المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إيراد المسند إليه متبوعا بوصف - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٤

[حامد عونى]

الفصل: ‌إيراد المسند إليه متبوعا بوصف

‌تقييد المسند إليه بأحد التوابع:

‌إيراد المسند إليه متبوعا بوصف

1:

يتبع المسند إليه بوصف لأغراض أهمها ما يلي:

1-

الكشف عن حقيقته وتوضيح معناه كما في قولهم: "الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله" فقد أتى بالمسند إليه موصوفا بهذا الوصف لقصد بيانه وإيضاحه2، ومثله في الكشف وإن لم يكن وصفا للمسند إليه قول أوس بن حجر3 من قصيدة يرثي بها فضالة بن كلدة4:

إن الذي جمع السماحة والنجدة والبر والتقى جمعا

الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا5

1 يطلق الوصف ويراد به التابع المخصوص ويطلق بالمعنى المصدري أي: ذكر الصفة على أي وجه، وهذا المعنى أنسب بالتعليل؛ لأن الذي يعلل إنما هو الأحداث لا الألفاظ.

2 قيل إن كل واحد من الأوصاف الثلاثة المذكورة: الطول والعرض والعمق وصف كاف في الكشف والبيان إذ يكفي الكشف ولو بوجه عام -وقيل- وهو الظاهر أن الوصف الكاشف هو مجموع هذه الأمور لا كل واحد على حدة إذ يصدق على المجموع بحسب المعنى: أنه وصف واحد معناه: الممتد في الجهات الثلاث وإن تعدد بحسب اللفظ والإعراب ونظيره في ذلك قولهم: "حلو حامض" فقد جعل خبرا واحدا على معنى: مز، وقيل غير ذلك.

3 بضم فسكون.

4 بفتح فاء فضالة وكسر كاف كلدة وسكون لامه.

5 "النجدة" القوة والشجاعة وقوله: "جمعا" توكيد للأربعة قبله فهو بمعنى جميعا وقوله: "الذي يظن بك الظن" تفسير للألمعي باللازم؛ لأن الألمعي معناه: الذكي المتوقد فطنة ومن لوازمه أنه إذا ظن بك ظنا كان موافقا للواقع كأنه رأى وسمع فالوصف إذًا مبين للموصوف يلازمه، ثم إنه يحتمل أن مفعولي "يظن" محذوفان أي: الذي يظنك متصفا بصفة ويحتمل أنه نزل منزلة اللازم "وكأن" مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن والجملة حال من فاعل يظن أي: حال كونه مشابها للرائي والسامع، ويصح أن تكون حالا من الظن أي: حال كونه مشابها لرؤية راء وسماع سامع، أو صفة له أي: ظنا مماثلا للرؤية والسمع، وإنما صح أن تكون صفة بعد المعرفة؛ لأن أل في الظن للعهد الذهني والمعرف بها كالمعرف بلام الجنس في جواز الحالية والوصفية.

ص: 136

يقول: إن الذي جمع هذه الصفات الفاضلة هو المتوقد الذهن الذي لا تكذب فراسته، ولا يخطئ ظنه، فإذا ظن بك أمرا أصاب كبد الحقيقة، وكأنه رأى بعينه، وسمع بأذنه، والشاهد قوله في البيت الثاني:"الذي يظن بك الظن إلخ" فهو وصف كاشف عن حقيقة الألمعي، وموضح لمعناه أيما وضوح، غير أن الموصوف هنا ليس مسندا إليه إذ هو خبر "إن" في البيت قبله، أو منصوب صفة لاسم "إن"، أو بتقدير أعني، والخبر حينئذ هو قوله بعد:

أودى فلا تنفع الإشاحة من

أمر لمرء يحاول البدعا

وأول هذه المرثية ذلك البيت المشهور وهو قوله:

أيتها النفس أجملي جزعا

إن الذي تحذرين قد وقعا

2-

تخصيصه1 أي: تقليل الاشتراك الواقع فيه إذا كان نكرة، أو رفع الاحتمال الواقع فيه إن كان معرفة، مثال الأول قولك:"رجل منجم في منزلنا" فقد وصف المسند إليه بالتنجيم لقصد تخصيصه أي: تقليل الاشتراك فيه.

بيان ذلك: أن "رجل" في المثال المذكور موضوع للذكر البالغ العاقل من بني آدم، وقد اشترك في هذا المعنى الشاعر والمنجم والكاتب وغيرهما من سائر الناس، فإذا قيل:"رجل في منزلنا" لم يعلم من أي فئة هو؟ أمن فئة الشعراء، أم الكتاب، أم المنجمين؟ فإذا قيل:"رجل منجم" علم أنه من طائفة المنجمين، فقد قلل هذا الوصف الاشتراك، وجعل المشتركين معه في معناه الوضعي محصورين في دائرة التنجيم خاصة، ومثال الثاني قولك:"محمد الكاتب سيزورنا اليوم"، فقد وصف المسند إليه بالكتابة لقصد تخصيصه أي: رفع الاحتمال فيه.

1 الفرق بين الوصف المخصص والوصف الكاشف السابق أن الغرض من المخصص تخصيص اللفظ بالمراد وأن الغرض من المبين كشف المعنى.

