المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر المسند إليه - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٤

[حامد عونى]

الفصل: ‌ذكر المسند إليه

الله الإنسان" لمن يعلم أنه جاهل يضيف الإفناء إلى الزمن. قال رجل هو كاذب: "أخصبت أراضينا" لمن لا يعلم كذبه. قال جاهل: "أزهر الله النبات" لمن يخفى حاله. قال جاهل: "أذبل الشتاء الزهر لمن يعلم حاله".

ص: 68

‌أحوال المسند

‌ذكر المسند إليه

أحوال المسند إليه:

أحوال المسند إليه هي ما يعرض له من حيث1 إنه مسند إليه من ذكر وحذف، وتعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك مما سيأتي.

ذكر المسند إليه:

المسند إليه هو المحكوم عليه، فاعلا كان، أو نائب فاعل، أو مبتدأ أصلا أو حالا، وأحواله هي ما يعرض له من ذكر، وحذف، وتعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك مما سيأتي في أبوابه مفصلا.

واعلم أن المسند إليه واجب الذكر إذا لم تقم عليه قرينة، ولا بحث لنا فيه فإذا دلت عليه قرينة من ذكر أو حال جاز ذكره وحذفه، وهذا ما نحن بصدد البحث فيه، ذلك أن البحث إنما هو في مرجحات الذكر على الحذف، أو العكس، وذلك إنما يكون حيث يجوز ذكره وحذفه لقيام قرينة عليه، ومرجحات الذكر كثيرة نذكر منها ما يلي:

1 هذه حيثية تقييد احترز بها عن الأمور العارضة للمسند إليه لا من هذه الحيثية، ككونه حقيقة أو مجازا فإنهما عارضان له لا من حيث إنه مسند إليه من حيث الوضع، وككونه كليا أو جزيئا فإنهما عارضان له لا من حيث لفظه، وككونه ثلاثيا أو رباعيا فإن ذلك عارض له من حيث عدد حروفه. وليست حيثية تعليل إذ يفيد ذلك أن الحذف والذكر وغيرهما من سائر الأحوال المذكورة في أبوابها بعد عارضة له من أجل كونه مسندا إليه مع أنه ليس كذلك بل هذه الأحوال إنما تعرض له من أجل الدواعي التي ستذكر في أبوابها، ولا يقال: إن "الرفع" من الأحوال التي تعرض له من حيث إنه مسند إليه فكان حقه أن يذكر في هذا الفن؛ لأن إضافة أحوال للمسند إليه للعهد وهي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، فخرج الرفع فإنه وإن كان عارضا من هذه الحيثية لكن لا يطابق به اللفظ مقتضى الحال.

ص: 68

1-

كون ذكر المسند إليه هو الأصل أي: الكثير، وليس هناك ما يقتضي حذفه في قصد المتكلم1 أي: محل كون الأصالة علة تقتضي الذكر حيث لم تعارضها علة أخرى تقتضي الحذف، قصد إليها المتكلم، وإلا روعيت وأهملت علة الأصالة لضعفها، بخلاف سائر نكات الذكر فإن كلا منها يصلح بمجرده نكتة حتى إذا وجدت معها نكتة للحذف فلا بد من مرجح لإحداهما.

2-

قلة الثقة بالقرينة لضعفها، إما لخفائها في نفسها وإما للاشتباه فيها، فالأول أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم تمضي فترة حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانيا لاحتمال غفلة السامع عنه لطول العهد به، والثاني أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم يحول مجرى الحديث في شأن غيره، فيذكر ثانيا لئلا يشتبه السامع في المحدث عنه، أهو الأول أم الثاني؟ فقد ضعف التعويل على القرينة في الموضعين لما ذكرنا، مثال ذلك أن تقول:"شوقي نعم الشاعر" فتذكر المسند إليه إذا سبق لك ذكر "شوقي" في حديث سابق وطال عهد السامع به، أو ذكر معه كلام في شأن غيره.

3-

التنبيه على غباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا بالتصريح، نقصد إفادة أن الغباوة وصفه، أو لقصد إهانته وتحقيره كما تقول لسامع القرآن:"القرآن كلام الله" فتذكر المسند إليه تنبيها على أن المخاطب موسوم بميسم الغباوة، لا ينبغي أن يكون الخطاب معه إلا هكذا.

4-

زيادة الإيضاح والتقرير2 أي: إيضاح المسند إليه، وانكشافه لذهن السامع، وتثبيته في نفسه كما تقول:"هؤلاء جدوا وهؤلاء بلغوا الذروة" ذكر المسند إليه وهو اسم الإشارة الثاني لقصد زيادة الإيضاح

1 إنما شرطنا قصد المتكلم؛ لأن المقتضي للحذف موجود دائما كالاحتراز عن العبث في ذكره مثلا فالمدار إذًا على قصد المتكلم.

2 المراد بالتقرير مطلق الإثبات وحينئذ فبيان الزيادة في الإيضاح والتقرير أن في القرينة إيضاحا وتقريرا للمسند إليه حيث دلالتها عليه، وأن المحذوف لدليل كالمذكور وفي التصريح بالمسند إليه مع قيام القرينة عليه زيادة في إيضاحه وتقريره.

