري بنفس الكيل ونقول: أنت رجل فوق

1 ص49.

ص: 59

الشبهات وفوق الخطأ، وما ورد في كتابك من ذلك فليس لك بل هو من تأليف غيرك الذي نحلك الكتاب ليستغل اسمك نظرًا لشهرتك العلمية ورسوخ قدمك في علوم اللغة؟ وكفى هذا بالنسبة للأزهري لتنتقل إلى غيره.

مناقشة الرأي الثالث:

ويشمل هذا كما سبق أن عرفنا رأي الذين يقولون: إن الليث اشترك مع الخليل في الكتاب، ولكن يختلفون في تفسير هذا الاشتراك فابن المعتز -كما رأينا- يروي القصة الغرامية التي أدت إلى أن تحرق زوج الليث كتاب العين انتقامًا منه لشغفه بجاريته الحسناء مما اضطره إلى إعادة كتابه العين من جديد. أتم نصفه من ذاكرته واستعان في النصف الثاني ببعض من أعانه.

ولكن ابن المعتز لم يتخذ هذا سبيلًا للشك في الكتاب، وكان في وسعه أن يقول كما قال غيره:"إن آخر الكتاب لا يشبه أوله، فبعضه على الأقل ليس للخليل"، ولكنه كشاعر لا يهتم بتحقيق نسبة الكتاب تحقيقًا وافيًا بل أورد القصة محبوكة مما يجعلنا نشك فيها. ثم كيف يترك الليث. وهو ابن الأمير وله من السعة ما يجعله يحفظ كنزره في حرز مكين أمين، كيف يترك كتابه لزوجه وهو يعلم مدى غيرتها لتفعل به ما تشاء. وهذا ما يجملنا نتشكك في صحة الرواية التي تقول بأن الكتاب أحرق، ثم أعيدت كتابته على يد الليث مما يحملنا على ترك هذا الرأي كلية.

أما السيرافي فقد اضطرب في النسبة فمرة يقول: إن الخليل أملى كتاب العين على الليث، ومرة يقول: إن الخليل عمل أول كتاب العين ولكنه لم يوضح إلى أي مادة وقف تأليف الخليل وابتدأ الليث.

أما أبو الطيب والنواوي اللذان يقولان بما يشبه هذا، فقد نقلا فقط آراء غيرهما شأن بقية مؤلفي الطبقات دون القطع برأي حاسم في المسألة، فيصبح إذن تفسير.

ص: 60

اشتراك الليث بأنه ألف بعضًا من الكتاب، أو أن الخليل لم يعمل كل الكتاب لا يعتمد على دليل قوي مما يجعلنا غير مطمئنين لهذا الرأي.

مناقشة الرأي الرابع:

وهو رأي من يقول بأن الخليل ابتدع النظام، ورتب الأبواب وأن غيره أكمله وهؤلاء كما رأيناهم الزبيدي، وعش وأهلوارت.

أ- أما الزبيدي: ذكر بعض النقاط التي اعتمد عليها في تكوين رأيه، وهذه النقاط تستخلص من مقدمة كتابه "استدراك الغلط الواقع في كتاب العين" والتي وجه فيها الكلام إلى بعض إخوانه الذين عاتبوه في شأن الحملة على الخليل، والتعصب ضده وهذا على فرض صحة ما ورد في تلك المقدمة.

وأبرز هذه النقاط ما يأتي:-

1-

ادعى في تلك المقدمة أن كتاب العين وردت فيه أسماء رواة معاصرين للخليل. وأنه من غير المعقول -والخليل رأس مدرسة البصرة- أن يكون قد اعتمد على غيره في حشو الكتاب بالمفردات. والأكثر من هذا أن هناك أسماء لبعض الرواة المتأخرين عن عصر الخليل. وكل هذا إن صح فلا يفيد أن الكتاب ليس للخليل، وإنما غاية ما يفيده أن بعض الزيادات قد أضيفت فعلا إلى الكتاب، وهذا يعني أن بعض الأسماء قد أضيفت بفعل الرواة إلى الكتاب كما كان يحدث لكثير من الكتب التي ألفت في صدر الإسلام، وليس كتاب العين بدعًا من بينها.