ص: 137

بيان ذلك: أن "محمد" في المثال المذكور موضوع لعدة أشخاص يختلفون في صناعاتهم، فمنهم التاجر، والكاتب، والشاعر، والخطيب، فإذا قيل:"محمد سيزورنا" احتمل أن يكون الزائر محمدا التاجر، وأن يكون محمدا الخطيب أو الكاتب، فإذا قيل:"محمد الكاتب" ارتفع هذا الاحتمال، وصار الكلام نصا في واحد بعينه لا يحتمل غيره1.

هذا وإذا كان التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك، أو رفع الاحتمال كما بين فهو إذًا يدخل النكرات والمعارف، وهذا هو اصطلاح البيانيين، فكلا الأمرين عندهم تخصيص، بخلاف النحاة فإن التخصيص في عرفهم خاص بالنكرات؛ لأنه تقليل للاشتراك فيها، ولا يدخل المعارف عندهم، وأما رفع الاحتمال في المعارف فيسمى عندهم توضيحا لا تخصيصا.

3-

المدح أو الذم كما تقول: "وفد علينا محمد العالم"، "وذهب عنا خالد الجاهل" فقد وصف المسند إليه في الأول "بالعلم"، وفي الثاني "بالجهل"، لقصد مدح الأول، وذم الثاني، وإنما يكون الوصف للمدح أو الذم إذا كان الموصوف متعينا قبل ذكر الوصف كأن لا يشاركه في اسمه غيره، أو كان المخاطب يعرفه من قبل، فإن كان لا يتعين إلا به فالظاهر حينئذ أن يكون الغرض منه التخصيص أي: رفع الاحتمال2.

4-

التوكيد وليس المراد التأكيد الاصطلاحي بنوعيه، بل المراد التقرير، وذلك فيما إذا كان المسند إليه متضمنا لمعنى ذلك الوصف، فيكون الوصف حينئذ مؤكدا ومقررا للمسند إليه كما في قولك:"أمس الدابر كان يوما عظيما" فقد وصف المسند إليه بالدبور لقصد تأكيده

1 اعلم أن اللفظ المشترك نوعان: معنوي ولفظي، فالمشترك المعنوي ما وضع لمعنى واحد مشترك بين أفراد "كرجل" وهذا هو المراد في تقليل الاشتراك أي: تقليل مقتضاه وهو الاحتمال، وإلا فإن اشتراك اللفظ بين أفراد مفهومه لا يندفع بشيء، والمشترك اللفظي ما وضع لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة "كمحمد" فإنه وضع للتاجر بوضع. وللكاتب بوضع وللخطيب بوضع وهكذا، وهذا هو المراد به في رفع الاحتمال أي: الاحتمال الذي اقتضاه الاشتراك اللفظي.

2 أي: وإن صح أن يراد منه المدح أو الذم، والمدار في ذلك على قصد المتكلم.

ص: 138

وتقريره لتضمن "أمس" معنى الدبور، وينبغي أن يكون هنالك غرض يتعلق بهذا التأكيد كالتأسف عن دبوره لما كان فيه من دواعي السرور، أو الشماتة بدبوره لما كان فيه من بواعث الحزن والألم وإلا لم يكن ذكر الوصف من البلاغة في شيء، ومنه في وصف غير المسند إليه قوله تعالى:{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فالوصف هنا لقصد التأكيد.

5-

بيان المقصود من المسند إليه أي: إفرازه وتمييزه عن غيره، بأن يكون محتملا لمعنيين فيؤتى بالوصف لبيان المراد1 منهما. كما في قوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} وصف المسند إليه الأول وهو "دابة" بما يخص الجنس، وهو {فِي الْأَرْضِ} ووصف المسند إليه الثاني، وهو "طائر" بما يخص الجنس أيضا وهو "يطير بجناحيه" لبيان المقصود منهما، وهو أن المراد -كما قال صاحب الكشاف- زيادة2 التعميم والإحاطة، وكأنه قيل: وما من دابة قط في جميع الأرضين، وما من طائر في جو السماء من كل ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، تراعى شئونها، ولا يهمل أمرها.

بيان ذلك، كما في الكشاف: أن كلا من "دابة وطائر" نكرة وقعت في سياق النفي، والنكرة الواقعة في سياقه تفيد الاستغراق، غير أن

1 إلى هنا تبين أن الوصف يتنوع إلى وصف كاشف، ومخصص، ومؤكد، ومبين للمقصود، ولم يبق إلا أن نفرق بين هذه الأنواع، أما بين الوصف المبين للمقصود والمؤكد فهو أن المؤكد لا يلاحظ فيه بيان المقصود الأصلي بل الملاحظ فيه مجرد التأكيد والتقوية وبيان المقصود به حاصل غير مراد، والفرق بين الوصف المبين للمقصود والوصف الكاشف هو أن الكاشف يقصد به مجرد إيضاح معنى اللفظ، أما المبين للمقصود فإن الغرض منه بيان أحد المحتملين أو المحتملات للفظ بأن يحتمل اللفظ معنيين فأكثر، فيؤتى بالوصف لبيان المراد كما في "دابة وطائر" في الآية المذكورة، والفرق بين المبين للمقصود والمخصص أن الغرض من المبين للمقصود بيان أحد محتملات اللفظ ورفع غيره من محتملاته، وأن الغرض من المخصص بيان أحد أفراد المعنى الكلي ورفع غيره من الأفراد كما في "رجل تاجر عندنا" فقد ارتفع بالوصف الفقيه مثلا وهو أحد أفراد معنى الرجل الموضوع لمعنى كلي تحته أفراد أحدها الفقيه.

2 وأما أصل التعميم فمستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي المقرون بمن الاستغراقية.

ص: 139