ص: 69

والتقرير، وأن هؤلاء الذين ثبت لهم الاجتهاد هم أنفسهم الذين ثبت لهم بلوغ الذروة، فتكرار "هؤلاء" أفاد اختصاصهم بكل واحد من الاجتهاد وبلوغ الذروة مميزا لهم عمن عداهم، وفي هذا الإيضاح والتقرير ما لا يخفى، ومنه قوله تعالى:{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فذكر المسند إليه لزيادة الإيضاح والتقرير على نحو ما بينا في المثال قبله، غير أن في التمثيل بالآية نظرا إذ ليست من قبيل ما لو لم يذكر فيه المسند إليه لكان محذوفا كما هو فرض المسألة؛ لأننا لو حذفنا اسم الإشارة الثاني لم يكن المسند إليه محذوفا إذ إن جملة {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} مركبة من مسند ومسند إليه، وهي إما معطوفة على خبر اسم الإشارة الأول، أو معطوفة على جملة {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} وعلى كلا الاحتمالين لا حذف للمسند إليه.

5-

إظهار1 تعظيمه، أو تحقيره إذا كان اسمه مما يفيد معنى التعظيم أو الحقارة كأن يسألك شخص:"هل رجع خالد؟ " فتقول: "رجع الشجاع المقدام"، أو "رجع الجبان الرعديد"، فتذكر المسند إليه في الأول تعظيما له، وفي الثاني إهانة وتحقيرا، وكما تقول:"نعم: أمير البلاد يخاطبك"، في جواب من سأل: هل الذي يخاطبني فلان؟ أو تقول: "قدم السفيه" جوابا لمن سأل: هل قدم زيد؟

6-

التيمن والتبرك بذكره؛ لأنه مجمع اليمن والبركات كما تقول: نبينا عليه الصلاة والسلام قائل هذا القول جوابا لمن قال: هل قال هذا القول رسول الله؟ فتذكره تيمنا بذكره وتبركا به.

7-

التلذذ بذكره كقولك: الله حسبي، ومحمد شفيعي، وكقولك:"حضر الحبيب" جوابا لمن قال: هل حضر فلان؟ يريد هذا الحبيب، فتجري ذلك على لسانك لقصد التلذذ بسماع هذه الألفاظ.

1 إنما زيد لفظ إظهار لأن المسند إليه يفيد التعظيم في حال الحذف من حيث دلالة القرينة عليه فيكون ذكره لإظهار التعظيم.

ص: 70

8-

بسط الكلام وإطالته، وذلك حيث يكون إصغاء1 السامع مطلوبا للمتكلم لخطر مقامه، أو لقربه من قلبه، ولهذا يطال الكلام مع الأجباء مثاله، قوله تعالى حكاية لقول موسى عليه السلام:{هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} الآية، قال ذلك حين سأله تعالى:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ؟، وكان يكفي في الجواب أن يقول:"عصا" لأن "ما" للسؤال عن الجنس لكنه ذكر المسند إليه، وهو "الضمير" حبا في إطالة الكلام في حضرة الذات العلية، وأي مقام يستدعي بسط الكلام فيه كهذا المقام؟ ولهذا لم يكتف موسى عليه السلام بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال: أتوكأ عليها إلى آخر الآية2، ومثله أن يسألك إنسان تحبه وتجله: ماذا بيدك؟ فتقول له: "هذا كتابي رفيقي في غربتي، وسميري في وحدتي" وكان يكفي أن تقول: "كتاب" لأن السؤال عن جنس ما بيدك لكنك ذكرت المسند إليه حبا في إطالة الكلام في حضرة من تحبه، ولذلك أضفت إليه وصفين لم تسأل عنهما.

9-

قصد التهويل والإرهاب كقولك: أمير البلاد يأمرك بكذا، فتذكر المسند إليه باسم الأمارة تهويلا للمخاطب، وإرهابا ليكون ذلك أدعى إلى الامتثال والطاعة.

1 المراد بإصغاء في الآية لازمه وهو السماع، فيكون مجازا مرسلا وإنما كان المراد ذلك هنا؛ لأن الإصغاء بالمعنى المعروف الذي هو إمالة الأذن لسماع الكلام محال في حقه تعالى.

2 الإجمال في آخر الآية في قوله: ولي فيها مآرب أخرى، ينافي حمل الآية على البسط والمناسب لذلك تفصيل تلك المآرب، والجواب أحد احتمالين الأول أن يكون موسى كان يترقب السؤال منه تعالى عن تفصيل ما أجمل فيتلذذ بخطاب الله له -الثاني- أن يكون الحياء قد غلب عليه لمزيد المهابة والإجلال فلم يستطع الاسترسال في القول، ثم إن في جواب موسى عليه السلام إشكالا وهو أن السؤال "بما" عن الجنس فكيف أجاب بالشخص، بل ولم ذكر هذه الصفات وهي غير مسئول عنها وإنما المسئول عنه الجنس؟ ويجاب بأنه أجاب عن الجنس في ضمن هذا الفرد فكأنه قال: هي جنس هذا الفرد، وأن "ما" كما تكون للسؤال عن الجنس قد تكون للسؤال عن الصفة فموسى عليه السلام احتاط فجمع في جوابه بين الأمرين لاحتمال أن يكون السؤال عن هذا أو ذاك أو عنهما معا.

ص: 71