2-

أورد الزبيدي أن الترتيب الصوتي للأبجدية يختلف من بعض الوجوه عما ورد في كتاب سيبويه. وسيبويه يعتبر إلى حد كبير ممثلًا لرأي أستاذه الخليل الذي استوحى من تعليمه موضوعات كتابه، ولم يذكر بالتحديد موضع المخالفة، وأوضح الزبيدي أنه ليس المراد بذلك تقديم حرف العين على

ص: 61

أخواتها من حروف الحلق. فإن لذلك وجهًا مقبولًا وهو أن الهمزة التي هي أسبق مخرجًا قد أخرت حتى عدت ضمن حروف العلة نظرًا لتغيرها في التصريف، ومجيئها مدة في كثير من الأحيان. وإنما يقصد "تقديم غير ذلك من الحروف وتأخيرها".

ولكننا إذا تتبعنا ترتيب الحروف الهجائية "الصوتية" في العين، وفي المختصر لوجدناه متفقًا. فكيف نفهم أن الزبيدي يعترض على الترتيب ثم يبني عليه كتابه. والأكثر من هذا أنه قد روي عن الزبيدي ذكر مناقضات أخرى في العين مثل قوله1:"ولو أن الكتاب للخليل لما أعجزه ولا أشكل عليه تثقيف الثنائي الخفيف من الصحيح والمعتل، والثنائي المضاعف من المعتل والثلاثي المعتل بعلتين. ولما جعل ذلك في باب سماه اللفيف، فأدخل بعضه في بعض، وخلط فيه خلطًا لا ينفصل منه شيء عما هو بخلافه، ولوضع الثلاثي المعتل على أقامة الثلاثة لسببين معتل الياء من معتل الوارد الهمزة، ولما خلط الرباعي والخماسي من أولهما إلى آخرهما".

وإذا قارنا ما قاله الزبيدي بما هو واقع فعلًا في كتاب العين نجد أنفسنا في حيرة بالمنة. فإن العين لم يخلط الثلاثي المعتل باللفيف بل أفرد لكل منهما بابًا، وكذلك لم يخلط الرباعي بالخماسي بل ذكر الرباعي أولًا، ثم أعقبه بذكر الخماسي كما فعل الزبيدي نفسه.

ولكن إذا رجعنا إلى كتب الطبقات نجدها تذكر للزبيدي كتابًا تحت اسم الاستدراك بجانب كتابه مختصر العين.

ولكن هذا الاستدراك لا علاقة له بالعين، وإنما هو استدراك على أبنية سيبويه، وهي الصيغ التي ذكرها عند الكلام على ورود حروف الزيادة

1 المزهر ص53.

ص: 62

في المفردات العربية. ولم تذكر لنا كتب الطبقات "الاستدراك على كتاب العين". كما أننا من ناحية أخرى لم نجد ما ذكر عن الزبيدي في هذا الشأن إلا في كتاب المزهر للسيوطي. فما معنى هذا؟ هل معناه أن الزبيدي يناقض نفسه؟ أم أن هذا يعني أن تلك الرواية مختلفة من أساسها شأن غيرها من الروايات التي تذكر من وقت لآخر في المزهر دون تحقيق أو تمحيص؟ لعل من الأسلم أننا لا نتحامل على الزبيدي وننسب له التناقض، ونكتفي فقط بنظرية اختلاف الرواية. وعلى ذلك ينجلي الموقف بعض الشيء.

ب- أهلوارت:

أما ما ذكره هذا المستشرق الألماني حين الكلام1 على قطعتين مخطوطتين استنتج خطأ أنهما من كتاب العين. ورتب على ذلك أن ورود أسماء متأخرة مثل ثعلب المتوفى عام "291هـ"، والدينوري "381"، وكراع "307" والزجاج "310" وابن جني "392"، والهروي "401" -ورود هذه الأسماء يدل على أن الكتاب أكمل بعد عصر الخليل.

ولكن بمقارنة هاتين القطعتين بكتاب العين نفسه وجد اختلاف في المنهج يتمثل فيما يلي:-

أ- أن هناك تفصيلًا في ذكر المعتل الواو، والمعتل الياء فلم يذكرا معًا كما في العين.

ب- أن ذكر الرواة في العين يرد نادرًا جدًّا بخلاف ذكر الرواة في هاتين القطعتين، فإنه يرد بكثرة سواء في ذلك الرواة المتقدمون أو المتأخرون.

ج- أن ذكر الرواة يرد بأسمائهم فقط دون ذكر كتبهم التي نقل رأيهم.

1 كتالوج المخطوطات العربية في برلين سنة 1894 ص237.

ص: 63

عنها فيما عدا اسمًا واحدًا هو اسم كراع الذكور دائمًا مع اسم كتابه هكذا "وقال كراع في المنضد".

د- أن الرواية عن الزجاج إنما وردت عند الحاجة إلى شرح لفظ من القرآن الكريم.

وبمراجعة المعاجم التي اتبعت نظام العين وجد أن هذه الخصائص تتمثل في المحكم لابن سيده، وقد استنتجنا هذا بمراجعة بعض أجزاء المحكم التي عثرنا عليها. ولم تمكننا الظروف من مقابلة القطعة الموجودة في برلين بنظيرتها في المحكم نفسه1.

وعلى ضوء ما ذكرنا نجد أن أهلوارت بنى رأيه على ظن خاطئ. ولو أنه قد أتيحت له الفرصة لرؤية المحكم لربما كان قد غير رأيه.

ح- عش:

لقد أجمل الأستاذ عش في مقالاته التي ذكرها في صحيفة بمجمع دمشق ما قاله السابقون، وعلى الأخص ما ذكره السيوطي الذي قال عنه أنه يتمثل في رأي الزبيدي؛ لأن هذا الرأس وسط بين رأيين متطرفين الرأي القائل بأن الخليل هو المؤلف للكتاب، والواضع لمفرداته كلية، وتفصيلًا والرأي القائل بأن الكتاب ليس من عمل الخليل.

وقد كنا نتوقع منه أن يأتينا بأدلة من كتاب العين نفسه ليبني عليها رأيه؛ لأننا نظن أنه علم بوجود بعض نسخ العين بدليل أنه قال في معرض ذكر بعض الآراء: "لا يمكن قبول الرأي القائل بأن الخليل وضع أول الكتاب فقط حيث إن آخره لا يشبه أوله؛ لأن المتتبع للكتاب يرى أن الأخطاء في آخره هي نفس الأخطاء في أوله"، ومن جهة أخرى فقد ختم الأستاذ.

1 لقد بينت هذا بتفصيل أكثر في بحث ألقي في مؤتمر المستشرقين الدولي الثالث والعشرين بمدينة كمبردج بإنجلترا في أغسطس 1954، وقد عقب في نفس الجلسة المستشرق الألماني "كريمر"، فقال: إنه عند رؤيته القطعتين في برلين حصل له نفس التشكك. وقد تأكد من أنهما من المحكم عندما كان في استانبول في المؤتمر الثاني والعشرين، وأتيحت له فرصة مقابلة قطعتي برلين بالمحكم الذي توجد منه نسخة كاملة هناك.

ص: 64

بحثه برجاء إلى حكومة العراق قال فيه: "وإنا لنأمل أن تأخذ الحكومة العراقية على عاتقها طبع الكتاب بمناسبة ذكرى الأب أنستاس الكرملي، خصوصًا بعد أن لم يبق منه إلا نسخة أو نسختان"، فإن تعرضه لذكر النسخ دليل على معرفة مكانها، أو العلم بوجودها إن لم نقل: إنه -مع ما له من النفوذ والجاه العلمي- يمكنه أن يطلع على النسخة فعلًا دون أية صعوبة. وهكذا حرمنا الأستاذ من الاستماع لرأيه الشخصي، واكتفى فقط بأن يذكر لنا ما قاله الأقدمون، وإن كان قد عرضه بصورة واضحة مفصلة جميلة:

مناقشة الرأي الخامس:

من المؤلف لكتاب العين؟

وهنا قد بقي الرأي الذي ينسب "العين" للخليل صراحة بالمعنى الكامل لكلمة مؤلف. وقد سبق أن رأينا في مناقشتنا للآراء السابقة كيف أن بعضها اعتمد اعتمادًا كليًّا على الرواية فقط كما أن هذه الروايات يخالف بعضها بعضًا على أن هناك روايات أخرى تقابلها، فتذكر صراحة نسبة العين للخليل، فقد ذكر ابن النديم1 أن أبا الفتح النحوي الذي كان "ثقة صدوقًا" قد حدث بأن ابن دريد ذكر له كيف ورد كتاب العين إلى بغداد في عام 248هـ، وذلك أن أحد النساخين قد أحضره من خراسان في ثمانية وأربعين جزءًا، وباعها بخمسين دينارًا. وقد علم ابن دريد أن ذلك الناسخ قد أحضره من مكتبة الطاهرية. وبهذه المناسبة نحب أن نذكر أن ذلك رد صريح على من يقول أن ابن دريد كان من المشككين في نسبة الكتاب للخليل. على أن ابن دريد قد صرح بهذه النسبة في مقدمة الجمهرة2.

ومن أقدم الكتب التي ورد فيها ذكر الخليل كراو في تفسير بعض المفردات الغامضة كتاب سيرة ابن هشام، فقد أورد أبياتًا ورد فيها ذكر

1 الفهرس ص67.

2 المزهر ص50.

ص: 65

كلمة العيهب ثم عند تفسيرها قال1: الخليل العيهب الضعيف الجبان. وهذا يتفق مع ما في العين. فكأن الكتاب كان في عهدة بعض المؤلفين كقاموس أو مرجع لتفسير الغريب.

وقد تصدى قديمًا من دافع عن "العين" كإنتاج بصري ضد من هاجمه من الكوفيين، فقد ذكر السيوطي "ممن ألف أيضًا الاستدراك على العين أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم "الكوفي" من تلاميذ ثعلب. قال أبو الطيب اللغوي رد أشياء من العين أكثرها غير مردود"، ثم ذكر السيوطي بعد ذلك2 عن كتاب العين، "وقديمًا اعتنى به العلماء وقبله الجهابذة. فكان المبرد يرفع من قدره، ورواه أبو محمد بن درستويه وله كتاب في "الرد على المفضل بن سلمة فيما نسبه إليه من الخلل"، ويكاد لا يوجد لأبي إسحاق الزجاجي حكاية في اللغة إلا منه".

ولعل هذا مما يبعث ضوءًا على التخاصم بين الكوفيين والبصريين، وكيف أن الكوفيين لما رأوا سبق البصريين لهم في اللغة، والنحو أخذوا يهاجمونهم بشتى الوسائل. فمسألة الزنبور بين الكسائي وسيبويه ومناصرة الأمين للكوفيين في شخص الكسائي. ومسألة تأليف المفضل الكوفي ردًّا على الخليل ما هما إلا حلقتان من سلسلة التخاصم بين المدرستين.

ومما هو جدير بالذكر أننا نرى أن السيرافي الذي ارتضى نقل الرأي القائل بأن الخليل عمل أول كتاب العين، نرى أن نقل هذا الرأي ورد عن ثعلب، وهو من هو تعصبًا للكوفيين.

ولنذكر باختصار آراء من أصحاب المعاجم الذين اعترفوا بنسبة العين للخليل. وبرأي أحد المستشرقين كذلك. وعلى سبيل التحديد ابن دريد، وابن فارس، وبراونلتش.

ابن دريد:

ذكر أن ابن دريد كان أول من اعتمد على العين في تأليف الجمهرة، فقد نقل من الخليل كثيرًا في معجمه هذا، ورغم ما بين الكتابين من بعض الاختلاف

1 السيرة ج2 ص173.

2 المزدهر ص53.

ص: 66

في الترتيب الأبجدي فلم يسلم ابن دريد من تهمة سرقة "العين"، ووضعه بعد شيء من التعديل تحت اسمه هو. وقد رأينا فيما سبق كيف أن نفطويه ألصق به هذه التهمة الباطلة، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أمر مقررًا معروفًا لدى اللغويين المتقدمين، وهو أن ابن دريد اعترف صراحة بنسبة العين للخليل. ولقد أخبرنا ابن دريد ذلك في مقدمة الجمهرة بقوله: إنه عندما هم بكتابة معجم في العربية أراد أن نصه مبسطًا للتلاميذ وعامة القراء؛ لأن كتاب الخليل كان صعب الترتيب لا يفهمه إلا من كان راسخ القدم في علوم اللغة، وأنه في تلك الأيام أصبحت الحاجة ماسة إلى كتاب أسهل ترتيبًا وأقرب منالًا، فكان أن وضع ابن دريد الجمهرة. كما صرح في موضع آخر من المقدمة في عبارة واضحة جلية حين قال:"ألف الخليل بن أحمد كتاب العين"، والتعبير بكلمة ألف هنا لها ما لها من الدلالة خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن ابن دريد بصفة لا شعورية يريد الرد على الأزهري في ذلك. ولنترك صاحب الجمهرة بين رأيه بنفسه، ولنستمع إليه إذ يقول1:"ولم أجر في هذا الكتاب إلى الازدراء بعلمائنا ولا الطعن في أسلافنا، وأنى يكون ذلك وإنما على مثالهم يحتذى.... وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي كتاب العين فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته. فكل من بعده له تبع. أقر بذلك أم جحد، ولكنه رحمه الله ألف كتابه مشاكلًا لثقوب فهمه، وذكاء فطنته وحدة أذهان أهل عصره".

ابن فارس:

أما ابن فارس فقد أعلن صراحة في مقدمة معجميه المقاييس، والمجمل بأن مؤلف العين هو الخليل بن أحمد، وذلك حين ذكر مراجعه الكبرى فقال:"أعلاها وأشرفها كتاب العين للخليل بن أحمد".

وفي تضاعيف كتابيه تجد أنه يقتبس كثيرًا من العين تحت عبارة "وقال الخليل": ورغم أن الزمن قد تأخر بابن فارس حتى أطلع على الجمهرة والتهذيب

1 مقدمة الجمهرة ص3.

ص: 67

وكثير من كتب اللغة، فإنه لم يشأ أن يقحم نفسه في الرد على من تعرضوا للشك في نسبة كتاب العين. وكأنه بذلك وبوضعه المسألة في تعبيره السابق يريد أن يعلم أن الأمر أصبح جليًّا وغير محتمل للشك.

براونلتش1:

لقد عرض براونلتش لهذه المسألة ووضع نصب عينيه القسم المطبوع من كتاب العين ليساعده على تكوين رأي أقرب إلى الصواب، فلم يعتمد فقط على ما ذكرته كتب الطبقات، ولم يبين حكمه على الرواية الصرفة.

ثم عرض براونلتش إلى العين يختبره ويبحثه وهداه تفكيره إلى أن الكتاب للخليل، وقد بين سببًا لهذا أن الكل قد اتفق على أن التنظيم، والترتيب من صنع الخليل، وهذا هو جوهر المسألة وهو المعنى بكلمة التأليف. أما الإضافة أو الحذف فلا تؤثر في مركز الخليل كمؤلف للكتاب. وأضاف أيضًا إلى هذا أن تلميذه الليث قد قام بنصيب كبير في نقل الكتاب عن الخليل، وربما أثبت فيه أشياء بعد أن استأذن الخليل في ذلك.

وانتهى من هذا إلى أن المؤلف للعين هو الخليل، وأن المخرج للكتاب هو الليث.

بعد سرد تلك الآراء المختلفة ومناقشتها وبعد عرض رأي القائلين صراحة بنسبة الكتاب للخليل نرى أن أقوى حجة في جانب المعارضين هو ما ذكره السيوطي على اعتبار أنه رأي الزبيدي ونقله عما سماه "الاستدارك على العين" في حين أن الاستدراك للزبيدي إنما هو الاستدراك على كتاب سيبويه لا على العين، وقد سبق أن أسهبنا القول في بطلان تلك الأدلة. أما الآراء الأخرى فقد رأينا أن أغلبها استنتاجي يعتمد فقط على الرواية دون النظر إلى وقائع الأمور.

1 نشر هذا المستشرق بحثًا مطولًا عن هذا الموضوع في مجلة إسلاميات ج2 ص39.

ص: 68